صفحة 1
توطئة
لا مراء في أنه من رحم الحضارة العربية الإسلامية تشكلت أصول ومكونات الحضارة الإنسانية الشرقية منها والغربية، وأن أثر حضارتنا العالمية باقٍ متجدد في تاريخها، لا يمكن محوه سواءً في ماضيها، أو في حاضرها، أو حتى في مستقبلها، وآية ذلك أنها في لُحمتها وسُداها، في أُسسها ومنهجها وأهدافها حضارة ربانية، لا تعرف الجمود أو التوقف في زمان أو مكان عن الحراك الحضاري الشمولي، ولا تعرف سقفاً، وهي بالتالي بحر بلا ساحل، جاءت على غير مثال سابق أو لاحق، أرادها الله سراج هدىً، وقمراً منيراً، وشجرة طيبة فروعها، ثمارها حكمة، ومكارم أخلاق، ومنبع فضائل مستديم، لا يجف ماؤه، ولا يسبر غوره، يتدفق عدالة وتسامحاً وخيراً ونفعاً لكل الناس دون تمييز.
وهي على هذا النحو حضارة إنسانية عالمية متجددة، تنشد الحكمة من أي وعاءٍ خرجت، آخذة من هذا المبدأ السامي كل مفيد من نتاج الحضارات السابقة واللاحقة، في جميع حقول الفن والمعرفة، لكنها في الوقت نفسه، وانطلاقاً من هذه الرؤيا، صححت، وعدّلت، وشذّبت، وأضافت على ما أخذته في أضخم عملية تعريب وأسلمة للمعارف الإنسانية، لم يشهد لها التاريخ مثيلاً من قبل، أو من بعد.
لا غرو في أن أمتنا كانت، وما زالت، وستبقى السادن الأمين الوارث لنتاج الفكر الإنساني الأصيل، ويكفي تطويقاً لعنق أوروبا (الغرب) بأفضال أُمتنا، أن آمالها في النهضة كانت معقودة على الأخذ من نبع الحضارة العربية الإسلامية، المتدفق بالعلوم والآداب وكل صنوف المعارف المتعطشة إليها، التي تعد من أهم العوامل والأسباب التي أخرجت أوربا بخاصة في العصور الوسطى ومستهل الحديثة، من الظلمات إلى النور.
ذلك بما لعبته من دور خلاق في تحرير عقلها من أغلال الجمود والتخلف، من ثم لتوقد مشاعل نهضة شمولية، أضاءت سماء وأرض القارة الأوربية بأكملها، لتخلصها من براثن الجهل والفقر والمرض والفوضى، ومن قيود وأغلال الخرافات والأساطير، الذي ترتب عليه جمود فكري قاسٍ، أنشب مخالبه في جسد القارة الأوربية برمتها، مما شل كل حراك حضاري في مختلف جوانب الحياة فيها، وعلى الصعد كافة.
صفحة 2
تقول زيغريد هونكه Sigrid Honke في هذا السياق: "لو أردنا دليلاً على مدى الهوة العميقة التي تفصل الشرق عن الغرب، لكفانا أن نعرف أن نسبة 95 في المائة على الأقل من سكان الغرب في القرون الـ (الرابع - السابع هجري = التاسع – الثاني عشر ميلادي) كانوا لا يستطيعون القراءة والكتابة".(1)
من المؤسف والمضحك المبكي في آن، أن بعض ضعاف النفوس من أبناء جلدتنا ! يتخذون من واقعنا المعاصر- الذي يشهد تراجعاً خطيراً في أدائنا الحضاري على مختلف الصعد- مشجباً يعلقون عليه كل ما يمكن أن ينال من شخصيتنا الفكرية وحضارتنا وتراثنا المجيد، دون أي فهم للأسباب الكامنة وراء هذا التراجع والوهن العام، الذي أصاب جسد الأمة وعقلها، هذه الأسباب المتمثلة فينا وحدنا قبل أن نتهم غيرنا.
وحسبنا دليلاً على ذلك، أن جعلنا وراء ظهورنا أهم أسباب بقاء الحياة لروح شخصيتنا العربية الإسلامية، التي تجسدهما العروبة الصريحة والإسلام الحقيقي، اللذين لو طبقناهما فعلاً وقولاً لفزنا على الدوام بقصب السبق على مختلف الأصعدة، التي تجسد جوانب الحياة المادية والمعنوية كافة التي تنشدها البشرية. بالجملة، لا العروبة، ولا الإسلام مسئولان عن تخلف أمتنا في أي عصر من عصور الانحطاط بعامة، وفي تاريخنا المعاصر بخاصة.
وكيف يكونان مسئولين، وهما على امتداد ما يقرب من عشرة قرون، من حكمهما المنصف العادل، جعلا من الأمصار الإسلامية مركز العالم وقبلته العلمية، ويكفيهم فخراً أن اللغة العربية في زمنهم، كانت لغة العلم العالمية ولسانه، ولا أدل على ذلك، من ملايين المخطوطات والمصنفات غير المسبوقة، في كل علم وفكر وفن، التي ابتدعتها العبقرية العربية الإسلامية، كتبت بأقلام الآلاف من سلفنا الصالح خالدي الذكر رجالاً ونساءً، وهي كنوز من الدرِّ المنثور والعبق المنشور، منها من رأى النور، ومنها مازال مخبوءاً في كبريات المكتبات والمتاحف ودور العلم المعروفة، في الغرب بخاصة.
من وحي ما تقدم، فقد أصبح من المسلّمات القول، بأن العرب المسلمين كانوا الأوائل في ابتداع ووضع أُسس العلوم والمعارف الإنسانية، حسبهم صدقية في هذا القول الثابت، أنهم أول من اخترع الأبجدية (الكلمة) من البشر على وجه الأرض، ليأتي من رحمها كل أبجديات لغات العالم، من ثم لتكون لغتنا العربية الأجمل، هي أُم اللغات ولسانها جميعاً.
صفحة 3
لا غرو إذاً والحالة هذه، أن نكون الأوائل في علم الجغرافيا، بعد أن سجل أجدادنا اسمهم في أنصع صفحات التاريخ، كأول من رسم من البشر خريطة للأرض، ليولد منذ تلك اللحظة، فن أصول علم الخرائط الذي يعد الأساس لعلم الجغرافية وتطوره، على مختلف مسمياته ومجالاته وتطبيقاته، وكانت إضافات الجغرافيين العرب المسلمين وإسهاماتهم الجديدة ثورة على السائد في هذا المضمار، كما تعد في الوقت نفسه، نواة علم الجغرافية اليوم. ولا أدل على ذلك، أنهم أول من تحدثوا عن كروية الأرض، وخطوط الطول والعرض، وهم أول من رسموا صورة حديثة للأرض في العصور الوسطى، يظهر فيها العالم القديم بقاراته الثلاث، بره وبحاره وأجوائه.
كما كانوا أوائل من اكتشف قوانين الجاذبية الأرضية، وأوائل من تحدث عن الجغرافية الجيولوجية، والجغرافية الجوية، وعن القشرة الأرضية، وعن نظريات المد والجزر في العلوم على أساس علمي تجريبي، وكانوا الأسبق في اختراع الأجهزة المساحية والملاحية، مثل الإسطرلاب(2) والبوصلة،(3) بعد أن أصبحوا أساتذة العالم في علم الفلك وعلـوم البحـار، كمـا يرجـع الفضـل لهـم بتأسيس علـم المحيطات Oceanography فلا عجب والحال هذه أن يقوموا برحلات علمية وكشوف جغرافية، مكنتهم من وضع أول أطالس، ومعاجم، وموسوعات جغرافية علمية عالمية عربية إسلامية صحيحة، من ثم لتضع هذه الإنجازات التاريخية من جغرافية وملاحية وفلكية، بحارتنا في قائمة الرواد الأوائل في مختلف ميادين العلوم عامة وعلم الجغرافية خاصة، وحسبهم ريادة في هذا المضمار، أن أوربا لم تعرف أفريقيا إلا عن طريقهم هذا فضلاً عن أنهم هم الذين كشفوا ورسموا الطريق إلى العالم الجديد (أمريكا).
هذا فضلاً عن تفوق وتألق نجم العرب المسلمين في ميادين العلوم والآداب كافة، ويكفيهم ريادة وعلو كعب في هذا المقام، أنهم أول من أنشأ الجامعات، لتلحق أوروبا بركبهم الحضاري هذا بعد قرون عدة، من ثم لتؤسس جامعاتها على غرار جامعاتنا العربية الإسلامية، ولتحاكيها نظماً علمية وأكاديمية وإدارية.. على مختلف الصعد كافة.
هذا فضلاً عن نبوغ الآباء والأجداد في علم الرياضيات واختراعهم الأرقام العربية، والمستخدمة اليوم في أرجاء المعمورة، مع ابتكارهم للصفر، هذا الابتكار الإضافة الذي لا إضافة بعده، ولا ابتكار، قد غير نمط الحياة على كوكبنا (الأرض) في مختلف الجوانب المادية والمعنوية، ويكفي القول إن فضل علماء أمتنا على الإنسانية في هذا الحقل العلمي الحيوي، هو فضل وإنجاز تاريخي باقٍ أبداً في وجدان الحضارة الإنسانية، ما بقيت هذه الإنسانية، وهذه الحضارة.
صفحة 4
ذلك أن اختراع الصفر والأرقام وحدهما، نقلا البشرية نقلة نوعية، لم تعرفها من قبل، حيث لولا الصفر لكان من المتعذر على العلم الحديث أن يتوصل إلى ما ينعم به العالم اليوم من تطور وتقدم مسارع يسابق الزمن، تشي به - ما نراه اليوم وعلى مدار الساعة - اختراعات وصناعات وتقنيات معقدة باهرة، ولولا الصفر كذلك لكان من المستحيل إيجاد الكمية الموجبة والكمية السالبة في علم الكهرباء، والموجب والسالب في علم الجبر، فضلاً عن اكتشاف الكسر العشري، الذي كان مع الصفر السبب الرئيس في اختراع الحاسوب،(4) الذي لا يحتاج في هذا المقام دليلاً على أهميته وأثره في حاضر ومستقبل البشرية، وحسبنا أنه واحد من أهم الاختراعات التي عرفها كوكب الأرض، ومهد الطريق للإنسان إلى غزو الفضاء، والهبوط على القمر.
ما تقدم ذكره عن فضل أمتنا على الإنسانية، ما هو إلا غيض من فيض، وقليل من كثير، فإسهامات علماء أمتنا في حقول العلوم الأخرى كالطب، والصيدلة، والكيمياء، والفيزياء (اختراع الكاميرا) والهندسة والأحياء، وعلم الحيوان (علم الطب البيطري)... الخ. كالنهار لا يحتاج إلى دليل، هذا فضلاً عن تطويرهم وابتكارهم لصناعات مختلفة عديدة مدنية وعسكرية، لعل من أهمها تطوير صناعة الورق وتوفيره بأثمان رخيصة، ليمهد هذا كله تدريجياً، إلى إحداث ثورة تقنية عالية في فن الطباعة وعلومها، ربما وصلت الذروة في الإتقان في حياتنا المعاصرة.
قد يرى البعض أن هذه الصورة الوردية الجميلة، ما هي إلا اجترار لماضٍ جميل، من الصعوبة بمكان تمثلها في واقعنا الراهن، لكن في الحقيقة بأنه على الرغم من الحالة السياسية الرديئة التي تسود عالمنا العربي الإسلامي، بالإضافة إلى الآثار التي ترتبت على نوازل وكوارث وشرور مستطيرة من ورائها قوى غاشمة، همها الأساس نهب خيرات بلادنا، وإضعاف الرغبة لدى أجيالنا في الانتماء لأمتهم وأوطانهم، ورموزهم الفكرية الفذة، وأبطالهم صانعي تاريخنا المجيد سيفاً وقلماً، من ثم وأد وتشويه دور أمتنا الحضاري الريادي، ورسالتها السماوية العالمية الحقة، لمنعها من النهوض، واسترداد زمام المبادرة، وعدم التمكين لها يداً عُليا في الأرض.
بيد أن كل هذه المؤامرات التي حيكت وتحاك سراً وعلانية، من قبل هذا العدو الغشوم، سواءً من داخل حصوننا أم من خارجها، قد فشلت في تحقيق خططه وأهدافه، الرامية إلى تهميش دور أمتنا التاريخي الحضاري، والتقليل من دورها في رفد الحضارة الإنسانية نفسها بكل أسباب ما حققته من إنجازات هائلة مبهرة في مختلف حقول العلم والمعرفة.
مهما يكن من أمر، فإن هذا العدو اللدود، لن ينال لا في الحاضر ولا في المستقبل من شموخ وكرامة هذه الأمة العملاقة التي يأتي من رحمها على الدوام، علماء أفذاذ، وأبطال عظماء، وقادة شرفاء، ومفكرون مصلحون، ومخترعون مبدعون، يعملون لخير البشرية جمعاء.
صفحة 5
لا ريب في أن هؤلاء العلماء الكبار، من آبائنا وأجدادنا في العصور التاريخية المختلفة، أو من علماء أمتنا في العصر الحديث، الذين أينما حلوا أو ارتحلوا، سواءً كانوا عقولاً (أدمغة) نادرة مهاجرة في أرجاء المعمورة، أم مقيمة في أوطانها، فهم رصيد أمتنا الأغلى، وسيظلون بقاماتهم العالية مصابيح مضيئة تنير كوكبنا بعامة، وعالمنا العربي والإسلامي منه بخاصة، هذا العالم الذي هو كأبنائه، من العلماء الرواد العاملين، يمثل بدوره أهم موقع استراتيجي حيوي متميز من كُرتنا الأرضية، حيث يشغل مساحات شاسعة هائلة من الأرض وشرايينها من مواصلات برية وبحرية وجوية.
من وحي هذا، لا عجب أن يكون الابن سرَّ أبيه، فالأبناء من الأجيال الصاعدة، يمثلون صفوة علماء اليوم، ويشار لهم بالبنان، ويعدون بمئات الألوف، أو قل نجوماً لا عدَّ لها، من رموز علمية فكرية عملاقة خلاقة، من رجال ونساء، من أكابر علماء الأرض، يعطون بلا منَّة من إبداعاتهم الفكرية العلمية والعملية عطاء غير محدود، في مختلف الميادين الحيوية، في الجامعات، والمراكز الطبية، والمؤسسات البحثية والعلمية، والإعلامية، والفنية، والشركات الإلكترونية والصناعية المتقدمة الكبرى، ووكالات الفضاء العالمية، المنتشرة في مشارق الأرض ومغاربها، إننا حقاً لا نحتاج إلى دليل على فضل أمتنا الدائم المتجـدد على الحضارات الإنسانية قديمها وحديثها.(5)
يقول جورج سارتون G. Sarton أحـد أبرز علماء التاريخ في الولايات المتحدة: "لقد سبق للعرب أن قادوا العالم في مرحلتين طويلتين من مراحل التقدم الإنساني طوال ألفي سنة على الأقل قبل اليونان، ثم في العصور الوسطى لقرون عدة، وليس ثمة ما يمنع هذه الشعوب أن تقود العالم ثانية في المستقبل القريب أو البعيد.(6)
وبعد فإننا عرضنا في هذه المقدمة صورة ضافية عامة لمآثر الحضارة العربية الإسلامية على الحضارة الإنسانية بعامة، وعلى الحضارة الأوربية بخاصة، راجياً أن تجد ناشئتنا في عبق تراثها الأصيل، ورموز حضارتها العربية الإسلامية العظماء الخالدين، الذين أسسوا أعظم حضارة عرفها العالم وانتفعت بها البشرية على مر العصور. نبراس هداية يستضاء به للسير على نهج وخطى آبائهم وأجدادهم، وصولاً إلى فهم ماضي أمتهم العريق واتخاذه قوة دافعة لتشيد عليه أسباب رقيها في الحاضر من ثم لتصنع من هذا الحاضر التليد مستقبلها الواعد المشرق.
والله أسأل لأمتنا اليوم ولأجيالها الصاعدة الخلاقة أن تعود كما كانت يداً عليا في الخافقين، من ثم التربع على عرش الحضارة العالمية، لا يسبقهم أحد تفوقاً في علم أو أدب أو خُلق أو عدالة أو حرية، عاملين مجدداً وبشفافية بمبدأ العلم للجميع والخير للجميع، هذه قيم وفضائل أمتنا ثوابت في ماضيها وفي حاضرها وفي مستقبلها، وهي الفضائل نفسها التي تنشدها الإنسانية من عرب ومن عجم. وحسب أُمتنا مثلاً أسمى في كل هذا، أنها خير أُمة أُخرجت للناس، وقد آتاها الله الحكمة.. ... وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ... (البقرة:269).