المقدمة
يسعدني ويسرني أن أتقدم بكتابي هذا والموسوم بعنوان "مبادئ إدارة الأعمال من الألف إلى الياء، مفاهيم نظرية ومنطلقات عملية" لزملائي الأكاديميين والمهنيين الأفاضل وطلبتي الأعزاء على حد سواء، لاسيما وأن التقدم السريع الذي حصل في شتى مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية في العالم، وما رافقهما من انفتاح اقتصادي وسياسي وتطور مهول في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات انعكس بشكل أو بآخر على منظمات الأعمال وأدى بالتبعية إلى مضاعفة عبئ المسؤوليات الملقاة على عاتقها، الأمر الذي جعل من الإلمام بمفهوم ومبادئ علم إدارة الأعمال مطلبا ملحا وضرورة لابد منها من أجل ضمان قيام أي تنظيم بتحقيق أهدافه بأعلى جودة وبأقل تكلفة، خصوصا وأن الإدارة هي التي يقع على عاتقها مسؤولية خلط ومزج القوى البشرية والموارد المادية المتاحة وتهيئة ظروف وشروط النجاح اللازمة لإنجاز هذه المهمة بمنتهى الكفاءة والفاعلية.
وفي هذا المقام أرجو أن لا يفوتني التنويه بأن هذا الكتاب قد كان مزيجا لجهود علمية وعملية متعددة وطويلة، محاولين ما أمكن الاستفادة من تجارب الزملاء الأفاضل الذين سبقونا في هذا المضمار، لاسيما وإنه قد مضى على تعاملنا واشتغالنا في حقل إدارة الأعمال على اختلاف مجالاتها ما يقارب الثلاثون عاماً تدرجنا خلالها من وظيفة محاسب ومحاسب رئيسي ومدقق حسابات خارجي ومدقق حسابات داخلي ورئيس قسم تدقيق داخلي ومديرا لدائرة التدقيق الداخلي ومديرا لوحدة الرقابة الداخلية ومستشارا ماليا لمدير عام شركة البوتاس العربية، وأخيراً وليس آخراً رئيساً لمجلس قسم إدارة الأعمال ونظم المعلومات الإدارية وبرنامج الـ (MBA) في كلية إدارة الأعمال بجامعة مؤتة، حيث تمكنت من خلال هذه المسيرة الحافلة وبحكم طبيعة عملي من مزاملة ومقابلة العديد من أولئك الخريجين والطلبة، ومشاهدة العديد من المناهج والكتب والمراجع العربية التي تحتوي على مواضيع مشابهة لكنها معروضة بأسلوب صعب ومحاورها مشتتة بين فصول متعددة ولا بد من العمل على إعادة تبسيطها وتجميعها في فصول محددة وتذييل كلا منها بمجموعة من الأسئلة والأجوبة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تسهيل مهمة الطالب ويجعله قادراً على فهم وتحديد معالم رؤيته المستقبلية بمنتهى الشفافية والوضوح.
وبناء عليه فقد أخذت على عاتقي مسؤولية سد هذه الثغرات ومواجهة تلك المعضلات مجتمعة ومنفردة من أجل إعادة تقديم مادة مبادئ إدارة الأعمال برمتها بأسلوب سهل وبسيط وممتع وقريب من الواقع العملي لضمان توصيل المادة العلمية والعملية لأبنائنا الطلبة بيسر وسلاسة بعيدا عن الحشو والتكرار الممل الذي ليس له داعي، مستعينين بالله عز وجل أولاً وبنصح ومشورة زملائنا الأجلاء ثانياً ورغبة وحاجة طلابنا الأعزاء ثالثاً، لذلك فقد جاء كتابنا هذا على ثمانية فصول حاولنا من خلالها استعراض المواضيع التي تترجم عنوان هذا الكتاب بشكل درامي متصاعد، تمهيداً للانطلاق منه باتجاه المواضيع والجوانب الأكثر عمقاً وتخصصاً في هذا المجال والتي تتمثل حصراً بمواضيع الإدارة المالية وإدارة الإنتاج وإدارة التسويق وإدارة الموارد البشرية وإدارة المخازن وإدارة الرقابة الداخلية وغيرها من المواضيع المتخصصة على طريق صياغة العقلية الإدارية العربية المنافسة إقليمياً وعالمياً.
ولتحقيق هذه الغاية بكل إتقان فقد انعقد الفصل الأول منه لإعطاء لمحة عامة عن تطور ومفهوم ومهارات ووظائف ومجالات ومبادئ الإدارة، وانفرد الفصل الثاني لمناقشة مبادئ نظريات المدارس الإدارية التقليدية والإنسانية والمعاصرة، وانبرى الفصل الثالث للتعريف بعناصر وخطوات وأنواع وخصائص وأساليب اتخاذ القرارات الإدارية، وخصص الفصل الرابع للحديث عن مفهوم وفوائد وخطوات وأنواع وخصائص التخطيط الإداري، وتصدى الفصل الخامس لمفهوم وخطوات وأنواع ونماذج التنظيم الإداري، وذهب الفصل السادس لاستعراض مفهوم ونظريات التوجيه والقيادة الإدارية، وعالج الفصل السابع مفهوم وتطور وأنواع ومجالات وخطوات وأساليب الرقابة الإدارية، وتطرق الفصل الثامن للوظائف الإدارية لمنظمة الأعمال مع إرفاق ملحق لقانون الشركات الأردني رقم (22) لسنة 1997 وتعديلاته، وذلك لإعطاء الطالب جرعة قانونية عن محددات البيئة التي تعمل من خلالها منظمات الأعمال في وطننا العزيز.
وفي الختام أرجو من الله أن يكون لهذا الجهد المتواضع دوراً كبيراً في إثراء المكتبة العربية والأردنية منها على وجه الخصوص، ومعيناً لا ينضب لزملائنا الأكاديميين والمهنيين وأبناءنا الطلبة في مجال حيوي وهام لا زال بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد والدرس والإضافة، لاسيَّما وإننا نعيش في ظل تحديات العولمة وانفجار ثورة تكنولوجيا المعلومات، سائلاً الله عزّ وجل الفلاح والسداد وأن يكون عملي هذا وعمل كل من أعانني عليه لنفع بلدنا الأردن ووطننا العربي الكبير بل والإنسانية جمعاء.
والله ولي التوفيق
المؤلف
الدكتور فيصل محمود الشواورة
نشأة علم الإدارة:
أن الإدارة من حيث الإحساس والمنطق نجزم بأنها قد وجدت منذ أن وجد آدم على وجه الخليقة فقد ارتبط تطورها بتطوره وتقدمها بتقدمه، ومن خلالها كان ولا زال وسوف يبقى يدير شؤون حياته الفردية والعائلية والجماعية، وبها ركب البر والبحر والجو، وبها انتقل من الأرض إلى القمر والمريخ، وبها تحول من الحياة البدائية البسيطة إلى الحياة المدنية المعقدة، ولولاها لما تمكن من اكتشاف نواميس وأسرار الكون، وبالتالي لما توصل لعظمة الخالق عز وجل.
لكنها من حيث الوقائع المادية الملموسة نجزم بأنها قد وجدت مع وجود الحضارات الإنسانية القديمة وما خلفته لنا من معالم ومنجزات لا زالت ماثلة أمامنا تشهد بوضوح على مدى عظمة الإدارة التي كانت تقف خلفها، وما مدينة البتراء والأهرامات والحدائق المعلقة وصور الصين العظيم إلا بعض من هذه النماذج والشواهد، وبالتالي فهي ارث بشري تراكم عبر العصور شارك وساهم به جميع من عاش على وجه هذه الخليقة، إلا أن ما وصل إلينا عبر النقوش والرسومات الجد رانية والفخارية يشير بأن مبادئ الفكر الإداري وتطبيقاته العملية قد نشأت وتطورت في الحضارات الإنسانية الأولى التي ظهرت على الأرض العربية، حيث تبين لمن تتبع من الباحثين مراحل تطور الفكر الإداري بأن البابليين والسومريين والأنباط والفراعنة هم أول من أرسو دعائم هذا العلم وقاموا بوضعه موضع التطبيق الفعلي على ارض الواقع، وتاليا استعراض سريع لأهم مراحل تطور هذا الفكر وعلى النحو التالي:
الإدارة لدى السومريين:
لقد دلت الحفريات والنقوش بأن السومريين قد كانوا يطبقون نظاما صارما على جباية الأموال وكيفية إنفاقها ويحتفظون بكافة المعلومات التي كان يتم جمعها من الكهنة والمعابد، وهذا يعني بأنهم قد كانوا يمارسون عملية الرقابة الإدارية بكل ما تعنيه هذه الوظيفة من معنى، وهذا الاكتشاف يعني ضمنا بأن هناك إنجاز قد استوجب المراقبة، وهذا الإنجاز لا بد له من توجيه وهذا التوجيه لا بد له من تنظيم وهذا التنظيم لا بد له من تخطيط، وهذه مجتمعة تشكل وظائف الإدارة المعروفة في عصرنا الحاضر.
الإدارة لدى البابليين:
لقد دلت الحفريات والنقوش بأن البابليين قد كانوا يطبقون نظاما للأجور والرقابة على إثمان السلع والخدمات المباعة، والتركيز على ضرورة الفصل بين السلطة والمسؤولية وأن الأخيرة لا تفوض، ومن إنجازاتهم العظيمة الحدائق المعلقة وبرج بابل، وهذا يعني بأنه قد كان لديهم إنجازات كبيرة وهذه الإنجازات الكبيرة لا بد لها من رقابة شديدة وهذه الرقابة الشديدة لا بد لها من توجيه صارم وهذا التوجيه الصارم لا بد له من تنظيم محكم وهذا التنظيم المحكم لا بد له من تخطيط متقن، وهذه مجتمعة تشكل وظائف الإدارة المعروفة في عصرنا الحاضر.
الإدارة لدى الفراعنة:
لقد دلت الحفريات والنقوش بأن الفراعنة قد كانوا يطبقون نظاما للبناء والري، وممارسة السلطة وتقسيم العمل وتوزيع المسؤوليات والتخصص فيه، ومن إنجازاتهم العظيمة أهرامات الجيزة وتمثال أبو الهول وإتقان فن تحنيط الموتى، وهذا يعني بأنه قد كان لديهم إنجازات كبيرة وهذه الإنجازات الكبيرة لا بد لها من رقابة شديدة وهذه الرقابة الشديدة لا بد لها من توجيه صارم وهذا التوجيه الصارم لا بد له من تنظيم محكم وهذا التنظيم المحكم لا بد له من تخطيط متقن، وهذه مجتمعة تشكل وظائف الإدارة المعروفة في عصرنا الحاضر.
الإدارة لدى الأنباط:
لقد دلت الحفريات والنقوش بأن الأنباط قد برعوا باستخراج المياه الجوفية، والمحافظة على مياه الأمطار، وأقاموا كثيرا من القلاع والأبراج وتميزوا بالفن الحربي وسيطروا على تجارة الشرق ووصلت قوافلهم إلى ايطاليا وفرنسا، ومن إنجازاتهم العظيمة مدينة البتراء الوردية ومعبد الأسود المجنحة ومعبد خربة الذريح ومعبد خربة التنور، وهذا يعني بأنه قد كان لديهم إنجازات كبيرة وهذه الإنجازات الكبيرة لا بد لها من رقابة شديدة وهذه الرقابة الشديدة لا بد لها من توجيه صارم وهذا التوجيه الصارم لا بد له من تنظيم محكم وهذا التنظيم المحكم لا بد له من تخطيط متقن، وهذه مجتمعة تشكل وظائف الإدارة المعروفة في عصرنا الحاضر.
الإدارة لدى الرومان:
لقد دلت الحفريات والنقوش بأن الرومان قد كانوا يطبقون نظاما للمقاطعات ووحدات الحكم المحلي، وتقسيم العمل وتفويض السلطات والصلاحيات، ومن إنجازاتهم العظيمة المدرج الروماني وأعمدة جرش، وهذا يعني بأنه قد كان لديهم إنجازات كبيرة وهذه الإنجازات الكبيرة لا بد لها من رقابة شديدة وهذه الرقابة الشديدة لا بد لها من توجيه صارم وهذا التوجيه الصارم لا بد له من تنظيم محكم وهذا التنظيم المحكم لا بد له من تخطيط متقن، وهذه مجتمعة تشكل وظائف الإدارة المعروفة في عصرنا الحاضر.
الإدارة لدى العرب والمسلمين:
لقد أشارت آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وسيرة الخلفاء الراشدين جميعها إلى العديد من المبادئ والتطبيقات الإدارية التي تحث على ضرورة الالتزام بالتخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة لنيل مرضاة الله سبحانه وتعالى، وذلك من خلال العمل على أعمار الدنيا مع التمسك بكل ما من شأنه أن يؤدي إلى دخول الجنة والابتعاد عن النار، وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف فقد تم التركيز على ضرورة تعيين الموظفين على أساس مبدأ العمل والتخصص فيه والتزام مبدأ الشورى في إدارة شؤون الدولة، حيث ظهرت العديد من الدواوين ونظم الرقابة على الإيرادات والنفقات في الخلفاء الراشدين، ومبدأ السلطة اللامركزية في العهد الأموي، ونظام الوزارات في العهد العباسي.
الأمر الذي يؤكد على أن الفضل في إرساء دعائم مبادئ وتطبيقات علم الإدارة المدونة منها والموروثة يعود في معظمه للحضارات الإنسانية المتعاقبة التي نشأت وترعرعت على أرضنا العربية، مع عدم إغفال أو نكران ما للأمم والحضارات الأخرى من مساهمات وإدوار لا يمكن تناسيها أو تجاهلها في هذا المضمار، وذلك مثل الحضارات اليونانية والصينية والهندية وغيرها قديما، والحضارات الأوروبية والأمريكية واليابانية وغيرها حديثا، فالإدارة حالها حال غيرها من العلوم الأخرى هي جهد بشري وارث أنساني متراكم بدأ مع آدم ولن ينتهي إلا بانتهائه، وبالتالي لا يمكن لأمه واحدة أو حضارة بمفردها أن تدعي السبق أو الريادة فيه لكننا ومن خلال عرضنا لما سبق وأن توصل إليه غيرنا من الباحثين من نتائج موثقة والذين بالمناسبة جلهم من الباحثين الأجانب وليس من العرب نستطيع أن نزعم بفخر بأن امتنا العربية قد كان لها مساهمات بارزة ومتميزة في ترسيخ مبادئ هذا العلم وإبرازه إلى حيز الوجود مقارنة مع غيرها من الأمم، لاسيما وأنه قد ثبت على ارض الواقع بأن الإدارة الناجحة هي سر نجاح الأفراد والجماعات والشركات والمؤسسات والدول في كل زمان ومكان، وما سادت الأمم على مر العصور إلا بنجاح الإدارة فكرا وتطبيقا وما بادت تلك الأمم للأسف إلا بالتخلي عنها فكرا وتطبيقا.
معنى ومفهوم الإدارة (Administration):
للإدارة معنى لغوي ومفهوم اصطلاحي، المعنى اللغوي مشتق من الكلمة اليونانية (minister tad) ويعني خدمة الغير، أما المفهوم الاصطلاحي فهو لم يجمع عليه الفلاسفة حيث أننا نجد بأن بعضهم ينظر إليها على أنها علم لها قواعد وقوانين حالها حال غيرها من العلوم، وبعضهم يتعامل معها على أنا فن بحاجة إلى ملكة ومواهب خاصة حالها حال غيرها من الفنون، وبعضهم يتعاطى معها على أنها مهنة بحاجة للتجربة والممارسة حالها حال غيرها من الحرف والمهن، والبعض الآخر يميل إلى الجمع فيها بين العلم والفن والمهنة، وذلك على النحو التالي:
أولا: الإدارة كعلم:
يرى بعض المفكرين بأن الإدارة هي علم تحكمه قوانين علمية ثابتة نسبياً، وأنه لو تم تطبيقها في ظروف معينة بقدر ملائم فأنه سوف يتم التوصل إلى نفس النتائج، وذلك بغض النظر عن مكان وزمان وجودها، ويرى هؤلاء المفكرين بأنه وعلى الرغم من عدم التوصل إلى كافة القوانين التي تحكم نتائج العمل الإداري إلى الآن لكي تصبح الإدارة علماً كبقية العلوم، إلا أنه قد تم التوصل إلى العديد من القواعد التي لو تم تطبيقها في ظروف ملائمة فإنه سوف يتم التوصل إلى نفس النتائج، مبررين التأخير في استكمال بقية القواعد للأسباب التالية:
1. أن علم الإدارة حديث نسبياً ولم يعطى الزمن الكافي لاكتشاف بقية مبادئه وقوانينه.
2. إن الإدارة علم من العلوم الاجتماعية والتي بطبيعتها تتسم مبادئها وقواعدها بالمرونة وعدم الاستقرار النسبي.
لكنه يبقى كغيره من العلوم يعتمد على ركنين أساسين من البحث والتقصي هما:
1. الاستقراء أو التقصي Induction: أي التوصل إلى المبادئ والقواعد والقوانين العلمية من خلال مراقبة وتحليل وضبط الظواهر الإدارية القائمة، بهدف تحديد الأسباب وإحكام السيطرة على النتائج في المستقبل.
2. الاستنباط أو الاستنتاج Deduction: أي التوصل إلى النتائج والظواهر الإدارية القائمة من خلال تطبيق المبادئ والقواعد والقوانين العلمية، بهدف تحديد الأسباب وإحكام السيطرة على النتائج في المستقبل.
وعلى هذا الأساس فإن الإدارة كعلم يبقى جهدها منصبا على ملاحظة أو مشاهدة الظواهر في الواقع الإداري بهدف تحليلها وتشخيص أسبابها ومعرفة النتائج المترتبة عليها تمهيدا للتحكم فيها، إلا أنه لا يمكن النظر إليه بنفس الزاوية التي ينظر من خلالها إلى العلوم المجردة مثل علم الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء لكونه يتعامل مع البشر وليس مع الجمادات، والإنسان بطبعه يتغير ويتطور باستمرار ويختلف من حيث طريقة التفكير والسمات النفسية عن غيره من البشر، وبالتالي من المستحيل ضبط سلوكه والتحكم بنتائج أعماله في كل زمان وكل مكان ولمجموع البشر، فلو قمنا على سبيل المثال بفتح مطعم بنفس المواصفات لإعداد وبيع المنسف الأردني في كل من عمان وواشنطن وموسكو فإن النتائج المالية سوف تختلف باختلاف الزمان والمكان، وذلك على النقيض من العلوم المجردة الأخرى التي يمكن التحكم بسلوكها ونتائجها النهائية باستمرار، حيث انه لو قام عربي أو روسي أو أمريكي على سبيل المثال بخلط ذرتين هيدروجين مع ذرة أكسجين فان النتائج النوعية سوف لن تختلف باختلاف الزمان والمكان فهي واحده في كل الأحوال، لكن علم الإدارة يبقى كغيره من العلوم يستخدم أساليب البحث العلمي في التفكير والتنفيذ بغض النظر عن دقة النتائج.
ثانيا: الإدارة كفن:
يرى بعض المفكرين بأن الإدارة هي فن تحكمه ملكة الموهبة والإبداع حيث أن الإداري وفقا لوجهة نظر هؤلاء يولد ولا يمكن تصنيعه، حاله حال الشاعر أو الفنان أو الأديب، وذلك للأسباب التالية:
1. ارتباطها بمدى مهارة المدير الذاتية (الذكاء، اللباقة، الحنكة، قوة الشخصية... الخ) في استخدام الموارد البشرية والمادية والمعرفية المتاحة.
2. ارتباطها بمدى مهارة المدير الموضوعية (المؤهل العلمي، المهارة المكتسبة، الخبرة العملية... الخ) في استخدام الموارد البشرية والمادية والمعرفية المتاحة.
ثالثا: الإدارة كمهنة:
يرى بعض المفكرين بأن الإدارة هي حرفه تحكمها ضوابط وأعراف دائمة التطور والارتقاء، حيث أن الإداري وفقا لوجهة نظر هؤلاء تصنعه الخبرة والتجربة ولا دخل لمعرفته بالمبادئ والقواعد العلمية أو امتلاكه للمواهب والقدرات الخاصة في مدى نجاحه أو فشله بالميدان، حاله حال الحداد أو النجار أو الطباخ أو الميكانيكي، وذلك للأسباب التالية:
1. أن مهنة الإدارة دائمة التطور والارتقاء.
2. أنها واضحة الأطر والمعالم.
3. اعتمادها على التجارب والأبحاث والدراسات.
رابعا: الإدارة كعلم وكفن وكمهنة:
يرى بعض المفكرين بأن الإدارة هي علم وفن ومهنة تحكمه مبادئ وقواعد علمية محددة بالإضافة لملكة الموهبة والإبداع التي ينبغي أن يتمتع بها وحاجته الماسة للتجربة والمحاكاة، فالإداري من وجهة نظر هؤلاء يولد إداري ويصقل بالعلم والتجربة، وذلك نتيجة لحاصل جمع الأسباب سالفة الذكر، فالعلم يوجه المدير إلى ما ينبغي القيام به والفن يضمن التطبيق المبدع والمهنة تضمن الإنجاز الكفء والفعال.
ويمكن الجزم بأن الأدب ألإداريي يعج بكم هائل من التعاريف والمفاهيم والمعاني التي لها أول وليس لها أخر لكنها جميعها تستهدف سبر غور أو توضيح كنه أو تفسير مفهوم الإدارة والتي يمكن تلخيصها على النحو التالي:
1. جمع الموارد البشرية والمادية لانجاز الأهداف المطلوبة بأقل تكلفة.
2. جمع الموارد البشرية والمادية لانجاز الأهداف المطلوبة بأعلى جودة.
3. الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية لبلوغ الأهداف المطلوبة.
4. تنظيم وتنسيق الجهود للحصول على أفضل النتائج.
5. تخطيط الموارد البشرية والمادية للوصول للغاية المنشودة.
6. الرقابة على العاملين من اجل ضمان القيام بالواجبات.
7. توجيه وإرشاد الأفراد لضمان تنفيذ المهام بفاعلية.
8. نظام محكم التصميم يتكون من مدخلات وعمليات ومخرجات.
وفي هذا الإطار فإن المؤلف يرى بأن مفهوم الإدارة مهما تعددت إشكاله وتباينت معانيه لا تخرج عن كونه عملية خلط ومزج وتفاعل بين الموارد البشرية (جهود العاملين) والموارد المادية (تشغيل الممتلكات) والمعرفة الفنية (التكنولوجيا المتخصصة) من اجل تحقيق الأهداف المنشودة (الكمية والنوعية) بأعلى جودة وبأقل تكلفة ممكنة، وذلك من اجل الاستحواذ على أعلى الأرباح أو تقديم أفضل الخدمات المطلوبة، وذلك حسب طبيعة الإدارة التي نمارسها أن كانت خاصة أم عامة.
وبناء عليه يمكن القول بأن فحوى وجوهر الإدارة يقوم على المنطلقات النظرية التالية:
1. أن الإدارة وسيلة وليست غاية.
2. أن الإدارة تتكون من جانب بشري وجانب مادي.
3. أن الإدارة قد تمارس بشكل فردي أو بشكل جماعي.
4. أن الإدارة هي عملية خلط وتفاعل بين الموارد المتاحة.
5. أن الإدارة لا يمكن فهمها خارج نطاق تحقيق الأهداف بأقل تكلفة وأعلى جودة.
6. أن الإدارة تعد الترجمة العملية لمبدأ العقلانية والرشد.
7. أن الإدارة هي داينمو التطور بل وإكسير الحياة.
الأمر الذي عنده يمكن أن نؤكد بكل ثقة واطمئنان بأن الإدارة وكما سبق وأن أسلفنا هي سر النجاح وعنوان التميز في الحياة الشخصية والوظيفية على حد سواء، لذلك فإننا لا نجد في قاموس فلاسفة الفكر الإداري القديم والحديث ما يشير أو يؤكد بأن هناك شخص ناجح وشخص فاشل أو شركة ناجحة وشركة فاشلة أو دولة ناجحة ودولة فاشلة، لكن يوجد أجماع على أن هناك إدارة ناجحة وإدارة فاشلة، وبالتالي فأن النجاح أو الفشل سببه هو الالتزام أو عدم الالتزام بتطبيق مبادئ الإدارة، لاسيما في ظل محدودية الموارد والإمكانيات وانفجار ثورة المعلومات وتحديات العولمة وارتفاع وتيرة المنافسة.
المبادئ التي يقوم عليها علم الإدارة:
نتيجة للجهود المتواصلة وعلى مدار ما يزيد عن قرن من الزمان تمكن المفكرين والباحثين في هذا المجال من وضع بعض المبادئ والقواعد العامة للإدارة، وذلك بعد أن ثبت صحتها في ميدان العمل وأصبحت منطلقات يمكن الاعتماد عليها لتفسير سلوك الظواهر الإدارية والمساعدة على دراستها وفهمها، وبالتالي الوصول إلى أفضل النتائج مقارنة مع الأهداف المخططة، وعلى الإدٍٍاري الذي يسعى للنجاح والتميز أن يلم بها ويفهما بعمق ليتمكن من اختيار المناسب منها والاهتداء بها عند تنفيذ العمل ومن ثم التحكم في كمية ونوعية النتائج النهائية، وذلك من حيث مدى بعدها أو قربها عن الفشل أو النجاح في تحقيق الأهداف المخططة، لاسيما وأنها تتصف بالعمومية والنسبية ويمكن تطبيقها بكافة الأمكنة والمجالات وبالقدر الذي يتناسب مع حجم العمل وطبيعة الموقف، على اعتبار أن علم الإدارة من العلوم الإنسانية التي تتصف بالحركة وعدم السكون وتحكمها قوانين ونظريات مرنه وغير ثابتة، على عكس العلوم الطبيعية (الرياضيات، الكيمياء، الفيزياء) التي تتصف بالسكون وعدم الحركة وتحكمها قوانين ونظريات ثابتة، الأمر الذي يتطلب تطبيقها بمرونة وعدم حدية وبناء وعلى أساس واضح من الفهم العميق لماذا؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف يتم تطبيقها؟، ومن أهم هذه المبادئ:
أولاً: مجموعة مبادئ البحث العلمي:
وتتضمن هذه المجموعة مبدأين أساسيين يستهدفان تطبيق الأسلوب العلمي في دراسة الظواهر والمشاكل الإدارية وهما:
- مبدأ استخدام طريقة الخطأ والصواب: أي أنه عند دراسة أية ظاهرة أو مشكلة إدارية فإنه لا بد من وضعها على صيغة سؤال أو مجموعة أسئلة يطلق عليها اصطلاحا مسمى " سؤال أو أسئلة الدراسة " ومن ثم وضع أجابه أو مجموعة إجابات محتملة لها يطلق عليها اصطلاحا مسمى "فرضية أو فروض الدراسة" تمهيدا لدراستها واختبارها للتأكد من ثباتها أو نفيها وأول من طبق هذا المبدأ في الإدارة هو فريدريك تيلور.
- مبدأ مراقبة الظاهرة أو المشكلة ومتابعة سلوكها: أي أنه عند دراسة أية ظاهرة أو مشكلة إدارية فإنه لا بد من مراقبة الظاهرة أو المشكلة الإدارية موضع الدراسة لفترة من الزمن لتحديد طبيعتها واتجاهها وحركة سيرها ومن ثم تكوين فكرة عن كيفية وطريقة معالجتها وأول من طبق هذا المبدأ في الإدارة هو إلتون مايو.
ثانياً: مجموعة مبادئ الاقتصاد الإداري:
وتتضمن هذه المجموعة ثلاثة مبادئ أساسية تستهدف تجزئة وتخفيف عبئ العمل ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب وإنجاز العمل بأعلى جودة وبأقل تكلفة وكالتالي:
- مبدأ تقسيم العمل: أي أنه ومن اجل تنفيذ العمل بسرعة ودقة فإنه لا بد من تقسيم العمل المراد تنفيذه إلى مراحل والمراحل إلى أجزاء والأجزاء إلى مهام.
- مبدأ التخصص في العمل: أي أنه ومن اجل تنفيذ العمل بجودة وإتقان عالي فإنه لا بد من توزيع العمل المراد تنفيذه على الموظفين حسب مؤهلاتهم وخبراتهم العلمية والعملية.
- مبدأ تبسيط إجراءات العمل: أي أنه ومن اجل تنفيذ العمل بجودة عالية وبتكلفة معقولة فإنه لا بد من تصميم ووضع آلية لتفريغ وتصفير العمل المراد تنفيذه من مختلف الصعوبات والمشاكل المحتملة.
ثالثاً: مجموعة مبادئ التنظيم:
وتتضمن هذه المجموعة خمسة مبادئ أساسية تستهدف تنظيم وتوزيع العمل بما يضمن إنجاز الأهداف بكفاءة وفعالية وكالتالي:
- مبدأ تحديد الأهداف: أي أنه ومن اجل خلق نسق عام للتفكير والتنفيذ الجماعي المنظم فإنه لا بد من وضع أهداف عامة طويلة الأجل وتقسيم هذه الأهداف إلى أهداف فرعية قصيرة الأجل للتنظيم.
- مبدأ تصميم الوظائف: أي أنه ومن اجل خلق وظائف تلبي احتياجات العمل من دون زيادة أو نقصان فإنه لا بد من معرفة حجم وطبيعة العمل المطلوب وتقسيمه إلى مهام وواجبات وتجميع هذه المهام والواجبات في وظائف ومسميات تمهيدا لتحديد مؤهلات وخبرات ومواصفات الشخص الذي سوف يكلف بإشغالها.
- مبدأ التكامل والتجانس: أي أنه ومن اجل منع الازدواجية وتجنب الاحتكاك والتناقض في العمل فإنه لا بد من وضع الأنشطة والعمليات المتشابهة والمتجانسة في وحدة إدارية مستقلة وتقسيم هذه الوحدة إلى أقسام وشعب فرعية وحسب حجم وطبيعة التخصص.
- مبدأ النظم: أي أنه ومن اجل وضع الأمور في نصابها الصحيح وضمان تنفيذ المهام والواجبات بسلاسة ويسر فإنه لا بد من تحديد القواعد والإجراءات التي يجب التقيد بها عند تنفيذ العمل، تحت طائلة المسائلة والمحاسبة وضمن آلية الثواب والعقاب.
- مبدأ المرونة: أي أنه ومن اجل ضمان الحد الأعلى من التكيف مع الظروف والمتغيرات المحيطة بجو العمل فإنه لا بد من أن تكون قواعد وإجراءات العمل قابلة للتعديل والتغيير من وقت إلى آخر ووفقا لمقتضيات ومصلحة العمل.
رابعاً: مجموعة مبادئ رفع الكفاءة الإنتاجية:
وتتضمن هذه المجموعة ثمانية مبادئ أساسية تستهدف رفع كفاءة إنتاجية العاملين بما يضمن تحقيق التعاون والاستقرار في العمل وكالتالي:
- مبدأ التدريب: أي أنه ومن اجل ضمان الحد الأعلى من الكفاءة والفاعلية فإنه لا بد من العمل على مواصلة إكساب العاملين بمختلف المهارات والمعارف الضرورية وبما يواكب روح العصر ويلبي احتياجات العمل.
- مبدأ ظروف العمل: أي أنه ومن اجل ضمان الحد الأعلى من الكفاءة والفاعلية فإنه لا بد من العمل على توفير الإضاءة المناسبة، والتهوية الجيدة، والنظافة المعقولة، ودرجة الحرارة الملائمة، والمعاملة الطيبة.....الخ.
- مبدأ تنمية روح التعاون: أي أنه ومن اجل ضمان الحد الأعلى من الكفاءة والفاعلية فإنه لا بد من العمل على تعزيز وتعميق روح المحبة والتعاون بين الموظفين.
- مبدأ تكافؤ الصلاحية والمسؤولية: أي أنه ومن اجل ضمان الحد الأعلى من الكفاءة والفاعلية فإنه لا بد من العمل على الموازنة الدقيقة بين قائمة المكافآت والعقوبات الممنوحة وبين قائمة المهام والواجبات المطلوبة لكل وظيفة من الوظائف التنفيذية الموجودة في التنظيم.
- مبدأ وحدة إصدار الأمر: أي أنه ومن اجل ضمان الحد الأعلى من عدم الازدواجية والتناقض فإنه لا بد من الحرص على عدم تلقي المرؤوس أية أوامر أو تعليمات إلا من شخص واحد هو رئيسة المباشر.
- مبدأ وحدة التوجيه: أي أنه ومن اجل ضمان العمل على الخطة المقررة ولجهة محددة فإنه لا بد من العمل على تلقى المرؤوس أية أوامر أو تعليمات إلا من قسم أو دائرة أو شركة أو وزارة أو حكومة واحدة، وبالتالي فإن مبدأ وحدة التوجيه يتعلق بشخصية اعتبارية ومبدأ وحدة الأمر يتعلق بشخصية طبيعية.
- مبدأ الترتيب: أي أنه ومن اجل ضمان التعامل مع الأصول البشرية والمادية بيسر وسهولة فإنه لا بد من العمل على ترتيب وتنظيم وتثبيت هذه الأصول بأماكن واضحة ومعروفة ومن السهل الاستدلال عليها والوصول إليها وحسب متطلبات العمل.
- مبدأ التكيف والاستقرار في العمل: أي أنه ومن اجل ضمان الحد الأعلى من الاستقرار والأمن الوظيفي للعاملين فإنه لا بد من العمل على عدم تكرار نقل الموظف من وظيفة إلى أخرى، أو من مكان إلى مكان آخر لأن ذلك من شأنه أن ينعكس سلبا على من مستوى الرضا الوظيفي وبالتالي على كمية ونوعية الإنتاج.
خامساً: مجموعة مبادئ التوجيه والإشراف:
وتتضمن هذه المجموعة ثلاثة مبادئ أساسية تستهدف توطيد ولاء وانتماء الأفراد للشركة التي يعملون فيها، وذلك من خلال قدرة القيادة على التأثير الإيجابي في سلوك العاملين وتوجيههم نحو تحقيق الأهداف المرسومة بكفاءة وفاعلية وكالتالي:
- مبدأ المساواة: أي أنه ومن اجل ضمان الحد الأعلى من الرغبة والإقبال على العمل والإنجاز للعاملين فإنه لا بد من الحرص على معاملة العاملين بمحبه واحترام وعدم التمييز بينهم إلا بمدى حرصهم وإخلاصهم في العمل وبمدى تقيدهم بالسلوك القويم والأخلاق النبيلة.
- مبدأ المبادرة: أي أنه ومن اجل ضمان الحد الأعلى من الإبداع والابتكار في العمل والإنجاز فإنه لا بد من تشجيع العاملين على تقديم المبادرات والاقتراحات من خلال إشراكهم بمختلف المناقشات والحوارات واتخاذ القرارات دون خوف أو توجس أو تشكيك وحسب طبيعة ومستوى العمل أو المشكلة المطروحة.
- مبدأ المعاملة الحسنة: أي أنه ومن اجل أن لا يشغل العامل نفسه بالاستقالة أو الإقالة، وبالتالي تخفيض معدل دورات العمل للحد الأدنى فإنه لا بد من الحرص على عدم تعريض المرؤوس للإحراج أو الإساءة فهو حاله حال الرئيس له أحاسيس ومشاعر ينبغي مراعاتها والفرق بينهم هو فقط في المستوى العلمي والموقع الوظيفي وقد ينتهي بمرور الزمن.