eKtab
EN ع
مدى سلطة القاضي فـي تسبيب الحكم الجنائي
اقرأ عينة مجانية

مدى سلطة القاضي فـي تسبيب الحكم الجنائي

بقلم حسين يوسف العلي الرحامنة

صفحة 1

ملخص

تهدف هذه الدراسة إلى دراسة مدى سلطة القاضي في تسبيب الحكم الجنائي وأثر مخالفته، لأنه من أبرز الموضوعات وأخطرها على الاطلاق في مجال قانون الاجراءات الجنائية، ويعتبر من أهم الضمانات، التي تمخضت عنها الأنظمة القانونية الحديثة، لأنه أداة اقناع ووسيلة للاطمئنان التي يسلم بها القاضي من مظنة التحكم والاستبداد.

ويهدف أيضاً إلى دراسة السلطة التقديرية للقاضي في تسبيب الحكم الجنائي حسب اطمئنانه، فلا يتقيد بأدلة معينة في الإثبات إلا إذا قيده القانون، والهدف من ذلك هو الوصول إلى الحقيقة، من خلال التزامه ببيان الأسباب الكافية والسائغة التي بررت صدور حكمه في الواقع والقانون.

وسارت هذه الدراسة وفق للمنهج الواقعي التحليلي في جانبه الفقهي وقضائه، وما استقر عليها القضاء من أحكام، وما استند إليه المشرع في السودان والأردن من خلال قانون الاجراءات الجنائية في السودان وقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني محللاً ومسترشداً بالسوابق القضائية في البلدين، بهدف الوصول إلى معيار محدد ينبغي أن يكون عليه إصدار الحكم، متسماً بالعمومية والشمول، متبعاً في ذلك، ما يلجأ إليه القضاء من وسائل فنية وقانونية وقضائية واجتماعية متخصصة معبرة عن شكل العلاقة ومحتواها بين القاضي والمتهم على وجه الخصوص.

ينقسم هذا البحث إلى فصل تمهيدي وثلاثة فصول. وللوصول إلى الهدف المنشود من هذا البحث، استعرض الباحث بادئ الأمر في الفصل التمهيدي للمفهوم القانوني لتسبيب الحكم الجنائي، وأهميته، وأنواعه، وتطوره التاريخي، ودوره التطويري. والفصل الأول درس مدى سلطة القاضي في التسبيب في مجال أدلة الثبوت، والحالات التي تثور أمامه من خلال تطبيق القانون وتحقيق العدالة. والفصل الثاني عبر عن الاتجاه الذي يسير عليه قانون الاجراءات الجنائية في السودان، وقانون أصول المحاكمات الجزائية في الأردن، ونطاق تطبيق الحكم الجنائي في درجات التقاضي. جاء الفصل الثالث والأخير، بوضع الضوابط والأسس والحدود التي ينبغي على القاضي الجنائي أن لا يخرج عنها عند تسبيب حكمه، حتى لا يؤدي إلى القصور في التسبيب الذي يعرض الحكم للبطلان والإلغاء عند مخالفته لقواعد التسبيب.

وذكر الباحث في الخاتمة مجموعة النتائج والتوصيات من أهمها :

1- تعديل نص المادة 167 من قانون الاجراءات الجنائية في السودان لسنة 1991م والإشارة لتسبيب الأحكام صراحة في عجزها.

2- الأخذ بنظام تخصص القاضي الجنائي في الدرجات العليا يعد ضمانة هامة من ضمانات تسبيب الحكم الجنائي، لأن القاضي الجنائي المتخصص يكون أقدر من غيره على أداء هذه المهمة.

3- يجب النص صراحة على بطلان الأحكام التي تصدر من دون أسباب، أو تكون أسبابها غير كافية.

4- تخصيص موضوع تسبيب الحكم الجنائي في مساق مستقل ويدرس في كلية القانون بالجامعات، بحيث يجمع مابين فهم القانون والمنطق على حد سواء، ليتمكن الطالب من الإلمام بالجانب النظري والعملي.

صفحة 2

Abstract

To What Extent The Power of the Judge Reasoning Communal Judgment

This study aimed to study the extent of the judges’ authority to cause criminal sentence and the impact contrary. It was the most important topic and most serious ever in the area of the criminal procedure code. It was important guarantees resulted in the modern legal systems because it is considered as a tool and means of persuasion to make sure that the characterized judge in the control and disposition area. The study also aimed at the discretion of the judge to cause criminal sentence by his certainty, he adheres to certain evidence in the record of evidence only if the law and aim is to find out the truth of his statement during the rational authority , which justified the wisdom according to the law. In this study, the researcher followed a realistic and analytical approach in taking the justification government code of doctrine and jurisprudence, and abides by the provisions of the judiciary and what mechanism made by legislator in Sudan and Jordan through the criminal procedure law in Sudan and assets trials law in Jordan. The researcher also was guided by the previous judiciaries in Sudan and judicial judgments in Jordan in order to reach a limited criteria and he should issue a public and inclusive judegment following the judiciary procedures such as technical, legal, judicial and social letters specialized and expressed about its kind and content between the judge and the accused particularly.

This research was pided into preface and three chapters. In order to achieve this goal, the preface chapter dealt with the judicial concept of the justification governance code, its importance, kinds , historical development and role development.

The first chapter dealt with the authority of the judge in the justification of evidence texts and exhibited cases presented before him through the law development and justice achievement.

The second chapter also dealt with the criminal procedures law in Sudan and assets trials in Jordan. Third chapter exhibited the control and bases punishment immunity that the judge should not go beyond it during the justification of the judgment and leads to the justification shortage which exposed the judgement to be cancelled and spoils the rules of justification.

The researcher mentioned the following findings and recommendations:

1. Amending the texts 167 of the article of the criminal procedure law in Sudan of the year 1991 by referring to disability of the judgments justification frankly.

2. Introducing the located judge of the criminal because it is an important of guarantees causing criminal sentence and the criminal specialist is better than others in this task.

3. Investigating the location issue a defaults judgement in course independent and taught in the law colleges at universities so that brings together law and logic alike the students familiarity aspect theoretical and practical.

صفحة 3

مقدمــة

يعد تسبيب الحكم الجنائي من أبرز الموضوعات وأخطرها وأهمها على الإطلاق، تلك التي ترد في مجال قانون الإجراءات الجنائية، ويعتبر من أهم الضمانات التي تمخضت عنها الأنظمة القانونية الحديثة.

والتسبيب هو أداة الإقناع ووسيلة الإطمئنان التي يسلم بها القاضي من مظنة التحكم والاستبداد فيرفع إليه الخصوم ما قد يرسيه في الأذهان من الشكوك والريبة، فيدعون الجميع إلى عدله مطمئنين، وهو حق للخصوم في كفالة حقهم في الدفاع، فيتحقق علمهم بأسباب الحكم، فإن أنسوا إلى صحته وعدله اقتنعوا بها، وإن رأوا فيها نقصاً أو عيباً أو جوراً طعنوا بها بالطرق المقررة في القانون.

للقاضي الجنائي في ظل القوانين المعاصرة، له السلطة التقديرية في تسبيب الحكم حسب اطمئنانه، فلا يتقيد بأدلة معينة في الإثبات إلا إذا قيده القانون، والهدف من ذلك هو الوصول إلى الحقيقة من خلال التزامه ببيان الأسباب الكافية والسائغة التي بررت صدور حكمه في الواقع والقانون.

وحرية القاضي في تسبيب الحكم بلا شك ترد عليها قيود وضوابط يدلل بهاعلى صحة عقيدته في أسباب حكمه أدلة تؤدي إلى ما رتبه عليها لا يشوبها خطأ في الاستدلال أو تناقض أو تخاذل، وكانت مصدراً لاقتناعه راع فيها صحة الأسباب التي استدل بها على هذا الاقتناع، والحكمة من ذلك، ألا يحدث سوء إستخدام للسلطة التقديرية أو تجاوز حدودها التي يجب على القاضي أن يعمل بمقتضاها وفي نطاقها الثابت المقرر قانوناً.

ومما لا ريب فيه، أن الأسباب التي تبرر وضع ضوابط للسلطة التقديرية هي التوزيع المنطقي المتوازن للاختصاص بين الشارع والقاضي على وجه يتحقق فيه التنسيق بين المصالح الاجتماعية والفرديــة.

أسباب اختيار الموضوع :

عند دراسة الموضوعات الخاصة بالقواعد القانونية الجنائية الموضوعية والإجرائية، كان نصب عيني دائماً أن يكون موضوع الرسالة يدخل في مجال اختصاص عملي ويصلح أساساً لدراسات حرة أقوم بها في المستقبل، ويكون موضوعاً مفيداً ذا أثراَ دائماَ، وقد اهتديت بعد تفكير عميق ومنطقي إلى دراسة هذا الموضوع الذي تولد عندي ميل شديد لدراسته، باعتباره يدخل في نطاق عملي وأمارسه دائماً في كتابة الحكم الجنائي، ولا شك أن هذا الموضوع سيفتح لنا وللاخرىن من أهل القانون الباحثين آفاقاً أخرى واسعة فيما يثيره من مشكلات عديدة وحيوية تكمن أساساً في العيوب التي تعتري تسبيب الحكم الجنائي، والمعرضة للطعن فيها، ومنها القصور في التسبيب، فضلاً عن الغموض في الجوانب النفسية والعقلية للقاضي التي تصاحب إصدار الحكم الجنائي التي تدخل في مجال التسبيب.

لما كانت دراسة هذا الموضوع قاصرة في جانب ذي أهمية تتمثل في الإطار العام الذي ينتظمه، والذي بموجبه يسير القاضي الجنائي في تسبيب الحكم، لا سيما أن المشرع لم يتوسع في نطاق هذا الموضوع، ولم يرسم له شكلاً معيناً.

ومن هذا المنطلق وبحافز شخصي، سوف أقوم بدراسة هذا الموضوع لمعرفة السبيل الأوفق الذي يجيء فيه حكم القاضي متفقاً مع حكم القانون والعدالة وافياً في بيانه غير مشوب، مما يعرضه للبطلان والإلغــاء.

وحري بنا أن ننوه إلى أن الهدف من دراسة هذا الموضوع هو أن نسعى إلى إضافة شيئاً جديداً، وتأسياً على هذا تم تحديد عناصر تسبيب الحكم ونظامه وفاعليته في نسق منطقي جديد يكون بمثابة اللبنة القوية في النظام القانوني والقضائي مسترشداً بمن سبقني في بحثه بهذا المجال مدركاً مدى دقة هذا الموضوع وصعوبته.

أهمية الموضوع :

الأهمية الرئيسية في هذا الموضوع تكمن من كيفية البناء أو الطريقة التي ينبغي على القاضي الجنائي أن يبني عليها حكمه، ويبين الأساس الذي يقوم عليه هذا الحكم من خلال الصلاحيات الممنوحة له وفي ظل الضوابط التي تقيده.

ومن جانب آخر، تبدو أهمية هذا الموضوع من خلال الدراسة المتعمقة للحكم الجنائي كعمل قضائي صادر عن إرادة سليمة لسلطة قضائية مختصة بالفصل في الدعوى الجنائية، ذلك العمل الذي يعد بمثابة التحليل الداعي لفكر القاضي وضميره المصاحب لعملية تطبيق القانون على الواقعة الإجرامية وتقدير الحكم بالإدانة أو البراءة، وذلك وفق مناهج علمية واقعية وأساليب وصيغ منطقية سليمة، ومن خلال شرح الممارسات العملية التي تستخلص الاستنتاجات وتقرر بعض المبادئ التي استقر عليها القضاء في تسبيب الحكم الجنائي.

ومن الضروري بمكان ونحن في هذا المقام، أن نقرر أهمية أخرى لهذا الموضوع، تتمثل في أن التسبيب الحكم الجنائي ضمانة لحسن سير العدالة يعطي لصاحب الشأن رقابة مباشرة على أن المحكمة قد ألمت بوجهة نظره في الدعوى الإلمام الكافي الذي منحها أن تفصل فيها، سواء بما يتفق مع وجهة النظر هذه، أم بما يتعارض معها، وهو مدعاة لتريث القاضي في تمحيص موضوع الدعوى وإعمال حكم القانون فيها في تبصر وحكمه، وهو في النهاية السبيل الذي به تتاح لوجهة نظر الطعن في الحكم أن تؤدي رسالتها في مراقبة مدى توفيق الحكم من حيث الإحاطة بالوقائع إحاطة سليمة، فضلاً عن صحة تطبيق القانون عليها فالتسبيب يتصل بحسن سير الجهاز القضائي وتدعيم الثقة في القضاء لتحقيق العدالة الجنائيـة.

صفحة 4

منهج البحث :

إن دراسة هذا الموضوع سوف تعتمد بصفة أساسية على دراسة تسبيب الحكم الجنائي في جانبية الفقهي والقضائي، مسترشدين بأخر الأبحاث والآراء، وما استقر عليه القضاء من أحكام وما استند إليه المشرع في السودان والأردن في نطاق هذا الموضوع من خلال قانون الإجراءات الجنائية، وقانون أصول المحاكمات الجزائية وفق منهج علمي واقعي تحليلي مقارن استقرائي، بهدف الوصول إلى معيار محدد ينبغي أن يكون عليه إصدار الحكم من اتسام الموضوع بالعمومية والشمول، متبعين في ذلك ما يلجأ إليه القضاء من وسائل فنية وقانونية وقضائية واجتماعية متخصصة وتعبر عن شكل العلاقة ومحتواها بين القاضي والمتهم على وجه الخصوص.

خطــة البحث :

قبل الخوض في خطة البحث، حرصت في الحقيقة على الاستعانة بالمادة العلمية من مصادرها الأصلية، واضعاً في الاعتبار أن يكون اختيار المصادر معيناً على التحليل والتفصيل، ومفيداً في البناء النسقي للموضوع، واجتهدت أن تكون لغة البحث لغة علمية صحيحة، حرصاً مني على أن أقدم رسالتي هذه على أحسن وجه بقدر الامكان.

وقد إزددت يقيناً بأن الهدف الذي توخيته والمنهج الذي سوف اسلكه يتمشى مع الاتجاه الفكري الحديث الذي يرنو إلى ربط القانون والدراسات القانونية والقضائية بالمنهج العلمي. آملاً أن يكون لهذا الموضوع أثر على التوجه القانوني والقضائي في مجال تسبيب الحكم الجنائي.

وللوصول للهدف المنشود من هذا البحث، نستعرض في بادئ الأمر الفصل التمهيدي للمفهوم القانوني لتسبيب الحكم الجنائي، وأهميته، ووظيفته، وأنواعه، وتطوره التاريخي، ودوره التطويري.

ثم نعرج بعد ذلك إلى الفصل الأول لدراسة مدى سلطة القاضي في التسبيب في مجال أدلة الثبوت، والحالات التي تثور أمامه من خلال تطوير القانون وتحقيق العدالة.

ثم نتحدث في الفصل الثاني عن الاتجاه الذي يسير عليه قانون الإجراءات الجنائية في السودان، وقانون أصول المحاكمات الجزائية في الأردن، ونطاق تسبيب الحكم الجنائي في درجات التقاضي.

وننهي البحث في الفصل الثالث والأخير، بوضع الضوابط والأسس والحدود التي ينبغي على القاضي الجنائي ألا يخرج عنها عند تسبيب الحكم الجنائي، وحتى لا يؤدي إلى القصور في التسبيب الذي يعرض الحكم للبطلان، ويلغى عند مخالفته لقواعد التسبيب.

وذلك وفق خطة التقسيم الآتيــة :

أولاً: الفصل التمهيدي: تسبيب الحكم الجنائي وتطوره التاريخي

ثانياً: الفصل الأول: مدى سلطة القاضي في التسبيب في مجال أدلة الثبوت

ثالثاً: الفصل الثاني: تسبيب الحكم الجنائي في قانون الإجراءات الجنائية السوداني وقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني

رابعاً: الفصل الثالث: قواعد تسبيب الحكم الجنائي وأثر مخالفة القاضي لها.

صعوبة الدراسة:

من المعلوم أن أى عمل يقوم به المرء لا يخلوا من أى صعوبات حتي ولو كان يسيراً، ومن أهم الصعوبات التى واجهتني نقص المراجع المتعلقة بموضوع الرسالة فى السودان والأُردن، وإن وجدت متناثره فى جزئيات قليلة من المراجع ، وفى هذا الموضوع لم أجد أى مؤلف يحمل نفس عنوان هذه الرسالة فى السودان والأُردن .

وفى الختام لابد أن أذكر أن الكمال لله وحده، وليس على المرء فى بحثه إلا أن يجد ويجتهد نحو الأفضل، ولا أدعى أن هذا البحث قد أصاب الكمال وخلاء من كل عيب وسلم من كل نقص، وإننى على يقين مهما بذلت فى تحريره وتهذيبه، لابد من وجود أخطاء وعثرات وثغرات ومأخذ تثير الإنتقاد، والإنسان بصفته غير معصوم عن الزلل والنسيان، وفى هذا المقام يقول عماد الدين الأصفهاني " إنى رأيت إنه لا يكتب إنسان كتاباً فى يوم إلا قال فى غده لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر وهو دليل على إستيلاء النقص على جملة البشر، وأنهم فى حاجة إلى واهب القوة والقدر[*]

وختاما أسأل الله التوفيق والسداد .

صفحة 5

تسبيب الحكم الجنائي وتطوره التاريخي

يأخذ التسبيب تعريفات متعددة، ويرجع ذلك الى وجوده في كثير من العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وقد خضع في نشأته لتطور مسايراً في ذلك تلك المجتمعات وأنظمتها القانونية، والحضارة البشرية، مما أدي الى مدلوله تبعاً لتطوره.

ولاشك إن هذا المدلول لم يكن هو المدلول السائد في الأنظمة القانونية القديمة، ولكنه خضع لتطور وفق تطور العقل البشري وتطور المجتمعات وأنظمتها القانونية الى أن وصل الى المدلول السائد في الأنظمة القانونية الحالية.

وللتسبيب أهمية عظيمة ووظائف كبيرة في الأنظمة القانونية المختلفة، فأهميته كبيرة بالنسبة للخصوم والرأي العام والقضاء، ووظائفه عظيمة في ضمانة احترام حقوق الدفاع وكفالة رقابة محكمة النقض على الاقتناع الموضوعي لقضاء الموضوع، ومساهمته الفعالة في تطوير القانون.

وبناءاً على ماتقدم سيتم تقسيم هذا الفصل الى ثلاثة مباحث على الوجه الآتي :

المبحث الأول: ماهية التسبيب وأهميته وأنواعه.

المبحث الثاني: التطور التاريخي للتسبيب.

المبحث الثالث: الدور التطويري للتسبيب.

صفحة 6

المبحث الأول : ماهية التسبيب وأهميته وأنواعه

من خلال هذا المبحث سيتم تقسيم مدلول التسبيب والتعريفات المتعددة له. ثم تحديد أهمية التسبيب بالنسبة للقضاة والخصوم والرأي العام. وسيتم بيان وظائف التسبيب باعتبارها ضمانة من ضمانات احترام حقوق الدفاع وكفالة رقابة محاكم النقض من رقابة النشاط الإجرائي لقاضي الموضوع وذلك تحقيقاً للمصلحة العامة ومقتضيات العدالة.

وسوف يتم توضيح الطبيعة القانونية للتسبيب، من حيث عرض مجموعة الاعتبارات والدوافع القانونية والواقعية التي قادت القاضي الى النتيجة التي توصل اليها في قضائه.

وكذلك بيان أنواع التسبيب والتي تتنوع وفق اعتبارات معينة. وأهمها التسبيب المؤجز والمطول وسيتم توضيح ذلك من خلال المطالب الآتية :

المطلب الأول: المقصود بالتسبيب.

المطلب الثاني: أهمية التسبيب ووظائفه.

المطلب الثالث: الطبيعة القانونية للتسبيب وأنواعه.

صفحة 7

المطلب الاول :المقصود بالتسبيب

تفسير مدلول التسبيب أخذ تعريفات متعددة ، ترجع الى وجوده في كثير من العلوم الإنسانية، فقد خضع في نشأته للتطور، مسايراً في ذلك تطور المجتمعات وأنظمتها القانونية والحضارية البشرية، مما أدي الى تغير مدلوله تبعاً لتطوره. وسنتناول مدلول التسبيب في اللغة العربية، وفي المنطق، وفي الفقه، وفي التشريع القضائي.

صفحة 8

أولاً ـ مدلول التسبيب في اللغة العربية :

هو مصدر كلمة سبب، والسبب بمعني الحبل، وهو كل شئ يتوصل به الى غيره[1].

والسبب يكون أيضاً بمعني الطريق ومنه قوله تعالى(وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً )[2]. والسبب هو ما يوصل الى الشئ، فالباب موصل الى البيت، والحبل موصل الى الماء، والطريق موصل الى ما تريد، والتوصل لشيئ ما بسبب معين. ووفقاً للمدلول اللغوي للتسبيب، فإن أسباب الحكم في القضاء مرده لما تسوقه المحكمة من أدلة واقعية وحجج قانونية لحكمها[3].

صفحة 9

ثانياً ـ مدلول التسبيب في المنطق :

هو أداة للتبرير ومن ثم الاقناع، وهذا يتحقق متي كانت المقدمات التي سلم بها القاضي وجعلها أساساً لحكمه تعود وفق منطق الأمور وقواعد اللزوم العقلي الى النتيجة التي انتهي اليها. فكلمة سبب في لغة المنطق تعني القدرة العقلية على تفهم الأمور وفق قواعد التفكير المنطقية. وأسباب الحكم الجنائي وفقاً لقواعد المنطق هي مجموعة الأسانيد والمقدمات المنطقية التي تعود الى النتيجة التي انتهي اليها القاضي من حيث إدانته للمتهم أو إعلان براءته، ومن حيث قضائه في أمر سابق على الفصل في الموضوع على الوجه المعين[4].

ومفهوم التسبيب بالنسبة للمنطق هو أداة للتبرير ومن ثم الإقناع ويتأتي ذلك إذا كانت المقدمات التي سلم بها القاضي وجعلها أساساَ لحكمه تعود وفق منطق الأمور وقواعد اللزوم العقلي وتؤدي الى النتيجة التي انتهي اليها سواء من حيث إدانة المتهم أو إعلان براءته.

صفحة 10

ثالثاً ـ مدلول التسبيب في الفقه الوضعي :

عند الرأي الغالب هو بيان الأسباب الواقعية والقانونية التي قادت القاضي الى الحكم الذي نطق به، والأسباب الواقعية هي التأكيدات والاثباتات التي تتصل بالواقع في مادياته، وفيما يتعلق بوجود الواقعة أو عدم وجودها، وإسنادها الى القانون.

أما الأسباب القانونية، فهي خضوع الوقائع الثابتة للقانون بعد تكيفها التكييف القانوني الذي ينطبق عليها، وتشتمل على المعني العام المجرد للقاعدة القانونية وعلى العنصر الخاص المحدد الفردي للواقعة.

ويري جانب من الفقه أن المعني النفسي للتسبيب، هو مالا يلتزم القاضي ببيانه، أما المعني الموضوعي للتسبيب، فهو ما يلتزم القاضي ببيانه. فالتسبيب في معناه النفسي ينصرف الى الأثر الذي تحدثه الأدلة في وجدان القاضي، وهو يكون متروكاً لإقتناعه الشخصي ويصعب عليه تسطيره، ومن ثم، فإنه لا يلتزم ببيانه وأما التسبيب في معناه الموضوعي، فهو عبارة عن بيان الأسباب التي تكون منها اقتناع القاضي، والتي تكونت من خلال استدلاله القانوني ، واستنتاجه القانوني، واستنتاجه القضائي، والإنتهاء منها إما الى الحكم بالإدانه أو الحكم بالبراءة، أو الفصل في أمر سابق على الفصل في الموضوع.

فالأسباب هي الحجج التي بينها قاضي الموضوع لتبرير حكمه، وتشمل بيان الواقعة والأدلة والرد على أوجه الدفاع المختلفة.

ويري بعض الفقه أن التسبيب هو جوهر الحكم الجنائي، لأن فيه إظهاراً للنشاط الذهني الذي يقوم به القاضي الجنائي من وقت دخول الدعوى في حوزته وحتي خروجها من قبضته ، وتكشف أسباب الحكم التي يسطرها القاضي لحكمه عن أنه في قضائه قد فهم الواقعة فهماً كافياً وسائغاً ، وقد أحاط بالظروف المحيطة بها الإحاطة الكافية، وأنه قد قدر الأدلة والقرائن القائمة في الأوراق تقديراً سليماً وسائغاً، وأنه قد طبق القانون عليها تطبيقاً صحيحاً، وأن المنطوق الذي انتهي اليه يصلح وفق قواعد المنطق أن تقضي اليه الأسباب التي اعتنقها وجعلها الأساس لحكمه . وبذلك يتضح أن الحكم من دون أسباب هو بمثابة إتهام من دون حكم[5].

والتسبيب هو جوهر الحكم الجنائي كونه يظهر النشاط الذهني للقاضي منذ توليه نظر الدعوى الى الإنتهاء منها، وتظهر آثار الحكم مقدرة القاضي على فهم الواقعة موضوع الدعوى فهماً سليماً والظروف المحيطة بها، وأنه قد قدر الأدلة الواردة في الأوراق تقديراً سائغاً وطبق عليه صحيح القانون.