صفحة 1
تقديم
بقلم: طارق علياستند إلى حوار - تم تحديثه الآن، مع نعوم تشومسكي في سانتا في ، نيومكسيكو، 26 كانون الثاني 2005))
إنني أكنّ احترامًا وإعجابًا بنعوم تشومسكي، منذ فترة طويلة، وهو أمر مثير للاهتمام حين نرى أناسًا كانوا ذات يوم يساريين وهم يوشكون على التحول إلى اليمين، وهذا ما يحدث، وأول اختبار لأعرف ما يوشكون القيام به عندما يحاولون طمأنة الناس الذين يعملون من أجلهم أو طمأنة زملائهم بالقول: إنني لست جزءًا من يسار تشومسكي وعندما يقول أي شخص ذلك الكلام، فاحذروا لأن بالإمكان أن ينتهي به الأمر في أي مكان، وقد انتهى الأمر مع بعضهم بتأييد جورج دابليو بوش وكثير من الناس بدأوا في بداية الأمر بالقول :لست جزءًا من يسار تشومسكي· وهكذا فإن ذلك يشكل دائمًا اختبارًا جيدًا·
من الصعب أن نتحدث عن نعوم، لأن أعماله معروفة جيدًا في كل أنحاء العالم، وهو يرتدي قبعات كثيرة جدًا ويتحدث في كثير من الأماكن المختلفة مما يخلق صعوبة في وضعه في قالب والقول هذا هو حاله وهذا كل ما في الأمر· لكن اسمحوا لي أن أحاول، فعندما كنت أفكر فيمن يذكرني نعوم به أكثر من غيره، كمثقف عام فإن الاسم الذي خطر على ذهني كان شخصًا يختلف عن نعوم، من نواح كثيرة لكنه مشابه له تمامًا من نواح أخرى، وكان ذلك الشخص هو الفيلسوف البريطاني الراحل بيرتراند راسل، فقد أصبح بيرتراند راسل، في مرحلة مبكرة من حياته، معارض ضمير، رفض القتال في الحرب العالمية الأولى، وعلى العكس من نعوم، جاء راسل من واحدة من أعرق وأبرز العائلات الارستقراطية في بريطانيا، دوقات بيدفورد·
وعندما أصبح بيرتراند راسل راديكاليًا جدًا وقال: يجب أن يكون لدينا محاكم جرائم حرب تحكم على الولايات المتحدة على جرائم الحرب في فيتنام لم نستطع أن نجد أي فندق في لندن، مستعد لإعطائه غرفة، وقلنا لراسل: ماذا سنفعل؟ وقال: أوه·· هذه هي المرة الأولى التي آسف أنني تخليت عن كل ميراثي· لذلك قلنا له: علينا أن نفعل شيئًا، فقال: سوف أجري بضع مكالمات هاتفية·
وعقد أول اجتماع للمحكمة الدولية لجرائم الحرب حول فيتنام في فندق راسل، في ميدان بيدفورد، وهو مكان كانت تملكه عائلة راسل، والذي كان قد تخلى عنه، وكان قد قال إنه لم يكن يريد أن يكون جزءًا منه·
إن الشيء المهم حول راسل، مثلما هو حال نعوم، أنه لم يكن يخشى من قول ما يدور في ذهنه، ومن قول الحقيقة لرؤساء الدول، ورؤساء الحكومات· وأنا أذكر أنني التقيت به ذات مرة بعد وقوع مجزرة بعينها في فيتنام، وكان راسل موجودًا في احتفال حيث تقدم رئيس الوزراء البريطاني نحوه ليحييه وقال له: مرحبًا لورد راسل، قال راسل: لم أستطع احتمال فكرة مصافحة يد هذا الرجل، لأنه ساند الحرب في فيتنام، لذلك أدار راسل ظهره له وابتعد عنه·
يوجد أناس من هذا القبيل، ونعوم تشومسكي واحد من العدد القليل، وهذا هو صوت أمريكا الذي علينا أن ندافع عنه ونشجعه في كل أنحاء العالم، لأنه إذا لم يكن هنالك مخالفون في الرأي مثل تشومسكي، فسوف يكون من الصعب جدًا أن ندافع عن الولايات المتحدة ونوضح للناس أن هناك معارضة، وأنه ليس كل الناس في الولايات المتحدة يتبعون الحكومة، وأن هنالك في أغلب الأحيان معارضة ضخمة لا يتم التعبير عنها في الصحافة· وهذا كل ما يعنيه كون الشخص مثقفًا عامًا، ومن وقت قريب، ظهر عدد من المقالات وبعض الكتب، كتب رديئة ومقالات رديئة نشرت في صحف رديئة، تحدثت عن مثقفين عامين وعندما تقرأها، تخرج بشخصيات مثل توماس فريدمان ومايكل إيجناتيف وكريستوفر هتشنز وعدة مهرجين آخرين· والمحصلة المهمة بالنسبة لي أن هنالك نوعين من المثقفين، فهنالك هؤلاء الأشخاص الذين ذكرتهم، وآخرون، ويمكننا أن نسمي عددًا قليلاً، وهؤلاء من وجهة نظري، هم مثقفو الدولة وهم ليسوا مثقفين عامين، ولا يتحدثون للمصلحة العامة، إنهم يدافعون عن الدولة، يواصلون الكتابة دفاعًا عن أكاذيبها ومجازرها وجرائهما كما لو أنها أمور بسيطة، فالناس الذين يساند جميعهم الحرب في العراق لا يكترثون أبدًا بأن أكثر من ستمائة ألف عراقي قد قتلوا حتى خريف 2006، ومعدل الوفيات يقارب الآن 500 شخص يوميًا وفقًا لدراسة حديثة نشرت في الصحيفة البريطانية لانست، ولم يتحدث جميع مثقفي الدولة الذين يدافعون عن الحرب في العراق أبدًا عن هذا الرقم لأن ذلك لا يقلقهم، ولكنه يقلق تشومسكي·
إنه دقيق جدًا بالطريقة التي يبحث بها عن الحقائق ويحللها ويعرضها، ويسجل له أنه يفعل هذا في بلد عزلته ثقافته السياسية بشكل كامل، والأمور ليست على نحو جيد في أوروبا أيضًا، ومع أنني لا أريد أن أبالغ فإنه لو كان تشومسكي يعيش في فرنسا أو بريطانيا لكان له عمود ينشر بشكل منتظم في أي صحيفة كبيرة في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا أو إيطاليا، ولا شك أبدًا في ذلك، لأن الأمور لم تصل حتى الآن إلى تلك الدرجة من السوء· وربما تصبح كذلك، لكن هذا مستحيل في الولايات المتحدة، إنه مستحيل، ورغم هذا فإن صوته مسموع في كل أنحاء العالم، ورغم حقيقة أنه تتم معاملته كمنبوذ في بلده من قبل المؤسسة الرئيسية، ومن قبل المؤسسة الليبرالية أيضًا، إلى حد كبير، رغم تلك الحقيقة، فإن هذا هو الصوت الأميركي الوحيد الذي يحظى بالاحترام في العراق، وباكستان، وفعليًا في كامل قارة أميركا اللاتينية تقريبًا·
لماذا؟ لأن الجميع يعرفون أنه من أجل أن تكسب، فإنك بحاجة إلى تأييد الشعب الأمريكي، وأنت بحاجة إلى تأييد المواطنين الأميركيين، الناس العاديين، ونعوم تشومسكي هو الشخص الوحيد الذي يعطي صوتًا لكثير من هؤلاء الناس الذين لا يمكن سماعهم عبر الإعلام الأمريكي أو الخارج· وهذا يجعله شخصًا بالغ الأهمية ويجعل منه ثروة ثمينة جدًا للمعارضين ولحركات المقاومة في كل أنحاء العالم·
لقد دأب على القيام بهذا منذ فترة طويلة حوالى خمس وأربعين سنة، وأصبح هذا الصوت أقوى وأقوى وأقوى، وحقيقة أن الأعداء، أعداءه وأعداءنا في كثير من الأحيان لا يستطيعون التعامل مع هذا الأمر، تجبرهم على التشهير والأكاذيب لأنهم لا يستطيعون أن يتعاملوا مع حججه· ومع أنه لا يظهر على التلفزيون، ولا تنشر مقالاته بانتظام في أي مكان في الصحافة الرئيسية فإن كتبه توزع في كل أنحاء العالم وصوته لا يمكن كبته، وحتى هذا الصوت الوحيد، المهيمن والقوي والصادق، لا يجدونه· إنهم لا يحبونه، وهم يهاجمونه، وما يزال الناس الذين يملكون مساحات واسعة في النيويورك تايمز والواشنطن بوست، والذين يستطيعون أن يقولوا ما يريدونه، ما يزالون يقرون بأنهم مضطرون لمهاجمته، وهذا أمر مثير للاهتمام لأن بإمكانهم أن يتجاهلوه إذا أرادوا والسبب الذي يجعلهم لا يتجاهلونه أن صوت تشومسكي أصبح ضمير بلاده وهو يسمع في كل أنحاء العالم· وهذا هو السبب الذي يجعلهم لا يستطيعون تجاهله·
كانت المرة الأولى التي قرأت فيها نصوصًا لنعوم تشومسكي قبل أربعين عامًا، في أيام حرب فيتنام، وقد أثر علي وأثر على أجيال كثيرة، وهذا هو الجيل الثالث الذي يؤثر عليه، وهو أمر رائع أن نراه في أجزاء مختلفة من العالم، وخصوصًا عندما يتحدث للشباب، وهو جيل جديد، وأنت تشعر عندما يتحدث بأسلوبه المميز، كما ستسمعه قريبًا، أن الشباب يصغون إليه بشغف· وهو يعني أنه ينقل سلاح الانشقاق والمعارضة إلى جيل جديد، وهذه مهمة بالغة الأهمية حاليًا لأننا نعيش في عالم مضطرب غير مرض، فنحن نعيش في عالم أصبح فيه هذا البلد قويًا جدًا ومهيمنًا جدًا عسكريًا لتحقيق مصالحه·
ونحن بحاجة إلى أصوات أكثر معارضة، لذلك فإنني أعتقد أن شعارنا ينبغي إيجاد نعومين، ثلاثة، عدد كبير من أمثاله· وآمل أن يساهم هذا الكتاب في ذلك تمامًا·
صفحة 2
ملاحظة من المحرر
بقلم: جريج روجيروطوال السنوات السبع عشرة الماضية، ساهم نعوم تشومسكي بكثير من العناوين في سلسلة الإعلام المفتوح، بما فيها الأفضل مبيعًا على صعيد وطني، الحادي عشر من أيلول، والعمل الذي أطلق السلسة نفسها، وهو نص لخطاب مناهض للحرب ألفه تشومسكي في جامعة هارفارد في تشرين الثاني 1990، وما عرفه عدد قليل من الناس، بمن فيهم أنا حتى وقت قريب جدًا، هو أنه في الشهور التي أعقبت تحقيق الحادي عشر من أيلول فإنه أفضل الكتب مبيعًا في تقييم صحيفة نيويورك تايمز، بدا تشومسكي يكتب مقالات مختصرة، كل منها حوالى 1000 كلمة، وزعتها مؤسسة نيويورك تايمز·
واختارت الصحافة العالمية مقالات تشومسكي على نطاق واسع، لكن الاختيار كان أقل في الولايات المتحدة حيث أحجمت الصحافة الرئيسية عن نشرها· فلم تظهر أي من المقالات التي وزعتها المؤسسة، في نيويورك تايمز أو لوس أنجلوس تايمز أو واشنطن بوست أو بوسطن غلوب، مع أن المقالات التي اختارتها ونشرتها بضع صحف محلية مثل ريجسترفالاد، دايتون ديلي نيوز ونوفيل فوبس وهي شهرية مقرها في تينسي·
إنها مفارقة وأمر يكشف أشياء كثيرة، أن نظامنا الإعلامي الرئيسي يبدو غير راغب في التساهل إزاء نطاق الفكر السياسي الواسع بما يكفي ليشمل فكر تشومسكي، ولكنه راغب في تسويقه خارج حدودنا الفكرية والجغرافية، بحيث يقول طارق علي إنه لو كان تشومسكي يعيش في إيطاليا أو ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا، لنشر عمودًا منتظمًا في واحدة من الصحف الرئيسية في تلك الدول·
فقد ظهرت مقالات تشومسكي في الصحافة البريطانية الرئيسية، بما فيها انترناشيونال هيرالد تريبون والغارديان والانديبندنت، وإحدى صحف المكسيك الوطنية وهي لا جورنادا، تنشر مقالات تشومسكي في أحيان كثيرة، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن في موطن تشومسكي الأصلي·
وهكذا فإنه شرف كبير أن نقدم للقراء في الولايات المتحدة مداخلات، وهي مجموعة كاملة من المقالات التي كتبها تشومسكي حتى اليوم لمؤسسة نيويورك تايمز، فيما عدا مقالة أو مقالتين كانتا مقتطفات حرفية من كتابيه الأخيرين، ومداخلات سيضم أيضًا قطعة واحدة - جدار كسلاح- والتي كتبت خصيصًا لصحيفة نيويورك تايمز وليس للمؤسسة· وقد استغل تشومسكي مناسبة وضع هذه المجموعة ليضيف ملاحظات، في بعض الأحيان استعادة فقرات من مسوداته الأصلية التي تم تحريرها لأسباب المساحة، وأضاف أيضًا مادة توسع فيها بينما كانت مسودات أصلية - خلفية ومعلومات أخرى·
وككتاب فإن مداخلات استفاد من هذه الإضافات·
من المهم أن نشير إلى أنه خلال الفترة التي كتب فيها تشومسكي المقالات لهذا الكتاب (2002 - 2007 ) فإنه كتب أيضا عدة أعمال رئيسية: الهيمنة أو البقاء (والتي حافظت على أفضل المبيعات لأسابيع بعد أن أثنى عليها هوجو شافيز خلال خطاب ألقاه أمام الأمم المتحدة في عام 2006)، والدول الفاشلة والقوة المحفوفة بالمخاطر (مع جيبلرت أشكار وستيفن شالوم)، ولكنها تناقش كثيرًا من الأفكار التي ترد في مداخلات بتفصيل أكبر·
وفي مقالاته يستغل تشومسكي حقيقة أن مجتمعنا ما يزال أكثر المجتمعات حرية في العالم: ما زالت الفرص موجودة لتحدي البيت الأبيض والبنتاغون والشركات التي يثريانها·
ويعتقد تشومسكي أن حرية تحدي القوة ليس فقط فرصة، بل هي أيضًا مسؤولية، وهو يستغل المقالات لتحقيق ذلك· وهذه المقالات القصيرة كتبت من أجل الوصول إلى القراء في الساحة الشعبية المشتركة لصحفهم اليومية، ويظهر تشومسكي أنه يستطيع أن يضرب بإقناع صميم التناقض السياسي والخدع والأهوال الخفية ببضع مئات من الكلمات في بضع مئات من الصفحات·
ورغم المظالم الكبيرة في هذا البلد وكابوس كون البلد في حالة حرب، فإن تشومسكي يذكرنا بأن الناس العاديين ما يزالون يملكون القوة لتحقيق التغيير· وهو يكتب قائلاً: أن أوضح دروس التاريخ، بما فيه التاريخ الحديث، هو أن الحقوق لا تمنح إنما تنتزع إن سلسلة الإعلام المفتوح هذه، وعمل تشومسكي، هو تشجيع القرار على استخدام حقوقكم في خلق عدالة أكبر وحقوق إنسان وديمقراطية أكثر، والإصرار على نظام إعلامي يؤيدها·
صفحة 3
مقدمــــة
بقلم بيتر هارتهنالك أعداد لا تحصى من الطرق لدراسة وسائل الإعلام الشاملة - مقارنة مع ما يتم إهماله أو دفنه في الصفحات الخلفية، أو تحليل المصادر والخبراء الذين يهيمنون على نقاشات الأحداث المهمة· يساهم مثل ذلك العمل في قياس المسافة بين الخطاب الإعلامي للتنفيذيين وألمع النقاد وبين ما يظهر على الصفحات المطبوعة أو شاشة التلفزيون· وهذه الهوة بين القيم التي تعترف بارونات الشركات الإعلامية أنها تقدّرها - الصحافة القوية والمتشككة والمناوئة - والمنتج الذي تبيعه، غالبًا ما تكون هوة عميقة، ولكن في أوساط النخبة يبدو أن التشدق بأكثر مبادئ التعديل الأول احترامًا مهم أكثر من الالتزام حقيقة بتلك المبادئ·
ولا تختلف أبواب التعليقات في الصحف، على نحو غير مدهش· إن التعهد بتقديم نقاش حر إلى القراء أمر مكرر إلى درجة الغثيان - نطاق واسع من الأصوات ووجهات النظر، وفقًا لإحدى الصحف؛ وتنوع في الآراء لتحفيز وتحدي تفكير القراء، لصحيفة أخرى· ووصف بحث أكاديمي أبواب التعليقات هذه بأنها المكان الذي يمكن أن يظهر فيه النقاش العام من خلال تأملات محرر الخدمة، دون قيود· وتتوق صحيفة نيويورك تايمز إلى صفحة تعكس النقاشات الاجتماعية والثقافية والسياسية الرئيسية في الوقت الراهن·
إن معظم صفحات التعبير عن الرأي لا تبدي هذه الأهداف السامية رغم أن رسالة التايمز تقترب من وصف ما يجري حقيقة· وفي صحف النخبة - تلك التي توزع بأعداد كبيرة، والتي تمارس النفوذ الأكبر بين المتنفذين (بشكل رئيسي لوس أنجلوس تايمز، وواشنطن بوست، ونيويورك تايمز) - تخدم صفحات التعبير عن الرأي كمكان إضافي لتخطيط مؤشرات النقاش المقبول بدقة· وما يمكن نشره بانتظام يكون ضمن هذه الحدود كما هو واضح، والأفكار التي نادرًا ما تظهر أو لا تظهر على الإطلاق لا تكون ضمنها بكل تأكيد· بناء عليه يمكن للتايمز أن تقول دون مبالغة إن صفحتها، وصفحات عديدة مثلها تعكس نوعًا معينًا من النقاش العام- تحديدًا ذلك الذي تحتمله طبقات النخبة السياسية ومصالح الشركات· أما النقاش الذي يجري رسميًا في واشنطن يمكن ألا يشبه كثيرًا النقاش العام الحقيقي حول القضايا المهمة، لكنه النقاش الذي يفترض أنه مهم ولذا فهو الذي يظهر في الصحف· إن ميدان النقد التلفزيوني ذي الصلة - حفنة من الصحفيين والمعلقين الذين يكسبون عيشهم بتقديم مقتطفات صوتية بليغة حول أي موضوع تقريبًا - يعاني من الطيف نفسه المحدود للغاية، وهذه ليست مصادفة، بالاعتماد في أغلب الأحيان على الأشخاص أنفسهم لتقديم الرأي والتحليلات·
إن صفحات الرأي والعمود المنتظم ليسا ملمحًا جديدًا لوسائل الإعلام الجماهيرية رغم أن تاريخها المضبوط مظلم إلى حد ما· فصحيفة نيويورك تايمز تعزو لنفسها الفضل بالخروج بهذه الصيغة المألوفة الآن في عام 1970: صفحة مقابل افتتاحيات الصحيفة - ومن هنا جاءت التسمية صفحات الرأي - والتي تظهر في الغالب مقالات قدمها كتاب من خارج الصحيفة· وكما هو الحال غالبًا في عالم صحافة النخبة، اتبعت الصحف الأخرى ريادة التايمز وأصبحت الصفحة شائعة نسبيًا في شتى أنحاء البلاد·
وبينما تعدّ التايمز المسؤولة عن جعل الصيغة أكثر شعبية، يبدو من غير المحتمل أن الصحف ساهمت بتقديرها المتواضع في ولادة طفل جديد يدعى صفحات الرأي (كان ذلك تقييما ذاتيًا أجرته التايمز في عام 1990، تحت العنوان المتواضع جميع وجهات النظر المناسبة للطباعة)· وأشار العالمان ديفيد كروتيو وبيل هوينز في المجلة التي تصدرها العدالة والدقة في التقارير (فير) والتي تحمل اسم اكسترا (حزيران 1992) إلى أن الأعمدة السياسية والاقتصادية المنتظمة كانت تظهر في عشرينيات القرن الماضي؛ ووجدت دراسة أخرى أن الصحف في شتى أرجاء البلاد تزعم أن أبوابها للرأي سبقت تاريخ وجود التايمز·
والأهم من مسألة من ساهم بولادة الصيغة هو ما الذي فعلوه بها· فبينما يبدو النقاش الحر الواسع النطاق شيئًا لطيفًا دون شك، لم يكن ذلك ما كان يظهر على صفحات التايمز· فقد وضح أنثوني لويس، وهو كاتب عمود سابق في التايمز، قائلاً في إحدى المرات، على سبيل المثال، إن الصفحة كانت بكل وضوح مخلوقًا من صنع السياسيين من أصدقاء مؤسسة التايمز، والفكرة التي قدمها على أنها تمثل وجهة النظر اليسارية أو التقدمية، التي بمكن أن توازن بين أمثال وليام سافير، كانت سخيفة، وعندما أجرى بين باغديكيان دراسة على صفحات الرأي في منتصف ستينيات القرن الماضي، وجد أن مزاعم المحررين بأنهم سعوا إلى نطاق إيديولوجي واسع من كتاب الأعمدة كان من الصعب موازنتها مع حقيقة أن الصحف كانت تهيمن على كتاب الأعمدة المحافظين
لدى دراسة المشهد بعد ثلاثين عامًا، وجد كروتيو وهوينز انحرافًا مماثلاً إلى اليمين في توزيع كتاب الأعمدة السياسيين· ومن بين أعلى سبعة من كتاب الأعمدة الأكثر توزيعًا، كان أربعة منهم محافظين معروفين (جورج ويل، وجيمس كيلباتريك، ووليام سافير، ووليام إف بوكلي)· وقريبًا من الطبقة العليا كان المراسل السياسي من الوسط ديفيد بوردير وكاتب العمود مايك رويكو، فيما كان ألن غودمان الليبرالي الوحيد· وكما استنتج كروتيو وهوينز، فإن أكثر كتاب الأعمدة توزيعًا في يومنا هذا ما زالوا يقدمون رسائل يتردد صداها مع الحق، ولا يوجد رغم ذلك تقديم منطقي 'لوجهة النظر الأخرى'
بعد نحو عشر سنوات، وجدت دراسة أخرى أجرتها الأمر ذاته إلى حد كبير - بالكاد تغير الطيف الإيديولوجي ولكن بعض الأسماء غيرت مواقعها· فقد كان المحافظان المتشددان جيمس دوبسون وكال ثوماس على رأس القائمة (بحسب عدد الصحف التي تحمل أعمدتهم)، والزميل المحافظ روبرت نوفاك وجورج ويل ليسا بعيدين عنهما·
لقد كان هنالك دوما بعض الاستثناءات للقاعدة بالطبع· فالتقدمية الشعبية مولي إيفينز، على سبيل المثال، كان عمودها يظهر في أكثر من 300 صحيفة إلى أن توفيت في أوائل 2007· ولكن بالمعنى الأوسع، فإن صفحات الرأي في الصحف اليومية ما هي إلا زاوية أخرى لعالم وسائل إعلام الشركات تهيمن عليه أصوات اليمين، ويمتد النقاش العام من أقصى اليمين إلى الوسط على الرغم من بعض الاستثناءات العرضية·
بالكاد يبدو ذلك مفتوحًا للنقاش الجدي، بغض النظر عما يقوله النقاد الأكثر تحفظًا ومضيفو أخبار الكابل حول مزاعم اتجاه صحافة الشركات نحو اليسار·
وضح آدم ميرسون، محرر النشرة الإخبارية للمؤسسة الفكرية المحافظة هيريتج فاونديشين (تشرين الثاني 1988) قائلا:
اليوم، يهيمن المحافظون على صفحات الرأي ولدينا كم هائل من الرأي المحافظ، ولكن ذلك يخلق مشكلة لأولئك المعنيين باختيار الصحافة مهنة بعد الجامعة··· فلو تخرج وليام بوكلي من جامعة ييل اليوم فلن يلفت إليه أحدًا· ولن يكون شخصًا غير عادي·· لأنه يوجد على الأرجح مئات الأشخاص الذين يحملون الأفكار نفسها، ولديهم فعليًا أعمدة منتظمة·
لا ينبغي على المحافظين الشباب التواقين إلى الحصول على فرصتهم في صفحات التعليق الكبيرة فقدان الأمل، إذ أشار رئيس مؤسسة نيويورك تايمز أنه بينما يوجد القليل جدًا من أسواق المنافسة الباقية وعدد أقل من الصحف، إلا أنه ما زال يوجد حيز لبعض الأشياء- لا سيما الأعمدة المحافظة للأقليات أو النساء
إن أسى ميرسون يؤخذ به رغم ذلك بإلقاء نظرة على المواقع الإلكترونية لكبريات المؤسسات الصحفية· فلو أراد محرر صفحة الرأي بصدق أن يقدم تعليقًا يميل إلى اليسار، إلى القراء، فسيكون من الصعب أن يفعل ذلك بالاعتماد على مؤسسات كبيرة· وإحدى تلك المؤسسات الكبيرة، كريتورز، تقدم دزينتين على الأقل من المحافظين المعروفين جيدًا؛ بينما يمكن عد اليساريين الحقيقيين أو التقدميين على أصابع اليد·
ويمثل ذلك جزءًا فقط من القصة كاملة· طوال السنوات العشر الماضية أو أكثر نبذت الصحف الرئيسية العدد القليل من كتاب الرأي الذين يميلون إلى اليسار الذين شقوا طريقهم إلى وسائل إعلام النخبة· وفي تموز 1995 طردت يو إس أيه توداي كاتبة عمودها التقدمي الوحيد، باربرا رينولدز· وبعد عامين تخلت صحيفة واشنطن بوست عن صوتها الموثوق للسلام والعدالة، كولمان مكارثي الذي كان يكتب للصحيفة منذ أواخر ستينيات القرن الماضي· والسبب؟ لقد تكلم السوق، وفقًا لمدير التحرير في البوست روبرت كيسر· تستمر الصحيفة في إيجاد سوق للشجعان من أقصى اليمين، أمثال تشارلز كراوثامير وجورج ويل، اللذين لا تبدو وجهات نظرهما تقتضي الشرعية في الأسواق مطلقًا، بغض النظر عن احتمال خروجهما عن إيقاع المشاعر العامة·
في عام 2005 تركت لوس أنجلوس تايمز روبرت سكير كاتب العمود الذي يميل إلى اليسار، وكان ملمحًا راسخًا في الصحيفة قرابة ثلاثين عامًا· ومع الحرب العراقية فإن تحديد القضية السياسية في سنواته الأخيرة ككاتب عمود في التايمز، كان سكير نادرًا بين النقاد ذوي الاتجاه السائد؛ لكونه متشككًا بشكل قاطع بمزاعم البيت الأبيض حول العراق·
قبل أن يصبح من السهل على وسائل الإعلام العملاقة أن تدعي أن الجميع كان مخطئًا بشان أسلحة الدمار الشامل العراقية، كان سكير يكتب (6 آب 2002) أن إجماعًا من الخبراء قال لمجلس النواب أن الترسانة الكيماوية والبيولوجية العراقية قد دمرت تمامًا على الأغلب خلال سنوات التفتيش الثماني·
وبعد أشهر يصف سكير ذرائع البيت الأبيض على أنها كذبة كبيرة دعا سكير إلى انسحاب الجنود من العراق أواخر 2003 وهو موقف ما زال غائبًا تقريبًا عن مناقشات النخبة بعد ثلاث سنوات· ويمكن أن يعزى طرد سكير إلى عدة عوامل: حملة من اليمين ضده من قبل أمثال بيل أورلي من فوكس، أو انتقال الصحيفة إلى أيدي شركة تريبيون· وقال سكير نفسه إن الناشر الجديد للتايمز أبلغه بأنه كان يكره كل كلمة كنت أكتبها·
ومع تخلي الصحيفة عن أفضل كُتّابها التقدميين، عززت التايمز تقدماتها من الجانب الأيمن من الطيف السياسي: المحافظ الجديد ماكس بوت، والمؤرخ نيال فيرغوسون، وجونيه غولدبيرغ من ناشيونال ريفيو· إن بعض أهم مساهمات غولدبيرغ في النقاش العام اشتملت على الاستهزاء بالفرنسيين بأنهم القردة المستسلمون آكلو الجبنة لمعارضتهم الحرب العراقية، ومحاولة إغواء ناقد أكاديمي لاحتلال العراق بالمراهنة بألف دولار، على أنه لن تكون حرب أهلية في العراق، وأن معظم الأمريكيين والعراقيين سوف يرون للحرب قيمة بحلول 2007·
من غير المحتمل أن يعاني غولدبيرغ - أو أي محافظ آخر يحتل مقعدًا عاليًا في إعلام الشركات- من العديد من الليالي القلقة خائفًا على أمن وظيفته في وسائل الإعلام التي تزعم أنها يسارية· إن واحدة من مزايا النقد من جهة اليمين هو عدم القلق كثيرًا بشأن النتائج العكسية لكونك مخطئًا في أمر ما (أو في بعض الحالات، بشأن أمور عديدة)· ففي عام 1992 مثلاً، قدم كاتب العمود المنظم على نطاق واسع جورج ويل نتائج استطلاع غالوب بشكل خاطئ تمامًا، من أجل ضرب وجهات نظر آل غور حول الاحتباس الحراري، مجادلاً بالقول إن معظم العلماء لم يعتقدوا أن الاحتباس الحراري يحدث فعلاً·
نشرت غالوب فعليًا بيانًا يصحح خطأ ويل الفادح- لقد وجد استطلاعها العكس تمامًا مما كتب ويل - ولكن معظم قراء ويل لم يشاهدوه ولم يصحح ويل تشويهه للحقائق مطلقًا·
إن تقديم وقائع خاطئة يمثل جانبًا واحدًا ولكن في أغلب الأحيان تحفل التصريحات والوصفات الصادرة عن نقاد رئيسيين بمشاكل أخرى· لقد صنع كاتب عمود الشؤون الخارجية في صحيفة نيويورك تايمز مهنته من تقديم تفاهات فقيرة العقل حول العولمة وحماس روح المغامرة المنتصرة للرؤساء التنفيذيين للشركات- وذلك عندما لا يقرع طبول الحرب ويحض الولايات المتحدة على شن العنف على الشعوب التي تعيش في الدول الأضعف· رغم ذلك يتمتع فريدمان بسمعة لا يستحقها بصفته من أفضل العقول ذكاء في الصحافة (حقيقة مدهشة بالنظر إلى عمله، ولكن نسبة إلى زملائه من كتّاب الأعمدة والنقاد فربما أنه أقل صدمة)·
في مناقشة جرت عام 2006 مع مضيف إن بي سي تيم روسيرت، اعترف فريدمان أنه يعرف القليل حول أحد المواضيع التي يخصص لها وقتًا مهمًا· ومستذكرًا سؤالاً حول مجال كتب بشأنه يتعلق بما إذا كان يعارض تمامًا ما يطلق عليه اتفاق التجارة الحرة، أجاب فريدمان مؤكدًا بقوله: لا، على الإطلاق ··· لقد كتبت عمودًا يدعم كافتا، مبادرة التجارة الحرة الكاريبية، رغم أنني لم أعرف محتواها· لقد كنت أعرف كلمتين فقط: تجارة حرة جدير بالذكر أن فريدمان لم يستطع أن يسمي اتفاقيته للتجارة المفضلة باسمها الصحيح، مشيرًا بالحرفين الأوليين سي أيه اللذين يمثلان أمريكا الوسطى وليس الكاريبي·
إن إجماع النخبة على قضايا مثل التجارة يعني أن كتّاب الأعمدة المقروئين على نطاق واسع مثل فريدمان، عليهم فقط أن يكرروا المزايا العديدة لنظرية العولمة من أجل أن يبدوا مطلعين جيدًا·
ومن غير المحتمل أن يعرف القراء الكثير مما يمكن أن يعارض هذا المذهب، فثمة قليل من الاختلاف ضمن طيف الجدل الضيق لإعلام الشركات·
ومن المفيد المقارنة بين إجماع الرأي العام، الذي كان متشككًا منذ فترة طويلة من صفقات التجارة، مثل اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)· إن معارضة المواطن لسياسة التجارة العالمية الصديقة للنخبة بالكاد تعدّ وجهة نظر مشروعة· ففي عام 2000، جلبت الحركات الجماهيرية المعارضة للوصفات الليبرالية الجديدة التي أصدرها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، عشرات الآلاف من الناشطين إلى العاصمة واشنطن - ونقمة كتاب الرأي في صحيفة نيويورك تايمز·
وفي أقل من شهر، نشرت التايمز خمسة انتقادات ضد الاحتجاجات على صفحات التعبير عن الرأي، ولم تنشر واحدًا يدعم تلك الاحتجاجات، أو حتى تناول مخاوفها باحترام· لقد بدا واضحًا من الكثير من العناوين (إنقاذ العالم الضائع، تعلم أن تحب صندوق النقد الدولي، و مجانين فعلاً)، غير أن محتوى المقالات كان أكثر هستيرية من العناوين·
صفحة 4
وزعم الناقد اليميني ديفيد فروم (الذي سيصبح قريبًا كاتب الخطب في البيت الأبيض) أن المحتجين يكرهون السدود والمطارات وعلماء الاقتصاد وحسبما قال بول كروغمان، وهو كاتب عمود في التايمز، فإن نقاد سياسيات البنك الدولي /صندوق النقد الدولي أطلقوا حججًا نادرًا ما تم التأكد من حقيقتها والتي مثلت أقلية صغيرة متميزة نسبيًا·
إن رجل التايمز ثوماس فريدمان، وهو رجل لا أحد يتفوق عليه على ترابه الوطني، استنتج غاضبًا أن المتظاهرين كانوا وضيعين، مجموعة من الدجالين الاقتصاديين الذين استحقوا أن يطلق عليهم التحالف لإبقاء فقراء العالم فقراء، وينبغي رفضهم· إن الأصوات المعارضة موجودة فقط في التايمز بصفتها أهدافًا لاحتقار النخبة·
ثمة لحظات تاريخية أخرى يقدم فيها تحليلاً دقيقًا لصفحات الرأي صورة مفيدة للخطاب المسموح· ففي الأشهر التي أعقبت هجمات 9/11 على سبيل المثال، قامت فير بإحصاء أربعة وأربعين عمودًا في صحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز تحث على رد عسكري، وعمودين فقط جادلا بالبدائل غير العسكرية· وبينما أظهرت استطلاعات الرأي في ذلك الوقت ميلاً باتجاه شكل ما من العمل العسكري، كانت هنالك آراء مهمة رجحت باتجاه تنفيذ هجمات محدودة أو استخدام نظام العدالة الدولي لمحاسبة أولئك المسؤولين عن هجمات 9/11· (حيث أن وجهة النظر هذه لن تسمع بدرجة كبيرة يعنى أنها لم تكن شيئًا يؤخذ بجدية في أوساط النخبة السياسية)· قبل سنوات، وفي كتابه أوهام ضرورية، درس نعوم تشومسكي طيف النقاش المسموح بشأن سياسة نيكاراغوا· ووجد أن خمسة وثمانين من الأعمدة التي ظهرت في نيويورك تايمز وواشنطن بوست خلال الثلاثة أشهر الأولى من عام 1986، كانت جميعها تنتقد السنديستيين· وكان مسموحًا بنقاش أكثر على مسألة سياسة تمويل الكونترا والتي عكست النقاش السياسي في واشنطن· غير أن شجب السنديستيين بدا وكأنه مطلب إعلامي·
وبأي مقياس ممكن فإن غياب التنوع على صفحات الرأي في البلاد هو أمر مذهل· إن مسألة تنوع الجنس، إذا أخذنا مثالاً واحدًا، أصبحت قضية للنقاش العام عندما أخذت المؤلفة والناقدة سوزان إيستريش صحيفة نيويورك تايمز لتقوم بمهمة نشر عدد صفحات الرأي التي كتبتها نساء·
ورفض محرر الصفحة مايكل كينسلي بسبب الصعوبات الحسابية أية محاولة لتوسيع النقاش، وفي 20 آذار 2005 كتب في صحيفة لوس أنجلوس تايمز قائلاً: إذا نجحت الضغوطات لإضافة مزيد من النساء فسوف تكون أصوات السود وذوي الأصول اللاتينية وغيرها أقل· فلماذا يجب أن يكون الحال كذلك؟ ألا يوجد نساء سود ولاتينيون محافظون؟ بالطبع يوجد· وربما يوجد حتى امرأة لاتينية محافظة مقعدة سحاقية غير مكتشفة لأنها خارج شبكة الصبي العجوز المريحة· ولكن على الأرجح لا يوجد اثنتان· إن المسألة ليست مسألة جهد إنما حسابات· فكل متغير يضاف إلى المعادلة يدمر الجهود لتعظيم جميع المتغيرات الأخرى·
إن هذا النوع من التفكير شائع لسوء الحظ· عند كتابتها في صحيفة نيويورك تايمز في عام 1990، تذكر آنا كويندلين أن أحد المحررين قال لها، أود أن أخصص لك عمودًا ولكن لدينا فعليًا آلين غودمان - فمن المفترض أن كاتبة نسائية واحدة هي كل ما يمكن للصفحة أن تتحمله· وقال الأمريكي من أصل أفريقي، كلارنس بيج وهو كاتب عمود في صحيفة شيكاغو تريبيون، إن مؤسسته غالبًا ما سمعت أجوبة مماثلة حول عمله - محررون يذكرون أسماء الكتاب السود الذين تظهر أعمالهم فعليًا في صحفهم·
ربما من المفيد إذًا قراءة الأعمدة التي يجمعها هذا الكتاب على هذه الخلفية التاريخية· وعلى النقيض من عرافي ونقاد المؤسسة السياسية في واشنطن، الذين يظهرون بشكل دائم في البرامج الحوارية التلفزيونية، فإن كتابات نعوم تشومسكي لا يتم الإبلاغ عنها بهمسات من مسؤول مجهول، أو بثرثرة تدور في المؤسسة السياسية في واشنطن؛ أو من خلال الأحاديث التافهة التي تدور في حفلة عيد الميلاد التي يقيمها دونالد رامسفيلد (نعم هناك حفلة تقام بالمناسبة ويبدو أن النخبة الإعلامية تحضرها بأعداد لا بأس بها في السنوات الأخيرة)· تعتمد هذه الأعمدة على استدعاء حقائق متوافرة - وغالبًا غير مريحة للطبقات الحاكمة، ولذلك يتم تجاهلها بشكل كبير من قبل المراسلين المهنيين - وعلى كلمات وأفعال المسؤولين الأقوياء·
إنه بالضبط نوع العمل الذي يستثنيك من أروقة السلطة - وهي خطيئة كبرى في عالم صحافة النخبة، إن لم تكن الطريقة المثالية لفقدان وظيفتك·
وربما يكون الكتاب مفيدًا أيضا - أو محبطًا- في محاولة تخيل هذه الأعمدة تظهر في صحفك المحلية من خلال جدول زمني منتظم إلى حد ما· إن احتمال ذلك يمكن أن يقع بين المستحيل وما لا يمكن تصوره· فالسؤال إذًا، لماذا؟ قبل بضع سنوات ظهر نعوم تشومسكي في برنامج إخباري مهم على شاشة بي بي إس، ماكنيل/ليهرير نيوز أور· بعد فترة وجيزة ظهر العنوان التالي على صفحات مجلة فير التي تحمل اسم أكسترا: تشومسكي يظهر في برنامج مكنيل/ليهرير، لقد نجت الحضارة الغربية·
لقد نجت فعلا، ولكن بدلاً من مجرد نجاة الديمقراطية الأمريكية، ربما يأمل المرء في أن يراها تزدهر، ودون توسيع الأفكار المتاحة لعامة الجمهور فإن ذلك مستحيل·
ففي ظل جميع الطرق الفوضوية للبيت الأبيض، والتصنيفات المتدنية تاريخيًا التي يحظى بها أداء جورج دبليو بوش في الوظيفة، فإن التقييمات الحاسمة لسياسات البيت الأبيض أكثر شيوعًا في إعلام الشركات· ومع ذلك فإن هذا الانفتاح الواضح يمكن أن يكون مضللاً· وعندما تحدث تشومسكي أثناء انعقاد مؤتمر الهادئ بعنوان (الديمقراطية الآن) في 3 نيسان 2006، أمسك أداء الإعلام الأمريكي بشأن الحرب على العراق في وقت بدأت فيه الصحافة بالحصول على المصداقية؛ لأنها عبرت في النهاية عن وجهات النظر المتشككة:
لا يوجد فعليًا أية انتقادات للحرب في العراق· والآن إن ذلك سيفاجئ الصحفيين كما أعتقد· إنهم يعتقدون أنهم كانوا منتقدين للغاية ولكنهم ليسوا كذلك· أعني أن أنواع الانتقادات للحرب في العراق المسموح بها في النظام المذهبي والإعلام وما إلى ذلك، هو النوع الذي سمعت عنه، لنفرض في هيئة الأركان العامة الألمانية بعد ستالينجراد: إن ذلك لا ينجح، إنه أمر مكلف للغاية، لقد ارتكبنا خطأً، علينا أن نعين جنرالاً آخر، وما إلى ذلك· في الواقع، إنها بمستوى صحيفة لمدرسة ثانوية تشجع فريق كرة القدم المحلي· فأنت لا تسأل هل سيربحون؟ إنما تسأل كيف أداؤنا أنت تعلم، هل ارتكب المدربون أخطاء؟ هل علينا أن نجرب شيئًا آخر؟ هذا ما يطلق عليه انتقاد··· أنت تعلم، إن القضية ليست كيف سيربحون، إنما ماذا يفعلون هناك في المقام الأول؟
إن الصحفيين والكتّاب والنقاد السياسيين الذين تعدّ آراؤهم مقبولة لدى مصالح النخبة، وبالتالي تعدّ مناسبة لكي يشاركوا بوجهات نظرهم المسارح الإعلامية الأكثر هيبة، يعرفون كيف يبقون ضمن هذه الحدود· إن الأعمدة في هذه المجموعة لا تطيع تلك القوانين، وبناء عليه بقيت بعيدًا عن صفحات صحف النخبة في البلاد· وكالعديد من الأشياء التي تستحق المعرفة، نحن مجبرون على قراءتها في مكان آخر
إن رجل التايمز ثوماس فريدمان، وهو رجل لا أحد يتفوق عليه على ترابه الوطني، استنتج غاضبًا أن المتظاهرين كانوا وضيعين، مجموعة من الدجالين الاقتصاديين الذين استحقوا أن يطلق عليهم التحالف لإبقاء فقراء العالم فقراء، وينبغي رفضهم· إن الأصوات المعارضة موجودة فقط في التايمز بصفتها أهدافًا لاحتقار النخبة·
ثمة لحظات تاريخية أخرى يقدم فيها تحليلاً دقيقًا لصفحات الرأي صورة مفيدة للخطاب المسموح· ففي الأشهر التي أعقبت هجمات 9/11 على سبيل المثال، قامت فير بإحصاء أربعة وأربعين عمودًا في صحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز تحث على رد عسكري، وعمودين فقط جادلا بالبدائل غير العسكرية· وبينما أظهرت استطلاعات الرأي في ذلك الوقت ميلاً باتجاه شكل ما من العمل العسكري، كانت هنالك آراء مهمة رجحت باتجاه تنفيذ هجمات محدودة أو استخدام نظام العدالة الدولي لمحاسبة أولئك المسؤولين عن هجمات 9/11· (حيث أن وجهة النظر هذه لن تسمع بدرجة كبيرة يعنى أنها لم تكن شيئًا يؤخذ بجدية في أوساط النخبة السياسية)· قبل سنوات، وفي كتابه أوهام ضرورية، درس نعوم تشومسكي طيف النقاش المسموح بشأن سياسة نيكاراغوا· ووجد أن خمسة وثمانين من الأعمدة التي ظهرت في نيويورك تايمز وواشنطن بوست خلال الثلاثة أشهر الأولى من عام 1986، كانت جميعها تنتقد السنديستيين· وكان مسموحًا بنقاش أكثر على مسألة سياسة تمويل الكونترا والتي عكست النقاش السياسي في واشنطن· غير أن شجب السنديستيين بدا وكأنه مطلب إعلامي·
وبأي مقياس ممكن فإن غياب التنوع على صفحات الرأي في البلاد هو أمر مذهل· إن مسألة تنوع الجنس، إذا أخذنا مثالاً واحدًا، أصبحت قضية للنقاش العام عندما أخذت المؤلفة والناقدة سوزان إيستريش صحيفة نيويورك تايمز لتقوم بمهمة نشر عدد صفحات الرأي التي كتبتها نساء·
ورفض محرر الصفحة مايكل كينسلي بسبب الصعوبات الحسابية أية محاولة لتوسيع النقاش، وفي 20 آذار 2005 كتب في صحيفة لوس أنجلوس تايمز قائلاً: إذا نجحت الضغوطات لإضافة مزيد من النساء فسوف تكون أصوات السود وذوي الأصول اللاتينية وغيرها أقل· فلماذا يجب أن يكون الحال كذلك؟ ألا يوجد نساء سود ولاتينيون محافظون؟ بالطبع يوجد· وربما يوجد حتى امرأة لاتينية محافظة مقعدة سحاقية غير مكتشفة لأنها خارج شبكة الصبي العجوز المريحة· ولكن على الأرجح لا يوجد اثنتان· إن المسألة ليست مسألة جهد إنما حسابات· فكل متغير يضاف إلى المعادلة يدمر الجهود لتعظيم جميع المتغيرات الأخرى·
إن هذا النوع من التفكير شائع لسوء الحظ· عند كتابتها في صحيفة نيويورك تايمز في عام 1990، تذكر آنا كويندلين أن أحد المحررين قال لها، أود أن أخصص لك عمودًا ولكن لدينا فعليًا آلين غودمان - فمن المفترض أن كاتبة نسائية واحدة هي كل ما يمكن للصفحة أن تتحمله· وقال الأمريكي من أصل أفريقي، كلارنس بيج وهو كاتب عمود في صحيفة شيكاغو تريبيون، إن مؤسسته غالبًا ما سمعت أجوبة مماثلة حول عمله - محررون يذكرون أسماء الكتاب السود الذين تظهر أعمالهم فعليًا في صحفهم·
ربما من المفيد إذًا قراءة الأعمدة التي يجمعها هذا الكتاب على هذه الخلفية التاريخية· وعلى النقيض من عرافي ونقاد المؤسسة السياسية في واشنطن، الذين يظهرون بشكل دائم في البرامج الحوارية التلفزيونية، فإن كتابات نعوم تشومسكي لا يتم الإبلاغ عنها بهمسات من مسؤول مجهول، أو بثرثرة تدور في المؤسسة السياسية في واشنطن؛ أو من خلال الأحاديث التافهة التي تدور في حفلة عيد الميلاد التي يقيمها دونالد رامسفيلد (نعم هناك حفلة تقام بالمناسبة ويبدو أن النخبة الإعلامية تحضرها بأعداد لا بأس بها في السنوات الأخيرة)· تعتمد هذه الأعمدة على استدعاء حقائق متوافرة - وغالبًا غير مريحة للطبقات الحاكمة، ولذلك يتم تجاهلها بشكل كبير من قبل المراسلين المهنيين - وعلى كلمات وأفعال المسؤولين الأقوياء·
إنه بالضبط نوع العمل الذي يستثنيك من أروقة السلطة - وهي خطيئة كبرى في عالم صحافة النخبة، إن لم تكن الطريقة المثالية لفقدان وظيفتك·
وربما يكون الكتاب مفيدًا أيضا - أو محبطًا- في محاولة تخيل هذه الأعمدة تظهر في صحفك المحلية من خلال جدول زمني منتظم إلى حد ما· إن احتمال ذلك يمكن أن يقع بين المستحيل وما لا يمكن تصوره· فالسؤال إذًا، لماذا؟ قبل بضع سنوات ظهر نعوم تشومسكي في برنامج إخباري مهم على شاشة بي بي إس، ماكنيل/ليهرير نيوز أور· بعد فترة وجيزة ظهر العنوان التالي على صفحات مجلة فير التي تحمل اسم أكسترا: تشومسكي يظهر في برنامج مكنيل/ليهرير، لقد نجت الحضارة الغربية·
لقد نجت فعلا، ولكن بدلاً من مجرد نجاة الديمقراطية الأمريكية، ربما يأمل المرء في أن يراها تزدهر، ودون توسيع الأفكار المتاحة لعامة الجمهور فإن ذلك مستحيل·
ففي ظل جميع الطرق الفوضوية للبيت الأبيض، والتصنيفات المتدنية تاريخيًا التي يحظى بها أداء جورج دبليو بوش في الوظيفة، فإن التقييمات الحاسمة لسياسات البيت الأبيض أكثر شيوعًا في إعلام الشركات· ومع ذلك فإن هذا الانفتاح الواضح يمكن أن يكون مضللاً· وعندما تحدث تشومسكي أثناء انعقاد مؤتمر الهادئ بعنوان (الديمقراطية الآن) في 3 نيسان 2006، أمسك أداء الإعلام الأمريكي بشأن الحرب على العراق في وقت بدأت فيه الصحافة بالحصول على المصداقية؛ لأنها عبرت في النهاية عن وجهات النظر المتشككة:
لا يوجد فعليًا أية انتقادات للحرب في العراق· والآن إن ذلك سيفاجئ الصحفيين كما أعتقد· إنهم يعتقدون أنهم كانوا منتقدين للغاية ولكنهم ليسوا كذلك· أعني أن أنواع الانتقادات للحرب في العراق المسموح بها في النظام المذهبي والإعلام وما إلى ذلك، هو النوع الذي سمعت عنه، لنفرض في هيئة الأركان العامة الألمانية بعد ستالينجراد: إن ذلك لا ينجح، إنه أمر مكلف للغاية، لقد ارتكبنا خطأً، علينا أن نعين جنرالاً آخر، وما إلى ذلك· في الواقع، إنها بمستوى صحيفة لمدرسة ثانوية تشجع فريق كرة القدم المحلي· فأنت لا تسأل هل سيربحون؟ إنما تسأل كيف أداؤنا أنت تعلم، هل ارتكب المدربون أخطاء؟ هل علينا أن نجرب شيئًا آخر؟ هذا ما يطلق عليه انتقاد··· أنت تعلم، إن القضية ليست كيف سيربحون، إنما ماذا يفعلون هناك في المقام الأول؟
إن الصحفيين والكتّاب والنقاد السياسيين الذين تعدّ آراؤهم مقبولة لدى مصالح النخبة، وبالتالي تعدّ مناسبة لكي يشاركوا بوجهات نظرهم المسارح الإعلامية الأكثر هيبة، يعرفون كيف يبقون ضمن هذه الحدود· إن الأعمدة في هذه المجموعة لا تطيع تلك القوانين، وبناء عليه بقيت بعيدًا عن صفحات صحف النخبة في البلاد· وكالعديد من الأشياء التي تستحق المعرفة، نحن مجبرون على قراءتها في مكان آخر
صفحة 5
الحادي عشر من أيلول
دروس غير مستفاد منها4 أيلول 2002
إن الحادي عشر من أيلول قد صدم كثيرًا من الأمريكيين، وجعلهم يدركون أنه كان عليهم أن يولوا انتباهًا أشد لما تفعله الحكومة الأمريكية في العالم، وكيف ينظر إليها·
وانفتحت قضايا كثيرة للنقاش، وهي قضايا لم تكن من قبل على الأجندة، وهذا كله يبشر بالخير·
وهو أيضًا شيء يتسم برجاحة العقل إذا أملنا في تقليص احتمال وقوع مجازر مستقبلية، وقد يكون أمرًا صريحًا أن ندعي بأن أعداءنا يكرهون حرياتنا كما قال الرئيس بوش، لكن لا يكاد يكون من الحكمة أن نتجاهل عالم الواقع الذي ينقل دروسًا مختلفة·
وليس الرئيس هو أول من يسأل : لماذا يكرهوننا؟
في نقاش مع طاقمه، قبل أربع وأربعين سنة، وصف الرئيس أيزنهاور حملة الكراهية ضدنا (في العالم العربي)، ليس من قبل الحكومات بل من قبل الناس· وقد بيّن مجلسه للأمن القومي، الأسباب الرئيسية: الولايات المتحدة تدعم الحكومات الفاسدة والقمعية، وتعارض التقدم السياسي أو الاقتصادي، بسبب اهتمامها بالسيطرة على مصادر النفط في المنطقة·
وتكشف الاستطلاعات التي أجريت بعد الحادي عشر من أيلول، أن الأسباب نفسها موجودة حاليًا، ويعقدها الاستياء من سياسات معينة، ومن المثير جدًا أن ذلك صحيح وينطبق حتى على القطاعات المميزة ذات التوجه الغربي في المنطقة·
وللاستشهاد بمثال أخير فقط: في العدد الصادر في الأول من شهر آب، لمجلة العرض الاقتصادي للشرق الأقصى، يكتب المتخصص الإقليمي المعروف دوليًا، أحمد رشيد قائلاً إن في باكستان غضبًا متزايدًا لأن الدعم الأمريكي يسمح لنظام مشرف العسكري بتأخير الوعد بالديمقراطية·
واليوم لا نحسن كثيرًا لأنفسنا حين نختار الاعتقاد بأنهم يكرهوننا ويكرهون حرياتنا، وعلى عكس ذلك، فإن هذه مواقف الناس الذي يحبون الأمريكيين ويعجبون كثيرًا بالولايات المتحدة، وخصوصًا حرياتها، وما يكرهونه هو السياسات الرسمية التي تنكر عليهم الحريات التي يتطلعون إليها أيضًا·
وبسبب مثل هذه الأسباب؛ فإن تقييمات أسامة بن لادن بعد الحادي عشر من أيلول - ومثال ذلك إزاء الدعم الأمريكي للأنظمة الفاسدة والوحشية - أو الغزو الأمريكي للسعودية - لها صدى معين، حتى بين الذين يمقتونه ويخافون منه، ومن الاستياء والغضب والإحباط، تأمل الزمر الإرهابية في الحصول على التأييد والمجندين·
وعلينا أيضًا أن ندرك أن كثيرًا من العالم يعدوّن واشنطن نظامًا إرهابيًا، ففي السنوات الأخيرة، أقدمت الولايات المتحدة على عمليات، أو ساندت عمليات في كولومبيا ونيكاراغوا وبنما والسودان وتركيا، وهذا غيض من فيض، وهي عمليات تلبيّ التعريفات الأمريكية الرسمية للإرهاب - أي إن ذلك حين يطبق الأمريكيون تلك العبارة على الأعداء·
وفي المجلة الأكثر اتزانًا فورين أفيرز، كتب صمويل هنتنغتون عام 1999: في الوقت الذي تشجب فيه الولايات المتحدة، بشكل منتظم، دولاً مختلفة وتصفها بالدول المارقة؛ فإن أمريكا في عيون كثير من الدول أخذت تصبح القوة العظمى المارقة - أكبر تهديد خارجي لمجتمعات هذه الدول·
ولا تتغير مثل هذه التصورات بالحقيقة الماثلة في أنه، بعد الحادي عشر من أيلول، وللمرة الأولى، تعرضت دولة غربية وعلى ترابها الوطني لهجوم إرهابي مرعب، من النوع المألوف جدًا لضحايا قوة غربية، ويتجاوز الهجوم ما يوصف في بعض الأحيان بإرهاب التجزئة لجيش التحرير الإيرلندي أو منظمة إف أل إن، أو الألوية الحمراء·
وأثار إرهاب الحادي عشر من أيلول إدانة شديدة في كل أنحاء العالم، وسيلاً من التعاطف مع الضحايا الأبرياء، لكن بمواصفات·
ووجد استطلاع دولي أجرته مؤسسة غالوب في أواخر شهر أيلول تأييدًا ضئيلاً لهجوم عسكري على أفغانستان، من قبل الولايات المتحدة، وجاء أقل تأييد من أمريكا اللاتينية، وهي المنطقة التي تحمل أكبر خبرة مع التدخل الأمريكي·
وحملة الكراهية الحالية في العالم العربي تؤججها، بطبيعة الحال، السياسات الأمريكية تجاه إسرائيل - فلسطين والعراق، فقد وفرت الولايات المتحدة الدعم المهم للاحتلال العسكري القاسي من قبل إسرائيل، والذي يدخل الآن عامه الخامس والثلاثين·
ويمكن أن تكون هنالك طريقة لتقليص التوترات الإسرائيلية الفلسطينية، وذلك بوقف زيادتها كما نفعل برفض الانضمام إلى الإجماع الدولي القائم منذ زمن طويل، والذي يدعو إلى الاعتراف بحق جميع الدول في المنطقة بالعيش في سلام وأمن، بما فيها دولة فلسطينية في المناطق المحتلة حاليًا (ربما مع تعديلات طفيفة ومتبادلة في الحدود)·
وفي العراق فإن عقدًا من العقوبات، تحت ضغط أمريكي، قد قوى صدام حسين، بينما أدت إلى موت مئات الآلاف من العراقيين - ربما عدد من الناس أكبر من الذين ذبحتهم كل ما تسمى بأسلحة الدمار الشامل على مدى التاريخ، حسبما كتب المؤرخان جون وكارل مولر في مجلة فورين أفيرز عام 1999·
إن مبررات واشنطن الحالية لمهاجمة العراق أقل مصداقية مما كانت عندما كان الرئيس بوش الأب يرحب بصدام حسين كحليف وشريك تجاري بعد أن كان قد ارتكب أسوأ مجازره - كما في حلبجة، حين هاجم العراق الأكراد بالغاز السام عام 1988، ففي ذلك الوقت كان صدام أخطر مما هو الآن·
وبالنسبة للهجوم الأمريكي على العراق، لا يمكن لأحد، بمن فيهم دونالد رامسفيلد، أن يخمّن بشكل واقعي التكاليف والعواقب المحتملة·
ومما لا شك فيه أن المتطرفين الإسلاميين الراديكاليين يأملون في أن هجومًا على العراق سوف يقتل كثيرًا من الناس ويدمر كثيرًا من البلد، مما يوفر المجندين للعمليات الإرهابية·
ويفترض أنهم يرحبون بمبدأ بوش الذي يعلن الحق في الهجوم ضد تهديدات محتملة، وهي لا حدود لها فعلاً، وقد أعلن الرئيس أنه لا أحد يعرف عدد الحروب اللازمة لتأمين الحرية في الوطن الأمريكي، وهذا صحيح·
إن التهديدات موجودة في كل مكان وحتى في أمريكا، وتصوّر حرب لا تنتهي يمثل للأمريكيين خطرًا أكبر مما يمثله الأعداء المحتملون، وذلك لأسباب تدركها المنظمات الإرهابية جيدًا·
قبل عشرين سنة، أثار الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ياهوشافات هاركابي ، وهو مستعرب بارز، أثار النقطة التي لا تزال صحيحة، فقد قال: تقديم حل مشرف للفلسطينيين يحترم حقهم في تقرير المصير: وهذا هو حل مشكلة الإرهاب، فعندما يختفي المستنقع، فلن يظل هنالك أي بعوض·
وفي ذلك الوقت، كانت إسرائيل تتمتع بالحصانة الحقيقية من الانتقام في الأراضي المحتلة، وهي حصانة استمرت إلى فترة قريبة جدًا، وكان تحذير هاركابي ملائمًا، وينطبق الدرس بشكل أكثر عمومية·
ومثل الحادي عشر من أيلول، كان مفهومًا أنه بوجود تكنولوجيا حديثة، فإن الأغنياء والأقوياء سوف يخسرون ما يقرب من احتكارهم لوسائل العنف، ويمكن أن يتوقعوا أن يعانوا من مذابح على ترابهم الوطني·
وإذا أصررنا على إيجاد المزيد من المستنقعات فسوف يكون هنالك المزيد من البعوض، بقدرة مخيفة على التدمير·
وإذا خصصنا مواردنا لتجفيف المستنقعات، والتصدي لجذور حملات الكراهية فإن بإمكاننا عندئذ أن نقلص التهديدات التي نواجهها كما أننا سنفي بالمثل التي نعلنها، والتي ليست بعيدة المنال إذا اخترنا أن نأخذها على محمل الجد·
صفحة 6
الولايات المتحدة مقابل العراق
اقتراح متواضع
1 تشرين الثاني 2002إن الجهود التي كرستها إدارة بوش للسيطرة على العراق، بالحرب أو بانقلاب عسكري أو ببعض الوسائل الأخرى - قد أثارت عدة تحليلات للدوافع الموجهة لها·
وفي تقديم أحد التفسيرات، يقول أناتول ليفن، وهو مساعد رفيع المستوى في مؤسسة وقف كارنيجي للسلام العالمي، في واشنطن العاصمة أن جهود بوش تتلاءم مع الاستراتيجية الكلاسيكية الحديثة لحكم أقلية يمينية مهددة بالخطر، والتي تتمثل في تحويل السخط الجماهيري إلى وطنية عن طريق الخوف من أعداء خارجيين·
يقول ليفن إن هدف الإدارة هيمنة أحادية على العالم عن طريق التفوق العسكري المطلق وهي ما تجعل كثيرًا من العالم في خوف شديد·
ومع هذا فإن الإدارة تفحصت بديلاً بسيطًا لاجتياح العراق، فلتقم إيران بذلك، وقبل النظر الدقيق في هذا الاقتراح المتواضع فإنه يجدر التمعن في أسبقيات ولع واشنطن بالقتال·
ومنذ هجمات الحادي عشر من أيلول، استغل الجمهوريون التهديد الإرهابي كذريعة لطرح أجندة سياسية يمينية، وبالنسبة لانتخابات الكونغرس فإن الاستراتيجية حولت الانتباه من الاقتصاد إلى الحرب، وعندما تبدأ الحملة الرئاسية، فممّا لا شك فيه أن الجمهوريين لا يريدون من الناس أن يطرحوا أسئلة حول رواتبهم التقاعدية والوظائف والرعاية الصحية وأمور أخرى·
وبدلاً من ذلك فإن عليهم أن يثنوا على زعيمهم البطولي لإنقاذهم من تدمير وشيك من قبل عدو ذي قوة هائلة، وللتوجه إلى مواجهة القوة الشديدة التالية الميالة إلى تدميرنا·
ووفرت مذابح الحادي عشر من أيلول فرصة وذريعة لتطبيق خطط موضوعة منذ فترة طويلة للسيطرة على ثروة العراق النفطية الضخمة، التي تشكل عنصرًا مركزيًا لثروات الخليج الفارسي، التي وصفتها وزارة الخارجية عام 1945 بأنها مصدر هائل للقوة الاستراتيجية، وأحد أعظم الغنائم المادية في التاريخ العالمي وتؤجج السيطرة على مصادر الطاقة، القوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، وتترجم القوة الاستراتيجية إلى قوة دفع للسيطرة على العالم·
وهنالك تفسير مختلف بأن الإدارة تؤمن بما تقول، فقد أصبح العراق فجأة تهديدًا لوجودنا ووجود جيراننا·
لذلك علينا أن نضمن تدمير أسلحة الدمار الشامل في العراق ووسائل إنتاجها، والقضاء على صدام حسين، الوحش نفسه، وبسرعة، ينبغي شنّ الحرب في هذا الشتاء، لأن الشتاء القادم سيكون متأخرًا جدًا وذلك لأن سحابة الخطر التي تتكهن بها كونداليزا رايس، مستشارة الأمن القومي، ربما تكون قد استهلكتنا·
لنفترض أن هذا التفسير صحيح، وإذا كانت القوى في الشرق الأوسط تخاف من واشنطن أكثر من خوفها من صدام، كما هو الواقع فعلاً، كما يبدو منها، فإن ذلك لا يكشف سوى إدراكها المحدود للحقيقة·
ومن قبيل الصدفة فقط أن الحملة الرئاسية الأمريكية ستبدأ في الشتاء القادم، فكيف يمكن لهم أن يحققوا الأهداف المعلنة؟
يبدو أن هنالك خطة بسيطة وجب تجاهلها ربما لأنها يمكن اعتبارها خطة جنونية، وهي كذلك فعلاً، لكن من المهم أن نتساءل عن سبب ذلك·
إن الاقتراح المتواضع هو أن تقوم الولايات المتحدة بتشجيع إيران على اجتياح العراق، وتزويد الإيرانيين بالدعم اللوجستي والعسكري الضروري، من مسافة مأمونة
(صواريخ وقنابل وقواعد، الخ)
وكوكيل، يمكن لقطب من أقطاب محور الشر أن يهاجم قطبًا آخر·
أولاً: ستتم الإطاحة بصدام حسين - وفي الحقيقة تقطيع أوصاله وأوصال كل القريبين منه، وسيتم تدمير أسلحة الدمار الشامل التي لديه ومع وسائل إنتاجها·
ثانيا: لن يكون هنالك أي ضحايا أمريكيين، ومع أن كثيرًا من العراقيين والإيرانيين سوف يموتون لكن هذا لا يكاد يشكل قلقًا، فدوائر بوش - وكثير منهم ريغانيون - دعموا صدام بقوة بعد أن هاجم إيران عام 1980، متجاهلين تمامًا التكاليف البشرية الهائلة، سواء عندئذ أو في ظل نظام العقوبات اللاحق·
ومن المحتمل أن يستخدم صدام حسين أسلحة كيماوية لكن القيادة الحالية ساندت بحزم، وحش بغداد عندما استخدم الغاز ضد مواطنيه الأكراد الذين كانوا مواطني بلده·
وواصل مخططو واشنطن الحاليون دعم الوحش بعد أن ارتكب أسوأ جرائمه، بل وفروا له السبل لتطوير أسلحة الدمار الشامل النووية والبيولوجية حتى غزوه للكويت·
وسمح بوش الأول وتشيني، بشكل فعال، بقيام صدام بذبح الشيعة في آذار 1991 - لمصلحة الاستقرار، كما تم تفسير ذلك بهدوء في ذلك الوقت· ولم يسحبوا دعمهم لهجومه على الأكراد إلا تحت ضغط دولي ومحلي كبير·
ثالثًا: لا تواجه الأمم المتحدة أي مشكلة، ولن يكون من الضروري التوضيح للعالم بأن الأمم المتحدة ذات علاقة عندما تتبع أوامر واشنطن، وإلا لن تكون كذلك·
رابعًا: من المؤكد أن إيران تملك مؤهلات أفضل من واشنطن لشن الحرب وإدارة عراق ما بعد صدام، فعلى عكس إدارة بوش، لا تملك إيران أي سجل بدعم صدام المجرم وبرنامجه لأسلحة الدمار الشامل·
وقد يعترض المرء، وهو مصيب في ذلك، بأننا لا نستطيع الثقة بالقيادة الإيرانية، وهذا بلا شك ينطبق أكثر على الذين استمروا في مساعدة صدام حسين بعد أسوأ جرائمه·
وعلاوة على ذلك فإننا سيتم إعفاؤنا من الإحراج من إعلان الثقة العمياء في قادتنا بالطريقة التي نسخر بها من الدول الاستبدادية·
خامسًا: سيتم استقبال التحرير بحماس من قبل كثير من السكان أكثر مما لو فعلها الأمريكيون بالاجتياح، فالناس سيبتهجون في شوارع البصرة وكربلاء، ويمكننا أن ننضم إلى الصحفيين الإيرانيين بالثناء على نبل المحررين وقضيتهم العادلة·
سادسًا: يمكن لإيران أن تخطو نحو إقامة الديمقراطية فأغلبية السكان شيعة، وستواجه إيران مشكلات أقل مما تواجهه الولايات المتحدة في منحهم نوعًا من الرأي في حكومة قادمة·
ولن يكون هنالك أي مشكلة في كسب المنفذ إلى النفط العراقي حيث يمكن للشركات الأمريكية حاليًا أن تستثمر بسهولة مصادر الطاقة الإيرانية، إذا سمحت لها واشنطن بذلك·
والأمر المسلم به أن الاقتراح المتواضع بأن تقوم إيران بتحرير العراق اقتراح مخبول، وميزته الوحيدة أنه أكثر منطقية من الخطط التي يتم الآن تنفيذها - أو سيتم تنفيذها، إذا كان لأهداف الإدارة المعلنة، أي علاقة بالأهداف الحقيقية
صفحة 7
الحجة ضد الحرب في العراق
3 اذار 2003أعلنت أقوى دولة في التاريخ أنها تنوي السيطرة على العالم بالقوة وهي البعد الذي تتفوق فيه·
ومن الواضح أن الرئيس بوش وعصبته يعتقدون أن وسيلة العنف التي بأيديهم استثنائية جدًا، حتى إنهم يستطيعون التخلص من أي شخص يقف في طريقهم·
يمكن أن تكون العواقب وخيمة في العراق وفي كل أنحاء العالم· وقد تجني الولايات المتحدة إعصارًا من الثأر الإرهابي - وتصعّد إمكانية وقوع معركة فاصلة نووية·
ويلتزم بوش وتشيني ورامسفيلد بطموح إمبراطوري، كما كتب جي جون أيكنبري في عدد مجلة فورين افيرز الذي صدر في أيلول/ تشرين الأول - عالم أحادي الأقطاب ليس للولايات المتحدة فيه أي منافس يناظرها، وحين لا يمكن لأي دولة أو تحالف أن يتحداها كزعيمة وحامية ومنفذة للقوانين في العالم·
ومما لا شك فيه أن ذلك الطموح قد بسط السيطرة على ثروات الخليج الفارسي والقواعد العصرية لفرض شكل مفصل من النظام في المنطقة·
وحتى قبل أن تبدأ الإدارة بقرع طبول الحرب ضد العراق، أطلقت كثير من التحذيرات بأن المغامرة الأمريكية يمكن أن تؤدي إلى انتشار أسلحة الدمار الشامل، إضافة إلى الإرهاب، للردع أو الانتقام·
وفي الوقت الحالي فإن واشنطن تعلم العالم درسًا بشعًا جدًا وخطيرًا جدًا: إذا أردتم أن تدافعوا عن أنفسكم ضدنا فعليكم أن تقلدوا كوريا الشمالية وتشكلوا تهديدًا عسكريًا موثوقًا، وإلا فإننا سنمحوكم من الوجود·
هنالك سبب وجيه للاعتقاد بأن الحرب مع العراق كانت ترمي، إلى حد ما، إلى إظهار ما يتربص في الأفق عندما تقرر الإمبراطورية أن توجه ضربة - مع أن الحرب بالكاد تكون العبارة المناسبة، في ضوء غياب التشابه بين القوات·
ويحذّر سيل من الدعاية من أنه إذا لم نوقف صدام حسين اليوم فإنه سيدمرنا غدًا·
في شهر تشرين الأول الماضي عندما منح الكونغرس للرئيس صلاحية التوجه إلى الحرب، فقد كان المقصود الدفاع عن المصلحة القومية للولايات المتحدة ضد التهديد المستمر الذي يمثله العراق لكن لا يبدو أن أي بلد من جوار العراق كان قلقًا تمامًا من صدام، رغم كراهيتهم له·
ربما كان ذلك لأن الجيران يعرفون أن أبناء العراق على حافة البقاء على قيد الحياة، وقد أصبح العراق واحدًا من أضعف الدول في المنطقة، وكما يقول تقرير من الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم فإن نفقات العراق الاقتصادية والعسكرية جزء صغير من نفقات بعض جيرانه، بمن فيهم الكويت التي يبلغ عدد سكانها 10 في المائة من عدد سكان العراق·
وفي الحقيقة فإن البلدان المجاورة سعت في السنوات الأخيرة إلى إعادة دمج العراق في المنطقة، بما فيها إيران والكويت، اللتان تعرضتا لغزو عراقي·
واستفاد صدام من الدعم الأمريكي خلال الحرب مع إيران وبعدها، إلى يوم اجتياح الكويت· ويتبوأ أولئك المسؤولون قمة السلطة في واشنطن حاليًا·
وفر ريغان وإدارة بوش الأول المساعدات لصدام إضافة إلى وسائل تطوير أسلحة الدمار الشامل، حين كان أخطر بكثير مما هو عليه الآن، وكان قد ارتكب أسوأ جرائمه، مثل قتل آلاف الأكراد بالغاز السام·
إن وضع نهاية لحكم صدام يمكن أن يزيل عبئًا مخيفًا عن كاهل أبناء العراق، وهنالك سبب وجيه للاعتقاد بأنه سيعاني من مصير شاوشيسكو وطغاة شريرين آخرين، لو لم يتم تخريب المجتمع العراقي بعقوبات قاسية تجبر السكان على الاعتماد على صدام حتى يظلوا على قيد الحياة بينما يقوونه وزمرته·
يظل صدام حسين تهديدًا مخيفًا للذين يمكن أن يصل إليهم، ووصوله هذا لا يتجاوز مناطقه، مع أن من المحتمل أن يوحي العدوان الأمريكي بجيل جديد من الإرهابيين
الميالين إلى الانتقام؛ وقد يغري العراق لتنفيذ عمليات إرهابية يشتبه بأنها قيد الإعداد فعلاً
في العام الماضي قام فريق عمل برئاسة جاري هارت ودارين رودمان بإعداد تقرير لمجلس العلاقات الخارجية، أمريكا ما تزال غير مستعدة، أمريكا ما تزال في خطر ويحذر التقرير من هجمات إرهابية محتملة يمكن أن تكون أسوأ من الحادي عشر من أيلول، بما فيها استخدام محتمل لأسلحة الدمار الشامل في هذا البلد، وهي مخاطر أصبحت أكثر إلحاحًا باحتمال توجه الولايات المتحدة إلى الحرب مع العراق
يملك صدام في الوقت الحاضر كل سبب حتى يبقي أية أسلحة كيماوية وبيولوجية قد تكون لدى العراق، تحت السيطرة الشديدة، وهو لن يوفر مثل هذه الأسلحة لأمثال أسامة بن لادن في العالم، الذين يمثلون تهديدًا مخيفًا لصدام نفسه، ناهيك عن ردة الفعل إذا ظهر أي مؤشر على حدوث مثل هذه الصفقة المميتة·
ويدرك الصقور في الإدارة الأمريكية بأن العراق، فيما عدا كآخر ملاذ إذا هوجم، من غير المحتمل أبدًا أن يستخدم أية أسلحة دمار شامل يملكها ويجازف بالحرق الفوري·
وإذا هوجم العراق فإن المجتمع العراقي سوف ينهار، بما في ذلك القيود على أسلحة الدمار الشامل، ويمكن أن تتم خصخصة هذه الأسلحة، كما يحذر المتخصص في الأمن الدولي، دانيال بنيامين، وتعرض في السوق الضخم للأسلحة غير التقليدية، والتي لن تجد أية مشكلة في العثور على مشترين لها، ويقول بنيامين إن هذا بالفعل سيناريو مزعج جدًا وبالنسبة لمصير الشعب العراقي في العراق، لا يمكن لأحد أن يتكهن بثقة: ليست السي آي إيه وليس رامسفيلد ولا الذين يزعمون أنهم خبراء في شؤون العراق، لا أحد·
لكن وكالات الإغاثة الدولية تستعد للأسوأ·
فالدراسات التي أعدتها منظمات طبية محترمة تقدر أن حصيلة الموتى يمكن أن ترتفع إلى مئات الآلاف، وتحذر وثائق سرية للأمم المتحدة من أن الحرب يمكن أن تثير حالة إنسانية طارئة ذات مدى استثنائي، بما فيها الإمكانية بأن 30 في المائة من الأطفال العراقيين يمكن أن يموتوا من سوء التغذية·
ولا يبدو الآن أن الإدارة تولي انتباهًا لتحذيرات وكالات الإغاثة الدولية إزاء النتائج المرعبة للهجوم·
إن الكوارث المحتملة من بين الأسباب الكثيرة التي تجعل البشر المحترمين لا يفكرون بتهديد استخدام العنف، سواء في الحياة الشخصية أو في الشؤون العالمية إلا إذا توافرت الأسباب من قبل قوة طاغية، ولا شك في أنه لم يتم تقديم ذلك المبرر·
صفحة 8
وبعد أن بدأت الحرب
24 آذار 2003إذا كان هنالك أي شيء واضح من تاريخ الحروب فإن شيئًا ضئيلاً يمكن التكهن به·
وفي العراق قامت القوة العسكرية المخيفة في التاريخ الإنساني بمهاجمة بلد أضعف بكثير - تباين شديد في القوة·
وسيمر بعض الوقت قبل الخروج بتقييمات، ولو أولية، للنتائج، حيث ينبغي تكريس كل الجهود لتقليص الضرر، وتزويد الشعب العراقي بالموارد الضخمة التي يحتاجهالإعادة بناء مجتمعه - بعد صدام، بطريقته ولا يتم إملاء إعادة البناء من قبل الحكام الأجانب
وليس هنالك أي سبب للشك في أن الحكم شبه العالمي بأن الحرب في العراق سوف تزيد خطر الإرهاب، وتطوير واستخدام أسلحة الدمار الشامل للانتقام أو الردع·
إن إدارة بوش في العراق تتابع طموحًا إمبراطوريًا وهو طموح يخيف العالم ويحول الولايات المتحدة إلى منبوذ دولي·
إن الهدف المعلن للسياسة الأمريكية الراهنة هو تأكيد قوة عسكرية متفوقة في العالم، دون أن يتحداها أحد، ويمكن خوض الحروب الأمريكية الوقائية حسبما تشاء- وقائية أو استباقية· ومهما يمكن أن تكون مبررات الحرب الاستباقية فإنها لا تنطبق على التصنيف المختلف جدًا للحرب الوقائية: استخدام القوة لاجتثاث تهديد متوقع·
وتفتح تلك السياسة المجال أمام صراع طويل الأجل بين الولايات المتحدة وأعدائها، والذي أوجد العنف والعدوان بعضهم، ليس فقط في الشرق الأوسط، وبهذا الخصوص فإن هجوم الولايات المتحدة على العراق استجابة لدعوات ابن لادن·
وبالنسبة للعالم فإن مخاطر الحرب وما أعقبها لا يمكن أن تكون أكبر، واختيار احتمال واحد فقط من احتمالات كثيرة فإن زعزعة الاستقرار في باكستان يمكن أن تؤدي إلى نقل الأسلحة النووية الفتاكة إلى الشبكة العالمية للحركات الإرهابية، التي يمكن أن يقويها اجتياح العراق واحتلاله العسكري، وهنالك احتمالات أخرى، لا تقل سوادًا، يمكن استحضارها بسهولة·
لكن استشراف نتائج أقل خطرًا أمر ليس ميؤوسًا منه - بدءًا بدعم العالم لضحايا الحرب، والاستبداد الشرس والعقوبات الإجرامية في العراق· وهنالك مؤشر واعد وهو أن المعارضة للاجتياح قبل وقوعه وبعده، كانت كاملة كليًا لم يسبق لها مثيل·
وعلى نقيض ذلك، قبل واحد وأربعين عامًا، عندما أعلنت إدارة كنيدي أن الطيارين الأمريكيين يقصفون فيتنام، كان الاحتجاج لا وجود له تقريبًا، ولم يصل إلى أي مستوى ذي معنى طوال عدة سنوات·
والآن، هنالك احتجاج شعبي مناهض للحرب، على نطاق واسع ومبدئي، في كل أنحاء الولايات المتحدة والعالم· وتصرفت حركة السلام بحضور قوي حتى قبل أن تبدأ حرب العراق الجديدة·
وهذا يعكس زيادة مستمرة خلال هذه السنوات، لعدم الرغبة في التساهل إزاء العدوان والمجازر، وهذا يشكل واحدًا من التغيرات الكثيرة على نطاق العالم· وكان لحركات النشطاء في السنوات الأربعين الماضي تأثير تهذيبي·
وفي الوقت الحاضر فإن الطريقة الوحيدة أمام الولايات المتحدة لمهاجمة عدو أضعف بكثير تتمثل في رسم هجوم دعائي ضخم يظهر أن العدو شرّ - أو يشكل تهديدًا لوجودنا، وكان ذلك هو سيناريو واشنطن إزاء العراق·
ومع هذا فإن نشطاء السلام في وضع أفضل حاليًا لمنع الخطوة التالية نحو العنف وهذا يتصف بأهمية استثنائية استند جزء كبير من المعارضة لحرب بوش على إدراك أن العراق ليس سوى حالة خاصة للطموح الإمبراطوري الذي أعلنت عنه استراتيجية الأمن القومي بقوة في أيلول الماضي·
وللتأمل في وضعنا الحالي قد يكون مفيدًا أن نعود إلى تاريخ حديث جدًا، ففي تشرين الأول الماضي، تم إبراز طبيعة التهديدات للسلام في اجتماع قمة في هافانا، في الذكرى السنوية الأربعين لأزمة الصواريخ الكوبية، والذي حضره مشاركون رئيسيون من كوبا وروسيا والولايات المتحدة·
وكانت الحقيقة الماثلة في أننا تجاوزنا الأزمة، معجزة، وقد علمنا أن العالم تم إنقاذه من دمار نووي من قبل قائد غواصة روسية، فاسيلي أركيبوف، الذي رفض أمرًا بإطلاق صواريخ نووية عندما هوجمت غواصات روسية من قبل مدمرات أمريكية قرب خط الحظر الذي وضعه كينيدي· ولو وافق أركيبوف لكان من الممكن أن يؤدي الإطلاق النووي إلى تبادل يمكن أن يدمر نصف الكرة الشمالي، كما كان إيزنهاور قد حذر·
إن المعلومة المخيفة التي انكشفت تجيء في وقتها بسبب الظروف؛ فجذور أزمة الصواريخ تكمن في الإرهاب الدولي الذي يرمي إلى تغيير الأنظمة، وهما الآن مفهومان مهيمنان·
تظهر الاكتشافات الجديدة بوضوح شديد المخاطر المخيفة وغير المتوقعة لهجمات على عدو أضعف بكثير ترمي إلى تغيير الأنظمة - وهي مخاطر يمكن أن تهلكنا جميعًا، وهذا ليس كلامًا مبالغًا فيه·
وترسم الولايات المتحدة مسارات جديدة وخطيرة إزاء المعارضة العالمية شبه الإجماعية·
وهنالك طريقتان أمام واشنطن للاستجابة للتهديدات التي تتولد - إلى حدّ ما، من تصرفاتها وتصريحاتها المذهلة·
وإحدى الطريقتين هي محاولة تخفيف التهديدات بإيلاء بعض الانتباه للشكاوى المشروعة، والموافقة على أن تصبح عضوًا متحضرًا من مجتمع عالمي، مع بعض
الاحترام للنظام العالمي ومؤسساته والطريقة الأخرى هي بناء آلات أكثر إثارة للرعب، للتدمير والهيمنة، حتى يمكن سحق أي تحدّ محتمل مهما كان نائيًا، مما يثير تحديات جديدة وأعظم.
صفحة 9
العراق هو التجربة
29 نيسان 2003في غمرة الفوضى في العراق حاليًا، فإن السؤال حول من يحكم البلاد يظل القضية الرئيسية للخلاف، فهل هم العراقيون أو عصبة في كراوفورد - تكساس؟
ممّا لا يثير الدهشة أن شخصيات علمانية ودينية بارزة من المعارضة لصدام حسين يريدون من العراقيين أن يسيطروا على العراق مع كون الأمم المتحدة وسيطًا·
لكن صانعي السياسة الأمريكيين يحملون فكرة مختلفة بشكل كبير، فهم يبدون ملتزمين بفرض نظام وكيل في العراق، على غرار ما هو مطبق في كل مكان آخر في المنطقة، والأهم، في المناطق التي خضعت للهيمنة الأمريكية طوال قرن: أمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي·
وقد كرر برينت سكراوكروفت، مستشار الأمن القومي لبوش الأب، كرر ما هو واضح: ماذا سيحدث للمرة الأولى التي تجري فيها انتخابات في العراق ويتبين أن الراديكاليين يفوزون؟ مما لا شك فيه أننا لن نسمح لهم بتولي الأمور·
إن المنطقة متشككة جدًا إزاء دوافع الولايات المتحدة، فمن المغرب إلى لبنان إلى الخليج، فإن حوالى 95 في المائة من الناس يعتقدون أن حرب العراق قد تم شنها لتأمين السيطرة على النفط العربي وإخضاع الفلسطينيين لمشيئة إسرائيل، حسبما قال يوسف إبراهيم مستشهدًا باستطلاع قام به شبلي تلحمي من جامعة ميريلاند·
وإذا كانت التجربة تدلّ على شيء، فإن فريق العلاقات العامة التابع لبوش سيرغب في إقامة نوع من الديمقراطية الشكلية في العراق طالما أنها كانت ذا جوهر ضئيل·
ومن الصعب أن نتصور أن واشنطن ستسمح بصوت حقيقي للأغلبية الشيعية التي من المحتمل أن تضغط من أجل قيادة إسلامية، وتحاول أن تقيم علاقات أوثق مع إيران، وهو آخر ما يريده رجال بوش· أو يسمحون لصوت حقيقي للأقلية الكردية التي قد تسعى إلى نوع من الاستقلال ضمن هيكل فدرالي يمكن أن يكون لعنة بالنسبة لتركيا·
تظل تركيا قاعدة رئيسية للقوة الأمريكية - رغم التوترات حول الحقيقة الماثلة في أن الحكومة التركية عملت وفق إرادة شعبها في عدم السماح للقوات الأمريكية باجتياح العراق من أراضيها·
إن الديمقراطية الفاعلة في الشرق الأوسط يمكن أن يكون لها نتائج لا تتمشى مع الهدف الأمريكي بتعزيز هيمنتها فيه·
وأعلنت إدارة بوش علانية أن الأهداف التالية يمكن أن تكون سوريا وإيران - مما يتطلب قاعدة عسكرية قوية في العراق، ويفترض أنه سبب آخر وراء عدم السماح لأي ديمقراطية ذات معنى حقيقي في المنطقة·
كما أن للقواعد العسكرية في قلب مصادر الطاقة الرئيسية للعالم، دلالات واضحة لترسيخ السيطرة على هذه المصادر، والقوة الاستراتيجية والثروة المادية اللتين توفرهما·
إن حرب العراق اختبار ليوضح للعالم أن إدارة بوش تنوي أخذ إستراتيجيتها للأمن القومي التي أعلنت في أيلول الماضي، على محمل الجد·
وكانت الرسالة أن إدارة بوش تنوي أن تحكم العالم بالقوة، وهو البعد الذي تتفوق فيه، وأن تفعل ذلك بشكل دائم، وتقضي على أي تحدّ محتمل تواجهه، وهذا هو جوهر المبدأ المعلن عنه من جديد·
وقبل شن الحرب على العراق، شعرت الولايات المتحدة بأنها مدفوعة لمحاولة إجبار العالم على قبول موقفها ولم تستطع، لكن العالم في العادة يستسلم·
خذوا حرب الخليج الأولى كمثال، حيث مارست الولايات المتحدة ضغوطًا شديدة لإقناع مجلس الأمن بالموافقة على خطتها الحربية، مع أن كثيرًا من بلدان العالم عارضوها·
وفي أي نظام قانوني، الذي تأخذه مأخذ الجدّ، تعدّ الأحكام القسرية غير صالحة، لكن في الشؤون الدولية التي يديرها الطرف القوي، فإن الأحكام القسرية لا بأس بها - فهي تسمى دبلوماسية
إن الأمم المتحدة حاليًا في وضع محفوف جدًا بالمخاطر، فقد تتحرك الولايات المتحدة لتفكيكها أو على الأقل لإلغائها· فالموقف المتطرف للإدارة الحالية يتهدد المنظمة بصورة قوية، ومعها الإطار الكامل للقانون الدولي الذي أقيم بشقّّ الأنفس بعد الحرب العالمية الثانية كأساس لعالم أكثر سلمًا·
ومن المهم بطبيعة الحال، الحفاظ على القوة في الداخل أيضًا، ففي الخريف الماضي، في الانتخابات النصفية، كان يمكن لإدارة بوش أن تحقق نتائج سيئة لو كانت القضايا الاجتماعية الاقتصادية في الواجهة، وبدلاً من ذلك استطاعت أن تركز على القضايا الأمنية، مثل التهديد المفترض من العراق·
ومع حلول وقت الانتخابات الرئاسية، سوف تجد الإدارة تنينًا آخر لذبحه·
وفي الوقت ذاته، وعلى رأس الأجندة بالنسبة للمواطنين الأمريكيين، ينبغي أن يكون العمل من أجل ضمان إدارة العراق من قبل العراقيين، وأن تقدم الولايات المتحدة
مساعدات ضخمة، لاستخدامها حسبما يقرر العراقيون أنفسهم- وعلى الأغلب لشيء ليس أكثر من دعم دافعي الضرائب الأمريكيين لشركتي هاليبرتون وبكتل
وينبغي أن تكون هنالك أولوية أخرى وهي وضع كابح للسياسات البالغة الخطورة، التي أعلنت في الاستراتيجية الأمنية، والتي نفذت في صفيحة التجارب في العراق، كما وضعها دافيد سانجر وستيفن وايزمن في صحيفة نيويورك تايمز·
ويجب أن تكون هنالك أيضًا جهود كبيرة للحيلولة دون منجم الثراء المتأتي عن مبيعات الأسلحة، الذي تم تقديره بسرور كنتيجة للحرب، والذي سيساهم في جعل العالم مكانًا أكثر إثارة للرعب والخطر·
وكما هي العادة دائمًا فإن الأجندة تبدأ بمحاولة معرفة ما يجري في العالم، ثم التصرف وفق ذلك، بشكل أفضل من الآخرين، قدر ما نستطيع فقلة من الآخرين سيشاركوننا في امتيازنا وقوتنا وحريتنا- وبالتالي في المسؤولية، وينبغي أن يكون ذلك حقيقة بديهية أخرى.
صفحة 10
خارطة طريق بلا أي وجهة
18 اب 2003في هذه الأيام، في الوقت الذي تستمر فيه عملية السلام الإسرائيلي الفلسطيني، يتواصل بناء الحاجز الذي تسميه إسرائيل سياجًا أمنيًا ويسميه الفلسطينيون جدار فصل ومع أن هنالك اختلافات بين الرئيس جورج دابليو بوش ورئيس الوزراء إرئيل شارون، حول الموقع الفعلي للحاجز، فإنه من أجل وضع عملية السلام - والحاجز - في السياق، فإن من المهم أن نتذكر أنه دون موافقة الولايات المتحدة ودعمها؛ فإن بإمكان إسرائيل أن تفعل القليل، والإسرائيليون العقلانيون يعرفون ذلك·
كان المعلق السياسي الإسرائيلي عمير أوربن دقيقًا جدًا حين قال إن الرجل السيد الذي يسمى شريكًا هو الإدارة الأمريكية· هنالك أوهام كثيرة في الدول العربية وأماكن أخرى حول خنوع واشنطن لإسرائيل واللوبي المحلي الموالي لإسرائيل (والذي ليس كله يهودًا بأي حال من الأحوال)، فالفكرة القائلة بأن الولايات المتحدة تسمح
لإسرائيل بأن تكون سيدتها سوء فهم خطير من وجهة نظري إن خيارات إسرائيل في السنوات الثلاثين الماضية قد تقلصت بشكل ملحوظ فهي بمسارها الحالي، لا تملك أي بديل فعلي للخدمة كقاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة والامتثال للمطالب الأمريكية·
وظهرت الخيارات بكل وضوح عام 1971 عندما عرض الرئيس المصري أنور السادات على إسرائيل معاهدة سلام كامل، مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية وقبول مقترحات وسيط الأمم المتحدة، غونار يارنغ·
كان أمام إسرائيل خيار مصيري، فقد كان بإمكانها أن تقبل السلام والاندماج في المنطقة، أو الإصرار على المواجهة، وبالتالي الاعتماد الحتمي على الولايات المتحدة، واختارت الخيار الثاني ليس من منطلق الأمن، ولكن بسبب التزام بالتوسع·
في العام الماضي، كتب حسين آغا، وهو مختص في شؤون الشرق الأوسط في جامعة أكسفورد، وروبرت مالي، مساعد متخصص للرئيس كلينتون حول الشؤون العربية الإسرائيلية، كتبا في مجلة فورين أفيرز حول المأزق الإسرائيلي الفلسطيني، حيث بينا أن الخطوط العريضة للحل قد تم فهمها بشكل أساسي لبعض الوقت
ويرسم آغا ومالي الفهم المشترك: تقسيم للأرض على الحدود الدولية، مع تبادل للأراضي بنسبة متكافئة، وهما يكتبان أن الطريق للوصول إلى حل قد أفلت عن جميع الأطراف من البداية، لكن البيان مضلل رغم دقته، فقد تم سدّ الطريق طوال خمس وعشرين سنة من قبل الولايات المتحدة، وتواصل إسرائيل رفضه حتى من قبل الطرف الحمائمي من الطيف السياسي المهيمن·
وخلال سنوات بوش الثاني - شارون، تراجعت الآفاق أمام حلّ سياسي، ووسعت إسرائيل برامجها الاستيطانية بمساندة أمريكية مستمرة·
تسيطر المستوطنات الإسرائيلية حاليًا على 42 في المائة من الضفة الغربية، وفقًا لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية، بيتسليم، وتتناثر بين تلك المستوطنات، مناطق فلسطينية تشكل بقايا الأنظمة المقيتة من الماضي، مثل نظام جنوب أفريقيا العنصري كما تقول بيتسليم·
وفيما يتعلق بالخطط الحالية لإدارة بوش، فإن هنالك مصدرين: الأقوال والأفعال، فعلى صعيد الأقوال، تكمن رؤية بوش لدولة فلسطينية و خارطة الطريق التي أوحت بها الولايات المتحدة، لكن خارطة الطريق تركت غامضة عن عمد حول قضايا مهمة مثل الحدود·
تقول الصحفية الإسرائيلية أميره هاس: إن الحقائق على الأرض تقرر - وستظل تقرر- المنطقة التي ستطبق عليها خارطة الطريق، المنطقة التي سيقام عليها الكيان المعروف بالدولة الفلسطينية·
وبالحاجز وبتصرفاتها الأخرى فإن إسرائيل - وبالتالي سيدها المسمى بالشريك - تقوّض التسوية الدبلوماسية السلمية·
وتبرر إسرائيل سلوكها بعبارة الإرهاب الفلسطيني الذي قامت هي بتصعيده في واقع الأمر، بما فيه التفجيرات الانتحارية ضد المدنيين الإسرائيليين، خلال انتفاضة الأقصى التي اندلعت في شهر أيلول 2000 لكن ينبغي القول إنه إلى فترة قريبة نسبيًا فإن احتلال إسرائيل العسكري الوحشي قد أثار انتقامًا ضئيلاً جدًا ضد إسرائيل داخل المناطق، كما أن الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال والمستوطنون غير القانونيين في تلك المناطق قد أثارت قلقًا ضئيلاً· وقد انطبق الشيء ذاته في الأيام الأولى للانتفاضة الحالية ففي شهرها الأول، وفقًا للجيش الإسرائيلي، كان معدل حالات القتل عشرين إلى واحدة
(57 فلسطينيًا، 4 إسرائيليين)، وفي وقت كانت فيه المقاومة تقتصر على المناطق ونادرًا ما تجاوزت قذف الحجارة، وعندما تحول المعدل إلى ثلاث مقابل واحدة، ثار السخط الشديد إزاء معاناة الإسرائيليين·
إن ردة الفعل ملائمة لكن هل كانت ملائمة للاستهانة بالمعاناة الأسوأ للفلسطينيين قبل تحول ميزان الرعب، والآن أيضًا· وهي معاناة تعود إلى سنوات كثيرة بدعم أمريكي كبير لقد كشفت الانتفاضة تغيرات كبيرة أخذت تحدث داخل إسرائيل، فقد كانت السلطة الداخلية للجيش الإسرائيلي قد وصلت عندئذ إلى مستويات عالية، حتى إن الصحفي الإسرائيلي بن كاسبن قد وصف البلد ليس كدولة لها جيش وإنما جيش له دولة، وهو جيش يشكل، في الواقع، ملحقًا للقوة العسكرية التي تسيطر على العالم على مستوى لم يكن له أي سابقة تاريخية، وهي حقيقة لا تغيب عن أبناء المنطقة·
لكن بالإمكان أن يكون هنالك سلام، فهنالك أمثلة تاريخية كثيرة على إنهاء وتغيير الصراعات التي تبدو غير قابلة للحل، وتشكل ايرلندا الشمالية مثلاً أخيرًا، فمع أنها ليست طوبائية - فإنها تحسنت كثيرًا عما كانت قبل عقد·
وجنوب أفريقيا مثال آخر، فقبل بضع سنوات فقط، بدا أن العنف العرقي والقمع العنيف يدفعان المجتمع إلى حالة ميئوس منها، وطرأت تحسينات ملحوظة منذ ذلك الحين وفي إسرائيل - فلسطين فإن الرعب الشديد اليومي يضيف لبنات جديدة إلى جدران الكراهية والخوف والرغبة الجامحة للانتقام، لكن لم يفت الوقت أبدًا لاختراق تلك
الجدران إن الناس الذين يعانون من الألم اليومي ويتوقعون غدًا أسوا هم وحدهم الذين يمكن لهم أن يتولوا هذه المهمة بشكل جدي، لكن الخارجيين يمكنهم أن يساعدوا بصورة كبيرة في تهيئة الطريق، وإن يكن ذلك حين يرغبون في مواجهة أدوارهم ومسؤولياتهم بنزاهة، ويضعون خارطة طريق وفق ذلك·