eKtab
EN ع
مأزق الديانات وأزمة العلمانية - حوارات في الدين والدنيا
اقرأ عينة مجانية

مأزق الديانات وأزمة العلمانية - حوارات في الدين والدنيا

بقلم حسين نصرالله

صفحة 1
مقدمة

تحاول الديمقراطية اليوم رسم أسطورتها الجديدة والذين تلوثوا بالأمس بخطيئة السلطة وأقفلوا الأبواب أمام العقول الجديدة التي حاولت تقديم مقاربة متقدمة في القانون والسياسة والإدارة..الخ، تحولوا الآن إلى تقاة خلعوا ثوب الديكتاتورية البالي واكتسوا كساء الحرية وزيّها ليدخلوا عصراً جديداً من عصور الرق والعبودية اصطلح على تسميته "النظام العالمي الجديد". لكن لماذا يبدو العرب وكأنهم انتقلوا من عصر توازن الخوف بين الشرق والغرب، إلى عصر الخوف من أنفسهم، ولماذا يشير عصر السلام مع الخارج إلى بداية حروب داخلية بين المجتمعات العربية نفسها؟ وإذا كان الغرب يشحننا بقيم العولمة ويعدنا بجعل العالم قرية كونية، فمن هو الذي يشحن الأمة بكل هذا الضجيج الطائفي...وكيف حدث أن كتل الشعارات المذهبية والقبلية والعشائرية عادت لتتدحرج فوق روؤسنا محطمة كل من يقف في طريقها؟ كأن العقل العربي وضع تحت تصرف حفاري القبور.. وفي الظل بدأت طبقة دموية جديدة تنمو لتضع حداً للآخر.. أي آخر!

سياسيون وحزبيون.. علمانيون ودينيون.. ليبراليون وقوميون يتحركون في الظلام كي يضعوا حداً لهذا السلام المجتمعي العربي"الطارئ".. ويتصرفوا كأن حياة الناس وأمنهم واطمئنانهم من الزوائد التي ينبغي استئصالها. فجأة لم يعد بإمكان الناس في هذه البلاد التي يعيش أهلها غيبوبة اجتماعية منذ سنين أن يتجولوا داخل نفوسهم.. ومن كان بالأمس يصرخ كي يبقى على قيد الحياة، تراجع إلى الصمت وتلحف بالنسيان. بالأمس كان العربي يعمل من أجل تحصين سلامه المعيشي.. الآن يحلم فقط بوقف تلك القبضات التي تضرب على زجاج الأمة، الكل خائف من الاهتراء الذي يروي ببطء حكايته الآسنة.

الكل خائف من المستنقعات الإيديولوجية واللاهوتية التي تتجمع هنا وهناك كي تعيد الدورة القاتلة إلى مطحنة الحروب. الجميع يرتدون وجوههم الحديدية، ويغرزون سكاكينهم الصدئة داخل القلب، من دون أن يتركوا للبسطاء والمهانين والمذلّين بقوة الفقر والقمع والاستلاب حرية اختيار شكل نهاياتهم. هذا هو الخلاص العربي الذي يأتي متأخراً. يحدث هذا بينما " المعارضات" العربية تلعب دور المتاريس الخلفية للسلطة، وفي اللحظات الحاسمة تعمل في كنفها وتحت وصايتها، لنكتشف أن الأوراق والألوان والإيديولوجيات والأديان يمكن أن تخلط في مرجل واحد، لدرجة لا يعود بإمكاننا التفريق بين العلماني والأصولي، بين اليميني واليساري، بين الطائفي والوطني. هناك دائماً مشاجب جاهزة تعلق عليها المواقف والشعارات، وفي حالتنا العربية هذه المشاجب أكثر من أن تحصى. لقد اعتبر الكاتب الألماني بريخت أن أخطاء النظام هي أخطاء مجردة دائماً، حيث لا يبدو أن ثمة من ارتكب أخطاء ملموسة، ويبدو أن هذه "الحكمة" تتبناها "قوى التغيير" حيث يخدم هذا التبني مصالحها. هكذا تعلمنا المعارضات العربية أن لا شيء أقوى وأجدى من الانتهازية التي تنتظر لحظتها المقبلة. الانتهازية التي تغسل يديها من الماضي وفجائعه ناسبة إياه إلى أعمال القدر. صحيح أن هناك أخطاء كبيرة وكثيرة ارتكبتها وترتكبها الأنظمة العربية، وفي طليعة هذه الأخطاء خوفها من الديمقراطية والتعددية.. لكن الصحيح أيضاً أن "المعارضات" تخشى الديمقراطية أكثر من السلطة نفسها.. لا تعود هذه الديمقراطية الحلم تعنيها في شيء، خصوصاً حين تجد هذه "المعارضات" أنها مدرجة على قائمة السلطة للفوز بحصة..

الآن بالإمكان القول إن المعارضات والسلطة في سلة واحدة.. فهؤلاء الذين يصنعون تاريخنا الجديد هم في الحقيقة يعملون على دفعنا باتجاه موتنا القديم ويثأرون أحياناً من أفكارهم نفسها. دائماً تتحول شعارات الحرية والعدالة ومحاربة التخلف والتبعية إلى أحلام عضلية وإلى أفعال هجوم ضد أنفسنا. والسؤال كيف يواجه العقل العربي هذه الحقائق القاتلة.. وكيف نفسر أنه في دوامة هذه الانقلابات الخطرة التي تهدد وجودنا، بدأت طلائع الاستبداد والدعوة إلى الجمود والتحجر والتعصب الأكثر انغلاقاً وهياجاً وبدأت الصورة في بعض البلدان العربية تكشف عن حروب بين مستبدين قدامى ومستبَدين جدداً. كأن هذه الانقلابات تشبه الكوارث الطبيعية التي تكدس أنقاضاً فوق أنقاض. وإلّا كيف نفهم هذا الترويض للعقل، وهذا الاغتيال للعربي الضد. ألّا تقدم هذه العينات الطازجة من وجبات القمع والمصادرة والقتل صورة حية عن المستقبل الذي نصنعه؟ الخطر الذي يجابه المجتمع العربي، لا يرد إلى مصادر خارجية فحسب، إنه ينبع من داخلنا أيضاً. لقد أخفقت العلمانية في الوطن العربي على صعيدي الفكرة والتطبيق، وفي ظل هذا الاخفاق نشهد عودة محمومة إلى التراث والدين، وصعوداً كاسحاً للحركات الإسلامية... هذا الانسداد في نظامنا السياسي هو الذي يؤدي إلى نشوء هذه العصبوية المغلقة. دعونا نضع الأصبع على الجرح: لماذا أخفقت السياسات جميعها: اشتراكية الدولة، رأسمالية الدولة، القطاع العام، القطاع الخاص، الفكرة القومية، الفكرة العلمانية، ولماذا لم تستطع جميعها تلبية حاجات المجتمع المدني.

يطمح هذا الكتاب من خلال محاورة " الأخوة الأعداء" إلى تهيئة الأرض للقاء القوى الدينية والعلمانية بهدف وضع حد للقطيعة والغربة بين الأطراف التي تنادي بالتغيير. ذلك لأن استخدام العنف لا ينتج غير العنف، والاقصاء لا ينتج غير الاقصاء. فالتفاهم بين جميع القوى السياسية والروحية والاجتماعية على قواعد ومعايير واضحة هو التعويض المبدئي من انعدام الحريات الذي نعيشه منذ عقود. وأفضل وسيلة كي تميز القوى نفسها، هي الحوار، كي ينمو لديها وعي مشترك بماهية الرهانات الوطنية والقومية العليا، التي وحدها تعطي الشرعية والصدقية للأطراف كلها. لنحاول مرة الابتعاد عن منطق الاتهام والتآمر والتخوين والمناورة، فالخط الديمقراطي وحده بإمكانه إزاحة طبقات الغموض عن واقعنا.. خصوصاً أن الروحانيين يعترفون بوجود مأزق، والعلمانيين يعترفون بوجود أزمة.. وهذا الاعتراف هو الذي حرضنا على محاولة إيجاد صلة وصل بين الثوابت والمتغيرات. لقد حاولنا من خلال الحوارات التي يضمها كتاب "مأزق الديانات وأزمة العلمانية" أن نضيء على الخلافات والصراعات والتناقضات الدهرية بين المتدينين والعلمانيين، ولذلك حاورنا أبرز ممثلي الأديان أمثال: رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، العلامة السيد محمد حسين فضل الله، العلامة السيد محمد حسن الأمين، المطران جورج خضر، المطران سليم بسترس.. إلخ
صفحة 2
كذلك حاورنا أبرز المثقفين والعلمانيين في الشرق العربي ومغربه. أمثال د. طيب تيزتني، د.صادق جلال العظم، د. نصر حامد أبو زيد، المفكر منح الصلح، د. برهان غليون، د. حسن حنفي، د. عبد الوهاب الميسيري.. إلخ. لقد ضمَّ الكتاب أكثر من 40 حواراً بعيداً عن استراتيجية الفراغ وايديولوجيا الاستبداد. وحاولنا من خلال هذه الحوارات الإضاءة على الانقسامات مبحرين بين مختلف الرؤى للعثور على منطلقات للمقارنة بين مواقف التيارات والقوى والحركات العلمانية والأصولية العربية. هذه المقارنة، هي توسيع للأفق واختبار للاختلافات التي تشكل غنى الإنسانية، منطلقين من يقيننا أن الدين ذو مغزى أساسي في المجتمعات كلها وفي كل العصور، وبشكل خاص في عصرنا.. لأننا لا نعتقد أن الأديان قد تصبح شكلاً ثقافياً متجاوزاً، بل نعتقد إن الدين هو بعد أساسي للإنسان، وأن الحداثة لن تفوز مع الخمود الديني. لقد بدا لنا لوهلة أن العلم والإيديولوجيات قد حلت محل الدين. وعلى الرغم من ذلك لم يختف الشعور الديني: لقد تغير.. لكن العلم لم يجب عن الأسئلة الكبيرة المهمة. وبرهنت الإيديولوجيات إنها محدودة. لفترة اختفى الدين التقليدي.. لكنه عاود الظهور بأثواب أكثر تقليدية وحاول بعض المتدينين لعب دور الوسيط بين الفرد والله، واغتالوا بذلك فسحة الصفاء التي يتمتع بها المؤمن في أثناء توجهه للخالق وكثر حراس الشفاه، مثلما كثرت الممنوعات والمحظورات، لنرى أن الكوابح الاجتماعية قد أعدمت فرصاً كثيرة كان بإمكانها أن توفر للإنسان العربي حيزاً مقبولاً من الطمأنينة الفردية والاجتماعية.. فتحولت بلدان العرب إلى نواد للممنوعات، لنرى أن المتشددين في هذا الطرف الديني أو ذلك الطرف العلماني قد أطبقوا بأصابعهم الغليظة على صدر المجتمع لتبدأ لعبة التصفيات بين التيارات والمذاهب والعقائد ولندخل مجتمعين هذه المرة في مدار الفراغ. هل يتحمل الدين مسؤولية الجرائم والمجازر التي تلف العالم؟ وهل يشكل الدين قوة بديلة عن التيارات والإيديولوجيات العلمانية؟ ما هو الموقف العلماني من الدين وهل تحول إلى أصولية جديدة..؟

أسئلة كثيرة تطاول واقع العرب في الصميم هي محور هذه المحاورات التي تغني بالدرجة نفسها الإنسان العربي والإنسان الأوروبي. ففي أوروبا غالباً ما يلام المثقفون ذوو الثقافة الإسلامية لأنهم لم يقاوموا بما فيه الكفاية التظاهرات العنيفة التي لا تطاق للإسلامية المناضلة والمتعصبة، والحقيقة أن المثقفين العلمانيين ليسوا لا مبالين إزاء ما يحدث ولا متواطئين، عبر صمتهم المفترض، عن تراجيديا تدور أحداثها على مرأى منهم في الجزائر وأفغانستان والسودان ومصر.. إلخ. وهؤلاء قد يصبحون أحد أهداف القتلة المتعصبين لإيديولوجيا توتاليتارية تستند إلى الإسلام. لقد اتخذت أزمة المثقفين العرب أبعاداً خطرة لأنها مرتبطة بالوضع السياسي لبلادهم. البعض منهم دفع حياته ثمناً لالتزامه بقيم مثل الديمقراطية وحرية الرأي والمعتقد. وآخرون عرفوا السجن والمنفى، وعلى الرغم من الأزمة وغياب الحرية في بعض الدول، يتابع المثقفون العرب عملهم، ينشرون ويسعون إلى الحوار. وهذا الكتاب الحواري«مأزق الديانات وأزمنة العلمانية» هو ثمرة المتابعة والسعي إلى رسم صورة واضحة عن العنف الذي يحرك داخلنا. فالكتاب يدين المتدينين والعلمانيين على حد سواء ويكشف عن أصولية مزدوجة تحرك كلا الطرفين. وفي حين تبرئ هذه الحوارات الاسلام والمسيحية كثقافة ودين من أي شبهة بربرية، لكنها تذهب إلى عمق الأمور، تذكرنا بالتاريخ وتستشهد بالنصوص، سواء كانت مقدسة أو صدرت عن مفكرين وفلاسفة كانوا ينتمون إلى دائرة الإسلام والمسيحية. إنها حوارات جدية، عميقة وموضوعية.. وتشكل مدخلاً للرد على العلاقات بين هذيانات الظلامية الدينية والاستبداد العلماني العربي. الحوارات تضيء على العلاقات بين الإسلام والتاريخ وتوضح لنا أن هذين الكيانين يرعيان علاقات واهية بما فيه الكفاية، كون التاريخ قد اعتبر مادة ثانوية بالنسبة إلى الفقه. لقد اعتبر المؤرخ في الإسلام بمثابة ضيف لامفر منه لكنه غير مرغوب فيه وربما مشكلات المخيلة العربية ناجمة عن ذلك، عن مبدأ الفرادة المرتبط بكل ما يمس الإسلام. هذا الأمر الذي شكل إحدى فقرات حواراتنا، يعطينا نظرة فقهية عن العالم والزمن، لأنه يجري الانطلاق من التقليد، ويعطي تفسيراً ميثولوجيا للواقع، عبر الاستناد إلى أقوال النبي محمد ومآثره، وعبر عدم المبالاة بأي اهتمام منهجي.. لأننا كنا باستمرار نجعل من كل مؤرخ فقيهاً، وهذا ما أفقد الأحداث التاريخية قيمتها وجعل التحليل النقدي صعباً إذا لم نقل مستحيلاً.لقد حاولنا تجاوز هذه الثغرة من خلال سؤالنا: إذا كان الإنسان قد خلق لهدف محدد، إذا لم يكن هناك من أمر غير متوقع، وإن كل شئ موجود في القرآن والحديث (أقوال النبي آنذاك يرد التاريخ إلى أمر ما متصور سلفاً). فإنه لا يمكننا الانضمام إلى عبارة المفكر الفرنسي «:التاريخ هو الطريق التي تقود إلى الحقيقة». إنه بالاحرى الطريق التي تعيدنا إلى الأصول، المقدس، إلى المتعذر تفسيره وإلى الصمت...

لقد تم التحقُق في العقود الأخيرة هذه، كم هم سكان الوطن العربي والإسلامي مرتبطون بالدين والبنى الحديثة للدولة عبر مطالبتهم بالديموقراطية واحترام التعددية وحقوق الإنسان. لكن العلماء (رجال الفقه ) قد أظهروا باستمرار معارضتهم هذه الرغبة في التطور ومعاصرة حداثة مستوعبة جداً. لم يقم الاسلاميون في السنين العشر الأخيرة هذه سوى في أدامة هذا الرفض لكل تطور. هذه المقاومة للتطور نجدها في الأديان كلها. لقد استخدم الإسلامَ أصوليون مختلفون لأن أنظمة معظم الدول المسلمة لا تستوعب هذه الحداثة التي تعني بالنسبة لها نهاية الاستبداد والخضوع لقوانين الديمقراطية. غالباً، أولئك الذين يريدون تغليب الدين على العلم، والعادة (العرف) على القانون والاعتراف بالفرد، لديهم مصالح سياسية (يرغبون) بالحفاظ عليها. ليس صدفة إذا كان إرهابيا الإسلاميين هما الغرب (رمز الحرية، الديمقراطية) والمرأة. إنهم ينسبون إلى النبي هذا الحديث: المصدر الوحيد للصراعات والفتنة الذي أتركه بعدي، للرجال، هن النساء". في الحقيقة، قلما يحس الأصوليون بالحاجة إلى تبرير أعمالهم بالنصوص.

نضيف إلى ذلك أيضاً أنها تعبير عن الجهل والكبت. غوته من قال " لا يوجد شيء مرعب أكثر من الجهل الفاعل " ونضيف: لا يوجد شيء أكثر رعباً من علمانية تشق طريقها لملاقاة العصر تحت راية الاستبداد.

حسين نصر الله
صفحة 3
سماحة الإمام محمد مهدي شمس الدين

حوار السيف لا نوافق عليه وفي حوار الحياةحققنا أعظم النجاحات

الذين يرغبون بالزواج المدني عليهمأن يجردوا أنفسهم من المسيحية والإسلام

في زمن التناقضات ما بين عصر الحداثة وشيوع الثقافة العلمية وبين التراجعات السياسية والاستلاب الاقتصادي ورفض الديمقراطية، دخل الوطن العربي مرحلة جديدة من التجاذب والصراع بين قوى تقول إن المشكلة هي نمو التيارات الأصولية والسلفية التي تهدد الإنجازات التحديثية والعلمانية، ومن ورائها الدولة والنظام وفي هذا المعسكر تنضوي قوى اليسار والنخبة الاجتماعية والثقافية وبين قوى تنظر إلى المعركة على أنها معركة المقاومة الدينية والوطنية والأخلاقية ضد التيارات المرتدة والتي يجسدها ويشير إليها الأخذ بالفكرة العلمانية بوصفها مصدر النخبة السياسية وانحطاط الدولة وتدهور الأوضاع الاجتماعية. هذا الصراع مازال يتجذر يومياً من دون أن تبزغ في الآفاق أدنى إشارة للخروج منه، ويبدو أن الخاسر الوحيد في هذه المواجهة هو المجتمع العربي، فالخلافات تحسم بالحروب والدماء والحروب الأهلية وزيادة القهر، كأن المطلوب هو الإلغاء وليس التكامل. وهذا المنطق الإلغائي يقودنا إلى طريق مسدود ويضعنا مباشرة أمام حروب مفتوحة تدفع المجتمعات نحو التفكك والفوضى الشاملة، لنرى في المقابل أن هذه الأطراف المتنازعة التي ترفع شعارات التغيير السياسي والاجتماعي، سواء تلك التي تحاول احتكار استيعاب الثورة الصناعية وتحقيق الثورة التقنية والعلمية باسم الحداثة قد ساهما معاً في تفريغ الإنسان من أي قيمة وتحوَّلا إلى أداة لسحق المجتمع وتفكيكه وتدمير لحمته الداخلية. كأن التغيير يعني تبديل رجال برجال وليس إصلاح السياسات الفاسدة وعلاج الوباء الذي يفتك بالأمة. لا أحد من هؤلاء يلتفت إلى الواقع بقدر ما يجتهد لإضفاء شرعية على نهجه ونعت الآخر بالتعصب والعنف والظلامية، أو بالتبعية والإلحاد وتهديد الهوية. فالأول يقول بحتمياته والآخر يقول بثوابته ومنطلقاته. لكن أي واحد منهما لم ينجح بالانفتاح على الآخر، بل لاحظنا أننا إزاء جمود آخر يعمل وفق آلية ومنطق السلطان الأوحد ويساهم بهذا القدر أو ذاك في خلق نوع من الاستبدادية دينها وقانونها وشرعيتها الهيمنة والاقصاء. لا أحد يدرس الآخر من خلال تحليل برنامجه وأهدافه والقوى التي تقف وراءه والسياق الاجتماعي والسياسي الذي تعمل ضده، بل رأينا أن هذه الأطراف تتحرك وفق منهجية التدمير والإلغاء وإنكار شرعية المطالب المنادى بها من قبل هذا الأصولي أو ذاك العلماني. لقد تناست هذه الأطراف أن الاعتراف بهذه الحركة أو تلك لا يعني الإيمان بفكرها أو الانسجام معها، فالحركة الإسلامية لن يضيرها التشدد الأعمى ضدها وكذلك هو الحال بالنسبة للحركات العلمانية التي تستدر العطف من خلال ما تتعرض له من إقصاء وقهر من قبل الحركات الأصولية. إن هذا الإنكار المزدوج أعدم إعطاء أية فرصة للحوار وجعل من هذه الحركات مجرد أداة لتوظيف العنف وتمزيق النسيج الاجتماعي، لذلك لا يمكن الخروج من هذه الدوامة القاتلة إلا من خلال الحوار الديمقراطي بين القوى الاجتماعية والأهلية وليس بين السلطة القائمة والقوى التي تراهن على الواقع أو تدعي أنها تعمل لتغييره، وهذا يعني قبل أي شيء أن يستعيد المجتمع بكل قواه المبادرة التي انتزعت منه. إن هدف الحوار وقيمته هو في أن يعيد بناء الإجماع الوطني أو على الأقل أن يخلق الحد الأدنى من التفاهم الاجتماعي وإذا كان هذا الحوار لم ينجح حتى الآن فالسبب هو أن القوى الموجودة والمسيطرة أو التي تحاول السيطرة، تعمل لتحقيق مصالحها الخاصة أو تتحالف مع من يمكن أن يقاسمها هذه المصالح، حتى لو كان ذلك على حساب القاعدة العريضة(..) ثم ماذا عن الجزائر الدامية التي تترنح تحت ضربات المتطرفين، وتهتز وتتلاطم تحت ضربات الجيش. من يرفع الستار عن حقيقة ما يجري هنالك من تقاتل بين المسلمين أنفسهم.. الذين يعمِّمون الفاشية المطلقة وينتهكون الحرمات الإنسانية والوطنية " ببسالة" لم يشهدها تاريخنا الحديث. وكيف حدث أن سرقت من هذا البلد ذاكرته وأنكرت عليه هويته المتعددة. من يغذي وحش العنف هناك؟ وهل يقود هذا الدم النازف إلى رسم مجرى نهر الديمقراطية؟ وكيف بالإمكان إعادة الحياة إلى جزائر متصالحة مع نفسها وبناء سيرورة ديمقراطية حقيقية بعيداً عن لغة التخوين والتكفير، والوصول إلى مجتمع مدني حقيقي وإيجاد تعاون بين المنابر العامة الوطنية بحيث أن المواطنين من مختلف التيارات يشكلون رأياً عاماً حول القضايا عينها، ويستخدمون المقومات عينها على غرار ما يحصل في المجال العلمي، وكي يتكون مثل هذا الحيز للمناقشة، ينبغي أن يتم تجاوز حواجز التقاليد ونسيان الصراعات، خصوصاً أن التجارب التاريخية مبنية على خطوط انقطاع كبيرة: التعارض بين الأمبراطور والبابا.

الانقسام العلماني - الديني، كان عنصراً مهماً في انبعاث الحداثة على مرِّ العصور، ورأينا أن أوروبا قد نجحت في تجاوز هذه الانقسامات عبر مأسسة الصراعات، وفصل الكنيسة عن الدولة هو خير مثال على ذلك وكان عنصراً مؤسساً للتطور الدستوري الديمقراطي. وهذه التجربة في إدارة الصراعات علمتنا أن ننظر إلى العالم من وجهة نظر الآخر. فالذي نحتاج إليه في الجزائر، مثل ما نحتاج إليه في بقية الوطن العربي هو قاعدة اجتماعية في المجتمع المدني وحيِّز عام من أجل تأسيس ثقافة سياسية مشتركة.. من دون أن ننسى أن المقدس هو الذي افتتح مرحلة ما قبل التاريخ، وهذا ما يحاول " بعض العلمانيين" إنكاره أو إغفاله.. لذلك دعونا نبحر بين مختلف الرؤى عن العالم، والعثور على مناسبة للمقارنة المجددة في كل الأزمنة، التقاليد، الإلهي، الكون، الإنسان. هذه المقارنة هي توسيع للأفق واختبار للاختلافات التي تشكل غنى الانسانية. ودعونا نعترف بأن الدين ذو مغزى أساسي في المجتمعات كلها وفي كل العصور، وبشكل خاص في عصرنا.. ونحن لسنا ممن يعتقدون أن الأديان قد تصبح شكلاً ثقافياً متجاوزاً.. بل نعتقد أن الدين هو بعد أساسي للإنسان.. وإن الحداثة لن تفوز مع الخمود الديني. لقد بدا لنا لوهلة أن العالم والايديولوجيات قد حلت محل الدين. ورغم ذلك لم يختف الشعور الديني: لقد تغير.. لكن العلم لم يجب عن الأسئلة الكبيرة المهمة، وبرهنت الايديولوجيات أنها محدودة. لفترة اختفى الدين التقليدي.. لكنه عاود الظهور بأثواب أكثر تقليدية وحاول بعض المتدينين لعب دور الوسيط بين الفرد والله واغتالوا بذلك فسحة الصفاء التي يتمتع بها المؤمن في أثناء توجهه للخالق وكثر حراس الشفاه، مثلما كثرت الممنوعات والمحظورات..

لنرى أن الكوابح الاجتماعية قد أعدمت فرصاً كثيرة كان بإمكانها أن توفر للإنسان العربي حيزاً مقبولاً من الطمأنينة الفردية والاجتماعية. فتحولت بلدان هذه الأمة إلى نوادٍ للمنوعات.. لنرى أن المتشددين في هذا الطرف الديني أو ذلك الطرف العلماني قد أطبقوا بأصابعهم الغليظة على صدر المجتمع لتبدأ لعبة التصفيات الجهنمية بين التيارات والمذاهب والعقائد، ولندخل مجتمعين هذه المرة إلى مدار المأساة لتسود استراتيجية الفراغ وايديولوجيا الاستبداد..
صفحة 4
والسؤال: ألا يجب أن تدفعنا حمامات الدم في الجزائر ومصر والسودان ولبنان والعراق والعالم إلى إعادة النظر بالمسلمات.. لنتعرف أو نبصر بعين العقل والحوار من هو المظلوم ومن هو الضحية. ماذا عن القيم التي تنادي بها الأديان.. ولماذا يحدث التشنج ويتعطل المنطق في كل مرة يحاول فيها المجتمع توسيع حيِّز حركته. لماذا استدعت قضية الزواج المدني في لبنان كل هذه المناقشة المحمومة حتى بدت المعركة وكأنها بين شرائح آتية من كوكب آخر، وكيف بالإمكان الاهتداء إلى قواسم مشتركة بين المتدينين والعلمانيين حول قضايا هي في صلب اهتمامات المجتمع وتطاول وجوده بعيداً عن لغة الافتراس.. خصوصاً أنه يوجد اليوم من يدعو إلى مشروع أخلاقي عالمي عادل.. بحيث يكون العالم عالماً متكاملاً وليس عالماً متصارعاً.

(..) وكيف نفسر هذا التحلق حول الفكر الديني بعد أن دخلنا الألفية الثالثة؟ هناك من يقول إن العلمانية هي حياد الدولة، لمصلحة الشريعة الدينية ويتَّهم الحداثة بأنها أنتجت الصراعات وأفرزت الدولة القومية والروح الاستعمارية. وفي الجانب الآخر تعلو الأصوات مطالبة بعودة رجال الدين إلى صوامعهم وكنائسهم وجوامعهم. دائماً هذا النفي والنفي المضاد من دون أن نحاول مرة التصدي لمعنى الحياة، وإيجاد مداخل للعيش والتفكير على نحو أفضل. بماذا تفيد الفلسفة حقا؟ أليست هي في جوهرها محاولة للرد على الأسئلة الدينية المهمة.. ولماذا الدين: أليس من أجل الإجابة عن الغموم الحياتية وتساؤلات الناس عبر الإيمان بالله. ومن قال باستحالة أن يكون الإنسان روحانياً وعلمانياً في آن معاً، أي النظير المساوي لروحانية دينية، لا على مستوى الإيمان فحسب، بل أيضاً على مستوى العقل.. فالثابت أن مجتمعاتنا تزداد علمانية. وهذا الأمر يدفعنا إلى إعادة النظر في كل القيم التي كانت معاشة خلال قرون في الدين. والأخلاق التي نتقاسمها جميعاً، في المجتمعات العلمانية مجسدة في " إعلان حقوق الإنسان" احترام الآخر، فكرة أن حريتي تتوقف حيث تبدأ حرية الغير. والسؤال الذي يفرض نفسه من جديد: هل تتناقض الحداثة مع الأخلاق.. وهل هناك أخلاق بلا إيمان؟ هناك أمثلة في تاريخ الفكر تسعفنا في الإجابة عن هذه الأسئلة. في البوذية يعتقد الحكيم أن معنى الحياة الإنسانية موجود في البحث عن مكانها في العالم، في نظام كوني، مع فكرة أنه يوجد لكل واحد منا ما كان يسميه الإغريق مكاناً طبيعياً. فالبوذية تقدم بشكل أو بآخر روحانية علمانية، لأنها ترتبط بالإيمان بإله خالق. وهذا امتياز بالنسبة إلى الأديان الموحدة لله، والعلمانية لا تدعي أنها تجيب عن أسئلة الحياة والموت، بقدر ما تتيح إطاراً للتعايش السلمي بين الطوائف الدينية. والتحدي الكبير بالنسبة إليها هو أنها تترك للفرد، وليس للجماعة أمر الرد بنفسه على سؤال معنى الحياة، حتى فكرة الحرب بينها وبين الدين أصبحت الآن بالنسبة إليها قضية قديمة وبالية، لكنها على الرغم من ذلك تعمل يومياً على دفع " الالحاد " إلى إقصاه وتكبير دائرة الألغاز: فالعلوم البيولوجية ودراسة عمل الخلايا والأنسجة قد تقدمت، وهي تسير باطراد باتجاه المادية. لكن كلما أصبح المرء علمياً أكثر، كلما ازداد اللغز أكثر. وهذا يعني أن احداً لن يتوصل في المدى المنظور إلى التأكد تماماً من أصل الحياة أو من طبيعة الفكر. لذلك دعونا نبحث عن علاقة أقل احترابية وعن حق المساواة في التفكير بعيداً عن هذا الانقضاض لايديولوجيا الثنائي. دعونا نجدد الأفكار ونثابر على هذا الأمر لنتلمس الحرية ومعناها، ولنتوصل إلى قيم التعامل بالمثل والتحرر من العنف القائم على الإلغاء أو على الاقتناص. فلقد ولَّى إلى غير رجعة ذلك الزمن الذي كنا نختصر فيه التاريخ بفلسفة بعينها. ينبغي على الأنا والآخر أن يتعلما التأمل في بعضهما وابتكار ثقافة لمعنى الكائن. الديانات تشجع التعددية، وتعترف بالتنوع. والعلمانية هي في صميم هذا التعايش السلمي بين الطوائف والأعراق والثقافات. والآن كيف يمكن أن نعيش بالتراضي من دون النفور من الانجازات العلمية. وكيف لنا أن نسلك دروب التقدم من دون أن نشيح أبصارنا عن القيم الروحية. وللتوصل إلى هذا الوفاق بين العقل والقلب، أيّ ديمقراطيات ينبغي أن تسود. إلى أين يذهب العالم بنا..

ينبغي الانكباب على العمل، بدلاً من الاعتماد على نتف أجوبة. وربما ينبغي أن لا نيأس من العقل، ولا من قدراتنا على فهم ما يحصل اليوم في المجتمع العالمي.

فما الذي يقوله رئيس المجلس الشيعي الأعلى الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين؟

* بعد سقوط الايديولوجيات في مطلع التسعينات على الصعيدين الفكري والاقتصادي، وانحسار التيارات العلمانية، تبرز الديانات إلى جانب غيرها من التيارات كقوة بديلة. والسؤال الذي يطرح على هذه الديانات: ما هي الروح التي ينبغي أن تسود في الألف الثالث، خصوصاً أن أبشع الجرائم ارتكبت باسم المحافظة على الدين، سواء كان في المسيحية أم في الإسلام أم في اليهودية أم في الهندوسية.. الأمر الذي يكشف عن مأزق تعانيه هذه الديانات؟

- بالنسبة إلى سؤالكم عن الروح التي ينبغي أن تسود في الألف الثالث، أعتقد أن الروح التي ينبغي أن تسود بين المؤمنين خصوصاً في الألف الثالث ولا أدري لماذا تقولون الألف الثالث لأن هذا يكشف عن خلفية فكرة إن شأن الحضارة والتطور البشري مرتبط بصيرورة تاريخية ليس الإسلام مقوماً لها. نحن يمكن أن نقول الألف الثالث ويمكن أن نذكر القرن الخامس عشر هجري.

الروح التي ينبغي أن تسود هذا القرن هي ما كان ينبغي أن يسود دائماً، وهي روح الحوار، روح الكلمة السواء التي دعا إليها الإسلام والتي تستهدف قبول الآخر والتعايش معه أو بناء عيش مشترك معه. أو التعايش في أنساق حضارية أو الطموح الأعلى لبناء نسق حضاري واحد يكون فيه عيش واحد أو على الأقل عيش مشترك.

أما قولكم في السؤال بأن أبشع الجرائم ارتكبت باسم المحافظة على الدين، فقد ارتكبت جرائم ولكن ارتكبت جرائم أشد بشاعة خارج الإيمان الديني. أود أن أعيد إلى الذهن أن الحروب الكبرى في التاريخ وآخرها ولن يكون أخيرها في ما أخشى الحربين العالميتين في هذا القرن وما يسمى الآن الحرب العالمية الثالثة، هذا النسق الجديد من الحروب التي تؤجج في العالم الثالث، وهذه لم تسببها الأديان إطلاقاً وإنما سببتها مناخات فكرية علمانية - الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والحروب التي تجري الآن - هي لم تنشأ بدواع دينية.

أمل أن تنظر إلى الجرائم الكبرى التي ارتكبت لأنه لم يكن هناك دين يحكم القائمين عليها والمؤججين لنارها. بطبيعة الحال ارتكبت حروب داخل الإسلام، لنا فيها كلام يقال، أما الحروب التي كانت على الإسلام فهذه الحروب في تقديرنا كانت كلها حروباً غير عادلة. إذاً لا ينبغي أن نحمل الدين مسؤولية أبشع الجرائم، بل ينبغي أن نرى الأمور على واقعها. الإيمان الديني في الأديان التي تحكم ضمير البشر الآن، لم يتسبب في حروب، ربما تسبب في نزاعات في داخل المجتمعات التي تدين بذلك، السياسات أي النهج العلماني المادي استغل بعض الأديان، فالمسيحية استغلت استغلالاً بشعاً. ولعلها في بعض الوجوه لا تزال تستغل حتى الآن تحت أبصارنا جميعاً على مستوى العالم وهو استغلال الحركة الصهيونية والعنصرية العبرية لليهودية، وهذه آمل أن ترى من جانب وجهة نظرنا نحن كمسلمين، أتكلم باعتباري معنياً مباشرة بهذا الحقل على مستوى عربي وإسلامي، يلحظ اهتماماتنا الحوارية على مستوى عال أقول الروح التي نسعى إلى تأصيلها وتعميمها وتعميقها نستنبطها من صميم الدين، من صميم الإيمان الإبراهيمي في الأديان الإبراهيمية والهندوسية والبوذية وما إليها..
صفحة 5
هي الكلمة السواء مثلاً " تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" وهي التي تقوم على مبدأ الحوار الذي يعني قبول الآخر كما هو وليس تشويهه على صورتنا وإنما قبوله والتعامل مع أفضل مكوناته.
* إنك تبرئ الدين من كل ما حصل، وتضمن جوابك اتهاماً إلى العلمانية وتعتبرها أنها أساس الشر.. بينما الفكر العلماني في جوهره يقوم على العدالة والمساواة وحقوق الإنسان وحرية التعبير.. إلخ، وقد ساهم هذا الفكر بإرساء أسس النهضة ومعالمها في أوروبا والغرب بشكل عام.
- الفكر العلماني المادي ينتج نظاماً للقيم. هذا الأخير يركز على النجاح الشخصي بمعنى الفرد لا بمعنى شخصية الجماعة، النزعة القومية النزعة الشوفينية - العنصرية. وهذه شهدها العالم الغربي، وهذه نقطة مرضية أتحدث عنها، هذا الفكر الذي تجرد من الإيمان انتج الإرهاب، النازية والفاشية والاتجاهات العدمية " نيهيليست" وكل ما يقوم على مبدأ قهر الآخر واستلابه وليس التكامل معه. الانسانيات الغربية هي في عصورها في الشعر والموسيقى والنحت والرسم تزامنت مع الفورة العظمى للنزعة العدوانية الغربية، عصر الاستعمار الكبير شهد أعظم حركات العدوانية ضد الشعوب وشهد أروع إنجازات الروح الغربية في كل الفنون والطبيعة والإنسانيات، والآن نذكر من كل العالم الغربي الاسماء اللامعة في القصة والشعر والمسرح والسينما والنحت والموسيقى... ترى هذه الإنسانيات وهذه الروح هل كانت تعتبر أن هناك إنسانية شاملة أو كانت ترى أن الكمال الإنساني مخصوص في هذا العرق وفي هذه القارة وفي هذه الأجناس؟ فيما يبدو لي أن الأمر هو هكذا. هذه النقطة جديرة بالذكر.
- أعود إلى سؤالك وأقول إن العلمانية انتجت نظام قيم يقوم على دفعه كيفما كانت، فأنتجت الاستعمار والاستعمار المباشر الإمبريالي. كأن نرى التفاعلات تكاد تنتج ما يسمى حداثة وعولمة. هذا الأمر لا يقوم وقيم عمومية شمولية بشرية، يقوم على أخلاق انتقائية، فما يناسبنا لا يناسب غيرنا وما يناسب غيرنا قد لا يناسبنا.
في الإسلام الأمر يختلف عن هذا. نحن ننظر إلى وجود أخلاق إنسانية. أذكر مثلاً وننتقل إلى سؤال آخر. نحن نعلم في أدبياتنا الأخلاقية أن الإنسان إذا كان ذا طاقة - نعمة ينبغي أن يستثمرها في مسؤولية - صحة أو علم أو مال أو خبرة أو قدرة - العالم الغربي نجد أنه يستخدم قدراته من دون مسؤولية، فقد استهلك الطاقة بروح غير مسؤولة وطور إمكاناته العلمية بروح غير مسؤولة، تعامل مع الطبيعة وأنتج العلم بروح غير مسؤولة. والآن مشكلتنا ليست في ما نحن متقدمون فيه، وفي مخزون من السلاح المدمر الذي يمكن أن يدمر الكرة الأرضية ثلاث أو أربع مرات. مشكلتنا في استهلاك الطاقة الذي بدأ يخل بالتوازن الكوني وليس بالتوازن الحيوي فقط، مشكلتنا في استهلاك 80% من خيرات الطبيعة لـ 20% من سكان العالم وهم الدول الصناعية الكبرى.
هذا شر العلمانية، وأنا أذكر نموذجاً بصرف النظر عن موقفنا من النظام العراقي فطريقة استعمال القوة مدمرة. فأنت لا تجد ديناً هنا وإنما فكراً علمانياً براغماتياً وضعياً وهو خارج نطاق الإيمان بالغيب وخارج نطاق الأديان بكل معنى الكلمة.
* لقد تعثر الدين في مواجهة عصر الحداثة ( مع أن الغرب يفكر في أبعاد عصر ما بعد الحداثة) أليس للقيمين على الدين نزعة ماضوية في محافظتكم على الطقوس والاحتفالات واللغة في طريقة تفكيركم!
- أعتقد أنه يجب علينا النظر في الخلفية التي أنتجت هذا الصراع. هل المطلوب من الدين أن يكيِّف نفسه وفقاً للمتغيرات.
هذه المسألة اختلف فيها معكم ولا أوافق على أن مسؤولية الدين أن يكيّف أو يغيّر نفسه وفقاً للمتغيرات. فالدين يمثل أعظم الثوابت في الكينونة البشرية وهذا أمر ثبت تجريبياً. وآخر التجارب الكبرى انهيار النظام الإلحادي الأكبر في العالم، انهيار الاتحاد السوفياتي.
الدين لم يتعثر في مواجهة عصر الحداثة بل الحداثويين يريدون من الدين ما لا يمكن له أن يعطيهم أياه. يريدون أن يكون الدين عبارة عن موديل وزيّ وأن يكيّف نفسه بحيث يكون لدينا دين على نحو المدارس الفردية، على نحو أزياء الموضة. وفي ذلك لا يبقى الدين ديناً يمثل ثابتاً ويمثل نهجاً. فالثوابت في الدين لا يمكن تغييرها، أي القيم الأساسية التي تقوم على اعتبار الفرد هو القيمة الأساسية المطلقة وليس المجتمع.
أما الدين فلا يوافق على هذا وهو يرى أن الجماعة تتمتع بحرمة وقيمة أخلاقية ولها شأن يجب أن يحترم. وتقوم الحداثة أيضاً على أن الغاية القصوى لحياة الإنسان هي أن يحقق النجاح بمعنى أقصى قدر من اللذة وأقصى قدر من القوة في هذه الدنيا. الدين يخالف هذه الرؤية. فالحياة الإنسانية لها مدى أبعد، الدين يتجاوز هذه الدنيا ويعتبر أنه على الإنسان أن ينجح هنا وينجح هناك، أي أن النظرة الخلاصية هي أساس في الدين.
والعنصر الثالث في الحداثة هو عدم الإيمان بالغيب إطلاقاً، ويرى أن العالم هو حقيقة وضعية بجميع أبعاده. الدين يقوم أساساً على الإيمان بالغيب. وكثيراً ما يستعمل المفكرون والمثقفون مصطلح حداثة وأعتقد أنهم يعنون به معاصرة. فالحداثة بهذا المعنى لا يمكن أن نقبلها أبداً لأنها تتناقض مع الإيمان الديني. نعم للمعاصرة أي أن نقول إن الحياة حياتنا أعيدت صياغتها الآن وفقاً لمتغيّرات كثيرة في العلم وفي التنظيم. يوجد وضع تنظيمي للمجتمع وللعالم جديد وتوجد حقائق علمية اكتشفت أكثر مما كانت مكتشفة. ويتناول الحقل الثالث في المعاصرة تغيير الأفكار أي نظام القيم في قضايا الأسرة والمرأة والحريات السياسية، أما في مجال التنظيم والعلم فالدين يواكب مواكبة كاملة، لا يوجد هناك أي اشكاليات في الاستفادة من كل أشكال التنظيم التي ثبت نجاحها في حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي مجال العلم؟ ما ثبت أنه حقيقة علمية غير قابلة للدحض أيضاً الإيمان الديني يقبلها ويوافق على أن يكيِّف الإنسان نفسه وفقاً لها.
أما في مجال القيم وعالم الأفكار وليس في عالم الأشياء كما كان يقول صديقنا المرحوم مالك بن نبي، في عالم الأفكار هناك عالمان، عالم يخلقه أو يتكون أو ينبع من الإيمان الديني الذي يتعلق بطبيعة العلاقات الداخلية بين الأسرة وداخل المجتمع. ويوجد عالم أفكار آخر نتج من خلفية حضارية ثقافية فلسفية أخرى. وهذا هو الذي يكون مجالاً للحوار، أن نتحاور ونكتشف المساحات المشتركة فيما بيننا.
الآن مع المسيحية نحن نتعامل بهذا الشكل. مع الأديان الابراهيمية، حتى مع اليهودية أو مع الهندوسية أو البوذية نحاول اكتشاف المساحات المشتركة وهي كثيرة. وهناك أفكار لا نستطيع الموافقة عليها وفي هذه الحالة لا نستطيع أن نتقمصها لأننا مضطرون أن نكون نحن لا أن نكون غيرنا. فيما يتعلق بعالم الأفكار لا نقول إن الدين لم يواكب أو أنه تعثر في مواجهة عصر الحداثة. وفكر المواجهة نحن لا نريده. بعض علماء الدين وبعض الحركات الإسلامية تبني تفكيرها على أساس مواجهة. أما أنا فلا أريد ذلك. أنا أقول نحن موجودين على أرض واحدة ويجب أن نكتسب طرائق للتكافل فإذا لم نتكامل فيجب أن نكتسب طرائق للتعايش لأن ينمو كل منا وفقاً لنظامه الخاص.
أما قولكم إن للقيمين على الدين نزعة ماضوية فهذا غير صحيح. ماذا نعني بالماضي أولاً، لا أعتقد أن هناك حضارة أو ثقافة أو اجتماعاً تقوم على ماض، فنحن أبناء الماضي والماضي نحمله في داخلنا وفي حاضرنا الذي سيكون ماضينا بعد لحظة. والمستقبل الذي نتوقعه سيكون حاضرنا.
صفحة 6
فهذا التعبير تعبير مسطح. وإن كان يعني أن الماضي هو النص الديني أقول إن النص الديني ليس ماضياً والوحي الإسلامي ليس ماضياً وإنما حاضراً وحياً ومستقبلاً، يخاطبنا الآن. وأما الطقوس، فعالم العبادات هو جزء من إيماننا الديني وأنا استغرب هذا، الآن من باب التشبيه غير الدقيق، الدول أو المجتمعات التي تحافظ على ذكرياتها ضمن اجراءات معينة، ضمن مسيرات، لماذا لا يقال عنها طقوس، لماذا لا ترفض، فلكل أمة تعابير خاصة،و نحن نعبد الله وفقاً لأقوال وحركات وهيئات... هذه ليست من الماضي بل من حاضرنا ومستقبلنا. الطقوس والاحتفالات واللغة ولا أقصد باللغة، طريقة التعبير وبالمعنى الاصطلاحي بل اللغة لغتنا العربية، نحن العرب كقومية أو لغتنا العربية نحن المسلمين باعتبارها لغة القرآن. وهذه اللغة ليست من الماضي بل هي جزء من الشخصية، فالجسد الذي أحمله ليس ماضوياً وإنما حاضري ومستقبلي. لا أفهم كيف يقال بالحفاظ على الماضي كقيمين على التراث الفني، المحافظة على التراث الموسيقي أو الشعري مثلاً، وإن كان تشبيهاً غير دقيق هل هو ماضٍ، طبعاً لا، فالماضي هو ما هو موجود في المتاحف، بعض الحجارة والنحاسيات. وبالتالي فإن للقيمين على الدين إلى جانب النزعة الماضوية وأمانة ما يحمله الماضي نزعة مستقبلية. إن وجود بعض العادات والتقاليد التي ليست من الدين أمر معترف به وهو يقتضي مواجهة تربوية ثقافية لأجل تنزيه الدين وتنقيته من هذه الشوائب التي نتجت من تخلف ثقافي وتخلف اجتماعي. بهذا المقدار نعم نوافق.

* إذا استعرضنا الصراعات التي هزت لبنان، أو تلك التي تهز العالم الحالي في البوسنة والجزائر وكوسوفو وأفغانستان.. إلخ. لوجدنا أن قسماً مهماً منها ينجم مباشرة أو غير مباشرة عن الدين. فقد تفاقم التعصب بحجة الدفاع عن حقيقة هذا الدين أو ذلك، وهذا حمل البعض على القول: بما أن الدين هو عنصر بلبلة ومسرح للعنف في المجتمع فعليه والحالة هذه أن يعيد النظر في مفهومه للواقع والحياة.

- بالنسبة إلى سؤالكم أو ملاحظتكم عن الصراعات التي هزّت لبنان أو تهزّ العالم الحالي، البوسنة والجزائر وكوسوفو وأفغانستان، نجد أن قسماً مهماً منها ينجم مباشرة أو غير مباشرة عن الدين. هذه الملاحظة جزئياً صحيحة، فقسم منها ناشب من عنوان ديني وليس من واقع ديني، وإذا تفحصنا العمق سنجد أن الدين ليس عاملاً في إشعال هذه الحروب وإنما هو العنوان الديني أو استغلال الدين.

لنأخذ مثلاً أفغانستان. فالصراع هناك كان صراعاً بين الإسلام والغزو السوفياتي ولو لم يغز السوفيات أفغانستان لما حدثت حرب المقاومة ضد الوجود السوفياتي، فالإسلام كان يدافع عن نفسه. بعد ذلك حصلت حرب أهلية في أفغانستان تحارب فيها مسلمون مع مسلمين وحتى ما قيل أخيراً، إنه يوجد شيعة كان خطأ، فالسنة تحاربوا مع السنة والشيعة، وكانت الحرب ليست دينية وإنما حرب على السلطة. لم يحارب أحد أحداً ليجعله مؤمناً مثله أو عقاباً له على أنه غير مؤمن مثله وإنما كانت هناك صراعات على السلطة. فيما يتعلق بالجزائر حصلت انتخابات فازت فيها مجموعة حزبية اسلامية هي حزب جبهة الانقاذ، تدخلت قوة قاهرة وألغت الانتخابات وهي قوة غير دينية.

حدثت الحرب الداخلية والفتنة بين الجزائريين نتيجة لذلك ونحن من الأساس لا نعتبر أن هذا الأسلوب في العمل الإسلامي هو أسلوب مشروع. من الأساس نحن نحرم استعمال العنف ولكن ما فجَّر العنف هو تدخل عامل غير ديني ضد نتيجة أفرزتها صناديق الاقتراع وقمعت وأنتجت هذه الحرب الأهلية.

في البوسنة والهرسك وكوسوفو الحرب هي من جانب المسلمين المعتدى عليهم، والذين يعتدون عليهم هم الصرب أو غيرهم، لا يرفعون شعاراً دينياً بل هو شعار عرقي. الآن يقال الألبان والصرب. صحيح نحن نعتبر أن هناك تعصباً أوروبياً ضد الإسلام. والإسلام كان الضحية وهو لم يتعصب. وأنا لست مسؤولاً عما يقال ضد المسيحية لأنها اليوم ليست الضحية باستثناء ما يقال عما هو موجود في جنوب السودان.

على الإجمال الشهرة والسمعة عن أن هذه الصراعات هي صراعات دينية - دينية فحصها يكشف عن أنها ليست كذلك إطلاقاً. هي صراعات سياسية أو اقتصادية أو عرقية يكون أطرافها مسلمين أو مسيحيين فتسمى بهذا الاسم. ما حصل في لبنان من حرب بين المسلمين والمسيحيين الواقع إن الإسلام والمسيحية ليسا الطرفين المباشرين في هذه الحرب، كانت المصالح السياسية تتصارع، وحينما حصل اتفاق الطائف لم يكن اتفاقاً بين دينين أو بين رجال دين بل كان اتفاقاً سياسياً بين نهجين سياسيين التقيا على نهج ثابت هو ما نسميه الآن الوفاق الوطني. من وجهة نظرنا نحن المسلمين نرى أنفسنا ضحية في وسط أوروبا ( يوغوسلافيا سابقاً) وضحية لبعض الجمهوريات التي كانت تابعة لروسيا، ضحية كذلك في العالم الإسلامي والعربي نتيجة للحركة الصهيونية. وأنا لا أريد الآن أن أتهم المسيحية، ولكن أقول إن هذه الحروب التي تجري وعمليات القمع التي تجري أطلب أن يكون للمسيحية وللكنائس موقف منها. نسمع بعض الأوقات مواقف ولكنها قد تكون شكلية أكثر منها واقعية. مع ذلك أفضل أن نرى في هذه الصراعات صراعات تتسمى باسم الدين وليست صراعات دينية.

استنتاجكم أن الدين هو عنصر بلبلة ومسرح للعنف في المجتمع، والواقع أن هذا حكم قاس وظالم للدين. فالدين اليوم هو ضحية تلك الصراعات وهو إما أن يكون مظلوماً أو مستغلاً وفي حالتنا المعاصرة نجد الإسلام مظلوماً والمسيحية مستغلة. الكنيسة مستغلة، هي ضحية بما هي مستغلة والإسلام ضحية بما هو مظلوم. وأعتقد أن الذي يجب أن يعيد رؤيته للحياة وللواقع هو النزعة المادية العلمانية التي تستغل كل شيء وتحوله إلى فريسة تلتهمها لتغذي فيها روحاً شريرة.

* لكن كيف نفسر هذه الوحشية التي تمارس في الجزائر من قبل مسلمين على مسلمين ألا تعتقد أن حمامات الدم هناك تدفعنا إلى إعادة النظر بالمسلمات خصوصاً وإن الإسلام هو ضحية كما أشرت؟

- هل تؤكد أن كل الجرائم الوحشية المدانة التي ترتكب في الجزائر تقوم بها الجماعات الإسلامية فقط.

هناك شبهات كبيرة حول جهات لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو من بعيد ترتكب هذه الجرائم. وهذا ينطبق عليه المثل العربي القديم ولو بصورة جزئية «رمتني بدائها وانسلت».

الآن مثلاً هناك ترويج عالمي عن نسبة الإرهاب إلى الإسلام أو نسبة العنف إلى الإسلام. والواقع أن الإرهاب هو نتاج للروح الغربية المادية والعقل الغربي المادي وعمِّم على العالم. ولا أجد أن هناك عنفاً كبيراً وإرهاباً أكبر مما مورس في الحربين العالميتين وأكبر مما يمارس الآن ضدنا في العالم العربي وفي فلسطين من قبل إسرائيل.

ومع ذلك يقال إننا نحن نحمل نزعة إرهابية.

في الجزائر كما ذكرت نحن لا نريد أن نشهّر بأنفسنا، العنف الذي يمارس من الجميع. لماذا نزج الإسلام ونجعله عاملاً في هذا الحقل؟ لا داعي لذلك. ومواقفي معروفة في إدانة العنف الذي تقوم به بعض الحركات الإسلامية سواء ما كان في لبنان أو ما جرى ويجري في مصر أو في الجزائر وباكستان وأفغانستان ضد المسلمين أو بين المسلمين أنفسهم. هذه كلها في المعايير الدينية الإسلامية تعتبر جرائم. لكن الظاهرة العامة ناتجة من طبيعة تكوين الروح الغربية بالمعنى الحضاري المعاصر وتفاعلاتها. وقد وجد سمّ مدمر بدأ الآن ينتج وكان في السابق ينتج حروباً ضد الآخرين وأصبح اليوم ينتج حروباً ضد الذات.
صفحة 7
هذه الحروب بدأت بعقل ذكي شيطاني تصدَّر للخارج، ونحن الآن في العالم الثالث وما يسمى الحرب العالمية الثالثة هي لضمان استقرار ورخاء العالم الصناعي لأجل حجز الشعوب عن المطالبة بحقوقها وبالديمقراطية على المستوى الدولي، ولأجل تحطيم القدرة الاقتصادية ومحاولة وضع سياسات رشيدة للمواد الخام. والآن أنتم تعلمون ما هو حال أثمن المواد الخام في الكون وليس في الكرة الأرضية فقط، وهو النفط: أصبح سلعة من أرخص السلع.

* القيم التي تنادي بها الأديان في سبيل احترام الإنسان قد سُخر بها حتى من قبل الذين يدافعون عنها. وهذا ما حدا البعض على المناداة بأخلاق علمانية، عقلية في سياق الديمقراطية الحديثة، بحيث يحيا كل واحد قناعاته الأخلاقية ضمن احترام الآخر. فالمناقشة التي احتدمت في لبنان حول الزواج المدني تعبِّر عن هذا التشنج الذي يكتنف المجتمع اللبناني وتعبِّر أيضاً عن عطوبية التيار الأخلاقي المتزمت السائد في الأوساط الدينية المسيحية والإسلامية؟

- سنأتي إلى حكاية الزواج المدني. نحن نوافق على هذه المقولة وعلى مقولة علمانية عقلية وعلى مقولة أخلاق يعيشها كل واحد وفقاً لقيمه الخاصة. أما أخلاق علمانية، الأخلاق لابد لها من أساس. أي نظام أخلاقي لابد له من نظام فلسفي. والأخلاق هي عمل طوعي، فأنت الآن تجلس معي وتتحدث معي وأنت آمن نتيجة لالتزام طوعي مني بأن تكون في سلام. الأخلاق لا تفرض من فوق بل هي التزام داخلي يضمنه القانون وينظمه. ما هو الأساس الفلسفي لما نسميه أخلاقاً علمانية.

أنا بالمعنى العلماني الوضعي لا أرى أن هناك أخلاقاً بل ضرورات تحكم الناس لئلا يفترس بعضهم بعضاً. أما أخلاق بمعنى أن يحترم الناس بعضهم بعضاً ويبرّ بعضهم بعضاً ويحسن بعضهم إلى بعض. فأقول إن العلمانية ليست منشأ لهكذا أخلاق وإنما الإيمان الديني هو الذي يضمن أخلاقاً من هذا القبيل، أخلاق التضحية، أخلاق المواساة، أخلاق الإيثار.. هذه لا يمكن أن تكون أية فلسفة منتجة لها غير الإيمان الديني. من هنا، أنا لا أوافق على حكاية أنه يمكن أن توجد أخلاق علمانية. يوجد نظام تعايش علماني، نعم. يوجد نظام قانوني علماني، نعم. أما أخلاق علمانية فالعلمانية شيء والأخلاق شيء آخر، العلمانية عادة تنتج صراعاً أو تنتج معاهدات توازن قوى. أما أن يقال أن يتمتع إنسان ضعيف في العلمانية بالحماية والحصانة والعدالة من دولة قوية من دون مردود فلا أصدق ذلك. إن شعباً ضعيفاً يملك ثروات يتمتع بالحماية والحصانة والعدالة من دولة قوية من دون مردود فهذا أمر لا يصدق، وتاريخ البشرية كله شاهد على دحض هذه النظرية.

* لماذا هذه النظرة المتعالية تجاه الفكر العلماني، ما هي مواقع الخلل في هذا الفكر الذي أنتج قيم الديمقراطية ووظف العقل في خدمة التقدم الإنساني.. هل لأن هذا الفكر يعمل وفق منهجية جدلية اجتهادية لا تؤمن بالثوابت ولا تلتزم بالمطلق؟

- لماذا ننتمي لهذا النظام، ما الذي يجعلني أحترمك من دون إلزام داخلي عندي ومن دون مصلحة. فالإنسان يعيش إما في نظام مصالح أو في نظام قيم، والقيم تشمل الأمانة والعفة والوفاء والإيثار، والقيم قد تتطور بمعنى أنها تقوى وتزداد ولا تتقلص. وعلى كل، في الحياة الدولية نحن حتى الآن لا نرى نظام قيم، نرى كلام قيم، أما نظام قيم يحترم.. فلينفذوا قرارات الأمم المتحدة كخطوة أولى. فلنتكلم «واقع» نحن الآن أمام عالم بلغ في نضجه وفي تطوير فكره القيمي أعلى درجة. يوجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، توجد المواثيق الدولية. في المقابل يوجد سكان العالم 80% من خيرات الطبيعة ومن الإنتاج البشري ويوجد فيه 80% من سكان العالم يبقى لهم فقط 20% من ثروة العالم. يوجد طريقة تعامل مع الطبيعة وصلت إلى ثقب طبقة الأوزون وغيرت التوازن الحيوي وتركيب الطبيعة، من الذي ارتكب هذا، هل هو الدين. إنه الفكر العلماني المادي البراغماتي الذي قام عليه الفكر الغربي والحضارة الغربية.

يوجد الآن على الأقل عشرون حرباً في العالم لايد لأهلها فيها على الاطلاق وإنما تحريكات القوى الكبرى لأجل السيطرة على موارد المياه والغابات والمعادن والبحار.

وبالتالي لا يوجد نظام علماني، العلمانية انتجت خراب العالم، لذلك لا مناص للناس من أن يرجعوا إلى نظام قيم قائم على الإيمان الديني، نظام القيم يجب أن يكون نابعاً من التزام داخلي، هذا الأخير يجب أن يكون مربوطاً بالإيمان، وما لم يكن مرتبطاً بالإيمان لا يوجد حرام. توجد كلمة لأحد الفلاسفة يقول فيها «إذا لم يكن الله موجوداً فكل شيء حلال» فما الذي يمنعني من الافتراس؟

والافتراس الموجود مع وجود الله أقل بمئات المرات من الافتراس الموجود مع عدم وجود الله.

نحن نتكلم عن نظام قيم. لا يوجد نظام قيم علمانية بل نظام توازن قوى في الفكر العلماني، توازن رعب في الفكر العلماني، لذلك أقول إن العالم بحاجة إلى استعادة النقاوة الأخلاقية القائمة على الإيمان، إلى إعادة الحيوية للقيم القائمة على الإيمان وتحصينها بالتنظيم المجتمعي الحديث، بما أنتجه فكر الأمم المتحدة، بالمواثيق الدولية التي تحترم حقوق الإنسان والفرد والأسرة والطبيعة..

قبل سنين قليلة عقد لأول مرة المؤتمر الذي سمِّي قمة الأرض في البرازيل حول التلوث البيئي واستهلاك الطبيعة، تبرأت الدول الكبرى التي دمرت العالم خصوصاً الولايات المتحدة ووضعت المسؤولية على المساكين دول العالم الثالث وطالبتها بأن تنفق من فقرها لأجل تصحيح اختلال التوازن البيئي.

نأتي الآن إلى حكاية الزواج المدني.

أولاً: هو ليس زواجاً مدنياً، هو نظام مدني للأحوال الشخصية، هو لا يختص بالزواج فقط بل يشمل كل تركيب العائلة: تكوينها واستمرارها وانحلالها بالموت أو الطلاق أو الفراق.

نحن كان موقفنا من الزواج المدني عادلاً إذ إننا لم نعارضه لا أنا ولا البطرك صفير ولا المفتي قباني. نحن لم نعارض مبدأ الزواج المدني ويوجد اليوم في لبنان الكثيرون ممن كوَّنوا أسراً قائمة على عقد زواج مدني. نحن عارضنا فرض القانون المدني للأحوال الشخصية على من لا يؤمنون به. قيل إنه قانون اختياري للأحوال الشخصية أنا لا أفهم «قانون اختياري» فالقانون عادة ملزم، أما قانون اختياري فهذا مخالف لروح القانون. إجعلوه قانوناً إلزامياً لمن يؤمنون به أي أن يصرح رجل وامرأة بأنهما لا يؤمنان لا بإسلام ولا بالمسيحية ويجردان أنفسهما من الإسلام والمسيحية ويقولان إنهما طائفة ثالثة طائفة الدولة فلا مانع من أن يكون لهما قانون مدني.

فالإسلام يفرض في تكوين الأسرة جزءاً من اعتقاداته الشرعية التي تقوم على مواضعات خاصة، فإذا كان الإنسان لا يريد هذه المواضعات الخاصة، فهو يخرج على الإسلام. وليقل عن نفسه إنه غير مسلم وليفعل ما يشاء مما هو خارج الإسلام. أما أن يقول أنا مسلم ولا يعترف بالإسلام ويريد للإسلام أن يعترف له بفكر آخر يتنافى مع الإسلام، فهذا ظلم.

أن لا تعترف بي وتطلب مني أن اعترف بشرعيتك.. أنشئ شرعيتك الخاصة فاعترف لك بها. أما أن تجعل شرعيتك الخاصة جزءاً من شرعيتي فأنا لا أوافق. ولذلك لا أرى أن هناك أي ضير في موقفنا من المشروع الذي أعدَّ للزواج المدني.

سأضرب مثلاً موازياً لهذا. حينما اتخذت الدولة الفرنسية موقفاً ضد حجاب الفتيات في مدارسها. إنه قمع لأنهم يريدون أن يفرضوا على الناس شيئاً لا يتناسب مع عقائدهم (هؤلاء الناس). أنا أقول إن نظامي يقول إن الأسرة تتكون وفقاً لهذا المنظور، أن يقال نحن نجعل نظاماً آخر اختيارياً، هذا ما لا أفهمه، فالقانون قانون اجباري وملزم، هو يلزم من يؤمنون به.
صفحة 8
يوجد أشخاص غير مؤمنين ولا قناعات دينية لديهم. فليقل هؤلاء أن ليس لديهم هذه القناعات وأنهم يريدون بناء شكل أسرتهم وفقاً لقناعتهم الخاصة. فليجعل لهم قانون إلزامي إذ للشخص الذي يقول عن نفسه إنه مسلم أو مسيحي أو ملتزم دينياً قانونه الخاص وللشخص الذي يعلن عن عدم تدينه قانونه الخاص أيضاً.

نحن عارضنا فرض هذا النظام على التشريع اللبناني بعنوان أنه يشمل كل المجتمع. هذا سيحدث مفسدة كبيرة ويخالف أصول ديني. فهو ليس تزمتاً لأننا لم نتزمت. الآن نحن نعلم أنه يوجد في المجتمع العديد ممن اقترنوا وشكلوا أسرهم وفقاً لقانون الزواج المدني ونحن نحترمهم ونقبلهم في المجتمع ونعتبر زيجاتهم شرعية وفقاً لقناعاتهم وليس لقناعاتنا.

أما أن ترغب العلمانية في فرض نفسها في حقل التشريع على المجتمع فهذا ما نعارضه.

* هناك من يدعو إلى مشروع أخلاقي عالمي عادل. ويدعو الأديان إلى الاضطلاع بدور إيجابي في المجتمع الإنساني.. هل تدعمون قيام مثل هذا المشروع أم أن خصوصية الأديان لا تسمح بذلك؟

- في ما يتعلق بالعلاقات الدولية والعلاقات الإنسانية نحن ندعم هذا المشروع فنعتبر أن التطور الذي آل إليه الفكر الإنساني في حقل حقوق الإنسان هو أحد المظاهر الإيجابية لتطور البشر.

ولكن عندنا ملاحظة واحدة: إن كل إطار عقائدي يستند إلى نظرة فلسفية في حقوق الإنسان تختلف عن الإطار الفلسفي أو العقائدي الآخر.

هناك مساحة مشتركة نحن نقبلها جميعاً. لكن أنا أذكر مثلاً هنا، المبدأ الذي تقوم عليه فكرة ولاية الإنسان على جسد نفسه. فنحن نتصرف بأجسادنا وقد وصل الفكر الغربي إلى حد الولاية على الجسد بنحو يبيح للمرأة أن تمارس الجنس بصورة مطلقة خارج الحياة الزوجية، وأن يبيح للواط، وتنشأ مجتمعات الشذوذ الجنسي. وهذا أمر نعتبره نحن خارج نظامنا الأخلاقي، لذلك لا يمكن أن يقال لنا إن من حقوق الإنسان أن يتصرف في جسده كيفما اتفق. فنظامنا الأخلاقي لا يسمح بذلك وهناك معايير أخلاقية وشرعية للتصرف في الجسد.. وهكذا قس على هذا أموراً أخرى. مع هذا التحفظ وهو إخضاع هذا النظام، مثلاً ما حدث في مؤتمر بكين أو مؤتمر القاهرة في شأن الأسرة والمرأة: الدعوة للإباحية الجنسية أو حرية الإجهاض أو ما أشبه ذلك.

تحفظنا على هذه الأمور في مؤتمر بكين ومؤتمر القاهرة هو ضرورة خضوع المعيار الأخلاقي للخلفية الفلسفية التي يقوم عليها الكيان الحضاري والمضمون المعنوي لهذه الأمة أو تلك، لهذا العالم الثقافي والحضاري أو للعالم الثقافي الآخر.

في ما يتعلق بهذه النقطة لدينا هذا التحفظ ونحن ندعو إلى التزام أخلاقي عالمي وإلى تكوين عالم لا يقوم فقط على توازن المصالح أو صراعها فيما بينها وإنما يقوم أيضاً على قيم الأخلاق بحيث أنه يكون صراعها فيما بينها وإنما يقوم أيضاً على قيم الأخلاق بحيث أنه يكون العالم عالماً متكاملاً وليس عالماً متصارعاً. طبعاً هذه نظرة يوتوبيا أي نظرة مثالية ولكن هي مثل أعلى، يشدنا إليه جميعاً.

واليوم أعتبر أن الأيمان الديني حقق انتصارات كبرى، الآن مثلاً نحن نشهد على مستوى عالمي مؤسسات تنادي بحقوق الإنسان من الجمعيات الصغيرة إلى المنظمات العالمية. وهذا تطور إيجابي جداً ضخم وجداً محترم لم يكن موجوداً في الماضي. وهو ليس نتيجة للروح الوضعية العلمانية بل نتيجة للإيمان الديني.

* لكن هذه الانتصارات الدينية التي تتحدث عنها جاءت نتيجة إخفاق العلمانية والأفكار الطليعية في إدارة المجتمع. وهذا النقد يمس القيّمين على إدارة الأفكار.. لا الأفكار نفسها. وبالتالي هناك من يعتبر أن تراجع الحركات والتيارات الوطنية والقومية واليسارية هو الذي ساهم إلى هذا الحد أو ذاك في انتشار الظاهرة الأصولية والتحلق من جديد حول الفكر الديني.

- أنت ترى اليوم أن الحضارة الحديثة أنتجت الدولة الحديثة، أنتجت الصراعات الداخلية التي أفرزت الدولة القومية، أنتجت الروح الاستعمارية التي دفعت إلى الصراع والحروب داخل القارات. وتوحد العالم الغربي ليس على الخير وإنما ضد الآخر وفي سبيل مواجهته، ضد الشرق والعالم الثالث، وحدث عصر الاستعمار الكبير وعندما أصبح هذا الاستعمار الكبير المباشر مكلفاً بشرياً حيث أصبح الإنسان الزنجي أو الأصفر أو الأحمر قادراً على استعمال البندقية والمسدس، وفي البداية عندما حاربونا كنا نستخدم السيف للدفاع عن أنفسنا، وكان لديهم بندقية أما اليوم بتنا نحاربهم بالبندقية. وطور الاستعمار الامبريالي نظام الاقتصاد العالمي بحيث قام على النهب وربط كل إنتاج البشر بالدورة المالية المتعلقة بالعملات الصعبة والبنوك الكبرى. واخترعوا لنا بعض المؤسسات من البنك الدولي وبنك استثمارات وغيرها، أنتجوا هذا العنف الاقتصادي البريء الذي لا سفك دماء فيه لكن فيه أطفال تولد من دون طعام وتموت جوعاً أو تولد مشوهة، وتوجد شعوب بكاملها، الثروة تحت أقدامها وهي جائعة كما نرى في أفريقيا وغيرها.

* في إطار ثقافي يميل إلى التعددية والانفتاح، ترى الديانات العالمية نفسها مدعوة إلى إعادة النظر من جديد في تحديد مفهومها للحقيقة. ألا ترى أنه حان الوقت كي نتصور خطة جديدة تستطيع الديانات الكبرى من خلالها أن تتعاون معاً لتسهم في إرساء السلام بين البشر؟

- أولاً: إن الأديان مدعوة لتعيد النظر في تحديد مفهومها للحقيقة، هذا التعبير غير دقيق. أنا أتكلم عن مفهومنا الإسلامي. الإسلام في روحيته وعقلانيته يدعو إلى نقد الذات المستمر وإعادة النظر في المواقف مقيسة على المبادئ. ويدعو إلى الكلمة السواء أي إلى بناء رؤية كونية للعلاقات الانسانية.

الإسلام يشجع التعددية الآن نحن نرى أن من حق كل مجموعة لغوية أن تعبّر بلغتها، مثلاً لماذا لا يسمح للبربر باستعمال لغتهم، وللأكراد أن يستعملوا لغتهم في نطاق وطني عام أم في نطاق مجتمعي عام ضمن إيمان واحد.

نحن نرى مشروعية الاعتراف بالتنوع الديني وإعطائه حرية التعبير عن نفسه ما عدا بعض البدع التي لا تعتبر أدياناً وإنما كيانات تآمرية وهي لا تمثل شيئاً يذكر. التنوع الديني، التنوع الثقافي، التنوع القومي، التنوع اللغوي. موضوع التعددية نحن نعترف به باعتباره تنوعاً في الوحدة. النزعة الموجودة الآن في السياسة الدولية تحت ستار التعددية هي عمليات تفتيت وليست عمليات إغناء. أي تشجيع الأقوام على التعبير عن خصوصياتهم ليس بهدف بناء أنظمة تكاملية وإنما بهدف تفتيتي. وكما نلاحظ الآن ما يتهدد وطننا العربي من مسيحية وإسلامية وسنية وشيعية أو النزعات العرقية التي تدعو إلى تفتيت المجتمعات. وهذا نعتبره عملاً عدوانياً. أما أصل الاعتراف للبشر بتنوعهم فهناك آية مباركة يقول الله تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) أي بهدف التنوع والتكامل وليس التنوع بهدف الانفصال.

في المقابل نجد نزعة تقول بوجوب تذويب الفوارق لمصلحة كيان عام ونحن لا نوافق عليها.
صفحة 9
وهذا ما يحدث الآن بالنسبة إلى المسلمين في بعض الدول مثل يوغوسلافيا حيث يرفض تنوعهم ومطالبتهم بحكم ذاتي. تحدث عمليات تنصير، وقد ارتكب المسلمون في الماضي ارتكابات من هذا القبيل وقد أخطأوا في ذلك خطأ كبيراً. من هنا نحن بالإجمال ندعم هذا المشروع على أن يكون للأديان علاقات تعاون على تحصين الحضارة من مساوئها وعلى تغذية روح أخلاقية عالمية تجعل علاقات البشر قائمة على نظام مصالح عادل يلحظ بالقيم الأخلاقية قيم العدالة وقيم الإيثار وقيم المواساة.

إذا لاحظنا في هذا الإطار الفلسفة التي تخضع لها التجارة الدولية - اتفاقية الغات - نرى أنها تتيح للقادرين فقط أن يستحوذوا على قدرات العالم وإمكاناته. ولا تدع أي مجال للدول والشعوب غير القادرة، التي تملك مواد خاماً لتصنيع إنتاجها ولا تستطيع تصنيعها فتكون النتيجة أن تباع هذه المواد الخام بأبخس الأسعار. وتكون النتيجة زيادة ثروة الأقوياء وزيادة بؤس الفقراء.

* يبدو الحوار العقائدي بين المسيحيين والمسلمين عقيماً. لا منفعة منه، على الأقل في الإطار السياسي والاجتماعي الحالي. لا أحد مستعد لإعادة النظر في التعبير العقائدي الإيماني. هل توافقون على إقامة تحالف بين المؤمنين وغير المؤمنين من أجل إرساء الأسس الأولى لأخلاق كونية، لاسيما أنه لا سلام دينياً من دون حوار ديني؟

- أنا أستغرب هذه الملاحظة التي سمعتها من غيرك أيضاً، وبعض من يدَّعي العلم أيضاً قيلت عنه.

الحوار الإسلامي - المسيحي حقق في عصرنا أحد أعظم النجاحات في تاريخ البشرية.

تارة تفكرون بحوار إسلامي - مسيحي على مستوى ما أسميه حوار اللاهوت، وهو ما يبدو من عبارتكم أنه لا أحد مستعد لإعادة النظر في التعبير العقائدي والإيماني. نحن نقول إننا ضد الحوار اللاهوتي. أنا لا أوافق عليه، فهدف الحوار ليس أسلمة المسيحيين أو نصرنة المسلمين. هدفه ليس النظر في ألوهية المسيح أو نبوته. المسألة اللاهوتية متروكة لحوار جداً ضيق وخاص يتداوله أهل الاختصاص. في القرآن عقيدتنا موجودة نعبر عنها من خلال تلاوتنا القرآن، هذا القرآن مطروح يقرأه كل البشر. نحن والكنيسة لا أرى أن نتحاور في القضايا اللاهوتية. ليس ممنوعاً علينا هذا ولكن ليس مهماً الحوار حول القضايا اللاهوتية.

لاحظت في دراساتي حول الحوار الإسلامي - المسيحي أن هناك ثلاث صيغ للحوار وقد مررنا باثنتين منها وفشلنا، إحداهما حوار السيف، حوار القوة والحروب وقد قاتلونا وقاتلناهم ولم ننتج شيئاً.

وآخر حروبنا هي الحروب التي تجري الآن تحت ستار الصهيونية وهي الصليبية الجديدة التي سبقتها الصليبية القديمة. والمسلمون أيضاً حاربوا ولكن كانت في الواقع معظم حروبهم حروباً دفاعية. وإذا كان بعضهم قد وقع، ولا أستبعد أنه وقعت حروب توسعية في بعض المراحل وكانت حروباً ما كان ينبغي أن تقع.

حوار السيف نحن لا نوافق عليه بل نقف ضده. حوار اللاهوت ويتمثل الآن في حركة التبشير المسيحية الواسعة النطاق، نعتبره عملاً ليس حوارياً وإنما هو غزو ولنا موقف من التبشير. الإسلام أيضاً دين تبشير ولكن أحياناً أنا أجلس مع الكاهن لأحاوره في شأن الألوهة والمسيح وطبيعة المسيح، هذا بحث علمي.

نحن نعتمد في بناء حياتنا السياسية والاجتماعية والوطنية على ما نسميه حوار الحياة. توجد سورة في القرآن تضع حدوداً فاصلة (لكم دينكم ولي ديني، لا أعبد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد). ولكن نحن مثلاً في لبنان أو في الوطن العربي، نحن نعيش على أرض واحدة ونتنشق هواء واحداً إذا كان ملوثاً فيلوثنا جميعاً، نشرب من ينابيع واحدة ونسكن في مدن واحدة، ننتج اقتصاداً واحداً، نتبع لمعايير أمنية واحدة، لدينا مشروع دولة واحد.. نريد أن نتحاور ليكتشف بعضنا بعضاً ويقبل بعضنا بعضاً، نحن على هذه الأرض نملك إمكانات مشتركة، لنا حقوق متوازنة وعلينا واجبات متوازية يجب أن نحترمها جميعاً، وأن نتعاون في حقل الأخلاق على تطوير نظام أخلاقي يقوم على إيماننا المشترك، الإيمان الإبراهيمي.

في هذا المجال، في حوار الحياة أعتبر أننا حققنا أعظم النجاحات. في لبنان حققنا نجاحاً كبيراً وأعطينا معنى عميقاً لوجود لبنان ولحقيقة لبنان على مستوى عال.

على المستوى العالمي، نحن والكنيسة الآن، الإسلام والمسيحية يدخلان في اجتماعات وتجمعات وأبحاث وجهود مشتركة لتطوير فكرة العيش المشترك على صعيد عالمي، وأنا أستغرب من بعض أخواننا المثقفين الذين يقولون إن هذا الحوار عقيم.

تارة تريدون أن يصبح العالم مسيحياً أو مسلماً، نعم أنا أسلّم ولكن ليس هذا مقصودنا.

مقصودنا أني أقبل الإنسان المسيحي كمواطن كامل الحقوق وأن يقبلني بالمستوى نفسه، أن يقبلني الإنسان الغربي المسيحي أنا المسلم باعتباري كائناً بشرياً لي حقوق عليه أن يحترمها، أنا أريد أن أسكن معه وأطور حياة مشتركة معه انطلاقاً من أرضية قيم مشتركة بيننا. هذا الأمر أنا أعتقد أننا نجحنا فيه نجاحاً كبيراً والعالم الآن يشهد يقظة أخلاقية على مستوى الشعوب لعلها لم تكن موجودة في الماضي.

الآن قضايا حقوق الإنسان أصبحت جزءاً أساسياً في الثقافة العالمية، هي لا تحترم بسبب سطوة السياسات ولكنها من الناحية النظرية أصبحت عقيدة. في الماضي لم تكن كذلك. في الماضي كان يوجد في الإسلام فقط احترام لحقوق الإنسان الآخر، أما الآن أصبحت حقوق الإنسان عقيدة لا تحترم، فليكن ولكن في الماضي لم تكن عقيدة وهذه إحدى نتائج الحوار الإسلامي - المسيحي. طبعاً خيبات الأمل التي حدثت بعد الحربين العالميتين ساهمت في دفع الوعي البشري نحو اكتشاف هذه القيم الأخلاقية ولكن الحوار الإسلامي - المسيحي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية بشكل خاص قدم خدمات كبرى على هذا الصعيد. وأنا أعلق أمالاً كبيرة جداً في مستقبلنا على هذا الحوار الذي نعمل على تعميقه وتوسيعه.

فقولكم هل توافقون على إقامة تحالف بين المؤمنين وغير المؤمنين من أجل إرساء الأسس الأولى لأخلاق كونية. أقول نعم. نوافق على هذا ونعمل له.

* كيف تقرأون في القبلية الإتنية والطائفية التي ترافق العولمة. هناك من يخشى أن تحول هذه العولمة لما بعد الوطني إلى بلقنة معممة، فالأنترنيت مثلاً بدلاً من أن يقرب بين الناس ويزيل نزاعاتهم وخلافاتهم، يضاعف الأصوليات وهذيانات المتطرفين دينياً.

- أحد وجوه خشيتنا من العولمة أن العولمة على خلاف ما يتصور، هي ليست حركة توحيدية بل هي حركة تفتيتية. العولمة على مستوى الاقتصاد (وفي ذلك لديَّ بحث مفصل) العولمة هي الاستحواذ والاستيلاء وفقاً لمعادلات القوة وليس وفقاً لمعادلات العدالة.

تقول العولمة إن القوة الاقتصادية الموجودة في السوق هي حقيقة وضعية لا تخضع لمعايير أخلاقية وإن الأقوى هو الذي يسود، تريد أن تحسن حياتك إعمل جهدك، جهد دولة مغلوبة على أمرها، مجردة من أي جهاز تقني وفني مقابل الدول الصناعية الكبرى، فماذا تستطيع أن تفعل؟.. أن تعرض ماءها وترابها وهواءها ومعادنها للبيع والذي يسعِّر هو البورصات الموجودة في المراكز الصناعية الكبرى وهي عليها أن تقبل التسعيرة. وقد قيل لنا في إحدى الفترات لا تبيعون النفط، إشربوه إذاً. والعولمة في مجال الثقافة الآن تعني المسخ. أوروبا الغربية مذعورة من العولمة التي تعني بالنسبة إليهم الأمركة. العولمة بالنسبة إلينا في العالم العربي أو الإسلامي تعني التغريب. العولمة بالنسبة إلى المجتمعات الآسيوية الكبرى مثل الصين واليابان وما إليها تعني الاستلاب. أما العولمة على الصعيد السياسي والمجتمعي فتعني التفتيت، وتجزئة المجتمعات من الداخل. وهذا أعظم الأخطار التي تواجه الوحدات الوطنية والإقليمية.

ألفت النظر هنا إلى قانون الحقوق الأميركي الذي أعطى للولايات المتحدة حق التدخل في أي دولة في العالم تحت ستار الأقليات الدينية وحماية الأقليات الدينية. هذا يعني أن كل بدعة يمكن أن تكون مشكلة لمحيطها الوطني والقومي وأن تطالب بتشكيل كيان سياسي. كل جماعة اتباع مذهب، كل فئة ضالة تريد أن تنفصل عن مجتمعها وتضرّه تكون نظاماً وتقول إنها أقلية وتطالب بحقوق لها خاصة بها وحدها. إذاً فالعولمة تؤدي إلى إيجاد دولة هشة من الخارج لتؤمن استمرارها، وتقدم التنازلات لمراكز القوى الكبرى، وتمارس عمليات القمع في الداخل كي تضبط وحدتها.

من هنا نحن نرى أن العولمة تمثل خطراً على العالم وتزج به في أتون صراعات سياسية وعرقية ودينية لا نرى لها مدى.

وقد دعوت في هذه الدراسة التي حدثتكم عنها على خلاف من دعوا إلى محاربة العولمة، فأنا لا أدعو إلى محاربتها، وأخالف أيضاً من يدعون إلى الذوبان فيها، فقد دعوت إلى تطوير قدراتنا الداخلية لننشء عولمتنا الخاصة بنا ونتعامل مع التيار العولمي الآخر من موقع الاختيار والقوة وليس من موقع الرفض الأعمى أو القبول الأعمى. إذا رفضنا فلنرفض عن بصيرة وإذا قبلنا فلنقبل عن بصيرة واختيار.
صفحة 10
كريم مروه

الحركات الأصولية تغتالالبديل بدل أن تغتال الخصم

لم تكد التجربة الشيوعية تكشف عن أزمتها، حتى تسارعت الاجتماعات والندوات ولجان الأبحاث لتقدم قراءات جديدة ومثيرة، تشرح أن هذه العقلانية العلمانية التي وصمت هذا القرن قادت إلى أفظع المذابح.. وأنها حين اجتهدت لتنسيق المخالطات الاجتماعية، قد وضعت العمال في مواجهة أرباب العمل وخضبت ساحات المعارك بالدم، وأخفت الأزواج وفرقت العائلات. وذهب الأمر بالبعض إلى اعتبار أن الفكر العلماني ينتمي إلى عرقية جديدة تزعج وتهدد كل من لا ينتمي إلى عالمها، ووصفها البعض الآخر بأنها تشكل العصر الذهبي للعدوانية. لكن السؤال: هل تقلصت الحركات العنيفة في العالم اليوم، وخصوصاً وسط المجتمعات الغربية، وهل ساهمت هذه المرحلة من «الديمقرطية الغازية» في التخفيف من القلق الذي أحدثه إدراكنا الحسي لعالم محكوم بعدم الضبط. أم أن هذه «الديمقراطية» نفسها هيأت للأحقاد التي لا تغتفر تحت غطاء المهمة المحضرة للعولمة الأميركية، التي تنشر ثقافتها الاستحواذية التي تجرف في طريقها الخصوصيات والهويات الوطنية وتجعل من الدول مجرد مرافئ مهمتها تسهيل عبور للرأسمالية إلى أصغر نقطة في العالم وأبعدها. لنرى في المقابل أن بعض الشيوعيين قد أشاحوا أنظارهم عن أمجاد «الثورة الذهبية» التي هزت المجتمع الانساني، من دون الإشارة حتى إلى أن هذه الثورة التي انتابها الجنون قد نشأت في أبهى تربة إنسانية، ولم يجتهد إلا قلة محاصرة لتسجيل شهادة ولو شخصية عن صورتها الحقيقية... شهادة عن المثالية التي قادت الطلاب والعمال والمسحوقين والمنبوذين في العالم ليصبحوا ماركسيين حتى عن بعد. بل ما حدث هو أن المطابع غصت بشهادات عن الذين سجنوا وعذبوا وأرغموا على الإدلاء بشهادات مزورة، عن بعضهم ضد بعض ومن ثم قتلوا في معسكرات ستالين. كأنه لم يبق من الشيوعية إلا الافتراءات السياسية التي كانت تغلف التهم الجنائية.. بل كأن هذه الثورة لم تحقق سوى دولة بوليسية مهمتها إنتاج الضحايا.. هذا الواقع دفع الكثير من «رفاق الأمس » إلى الاعتذار والندم عن سلوكهم الخط السياسي الجذري في فترة شبابهم وتجردوا من أسلحة الماركسية المبشرة. لكن في بلداننا العربية رأينا أن الكثير من الشيوعيين قد صفقوا للرياح الليبرالية التي بدأت تهب علينا! وهناك من اعتبر أن «دستور الحرية» الجديد هو الكتاب المقدس الذي سيعيد الانفراج إلى الحياة السياسية بعد عقود من الجمود الايديولوجي. ماذا حدث؟ هذا «التحرر» من كوابح الماضي ترافق مع عودة الأصولية المشحونة بالعداء لكل ما يمثل الانفتاح والتنوع، وسرعان ما تحول الغزل بين الأصوليات العلمانية والدينية عن الطاولة المستديرة إلى خلف المتاريس. والذي اعتقدنا أنه هوامش بسيطة للتنفس في وسط المجتمع المدني، تحول فجأة إلى «آيات» للتحريم والتكفير والنبذ.. ووسط هذه المستجدات «القدرية» صار بالإمكان استخدام علمانيي الأمس كضمانة يمكن الاعتماد عليها لتضليل الرأي العام، وتوجه الكبش الايديولوجي إلى أسوأ الخطوط المعادية للإصلاح والانفتاح والتغيير.. هذه المكائد الاجتماعية اشترك فيها دينيون وعلمانيون.. والذي اعتقدنا أنه ولادة قواسم مشتركة جديدة بين التيارات والإيديولوجيات والحركات كان في الحقيقة إعادة دفن محكم لقيم الحوار. لنرى أن هناك طريقة وحيدة للعيش هي الاقصاء.. والذين نجوا في زمن «القمع» سقطوا ضحايا وهم «الحرية.. الماضي أصبح أمامنا. والمبارزة بين العلمانيين والدينيين يصعب التخلص منها صعوبة التخلص من التدخين أو فرقعة الأصابع. وحين يتحاورون يشي كلامهم دائماً بوجود ذخائر سرية متروكة للمفاجآت. وكل واحد منهم يريد المبارزة وفق شروطه، فهم يملكون من الشدة والخبرة ما يكفيهم لاختيار اللحظة المناسبة لقطع المشهد. ورغم ذلك تبدو المبارزة أبدية. لا يوجد أي حكم يمكنه أن يطلق الصفير معلناً نهايتها. مما يحملنا على الاعتقاد أنه سيكون هناك لدى أنصار هذه الجهة أو تلك فرق مساندة مستعدة للقيام مقام الذين خارت قواهم وأرهقهم الاصغاء إلى حجج الخصم. إن أحد أسباب العنف هو عدم القدرة على الافهام والتفاهم وتعطيل لغة المنطق وإطلاق التعميمات والاخلال بحقائق الأشياء، واستخدامنا تعابير مشحونة وملتهبة. وهنا أتحدث عن خطباء دهماويين متمرسين في الألفاظ. ويستعملون الديماغوجية بدل المنطق عن دراية بهدف التهييج والعنف والإثارة. والقضية باستمرار هي قضية السلطة وحب السيطرة، وهذا هو الحافز الذي يحرك متعهدي العنف وسماسرة الإرهاب في كل مكان وفي مختلف المواقع. لذلك ليس غريباً ظهور فئات من الأصوليين الداعين إلى العنف والمنفذين له.. خصوصاً بعد سقوط الشيوعية، ومسارعتهم لملء فراغ السلطة، فعندما نعتقد أننا احتكرنا الحقيقة، فإننا حين ذاك نصدق بلوغنا اليقين المطلق الإحكام والذي لا بديل له. تماماً كما ظنت الشيوعية التي ما إن اعترتها الشكوك، حتى انهارت. لنرى أن هذا الانهيار ترافق مع عودة الدكتاتورية الدينية. لذلك فإننا نحتاج إلى المنطق الذي يعلمنا الشك ويغذي حوافزنا على التواضع. والمأساة التي نواجهها هي أن هذا الفريق أو ذاك هو دائماً في غاية التأكد ولديه حبة اسبرين لشفاء كل علة. وهكذا جعلنا حياتنا كلها تدور في إطار مشروع تسويق كبير، نطلب من خلاله الحلول الجاهزة لمشكلاتنا الصغيرة، حتى خيل إلينا في غمرة النشوة أننا وجدنا الحلول للمسائل الكبيرة أيضاً، من دون أن ننتبه إلى أننا نتلقى العلوم كمستهلكين وليس كمفكرين. ومن دون أن نشكك ولو للحظة في حتمية وجود الحل أو احتمالات البدائل، أو تعدد الحلول لقد أعدمنا الاحتمالية المفتوحة ولم ننتبه إلى أبسط البديهيات التي تقول إن مشاعر الحزن والحب والخوف والإيمان عظيمة جداً وخصوصية جداً، وعندما تفرض علينا فرضاً يصبح ذلك اغتصاباً للقيم الانسانية وتدنيساً.

هل يدعو هذا الكلام إلى تلمس الفارق بين الشعائري المحترم والاستعراضي الرخيص؟

لن تخمد هذه الحوارات الصراع القديم بين الروحانيين والماديين، لكنها ربما تمنحه انعطافة جديدة، بعيداً عن الكليشهات الجاهزة والمعممة التي تجعل الدم يشخب من جروح منكوءة عمداً بدافع من قوة الشعور بالذنب، ذلك لأن هذا السمو بالإحساس بالذنب لن يمنح المعترف يقيناً بالمغفرة التي تهب الإرادة والقوة الكافيتين للردع عن معاودة اقتراف الخطايا. ولسنا في وارد إعادة بعث فكرة «المخلص» الذي يحررنا من آثام الحياة. كل ما في الأمر هو أنه علينا إدراك أن غالبية المجتمعات توصلت إلى اختيار العقلانية في التعامل خلال رحلة تطورها الضاربة في عمق التاريخ والزمن، وأن هذه المجتمعات قد انحازت طوع إرادتها للقانون دستوراً وللنظام نبراساً بدلاً عن اعتباطية الجهات العليا واستبداديتها وتحكيم الهوى، وبدلاً عن لعبة شطرنج الكلمات. فماذا يقول كريم مروة؟