eKtab
EN ع
مبادئ التنشئة الاجتماعية السياسية
اقرأ عينة مجانية

مبادئ التنشئة الاجتماعية السياسية

بقلم د. رعد حافظ سالم الزبيدي

صفحة 1

ملخص الدراسة

توصلت دراستنا إلى أن التنشئة الاجتماعية السياسية هي عملية تحويل الكائن البشري إلى إنسان اجتماعي سياسي. فالتنشئة تقوم بتنشئة الفرد جسمياً، ونفسياً، وعقلياً، وعاطفياً، وقيمياً، وثقافياً، وسلوكياً بحيث تساعد الفرد والجماعة والمجتمع بالنتيجة على التكيف الحياتي والبيئي والاجتماعي والسياسي مما يساعد على استمرار النظام الاجتماعي السياسي وتحقيق الاستقرار الاجتماعي السياسي بالنتيجة لأطول فترة ممكنة. فضلا عن ما تقدم خلصت دراستنا إلى أن بعض هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية الأولية والثانوية كالأسرة، والقبيلة، وجماعة النظراء، والدين، والمدرسة، والديوانية، ومؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الاتصال الجماهيري، والنظام السياسي، وغيرها تقوم بمهمة التنشئة الاجتماعية السياسية. إذ تقوم هذه الهيئات بمهمة نقل القيم والممارسات والثقافة من جيل إلى آخر أو أحداث تغير كلي أو جزئي في كل ذلك. فضلا عن ما تقدم، توصلت دراستنا إلى تأثر هذه الهيئات، وهي تنجز وظائفها، بعوامل ذاتية وبيئية مثل الأثنية، والعرق، والسن، والجنس، وحجم الأسرة، والشخصية، والأحداث التاريخية، والتجارب الشخصية، والوضع الاقتصادي- الاجتماعي، والوسط الجغرافي- الاجتماعي، والحراك الاجتماعي، والبيئة المحيطة الأقليمية والدولية. فضلا عن ما تقدم، تتأثر أيضا عملية وهيئات التنشئة الاجتماعية السياسية، وهي تؤدي وظائفها، بالقيم الاجتماعية، والممارسات الاجتماعية، والثقافة. فضلا عن كل ما تقدم، توصلت دراستنا إلى أن أصل التوجهات والسلوكيات السياسية تأتي بالدرجة الأولى من أصل نفسي واجتماعي وليس فقط بالضرورة من أصل سياسي. أي أن التوجهات والسلوكيات السياسية هي نتيجة التنشئة الاجتماعية السياسية وما التوجهات والسلوكيات السياسية إلا تدريب وممارسة منذ فترة الطفولة وصاعداً.

صفحة 2

مقدمِّة

يُعتقد أن التنشئة الاجتماعية السياسية تقوم بعملية تحويل الكائن البشري إلى إنسان اجتماعي سياسي. فهي تقوم بتنشئة الفرد جسميا ونفسيا وعقليا وعاطفيا وقيميا وثقافيا وسلوكيا. مما يساعد الفرد في التكيف الحياتي والبيئي والاجتماعي السياسي. وتعمل التنشئة نتيجة لذلك على المحافظة في استمرار الوضع الراهن والتكيف مع الأوضاع المستجدة، كما يمكنها إدخال بعض التغيرات على بعض من هذا الواقع الاجتماعي السياسي، بما قد يساعد في تكيف واستمرار وبقاء النظام الاجتماعي والسياسي أطول مدة ممكنة؛ ولكن قد يحدث أحيانا أن تقوم التنشئة الاجتماعية السياسية بتغير شامل للقيم الموجودة، وهي عملية صعبة أن لم تكن مستحيلة من أجل تنشئة الفرد على قيم مختلفة تماما عن القيم التي درج عليها المجتمع السياسي، ويُفترض أيضا أن بعض مؤسسات أو هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية مثل: هيئة الأسرة، وهيئة القبيلة، وهيئة النظراء، وهيئة الديوانية، والهيئة الدينية، ومؤسسات المجتمع المدني، وهيئة المدرسة، ووسائل الاتصال الجماهيرية، وهيئة النظام السياسي، وغيرها تقوم بمهمة التنشئة الاجتماعية السياسية. إذ يتم بواسطتها نقل القيم والممارسات والثقافة من جيل إلى جيل أو القيام بتغير جزئي أو كلي لها.

وفي الوقت الذي تقوم هذه الهيئات بوظائفها فأنها قد تتأثر في عوامل عدة. إذ تشير بعض الدراسات إلى أن هناك بعض المتغيرات المؤثرة في عملية التنشئة الاجتماعية التي يمكن أن تُعدّ متغيرات تفسيرية أو توضيحية، التي تشمل متغيرات النظام، مثل النظام السياسي، بكل ما يتعلق بالحقوق والحريات والواجبات والالتزامات السياسية، ومتغيرات النظام الاقتصادي، والمتغيرات الفردية، بما فيها من الخصائص الشخصية للفرد، بضمنها جنس الفرد كونه ذكر أو أنثى، والعمر، وتقدير الذاتي للصحة، والخصائص الاجتماعية للفرد، بضمنها مستوى التعليم، والوضع الاجتماعي الاقتصادي (للوالدين)، والعيش أو عدم العيش في المناطق الحضرية، وبلد الولادة، والقومية أو الاثنية، والتوجهات غير السياسية (ولكن ذات صلة بالسياسة)، بضمنها الديانة، والانتماء الديني، والكفاءة الذاتية، والقدرية، والمواقف تجاه أولئك في السلطة (الآباء، والمدرسين، ورجال الدين)، ودوافع التعلم والإنجاز، والخوف من الفشل، والطموح الاجتماعي، ورفض أو قبول أدور الرجال والنساء التقليديين، والقلق حول المستقبل الاقتصادي العام لبلد الشخص، والتوجهات السياسية، والأنظمة السلوكية الأخرى، بضمنها الرضا السياسي، والهوية الذاتية والإيديولوجية ذات اليسار أو اليمين، والمادية أو بعد المادية، والمصلحة السياسية، والكفاءة السياسية، والثقة بالمؤسسات السياسية، والثقة باللاعبين السياسيين، والهوية الحزبية أو الانضمام الحزبي، والقلق حول المستقبل السياسي لبلد الشخص، والثورية، والمواقف الوطنية (الشعور الوطني، والإعجاب، والفخر، والتفضيل، والتفوق، والقومية)، والمتغيرات الاجتماعية، بضمنها التجربة الشخصية مع الديمقراطية (التجارب الديمقراطية). فضلا عن أن التنشئة الاجتماعية السياسية تتأثر بدورها بالأنظمة الفرعية السائدة في المجتمع، وبالنخب السياسية والثقافية والفكرية[1].

ونتيجة لعملية التنشئة الاجتماعية السياسية هذه والعوامل المؤثرة فيها, يُعتقد أن الفرد والجماعات الاجتماعية تقوم بسلوك اجتماعي سياسي معين يؤمل منه في الغالب أن يؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وهو الغاية الذي تسعى إليها معظم النظم الاجتماعية والسياسية؛ ولكن قد يحدث أن يقوم أفراد وجماعات معينة بسلوك يختلف عن أو يتقاطع مع أهداف النظام الاجتماعي والسياسي، ولأسباب مختلفة مما قد يتسبب في حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ومن بين مظاهر أو نتاج عملية التنشئة الاجتماعية السياسية يُذكر الاختلاف في السلوك السياسي بين الأفراد؛ وكذلك بين الجماعات السياسية. فيمكن ملاحظة أن هناك اختلافا في الاهتمام بالحياة السياسية، وفي السلوك الانتخابي، والهوية الحزبية والأيديولوجية، والاتجاهات والآراء السياسية. كما أن هناك اختلافا بينهما في تقويم القيادات والسياسات العامة، والولاء للوطن والنظام السياسي، والمشاركة السياسية من عدمها أو ضعفها, فبعض الناس لديهم ولاء للوطن والنظام السياسي في الوقت الذي يملك البعض الآخر ضعف الولاء للوطن والنظام السياسي؛ لذلك لا يهتم بالمشاركة الإيجابية ويتخذ موقفا لا مباليا ومغتربا من الأنشطة السياسية، ويحاول التأثير في الحكومة بواسطة المظاهرات، وتقديم العرائض الاحتجاجية من أجل تغير سياساتها أو اللجوء إلى مشاركة سلبية عن طريق محاولة قلب نظام الحكم. هذا وقد تبرز بعض نقاط التشابه والاختلاف في العمليات والخصائص المميزة للنظم السياسية من حيث عملياتها أو عوامل استقرارها واختلافا نسبيا في سلوكها. وقد يمكن أيضا ملاحظة اختلاف الأفراد في درجة ميولهم لتكوين الجماعات الاجتماعية للتأثير في الحكومة، واختلافهم في أساليب ووسائل حل المشكلات السياسية، كاستخدام الوسائل السلمية أو العنيفة، واختلافا في درجة الاعتراف بحقوق الآخرين، فضلا عن اختلاف السلوك السياسي للمرأة عن الرجل. إلى جانب ذلك يمكن إدراك وجود اختلاف في معرفة الفرد بالعناصر التي تسهم في عملية تسلم الطلبات الشعبية، وإصدار القرارات الحكومية ودرجة إدراك الفرد لحقوقه وسلطاته ودوره في التأثير على النظام السياسي. فضلا عن كل ما تقدم قد يمكن ملاحظة أن هناك بعض الاختلاف والتشابه بين المجتمعات في درجة الاندماج السياسي والشعور القومي على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية. كما قد يمكن ملاحظة تأييد ومنح أو معارضة وإيقاف النظام السياسي لأجراء إصلاحات سياسية حقيقية، والمشاركة السياسية الفعالة والضمانات الدستورية لها، وحقوق المواطنة والمساواة التامة بين المواطنين في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتكوين الأحزاب، وقيام المجالس التمثيلية الوطنية. كما يمكن أن يوفر الاستقرار السياسي أو عدمه مظهرا آخر من مظاهر التنشئة الاجتماعية السياسية.

بناء على ما تقدم، تحاول دراستنا هنا البحث في المبادئ الأساسية للتنشئة الاجتماعية السياسية كمدخل لفهم أسباب الاختلاف في الاتجاهات والسلوكيات السياسية، في هذه الدراسة نحاول، من خلال الفصل الأول، أن نعرف ما هي التنشئة الاجتماعية السياسية؟ وما هي التوجهات والسلوكيات السياسية؟ (مفاهيميconceptualizations )، وجذورها، وأهميتها وكيفية اكتسابها؟ (وصفي Descriptions)، وما هي الهيئات الأساسية والثانوية، من خلال الفصليين الثاني والثالث، التي تسهم في عملية التنشئة الاجتماعية السياسية؟، وكيف تؤثر هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية في عمليات التنشئة الاجتماعية السياسية؟، وما هي العوامل المختلفة المؤثرة فيها (الفصول من الرابع إلى الثامن)؟ (مفاهيميconceptualizations ) ، ومتى، وكيف، ونتيجة ماذا يقوم الأفراد والجماعات باكتساب التوجهات والسلوكيات السياسية؟ وكيف تؤثر التنشئة الاجتماعية السياسية في اكتساب القيم والممارسات والتجارب الاجتماعية السياسية و"الثقافة العامة السياسية"؟، وما هو أصل الاختلافات في التوجهات والسلوكيات السياسية؟ وما هي تأثيرات التنشئة الاجتماعية السياسية في التوجهات والسلوكيات السياسية؟ (توضيحي وتحليلي explanations)[2]، وكيف يكتسب الناس الأفراد المعرفة حول نظامهم السياسي؟

المشكلة التي تحاول أن تعالجها هذه الدراسة هي البحث عن أسباب أو أصل الاختلاف في التوجهات والسلوكيات السياسية. فضلا عن ما تقدم، تحاول دراستنا مثلا أن تعرف لماذا بعض المجتمعات هي أكثر استقرارا اجتماعيا وسياسيا من غيرها؟ وتحاول الدراسة أيضا أن تجد تعليلا لسبب لجوء مجموعة كبيرة من الأفراد والجماعات والدول التي تعلمت أدبيات الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية وقامت بتدريسها أو الدعاية حولها، ولكن لا يمكنها من تطبيقها في تعاملها اليومي مع بعضها ومع الآخرين، وذلك على العكس مما يقوم به الأستاذ في الاختصاصات العلمية الصرفة باختبار ما درسه لطلابه في الصف داخل المختبر لإثبات ما قام بتدريسه!؟ بمعنى آخر فأن المشكلة التي تحاول أن تعالجها هذه الدراسة هي: إذا كانت دراسة العلوم السياسية لوحدها لا تعيننا في تفسير السلوك السياسي بما فيه سلوك طلابها وأساتذتها فهل يمكن أن تعيننا الدراسات النفسية والاجتماعية أيضا على ذلك؟

السؤال الرئيسي الذي يوجه هذه الدراسة، هو: ما هي المحددات الأساسية للتوجهات والسلوكيات السياسية؟ أو/و ما هي الأبعاد السياسية لأنماط التنشئة الاجتماعية السياسية؟

تكمن الأهمية العلمية لهذه الدراسة في عرض نتائج تحليل ومساهمة مفاهيمية وعملياتية للتنشئة الاجتماعية السياسية والتوجهات والسلوكيات السياسية. فالغرض من دراستنا هو وصفي، وتوضيحي، وتطوير نظري[3]. كما تكمن أهمية دراستنا في تقديم مدخل نظري لدراسة وتحليل التنشئة الاجتماعية السياسية وبالتالي التوجهات والسلوكيات السياسية انطلاقا من رؤية حياتية أو جسمية، ونفسية، واقتصادية، واجتماعية، وتأثير البيئة الخارجية، وليس انطلاقا من تفسيرات أحادية الجانب كأن تكون سياسية بحتة فقط. أو الاستناد إلى عوامل داخلية فقط كما جرت العادة في العديد من الدراسات.

إن الأهمية الأساسية لهذه الدراسة تكمن في محاولتها أثبات أن جذور السلوك السياسي ذات أصل نفسي واجتماعي قبل أن يكون ذات أصل سياسي؛ وان الأخير ما هو إلا نتيجة التنشئة الاجتماعية, وأن السلوك تدريب وممارسة منذ الطفولة أي تنشئة اجتماعية وليس يأتي بالضرورة من التعلم فقط في المدارس والكليات من قبل طلاب العلوم السياسية وغيرهم كما في دراسة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها أو من خلال تدريس الأخيرة من قبل أساتذة العلوم السياسية وغيرهم، فضلا عن هذه الدراسة تقوم بجمع وإبراز وتحليل معظم أدبيات التنشئة الاجتماعية السياسية مما قد يسهل مهمة الطلاب والباحثين في هذا المجال، وسعيها لأن تضيف إلى المكتبة العربية والعراقية والأجنبية مصدراً جديداً في موضوع ندرت الكتابة فيه على الأقل بهذا القدر من التفصيل والتركيز والجمع والمنهجية.

فضلا عن كل ما تقدم، فأن الدراسة تأمل في أنها تتميز أو تنفرد في تقديم دارسة جديدة لفهم أسس التنشئة الاجتماعية السياسية، وقد عرضت الدراسة بالتفصيل والوضوح، من خلال هيكلية دراسية واضحة وعرضها المفصل لمعظم الجوانب المتعلقة بهذا الموضوع ومن خلال استنادها في التحليل إلى دراسات نفسية واجتماعية، يمكن أن تسهل لطلاب العلوم السياسية، وبعض العلوم ذات الصلة، تطبيقها في كل المجتمعات في موضوع له أهمية كبيرة في تحقيق التنشئة الاجتماعية السياسية السوية والإيجابية وبالتالي تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي الضروريين لتكيف وبقاء الأنظمة الاجتماعية والسياسية. باختصار فأن دراستنا تعرض نتائج تحليلية ومفاهيمية وعملياتية جديدة في التنشئة الاجتماعية السياسية وتأثيراتها في التوجهات والسلوكيات السياسية.

أما الأهمية المجتمعية لهذه الدراسة فأنها تكمن في أن إرجاع السلوك إلى أسباب معينة يمكن أن يساعد على التنبؤ به. كما يمكن معالجة السلوك السلبي عن طريق إزالة مسبباته. كما تكمن أهمية هذه الدراسة في سعيها لدراسة موضوع له أهمية كبيرة بحكم تأثيره في استمرارية النظم السياسية باعتبار أن التنشئة الاجتماعية السياسية تسهم في أنتاج توجهات وسلوكيات سياسية معينة. فضلا عن ما تقدم، نأمل أن تكون هذه الدراسة كمنهج مقرر لطلاب في المراحل المختلفة ومرشد للمؤسسات التعليمية من أجل المساعدة في تنشئة اجتماعية سياسية يؤمل منها أن تقود إلى استقرار اجتماعي سياسي أكبر، فرص أكبر في البقاء والاستمرارية للنظم الاجتماعية السياسية والتعايش السلمي بين المجتمعات السياسية الإقليمية والدولية.

أما النظرية التي اعتمدت لتوجيه هذه الدراسة، فهي نظرية التنشئة الاجتماعية السياسية، من أجل مساعدتنا في الإجابة على الأسئلة التي طرحناها، ونكون قادرين على الدفاع عن نتائج بحثنا وهي تجيب على هذه الأسئلة، وإعطاء توضيحات عن أسباب توجهات وسلوكيات الأفراد والجماعات، والتحري عن دقة التوقعات التي تنبثق منطقيا من هذه النظرية. بعد ذلك ستساهم نتائجنا في فهمنا عن أسباب توجهات وسلوكيات الناس بهذه الطريقة التي يفعلوها، وتزودنا بمجموعة من الأسباب عن ارتباط الحقائق في طرق معينة، وجعل الحقائق مفيدة من خلال تزويدنا بإطار لشرحها وبيان علاقاتها ببعضها الآخر[4].

أما فرضية الدراسة، فأنها تقوم على ان التوجهات والسلوكيات السياسية تأتي من التنشئة الاجتماعية السياسية التي يتعرض لها الفرد، وأن التنشئة الاجتماعية تؤشر التقاء الفرد بالسياسية؛ انها تربط النظام السياسي والمتغيرات الفردية العامة بالتوجهات والسلوكيات الفردية. التوجهات والسلوكيات السياسية هي نتيجة (مقصودة وغير مقصودة) للتنشئة الاجتماعية السياسية. عليه فأن الاختلافات في التوجهات والسلوكيات السياسية قد يمكن تفسيرها إذا ما نظرنا إلى الاختلافات في أنماط، وممارسات، وعمليات التنشئة الاجتماعية السياسية[5].

ومن أجل اختبار فرضية الدراسة، فسيتم، من خلال ثمانية فصول، تفحص ثلاثة تصنيفات من المتغيرات: النظامية، والفردية، والتنشئة الاجتماعية. (المتغيرات التابعة والمستقلة التي ستختبر وتعريفاتها (المفاهيم) ومؤشراتها (العمليات) (المتغيرات التوضيحية)[6]، وكما يلي: تطلب دراستنا اختبار التوجهات والسلوكيات السياسية في الفصل السادس (مثل المساندة الاجتماعية السياسية والثقة الاجتماعية السياسية وما شابه ذلك)، (المتغيرات التابعة/المتغيرات الفردية)، واختبار هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية، في الفصلين الثاني والثالث، ومحتويات وتصميم رسائلها (هياكل التنشئة) والطريقة التي فيها هذه الرسائل تستقبل، وكيف يعالجها الأفراد (عمليات التنشئة). الهيئات التي ستختبر هنا، في الفصلين الثاني والثالث، هي الهيئات الأولية، كالأسرة، والقبيلة، والنظراء، والهيئات الثانوية، كالديوانية، والدين، ومؤسسات المجتمع المدني، وهيئة المدرسة، ووسائل الاتصال الجماهيرية، والنظام السياسي[7].

فضلا عن ما تقدم تتأثر التنشئة من خلال هيئات التنشئة المذكورة سابقا بالمقابل بالأنظمة الفرعية المسيطرة للمجتمع والنخب السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية[8]. لذلك سيتم، في الفصلين الرابع والخامس، اختبار متغيرات من مثل الاثنية، والعرق، والسن، والجنس، وحجم الأسرة، والشخصية، والأحداث التاريخية، والتجارب الشخصية، والوضع الاقتصادي الاجتماعي، والوسط الجغرافي الاجتماعي، والحراك الاجتماعي (المتغيرات الشخصية)، والنظاميين السياسيين الداخلي والخارجي (متغيرات النظام) وما إلى ذلك. وهناك ضمن هيئات التنشئة المختلفة المنشئون (مثل الأشخاص، والمجموعات، والمؤسسات، والمنظمات، والأِشياء، والأحداث) التي تساهم في تنشئة الفرد[9] التي قد يختبر البعض منها أيضا. فضلا عن ما تقدم، سيتم، في الفصل السابع، اختبار متغيرات التنشئة (المتغيرات المستقلة)[10]. وتتضمن هذه، بين أشياء أخرى، تجارب الفرد مع أنماط التنشئة مثل التجارب الديمقراطية أو غير الديمقراطية بواسطة الآباء، والدين، والمدرسة، والتعليم السياسي بشكل عام من قبل الآباء وما إلى ذلك.

أما على مستوى تعريفات هذه المتغيرات (المفاهيم)، فدراستنا تحاول أن تجاوب من بين أسئلة أخرى، على الأسئلة التالية:

ما هي التنشئة الاجتماعية السياسية؟، وما هي التوجهات والسلوكيات السياسية؟، وما هي هيئات التنشئة الأولية والثانوية وتعريفاتها؟، وما هي العوامل المؤثرة في التنشئة الاجتماعية السياسية وتعريفاتها؟، وما هي علاقة التنشئة الاجتماعية السياسية ببعض هذه المتغيرات؟

أما فيما يتعلق بسكان البحث وإستراتيجية العينة (منهجية البحث وجمع البيانات/التحليل)، فأن دراستنا هي نظرية وتحليلية لدراسات نظرية وتحليلية عديدة استندت بدورها إلى العديد من الدراسات الميدانية والدراسات الكمية. أما فيما يتعلق بطرق جمع البيانات ومعالجتها، فيمكن القول صحيح أن دراستنا نظرية وتحليلية ولكنها تقوم على جمع وتصنيف وتحليل معظم ما كتب نظريا، مع بعض التطبيقات، في أدبيات التنشئة الاجتماعية السياسية.

لاشك في أن كل دراسة تواجه صعوبات، ومن بين الصعوبات التي واجهت هذه الدراسة هي أن هذه الدراسة تُعد أصلا من بين الدراسات الصعبة؛ لذلك تطلبت من الباحث جهدا مضاعفا، وقلة الكتابات والبحوث العربية التي تتناول موضوع التنشئة الاجتماعية السياسية مما تطلب جهود مضاعفة في البحث والتحري عن المصادر الأجنبية والقيام بترجمتها شخصيا. بمعنى آخر أن الباحث سبر أغوار دارسات غير مطروقة، على الأقل بشكل واسع ومفصل وواضح.

كما صادف أن تمت كتابة الأطروحة في فترة تاريخية تتميز بعد استقرار الفرد العراقي في جميع الأصعدة، وفي داخل العراق وفي المهجر مما ترك آثاراً سلبية جدا على الباحث إلا أن توفيق الله سبحانه وتعالى، والإرادة والرغبة الشديدة في الكتابة في مثل هذا الموضوع للإجابة على أسئلة تقلق وثير اهتمام الباحث في المحيط الذي يعيش فيه، والإخلاص والجدية في البحث العلمي النافع، والتضحية للتفرغ للدراسة، والاعتزال كلياً للدراسة، والاستفادة القصوى من الوقت، وإطلاع الباحث على أدبيات التنشئة الاجتماعية السياسية بشكل عام، والكتابة فيها منذ العام 1998، وقيامه بالقراءة وجمع المصادر الدراسية عن التنشئة الاجتماعية السياسية منذ بداية العام 2000، وقيامه شخصيا بالطباعة وسحب المطبوع والترجمة واستخدام التفريغ الآلي الالكتروني المباشر في تفريغ المعلومات بكفاية عالية والقيام بجهود كبيرة من أجل تهيئة كل مستلزمات وأجواء البحث، عوامل ذللت العديد من تلك الصعوبات، وشجعت على بذل أقصى الجهود، وتحمل المتاعب والمعاناة في سبيل إنجاز هذه الدراسة للإسهام في خدمة الإنسان. مع ذلك فإن ما تقدم قد يكون خطوة متواضعة يؤمل أن تعزز وتطور من قبل كتاب آخرين.

صفحة 3

الفصل الأول : تعريف التنشئة الاجتماعية السياسية

يمثل تحديد مفاهيم المصطلحات العلمية قبل استعمالها ضرورة لازمة لسلامة العمل البحثي الأكاديمي. فغالبا ما يؤدي إهمال تحديد مفاهيم المصطلحات المستعملة في الأدبيات، كأدبيات علم الاجتماع السياسي إلى الخلط بينها([11]). مما يقود إلى تشويه في فهم الموضوع نفسه. بعبارة أخرى ان عدم تكوين صورة واضحة عن المفاهيم المستعملة؛ أنما يؤدي إلى صعوبة تكوين صورة واضحة عن الموضوع موضع البحث نفسه. إذ "يشكل تحديد المفاهيم والتعاريف...العصب الذي يُفسّر أبعاد الظاهرة, والإلمام بكل تشعباتها وفروعها"([12]). كما يتعين الاحاطة بالمركبات النظرية الأساسية لعملية التنشئة الاجتماعية السياسية قبل الولوج في دراستها في نماذج معينة من المجتمعات؛ لذلك هناك ضرورة للتعرف إلى تعريف التنشئة الاجتماعية السياسية بواسطة الإطلاع على الآراء والاتجاهات المختلفة التي جاءت بشأن تعريفها، ومحاولة معرفة سماتها وعلاقتها بالتنشئة الاجتماعية. فضلا عن ما تقدم هناك حاجة للإحاطة بالإسهامات العربية والأجنبية في مجال تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية، والبحث في جذور التنشئة الاجتماعية السياسية الأجنبية والعربية وتطور دراستها. ويتطلب الأمر أيضا قبل الشروع في دراسة هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية البحث في أهمية التنشئة الاجتماعية السياسية من حيث اهتماماتها وأهدافها والوظائف التي تقوم بها فضلا عن أن هناك حاجة إلى دراسة كيفية اكتساب التنشئة الاجتماعية السياسية بفضل دراسة النظريات المختلفة التي تبين كيفية اكتسابها، وتتطلب الدراسة أخيرا التعرف إلى أنواع الطرق التي بواسطتها يتم اكتساب التنشئة الاجتماعية السياسية، ومراحل اكتسابها، وعليه سيتم البحث في كل ذلك في أربعة مباحث على التعاقب.

صفحة 4

المبحث الأول : مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية

تعني التنشئة من الناحية اللغوية معنى: الخلق "وهي إن انصرفت إلى البداية عنت: بدء الخلق؛ وإن انصرفت إلى النهاية عنت: البعث. وهذا المفهوم يرتبط بالعلو في الكائنات والذي هو بداية التأهل للإخصاب والإثمار. والنشئ مفهوم محايد العبرة فيه بمضمون ما تأهل لإثماره، فقد يكون نشئ سوء أو نشئ صدق([13]). ومن مضامين مادة نشأ كذلك: التأليف، والأصل، والحدوث والإحداث والتجدد والنمو، والتربية وإجادة استنباط المعاني، والحياة". وخلاصة المضامين اللغوية لمفهوم التنشئة تدور حول: "ارتفاع من تجاوز حد الصغر وشب، ولكنه لم يكتمل بعد ضمن عملية قد تأخذ أحد شكلين: الحركة التلقائية (الحدوث والتجدد)، والتغيير المخطط (الإحداث والتربية والتجديد)، وتقوم على استنباط ينطلق من سبر أغوار الأصول انطلاقا من الحاضر من أجل استشراف المستقبل..."([14]). وبغية دراسة مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية سيتم تقسيم المبحث إلى مطلبين: يتناول المطلب الأول مفهوم التنشئة الاجتماعية، في حين ينصرف المطلب الثاني إلى تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية، وأخيرا يدرس المطلب الثالث والأخير تميُّز مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية عن مصطلحات أخرى.

صفحة 5

المطلب الأول: مفهوم التنشئة الاجتماعية

من أجل الإحاطة بمفهوم التنشئة الاجتماعية أقتضى الأمر تقسيم المطلب إلى فقرتين أثنين تتناول تعريفات التنشئة الاجتماعية أولا، وسمات التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالتنشئة الاجتماعية السياسية ثانيا.

أولا: تعريفات التنشئة الاجتماعية

هُنالكَ آراء مختلفة حول تعريف التنشئة الاجتماعية يمكن تصنيفها إلى ما يأتي:

1. التعريفات العامة للتنشئة الاجتماعية: وهي مجموعة من المحاولات الفردية التي تحاول تعريف التنشئة الاجتماعية. ومن التعريفات العامة للتنشئة يذكر: "أن العمليات التي تحدث في حياة الوليد البشري تعمل على تحويله من طفل عديم القدرة إلى إنسان ناضج، فلا يكون هناك أي نوع من الكائنات الحيّة يمر بعملية مكثفة طويلة في النمو مثلما نرى ذلك في حياة الكائن البشري. كما إننا لا نستطيع أن نلاحظ في نمو الفصائل الحيوانية التعدد والتناقض الذي نلاحظه في نمو الإنسان، فعندما ينمو الطفل يتعلم لغة أو أكثر من اللغات، ويكتسب ثروة، وأنواع متنوعة من المساعدة والإيذاء..."([15]). هذا التحول الذي نراه في حياة الوليد البشري (يحدث نتيجة لعملية التنشئة الاجتماعية)"([16]). كما عرفت التنشئة الاجتماعية بأنها: "عملية تعلم وتعليم وتربية ونضج ونمو وارتقاء تقوم على التفاعل الاجتماعي الايجابي، وتهدف إلى إكساب الفرد طفلا فمراهقاً فراشداً فشيخاً سلوكاً وقيمّاً واتجاهات مناسبة لادوار([17]) اجتماعية معينة تُمكنهُ من مسايرة الجماعة والتوافق معها، وتكسبه الطابع الاجتماعي والثقافي، وتيسّر له سبل التكيّف([18]) والاندماج في إطار الحياة الاجتماعية، (أي أنها): عملية تحويل الفرد من كائن عضوي حيواني السلوك إلى كائن آدمي اجتماعي التصرف في وسط أفراد آخرين من البشر، ومن كائن ذي دوافع فطرية غريزية إلى كائن ذي حاجات اجتماعية، ومن كائن يعتمد كليا على والديه إلى كائن يعتمد على ذاته، فهي إذن عملية إكساب الفرد صفة الإنسانية، وجعله آدميا متوافقا مع أفراد المجموعة التي يندمج فيها ويكون عضواً من أعضائها...أنها عملية تطبيع وتطويع وتنميط للمادة الخام للطبيعة البشرية في القالب الاجتماعي واستدخال واستدماج ثقافة المجتمع في بناء شخصية الفرد وتمثله لها، وإكسابه النمط الثقافي والاتجاهات والقيم والمعايير السائدة في الجماعة والمجتمع"([19]).

يتضح مما تقدم بأن التنشئة: هي تنشئة الفرد منذ ولادته ليكون كائنا اجتماعيا وعضوا في مجتمع معين، وهي تستهدف ترويض الفرد على آداب السلوك الاجتماعي، وتعليمه لغة قومه وتراثه الثقافي والحضاري من عادات وتقاليد وسنن اجتماعية وتاريخ قومي. وقد يستعمل في أثناء التنشئة أسلوب الحزم للقضاء على ما يبدو من مقاومة لهذه المواصفات والقيم، ويتم ترسيخ قدسية الأخيرة في نفس النشئ لكي ينشأ عضواً صالحاً من أعضاء المجتمع([20]). وفي هذا الصدد قال بعض المتخصصون([21]) في أدبيات التنشئة الاجتماعية السياسية: "أن المجتمع وممثليه يستطيعون من خلال آليات التنشئة أن يكبحوا الجماح، ويعيدوا توجيه ما يعرف غالبا بنزعات الطفل الطبيعية الأكثر من ذلك فان عملية التنشئة تعمل على مساعدة الفرد في عقلنة وتبرير التضحيات التي يجب ان يقدمها لكي يصبح عضوا في المجتمع. التنشئة من هذا المنظور تدفع الفرد للانخراط في المجتمع من خلال إجباره على التخلي عن نزعاته غير الاجتماعية"([22]).

يفهم من هذا أن التنشئة تتضمن من ناحية تحديد وإلغاء بعض الخيارات السلوكية، بمعنى أن البدائل السلوكية تضيق شيئا فشيئا، ومن ناحية ثانية تجعل التنشئة الفرد اجتماعيا بفضل تطويرها وتنميتها للفرد عن طريق تزويده بالعديد من الانتماءات والعلاقات الاجتماعية([23]). وتُفهم التنشئة فضلا عن ذلك على أنها: "عملية اكتساب لقيم وعادات تعكس عمق الثقافة التي تسهم في عملية التنشئة، فالتنشئة الاجتماعية تمثل مخرجا من مخرجات الثقافة"([24]). كما أن التنشئة الاجتماعية هي: "العملية التي عن طريقها تنتقل الثقافة إلى الفرد"([25]).

كما تُعرف التنشئة على أنها: "العملية التي عن طريقها ينمي الفرد بناء الشخصية وتنتقل الثقافة من جيل إلى آخر"([26]). وهي أيضا: "عبارة عن نقل التراث الاجتماعي من جيل إلى جيل من ناحية، وبناء شخصية الفرد من ناحية أخرى"([27]). وتعني التنشئة أيضا: "تعلم الفرد لمعايير اجتماعية عن طريق مختلف مؤسسات المجتمع بحيث تساعده على ان يتعايش سلوكيا معه"([28]). وتُعرف كذلك على أنها: "عملية التفاعل الاجتماعي التي تستمر طيلة حياة الفرد، والتي عن طريقها نكتسب المعرفة، والاتجاهات، والقيّم، وأنماط السلوك الجوهرية بالنسبة للمشاركة الفعالة في المجتمع"([29]). ويمكن القول أيضا أن: "التنشئة الاجتماعية عملية طويلة وشاقة، وعلى الفرد أن يمضي في سبيله بطريقته الفريدة الخاصة به، ويكتسب صفات الشخصية أو السمات المناسبة في نظر الجماعة، ولا يعني هذا أنه يصبح نسخة طبق الأصل من توقعات أقرانه أعضاء الجماعة، فمن المستحيل نسخ هذه الخبرات والمدركات والتفسيرات الخاصة بأي فرد من أفراد الجماعة"([30]).

يتضح من التعريفات العامة للتنشئة الاجتماعية بأنها: مجموعة من المحاولات الفردية لتعريف التنشئة الاجتماعية، وأنها تُعرف التنشئة الاجتماعية على أنها: عملية تحويل الكائن البشري إلى كائن اجتماعي نافع في المجتمع عبر نقل معايير وقيم وممارسات وثقافة المجتمع إلى الجيل أو المواليد الجديدة باللجوء إلى بعض الأساليب.

صفحة 6

2. تعريف التنشئة الاجتماعية حسب أبعادها: هناك اتجاه آخر ينحو إلى تعريف التنشئة حسب أبعادها([31]). وطبقا لهذا الاتجاه فأن للتنشئة أبعاداً (بيولوجية)، واجتماعية، ونفسية، ونفسية اجتماعية، و(انثروبولوجية).

1- التعريف الحياتي (البيولوجي) للتنشئة الاجتماعية: يُعرف أصحاب التعريف الحياتي (البيولوجي) التنشئة الاجتماعية على: "أنها عملية من أهم العمليات الاجتماعية التي تحدث في المجتمع، والتي بها يتحول الطفل من كائن حي (بيولوجي) تتحكم فيه الغرائز إلى كائن اجتماعي يستطيع التفاعل مع أفراد المجتمع الذي ولد فيه، فالتنشئة وفقا لهؤلاء تعمل على "تحويل الوليد البشري من كائن (حي) يستجيب لكل نوازعه (الحياتية من غرائز ودوافع) دون ضابط أو رابط إلى كائن اجتماعي يتحكم في هذه النوازع، ويشبعها بطريقة ترضي المجتمع وقيمه؛ وبذلك يكتسب الفرد في أثناء هذه العملية السلوك الاجتماعي والقيم والعادات الاجتماعية والثقافية والدينية"([32]).

2- التعريف الاجتماعي للتنشئة الاجتماعية: أما أصحاب البعد الاجتماعي فيعرفون التنشئة على أنها: "العملية التي تتعلق بتعليم أفراد المجتمع من الجيل الجديد، كيف يسلكون في المواقف الاجتماعية المختلفة على أساس ما يتوقعه منهم المجتمع الذي ينشئون فيه، وتحديد هذا المجتمع ضمن الإطار العام له. ويكون دور الأفراد هنا تعلم النمط الثقافي لمجتمعهم بهدف تكوين شخصيتهم المناسبة للجماعة وثقافتهم وسلوكها المرغوب([33]). كما يعرفها هؤلاء على أنها: العملية التي يتعلم بواسطتها الطفل أساليب الحياة في تجمع اجتماعي معين، ويصير مشاركاً فعالا في ذلك التجمع ويلم الفرد بالقيم والاتجاهات والأعراف، وغير ذلك من الصفات التي تتميز بها ثقافته، وبمضي الوقت يصبح كائنا اجتماعيا([34]). وبناءً على ما تقدم يمكن القول أن المحتوى الاجتماعي للتنشئة ينصرف إلى كونه: "عملية تفاعل بين الفرد والمجتمع داخل الوسط الاجتماعي، (وهي) السبب في اكتساب الثقافة الاجتماعية، وتعليم السلوك والقيم، وصقل شخصية الفرد"([35])، وعلى أنه: "العملية التي يتم بها انتقال الثقافة من جيل إلى جيل، والطريقة التي يتم بها تكوين الأفراد منذ طفولتهم حتى يمكنهم العيش في مجتمع ذا ثقافة معينة، ويدخل في ذلك ما يلقنه الآباء والمدرسة والمجتمع للإفراد من لغة ودين وتقاليد وقيم ومعلومات ومهارات..."([36])، وعلى أنه أيضا: "عملية يتم بواسطتها اكتساب الأفراد كل من نسق المعتقدات والقيم والمعايير والاتجاهات التي توجد في المجتمع". فضلا عن ما تقدم فأن هذا المحتوى يشير أيضا إلى أنه: "الوسيلة التي عن طريقها يتم التوافق الجمعي، وتهدف إلى جعل أعضائها يقبلون كل من المعايير والطرائق أو القيم والأدوار الاجتماعية؛ وذلك حتى يكتسب كل من الأعضاء شخصيته الأساسية([37]). وأخيرا فأنه يشير كذلك إلى كونه: "أهم العمليات التي يتعلم بفضلها الفرد طرق المجتمع أو جماعة اجتماعية فيكتسب المعارف والنماذج والقيم والرموز ليصبح عضوا قادرا على المشاركة في أنشطة المجتمع المختلفة"([38]).

3- التعريفيين النفسي والنفسي الاجتماعي: وحسب البعد النفسي والنفسي الاجتماعي تعرف التنشئة على أنها: "عملية تعلم وتعليم وتربية تقوم على التفاعل الاجتماعي، وتهدف إلى اكتساب الفرد سلوكاً ومعايير واتجاهات مناسبة لإدوار اجتماعية معينة تيسًر له الاندماج في الحياة الاجتماعية"([39]). كما يعرفوها على أنها: تنشئة الإنسان منذ ولادته لأن يكون كائناً اجتماعياً وعضواً في مجتمع معين. كما وتشير التنشئة الاجتماعية عند هؤلاء إلى: "العمليات النفسية والاجتماعية التي تكتنف عملية التنشئة الاجتماعية، أي عملية مران الفرد على السلوك الاجتماعي وتمرّنه على ذلك السلوك"([40]). أي أنها: "أهم العمليات التي يستطيع بها الوليد البشري المزود بإمكانيات سلوكية فطرية ان يتطًور وينمو نفسياً واجتماعياً، بحيث يصبح في النهاية شخصية اجتماعية تعمل وفقاً لأحكام جماعتها ومعايير ثقافتها"([41]).

4- التعريف الانثروبولوجي: ويُعرف المتخصصون في دراسة علم الإنسان (Anthropologists) التنشئة انطلاقا من اعتبار الإنسان مخلوق عضوي سلوكي ثقافي. فيرون بأن التنشئة هي: تربية الفرد وتوجيهه، والإشراف على سلوكه، وتلقينه لغة الجماعة التي ينتمي إليها، وتعويده على الأخذ بعاداتهم وتقاليدهم، ونظام حياتهم، والاستجابة للمؤثرات الخاصة بهم والرضا بأحكامهم، والسير ضمن الإطار الذي يرضونه للوصول إلى الأهداف التي يؤمنون بها، بحيث يصبح جزءا منهم وغير بعيد عنهم يفكر مثلهم، ويشعر بشعورهم، ويحس بما يحسون به ويصبح واحدا منهم([42]).

يتضح من كل ما تقدم بأن الاتجاه الثاني ينطلق في تعريفه للتنشئة الاجتماعية بالاستناد إلى أبعادها الحياتية، والاجتماعية، والنفسية، والنفسية والاجتماعية وأخيرا الانثروبولوجية. يُركز التعريف الحياتي على أن: التنشئة تقوم بتحويل الجانب الحيواني في الإنسان إلى جانب اجتماعي، أما التعريف الاجتماعي فأنه يُركز في دور هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية كالأسرة والمدرسة في تحويل هذا الكائن الحيواني إلى كائن بشري. ويُشدد التعريف النفسي على استعدادات الفرد الفطرية في اكتساب عملية التنشئة الاجتماعية السياسية أما التعريف النفسي الاجتماعي فأنه يأخذ بالتعريفين الاجتماعي والنفسي معا. وأخيرا فأن أصحاب التعريف الانثروبولوجي يركزون في أكثر من جانب بحيث يُعرفون التنشئة الاجتماعية السياسية انطلاقا من اعتبار دور الجوانب الحياتية والسلوكية والثقافية مشتركة معا في تنشئة الفرد.

3. تعريف التنشئة الاجتماعية حسب شمولها: يذهب بعض المتخصصين إلى القول بان التعريفات المختلفة للتنشئة الاجتماعية يمكن أن تصاغ بطريقتين: طريقة تتسم بالتوسع والشمول في النظرة، وطريقة أخرى تتسم بالتركيز والتحديد. فمن جهة يرون أنه يمكن النظر إلى التنشئة الاجتماعية: كعملية اجتماعية مستمرة وشاملة تستهدف بناء الشخصية، ونقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل. ومن جهة أخرى، يرون أنه يمكن النظر إلى عملية التنشئة الاجتماعية إذ تقتصر على ذلك الجانب منها الذي يتم داخل الأسرة، حيث يكتسب الفرد شخصيته الاجتماعية ويتحوّل إلى كائن اجتماعي([43]). يمكن القول أن أصحاب هذا الاتجاه يرون أن للتنشئة نطاق واسع يشمل كل المجتمع، ونطاق ضيق يشمل الأسرة وتحويل الفرد إلى كائن اجتماعي، وفي الحقيقة لا يمكن الفصل بين الاثنين. أي التنشئة يمكن أن تشمل المفهومين معاً؛ لأن الأسرة تؤثر في المجتمع كما أن الأخير يؤثر فيها.

ما يمكن أن يخلص إليه هو: أن المحاولات الثلاث لتعريف التنشئة الاجتماعية ينطلق كل واحد منها من آراء أو مدرسة خاصة في محاولته لتعريف التنشئة الاجتماعية، وأن كل واحد منها أسهم في تعريف جانب معين، ومهم من مفهوم التنشئة الاجتماعية بشكل يؤدي في النهاية إلى أعطاء صورة تامة عن مفهوم التنشئة الاجتماعية، ويمكن القول مما تقدم أيضا أن عملية التنشئة الاجتماعية: هي العملية المستمرة التي يكتسب بفضلها الفرد المعايير والقيم والممارسات والثقافة بواسطة هيئات متعددة فضلاً عن استعداده الفطري، وبوسائل مختلفة، بشكل تساعده على أتباع سلوك يتكيف مع حاجات المجتمع، وتُعين الأخير بالنتيجة على الاستمرار والاستقرار الاجتماعي.

ثانيا: سمات التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالتنشئة الاجتماعية السياسية

تتسم التنشئة الاجتماعية بجملة سمات ومعالم معينة لعل أهمها هو: إن سلوك الفرد يرتبط تدريجيا بالمعاني التي تتكون لديه في المواقف التي يتفاعل فيها. إن هذه المعاني تتحدد بالخبرات السابقة التي مر بها الفرد وعلاقة تلك الخبرات بالمواقف الحالية وإن الطفل يولد في جماعة حددت فعلا معاني معظم المواقف العامة التي تواجهه، وكونت لنفسها قواعد مناسبة للسلوك فيها وإن الطفل يتأثر بهذه المعاني منذ ولادته، وتنمو شخصيته في مراحلها الأولى طبقاً لهذه المعاني([44]),

وبعد أن تم التعرف إلى ما هي التنشئة الاجتماعية وسماتها، يبقى السؤال ما هي العلاقة التي تربط التنشئة الاجتماعية السياسية بالتنشئة الاجتماعية؟ وفي معرض الإجابة عن السؤال هذا فأن التنشئة الاجتماعية، كما مره ذكره، تشير إلى كونها عملية نمو وتطور عامة تشمل جميع جوانب شخصية المتعلم. أما الجانب المتعلق بنمو وتطور شخصية الناشئ السياسية([45]), أي الجانب الذي بفضله يستطيع الناشئ ان يطور ويُنميّ مجموعة من المعلومات, والقيم والاتجاهات التي ترتبط بالنسق السياسي لمجتمعه، فهو الجانب الذي يمكن أن يطلق عليه التنشئة الاجتماعية السياسية([46]). ويقول في هذا الاتجاه أحمد جمال ظاهر: "وحيث إننا ننظر إلى عملية التنشئة الاجتماعية، وما لها من دور في بناء الأمة فسوف ننتقل من بناء شخصية الفرد إلى بناء الأمة التي تقوم على بناء المواطن, وهنا يجد الباحث التقاء الاجتماع بالسياسة، فإذا كان مفهوم التنشئة متعلق بالعلوم الاجتماعية؛ فإن بناء الأمة يتعلق بالمفهوم السياسي. ويمكن أن نضيف على ذلك أن التقاء المفهومين معا التقاء ذو علاقة لا انفصام إذ يؤثر ويتأثر كل منهما في الآخر"([47]), وفي الاتجاه نفسه يقول عبد الله محمد عبد الرحمن: "... إلا أننا نلاحظ أن مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية يُعدّ أكثر تحديدا ولاسيما أنه يرتبط بعملية أو مظهر واحد من مظاهر التنشئة الاجتماعية، إلا وهو الجانب السياسي الذي يُعدّ جزءاً من الحياة الاجتماعية العامة, والتي ينبغي اكتسابها بواسطة أعضاء المجتمع، وخاصة أن العملية السياسية تُعدّ من العمليات التي يتم اكتسابها في الحياة اليومية, وعن طريق التنشئة الاجتماعية السياسية"([48]).

خلاصة القول فأن التنشئة الاجتماعية يمكن أن تعرف أيضا على أنها، من جانب: العملية التي يكتسب الفرد بواسطتها النمو الحياتي والعواطف والمشاعر والمعارف والمعايير والمعتقدات والقيم والمواقف والأحكام والثقافة التي تؤثر في سلوكه الاجتماعي، وهي من جانب آخر: عملية تنشئة الفرد جسميا أو عضويا ونفسيا واجتماعيا وثقافيا أما التنشئة الاجتماعية السياسية فسيتم تعريفها في المطلب القادم.

صفحة 7

المطلب الثاني: تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية

يمكن الإشارة هنا إلى بعض الإسهامات العربية والأجنبية القيمة التي جاءت في تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية، وهي كما يلي:

أولا: الإسهامات الأجنبية في تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية

يرى سمير خطاب أن الإسهامات الأجنبية لتحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية يمكن أن تصنف إلى اتجاهين على أساس ما أعتقده بعض الباحثين الأجانب في أدبيات التنشئة الاجتماعية السياسية بشأن الأهداف المتوخاة من وراء عملية التنشئة الاجتماعية السياسية ذاتها.

1. الاتجاه المحافظ: فهناك الاتجاه المحافظ وهو الاتجاه الذي يستند في تعريفاته إلى أن التنشئة الاجتماعية السياسية أنما تهدف للحفاظ على الوضع القائم أو دعمه. بناءً على ذلك يعرفها (هربرت هايمان) بأنها: "تعني مجموعة الأنماط الاجتماعية التي يتعلمها الفرد من مؤسسات المجتمع وتساعده على التعايش مع المجتمع". ويعرفها (كنيث لينكتون)، على أنها: "عملية نقل الثقافة السياسية من جيل إلى آخر بواسطة المجتمع"، وعرفها (فريد كريينستين)، على أنها: التلقين الرسمي وغير الرسمي المخطط وغير المخطط للمعارف والقيم والسلوكيات السياسية عن طريق المؤسسات السياسية والاجتماعية. كما عُرفت على أنها: تضم أشكالا من التربية السياسية الشكلية وغير الشكلية للقيم والمعارف, وذلك في كل مراحل حياة الفرد([49]). فضلا عن ما تقدم، عرفت التنشئة الاجتماعية السياسية على أنها العملية التي من خلالها يكتسب الفرد الاتجاهات والتوجهات نحو الظواهر السياسية، من جهة، وينقل المجتمع المعايير والمعتقدات السياسية من الجيل الحالي إلى الجيل القادم، من جهة أخرى[50]. وعرفت التنشئة الاجتماعية السياسية على إنها تدريس الشباب بوساطة المجتمع، على كيفية التصرف مع القابضين على السلطة السياسية[51] كذلك عرفت على أنها عملية تدريس الأفكار المشتركة إلى أعضاء الجماعة السياسية[52] .

2. الاتجاه التحرري: أما الاتجاه الآخر الذي يمثله الاتجاه التحرري فهو الاتجاه الذي يتضمن التعريفات التي ترى بأن الهدف من التنشئة الاجتماعية السياسية هو محاولة التغيير أو خلق الأوضاع الملائمة التي تلائم النظام الاجتماعي السياسي القائم. ويؤكد أصحاب وجهة النظر هذه أنها: عملية يكتسب الفرد بواسطتها الاتجاهات والمشاعر نحو النظام السياسي، وهي تتضمن المعرفة، ماذا يعرف الفرد عن النظام السياسي؟ والمشاعر، ما هو مدى التزام الفرد وولائه للوطن؟ والكفاية السياسية، ما هو الدور الذي يجب أن يقوم به الفرد في النظام السياسي؟([53]), وعلى خطى هذا الاتجاه الثاني عُرفت التنشئة الاجتماعية السياسية على أنها: وظيفة النظام السياسي, وكل النظم التي تحاول الحفاظ على ثقافتها، وهي عملية تطبيع المواطن على الثقافة السياسية, ونتاج هذه العملية هو خلق قيم ومعايير واتجاهات نحو النظام السياسي بمختلف مستوياته المحلية والقومية, وعلى صعيد الاتجاه الآخر نفسه عُرفت التنشئة الاجتماعية السياسية في معجم المصطلحات السياسية، على أنها: "عملية تعلم يكتسب الأفراد بمقتضاها مجموعة من التوجهات, وهي من المنظور الاجتماعي بمثابة السبيل إلى الإبقاء على أو تغير الثقافة السياسية"([54]).

3. الاتجاه الثالث: يتضح من الاتجاهين السابقين أن التعاريف الأجنبية تؤكد بشكل عام، إذا ما استثنينا تعريف (فريد كرينستين)، على النظر إلى التنشئة الاجتماعية السياسية؛ وكأنها تتعلق فقط بالسياسة, والحفاظ على الوضع الراهن لصالح النظام السياسي، وعلى أنها: عملية مقصودة ومباشرة, وحتى التغير الذي ينشده الاتجاه الآخر أنما يصب في الحفاظ على النظام السياسي ليلتقي مع أصحاب الاتجاه الأول, ويؤخذ على تعريف (فريد كرينستين) ذاته أنه يصور التنشئة الاجتماعية السياسية, وكأنها مقصورة فقط على إنتاج سلوك سياسي معين بالذات عندما يؤكد أنها: تلقين للمعارف والقيم والسلوكيات السياسية, ولكن التنشئة الاجتماعية السياسية لا تتعلق بالسياسة والحفاظ على النظام السياسي واكتساب القيم والمعارف والسلوكيات السياسية فقط؛ وإنما هي أشمل من الجانب السياسي؛ لأنها مرتبطة بأوضاع نفسية واجتماعية. وفي هذا الصدد نستشهد بأحد التعريفات الأجنبية التي تعطينا تعريفا أكثر دقة لوصف التنشئة الاجتماعية السياسية بواسطة عالم (هانك دكر) متخصص جدا في هذا المجال إذ يعرفها بأنها تؤشر التقاء الفرد بالسياسة؛ انها تربط النظام السياسي والمتغيرات الفردية العامة بتوجهات وسلوكيات الفرد السياسية[55]. كما وصفت التنشئة الاجتماعية السياسية بأنها العملية التي يتعّرف من خلالها الفرد على النظام السياسي والتي تقرر مداركه السياسية وردود أفعاله إزاء الظواهر السياسية[56] وعرفت أيضا على أنها تلك العمليات التطورية[57]، التي يكتسب من خلالها الأفراد التوجهات السياسية وأنماط السلوك[58].

صفحة 8

ثانيا: الإسهامات العربية في تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية

تنقسم المحاولات العربية لتعريف هذا المفهوم إلى محاولات تعريب ومحاولات شخصية.

1. تعريب مصطلح ((Political Socialization: فيما يتعلق بمحاولات تعريب هذا المفهوم، تم تعريب مصطلح ((Political Socialization، حسب بعض الإسهامات العربية التي حاولت تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية إلى ما يفيد معنى التسييس (Politicization) أكثر مما يفيد مغزى التنشئة الاجتماعية السياسية. هكذا لجأت محاولة قيمّة لباحث عربي على سبيل المثال لتعَريب مصطلح (Political Socialization) الذي جاء في كتاب (كينث لينكتون), على أنه: التنشئة السياسية, وليس التنشئة الاجتماعية السياسية([59]). أن تعريب مصطلح ((Political Socialization على أنه: التنشئة السياسية أنما يعني بصورة أو بأخرى معنى (التسييس), وهذا الأخير مختلف عن الأول. كما تم تعريب مصطلح (Political Socialization), على أنه: التربية السياسية([60]). والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا: هل أن هذا التعريب يطابق مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية؟ يمكن القول أن مصطلح (Political Socialization) هو أصلا مصطلح مركب من جزأين، الجزء الأول منه (Political) ويعني سياسية، أما الجزء الثاني (Socialization) فهو يعني التنشئة الاجتماعية([61]) لذلك يبدو منطقيا أن ما يقابل مصطلح (Political Socialization) باللغة العربية هو مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية وليس التنشئة السياسية. ما يؤخذ أيضا على ما تقدم من الإسهامات العربية هو أن تعريب مصطلح ((Political Socialization إلى التنشئة السياسية أو التربية السياسية؛ إنما يعني أن عملية التنشئة الاجتماعية السياسية هي عملية سياسية مباشرة ومقصودة في الوقت الذي تنطوي فيه تلك العملية أساسا على جوانب اجتماعية عفوية وتلقائية غير مباشرة تؤثر بلا وعي في السلوك السياسي للفرد في حياته العامة([62]). وخير مثال على ذلك الطفل أو التلميذ أو العامل الذي ينشأ على تجارب تشاركية مثلا في محيط أسرته ومدرسته ومكان عمله فأنه من المحتمل جداً أن يعمم أو يطبق أو يمارس هذه التجارب التشاركية في كل حياته الاجتماعية بما فيها السياسية, أي أن الفرد قد ينشأ على ممارسات اجتماعية معينة بشكل غير مقصود وغير مباشر في سياق تجارب معينة مما يترك أثراً كبيراً في سلوكه الاجتماعي والسياسي.

2. المحاولات العربية الأًصيلة: فضلا عن ما تقدم حاولت جهود عربية أصيلة تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية على أنه: "تلك العملية التي تسعى كافة مؤسسات التنشئة (الأسرة، والمدرسة، وسائل الأعلام...) من خلالها إلى إكساب الفرد طفلاً- فمراهقاً- فراشداً، القيم والمعايير والتوجهات السياسية اللازمة والضرورة لتحقيق التكيف مع أهداف المجتمع"([63]). كما عُرفت التنشئة الاجتماعية السياسية على أنها: "عملية يكتسب بها الفرد الاتجاهات والمعتقدات والقيم التي تتعلق به كعضو في نظام سياسي واجتماعي معيًن....([64]). وقد عرفها (أحمد جمال ظاهر) على أنها: "نقل التراث من جيل إلى جيل يهدف إلى بناء شخصية الوطن والمواطن، وبناء الدولة والمجتمع"([65]). وميّز (كمال المنوفي) التنشئة الاجتماعية السياسية في الدول العربية بين اتجاهين رئيسين بصدد تعريف التنشئة الاجتماعية السياسية فقد نظر من جهة إلى عدّ "التنشئة السياسية" كعملية يتم بمقتضاها تلقين الفرد مجموعة من القيم والمعايير السياسية المستقرة في ضمير المجتمع بما يضمن بقائها واستمرارها مع الزمن وعدّها، من جهة أخرى عملية يكتسب الفرد تدريجيا هويته الشخصية التي تسمح له بالتعبير عن ذاته وقضاء مطالبه بالطريقة التي تحلو له([66]). كما تم تعريف التنشئة الاجتماعية السياسية على إنها: "عملية يكتسب الفرد من خلالها قيمه ومعتقداته السياسية باتجاه النظام السياسي القائم من خلال أدوات التنشئة المختلفة"([67]). ويعرفها (سمير خطاب) على أنها: "تلك العملية التي تسعى كافة مؤسسات التنشئة من خلالها إلى إكساب الفرد (طفلاً- فمراهقاً- فراشداً) القيم والمعايير والتوجهات السياسية اللازمة لتحقيق التكيف مع أهداف المجتمع، ليس فقط من أجل الحفاظ على الوضع القائم في نقل الثقافة السياسية من جيل إلى آخر بصورة جامدة وآلية، لكن تتضمن كذلك عملية تغيير أو خلق الثقافة السياسية الملائمة لاستقرار المجتمع"([68]). وهو يذهب أيضا إلى أن هناك بعض الخصائص يمكن التوصل إليها بفضل التعريفات المختلفة للتنشئة الاجتماعية السياسية، منها إنها: عملية من شأنها إكساب الطفل معارف وقيم واتجاهات سياسية؛ وأنها تساعد على تغيير أو دعم الثقافة السياسية السائدة؛ وأنها عملية مستمرة طوال حياة الفرد، وتقوم بها مؤسسات التنشئة في المجتمع كافة([69]). وهناك من يرى أن للتنشئة الاجتماعية السياسية ثلاثة مدارات: "أولها/ معرفي: تحصيل الفرد أو الجماعة أو الأمة معرفة جديدة عن الماضي والحاضر والمستقبل. وثانيها/ عقيدي: استعادة القيم الإيجابية ونبذ القيم السلبية. وثالثها/ عاطفي: تكريس صورة عن الذات والآخر"([70]). والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا، هل أن المحاولات العربية الأصيلة يطابق مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية؟

لعل ما يؤخذ على الإسهامات العربية الأصيلة في تحديد مفهوم التنشئة الاجتماعية السياسية هو تركيزها الكبير في الجانب السياسي للتنشئة بقدر تركيزها في أهداف التنشئة الاجتماعية السياسية ودورها في دعم النظام السياسي حينما أكدت بناء شخصية المواطن واكتساب الهوية. ويمكن القول: إن خير محاولة أصيلة لتعريف هذه العملية يمكن ان تكون تلك التي تعدّ أن التنشئة الاجتماعية تتضمن أبعاداً سياسية وأثر لا واعي في السلوك السياسي للفرد فضلا عن تضمنها للبعد السياسي والتأثير المباشر في السلوك السياسي.

وما يخلص إليه من كل ما تقدم؛ أنه بالرغم من المحاولات العربية القيمة لتعريب مصطلح ((Political Socialization بالتنشئة السياسية إلا إن هذا المصطلح يعني في الحقيقة التنشئة الاجتماعية السياسية؛ وبذلك يتفق الباحث مع ما ذهب إليه (صادق الأسود) حين عَرب المصطلح الإنجليزي ((Political Socialization, إلى التنشئة الاجتماعية السياسية, وليس التنشئة السياسية([71]). وعليه يمكن القول إن التنشئة الاجتماعية السياسية: هي العملية التي يكتسب الفرد بواسطتها النمو الحياتي والعواطف والمشاعر والمعارف والمعايير والمعتقدات والقيم والمواقف والأحكام والثقافة التي تؤثر في سلوكه الاجتماعي السياسي.

صفحة 9

المطلب الثالث: تميُّز مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية عن مصطلحات أخرى

وجد من الضروري ذكر بعض المصطلحات الأجنبية والعربية المشابهة والمختلفة عن مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية.

أولا- المصطلحات الأجنبية والعربية المشابهة لمصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية

استخدم مصطلح (Political Learning) وكأنه مرادف لمصطلح (Political Socialization) ([72]) وفي اللغة العربية استخدم مصطلح التعلم السياسي مرادفا للتنشئة الاجتماعية السياسية([73]). يبدو أنه يفضل استخدام مصطلح التنشئة الاجتماعية (Socialization) بدل استخدام مصطلح التعلم (Learning) وذلك لعدة أسباب، السبب الأول يكمن في أن عملية التنشئة الاجتماعية هي عملية تدل على إمكانية تولي الأفراد لأدوار اجتماعية، في حين أن عملية التعلم قد لا يكون لها مثل هذه الجوانب الاجتماعية. فعلى سبيل المثال يتعلم الأفراد في المدرسة حقائق عديدة حول العالم الذي يعيشون فيه، التي ليس لها علاقة بالأدوار المطلوب منهم ان يؤدوها في المستقبل. كل واحد يتعلم ان العالم كروي، لكن قليلا منهم من يطلب منهم استعمال هذه الحقيقة في مهماته وواجباته اليومية. من هنا يظهر أن مصطلح التنشئة الاجتماعية يؤكد على الحقائق التي لها علاقة بالحياة الاجتماعية. أما السبب الثاني فهو يكمن في ان مصطلح التعلم يدل على عملية واعية، في حين ان مصطلح التنشئة الاجتماعية ليس بالضرورة أن يدل على عملية واعية([74]).

فضلا عن ما تقدم، استخدم مصطلح (Political Education) كمرادف لمصطلح(Political Socialization) وفي اللغة العربية استخدم مصطلح التربية مرادفا للتنشئة الاجتماعية. يبدو ان كلا المصطلحين متشابهان وكلاهما يمكن ان يعبر عن تلك العملية الاجتماعية التي يسير من خلالها الإنسان منذ ولادته وحتى يأخذ مكانه بصفة عضو يشغل دوراً محددا وسط الجماعة البشرية التي يشب في أحضانها([75]). ولكن اتساع استخدام مصطلح التنشئة الاجتماعية أدى إلي قلة استخدام مصطلح التربية. ويرجع سبب ذلك الاتساع إلى التطور العلمي الذي أدى بدوره إلى الانتقال من الجوانب النظرية إلى الجوانب العملية([76])أي أن اتساع استخدام مصطلح التنشئة الاجتماعية توافق مع استخدام الدراسات الميدانية العملية، فالانتقال من استخدام مصطلح التربية إلى مصطلح التنشئة الاجتماعية يشابه ذلك التحول في الدراسات الاجتماعية من الفلسفة الاجتماعية إلى العلوم الاجتماعية الوضعية([77]).

يظهر مما تقدم أن مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية (Political Socialization) هو المصطلح الأكثر دقة واستعمالا وشيوعا من مصطلح التعلم السياسي (Political Learning) وكذلك من مصطلح التربية السياسية (Political Education).

صفحة 10

ثانياً- المصطلحات الأجنبية والعربية المختلفة عن مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية

وجد من الضروري تميز مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية على بعض المصطلحات الأجنبية والعربية المختلفة عنه نوعا ما. ومن بين هذه المصطلحات مصطلح (Indoctrination) التلقين، ومصطلح (Recruitment) التنجيد، ومصطلح (Politicization) التسييس.

استخدم أحيانا مصطلح ( Indoctrination) أو (Inculcation) ليعبر عن مصطلح (Political Socialization) ([78]). كما استخدم مصطلح التلقين أو الغرس ليدل على التنشئة الاجتماعية السياسية([79]). ان استخدام مصطلح التلقين أو الغرس يعني غياب وجود عملية تفاعلية بين الفرد وبين هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية([80]) كذلك فان استخدام أو وصف عملية التنشئة الاجتماعية السياسية بالتلقين إنما يشير إلى أنها عملية تتضمن بقاء واستمرار القيم والمعايير السياسية المستقرة في ضمير المجتمع مع الزمن، في حين أن التنشئة الاجتماعية السياسية هي عملية تتضمن كذلك التغير مع الزمن للقيم والمعايير السياسية([81]).

كذلك فقد يشير مفهوم التلقين إلى صور أو أفكار تستخدم لغرض السيطرة والخداع. كما انه لا يتضمن الفرصة لاكتساب قيم بديلة بل يعتبرها محرمة ويؤكد على الحقيقة المطلقة لمجموعة واحدة من القيم، والقبول الأعمى لها، في حين أن التنشئة الاجتماعية السياسية يفترض أن تتوافر فيها عناصر التطور الفردي والمرونة والقدرة على الاستجابة إلى الجديد وتنمية الحكم النقدي بما في ذلك تحليل القيم المقبولة والحق في التشكيك في القيم المتعلمة([82]).

مع ذلك لا توجد تنشئة اجتماعية سياسية خالية تماما من بعض عناصر التلقين، فالأطفال لا يملكون أي خيار حول أي لغة سيتكلمون بها، أو أي دين مبدئيا سيتبعون وأية قيم سيشجعهم عليها آباؤهم. فالطفل لا يستطيع أن يتعلم التفكير النقدي حتى يصل إلى مرحلة معينة من العمر. فالاختلاف إذن بين التنشئة الاجتماعية السياسية والتلقين السياسي هو اختلاف نسبي. فكلما كان التأكيد مطلوبا اكثر لمعيار واحد، وأن البدائل محرمة كلما كان الموقف هو أكثر في وضع التلقين السياسي، والعكس هو الصحيح([83]).

مما تقدم يظهر ان التنشئة الاجتماعية السياسية تتضمن عنصر التفاعـل بين الفرد وبين هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية وأنها عملية غير جامدة ويتوفر فيها الوعي التحليلي النقدي، في حين يتضمن التلقين السياسي على نسبة اقل من التفاعل والمرونة والوعي النقدي.

أما مصطلح(Political Recruitment) التنجيد أو التعبئة السياسية، فانه يشير إلى تلك العملية التي يندمج بمقتضاها الفرد في الحياة السياسية من خلال شغل منصب سياسي أو أداء أدوار سياسية. وقد يكون ذلك إما بطرق رسمية أو غير رسمية، فقد يتم شغل المنصب السياسي من خلال الانتخاب أو الاختيار، أو قد يتطوع الأفراد لأداء أدوار سياسية معينة([84]).

يبدو أن هذا المصطلح يتضمن جوانب سياسية بحته، في حين أن التنشئة الاجتماعية السياسية تتضمن كذلك جوانب ذات دلالات سياسية([85]).

وأخيرا فان مصطلح ( Politicization) التسييس يشير إلى عملية سحب أو جذب الجماعات أو الأفراد غير المهتمين مسبقا في السياسة إلى النشاط السياسي، حتى لو كان ذلك فقط مؤقتا. وفي مواقف أخرى يمكن أن يشير هذا المصطلح إلى عملية خلق من قضية معينة موضوع لأهداف سياسية كاستخدام المذهب الكاثوليكي في ايرلندا الشمالية كقضية سياسية([86]).

يتضح ان التسييس هو عملية مقصودة، وقد تكون رسمية، في حين لا تقتصر التنشئة الاجتماعية السياسية على ذلك بل تتضمن أيضا جوانب غير مقصودة وغير مباشرة وغير رسمية([87]).

وعليه يمكن القول (إن التنشئة الاجتماعية السياسية (Political Socialization) إنما تفهم على أنها العملية التي يكتسب الفرد من خلالها العواطف والمشاعر والمعارف والقيم والمعتقدات الاجتماعية السياسية). أيضا يمكن القول بان التنشئة الاجتماعية السياسية هي فرع من التنشئة الاجتماعية وان التعريب الأفضل الذي يوصف مصطلح (Political Socialization) هو التنشئة الاجتماعية السياسية وليس التنشئة السياسية أو التربية السياسية.

فضلا عن ما تقدم، فان الوصف المناسب لعملية اكتساب الفرد للعواطف والمشاعر والمعارف والقيم والمعتقدات الاجتماعية السياسية، يمكن أن يطلق عليها بالتنشئة الاجتماعية السياسية وليس التنشئة أو التربية السياسية. أيضا أتضح بان مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية(Political Socialization) هو المصطلح الأكثر دقة واستعمالا من مصطلح التعلم السياسي( Political Learning) وكذلك من مصطلح التربية السياسية (Political Education).

وأخيرا تبين بأن هناك اختلافا بين مصطلح التنشئة الاجتماعية السياسية وبين مصطلحات أخرى كمصطلح التلقين السياسي ومصطلح التجنيد السياسي ومصطلح التسييس.[88]