الإهداء
إلى من تعلَّمنا من بكائه عليها..كيف نُغنِّي لها..
إلى روحِ الوالد العلَامة الرائد
محمَّد العيد الخطراوي
رحمه الله رحمةً واسعة
أُهدي هذا الكتاب.
فاتحة
"إذا كانت المُدنُ سجَّادةً فارسيَّة..
فإنَّ المدينةَ وحدها..سجَّادةً للصَّلاة."
سعيد السريحي
المقدمة
مدار الكتابة..
ماالمشتركُ الذي يجمعُ بين دراساتٍ ومقارباتٍ حول الشعر، والسَّيرة الذاتية، والرِّحلة، والتعليم، والموسيقى، والأحواش، والتاريخ؟
وبحجم المسافة بين هذه الموضوعات والفنون؛ كان ثمَّة مشتركٌ يمثِّل المدار الذي تشكَّلت في فلكه وفضاءاته هذه الدراسات والمقاربات، وهو: المدينة المنورة.
فمن تجليِّات كونها مكاناً مؤثراً في تجربة شعراء من حقبٍ مختلفة. وظروف ومشاهد ثقافية واجتماعية متنوعة، عبَّرت نصوصهم من خلالها عن مظاهر المكان وتجليِّاته في الشعر، وفق تصوُّرات متعددة، ورؤى ومؤثرات شتى..
إلى كونها-المدينة المنورة- مشهداً حفيًّا بالسِّيرة، والرّحلة. تشكَّلت الأولى في باحاتها وعرصاتها ومعاهدها، فأرَّخت للإنسان والمكان، وسجَّلت مباهجهما وأحزانهما، ومراحلهما وتحولاتهما.
كما كانت غايةً ومقصداً للثانية، أناخت ركابها عند عتباتها وبطاحها، واستمدَّت منها أُفق الاكتشاف وتشكُّلاته، وسوانح التأمُّل وموضوعاته، ورصدت تجليِّات ثقافة المجتمع المدني وسماتها.
إلى مكوِّن معرفي مهم ومؤسَّسة تعليمية رائدة هي: مدرسةُ العلوم الشرعية. التي اختلفت ظروف تأسيسها وسيرة مؤسِّسها، وأهميتها في سياق حركة التربية والتعليم، إلى مقاصد نبيلة ونتائج عظمى، فكانت هذه المدرسةُ واحدةً من أبرز بُنى المعرفة والتنوير في المدينة الطاهرة.
إلى ظاهرة الغناء والموسيقى. التي كانت المدينة المنورة محضناً لها، وتعود جذورها الأولى إلى عهود تاريخية قديمة، استدامت منابعها ثرَّة ريَّانة تنضح بتقاسيم الكلام وإيقاعاته، وتوقيعات النغم، ومستويات الصوت ومقاماته وألوانه، وتعدد مظاهره الأدائية. وظروف ومراحل تطور وتحولات تلك الظاهرة.
إلى الظاهرة المكانية العمرانية: الأحواش. ومظاهرها الهندسية، وأبعادها الاجتماعية والثقافية، وإفرازاتها القيمية.
إلى شاعر مختلف. انبثقت تجربته من ثراها الطاهر، وشكَّل علامةً مهمةً في مسيرتها الشعرية، ميَّزته عن أسلافه ومجايليه.
إلى تاريخها في مؤلَّف مهم. تعكس ظروف تأليفه ومضامينه، مدى ما غرسه ذلك المدار في بنيه من أثر، وما أسَّسه من قيم في نفوس سكَّانه ومحبيه.
ولا تنتهي الغايةُ من (إلى) ومتوالياتها، ولا تبلغ منتهاها- في تحقيق جدارة المدينة المنورة، بأن تكون مداراً للكتابة- حتى تعود إليها، لتبدأ منها في تأسيس قيمة الانتماء للمكان، وتعزيز طاقات النص في نقل تلك القيمة من أفق التصوُّر..إلى فضاء التشكُّل والتكوين.
أما بعد..
فلا أحسبني أجدت التقديم لمحتويات هذا الكتاب، إلا باستباق الإشارة إلى ما لخصته في مداخل هذه الدراسات والمقاربات، التي سبق ونُشرت في الفترة من عام 2006-إلى 2009م، في دوريات محكَّمة[1]. وقد أعدتُّ صياغتها بالحذف منها والإضافة إليها، وتوسيع دائرة التناول فيها، بحسب ما أراه محقِّقاً لمفهوم المدار ومقتضياته.
ولله الأمرُ من قبل ومن بعد.
محمد إبراهيم الدبيسي
المدينة المنورة
12/ربيع الأول 1434ه
مدخل
تسعى هذه المقاربةُ النقديةُ إلى استجلاء أثر المكان/المدينة المنورة، في التجربة الشعرية لبعض شعراء المدينة المنورة في الحقبة من منتصف القرن الثاني عشر الهجري، إلى القرن الحالي (الخامس عشر). وهي الحقبة التاريخية المتصلة بحكم امتدادها الزمني، ووحدة المنظومة الاجتماعية والثقافية في هذا المكان، وانتماء الشعراء إليه؛ الأمر الذي يبرز العلاقة العضوية بين التجربة الشعرية والمكان، نظراً لتأثر وارتباط التعبير الأدبـي ببيئته الاجتماعية والثقافية، وأحوالها وقيمها المختلفة.
كما ترومُ الوقوف على انعكاسات المكان على الخطاب الشعري، وأثر الواقع الثقافي والأدبـي في هذا الخطاب، عبر مراحل تاريخية جاوزت ثلاثة قرون؛ شهدت عهود سياسية متعددة؛ فكان استثمار المكان فيها متأثراً بالواقع السياسي وظروفه، كما استجابت تلك الحقبة لمتغيرات حياتية واجتماعية وثقافية، ألقت بظلالها على التجربة الشعرية.
وقد عمدتُ إلى انتقاء نماذجَ نصيَّة لشعراء من اتجاهات متنوعة، وأجيال متعددة، كان القاسم المشترك بينهم: المكان/المدينة المنورة، كمكوِّن حقيقي، وروحي وجمالي في الخطاب الشعري، وكحاضن للرؤية الشعرية ومؤثر فيها. وتحاول المقاربة كذلك، استجلاء البنى والعلامات الدلالية المشتركة والمتمايزة للخطاب الشعري، المتعالق مع المكان والمستجيب لتأثيراته، عبر تلك العهود التي توافق دارسو الأدب على اختيارها تصنيفاً وصفياً في دراساتهم لأدب الحجاز، وهي: (العهد العثماني، والعهد الهاشمي، والعهد السعودي)، حيث كان للواقع السياسي والاجتماعي في كلِّ منها الأثر الواضح في القيم المعرفية المفصلية، وفي مسيرة الثقافة السائدة، وكذلك في التجربة الشعرية.
ومن ثمَّ فقد حاولتُ استجلاء أثر المكان، والوقوف على سمات التَّمايز بين التجارب والنصوص الشعرية في التعاطي معه، وفي استثمار الموروث الثقافي والمكونات التاريخية والجمالية له، في تلك التجارب والنصوص.
ولا تزعمُ هذه المقاربة استيعابها لكل ذلك الميراث الشعري وتمثُّلاته النصية، وتياراته ومؤثراته الثقافية، بقدر ما تطمح إلى أن تكونَ محاولة في إطار جهود بحثية حثيثة تسعى إلى ذلك وتروم تحقيقه.
الحركةُ الشعريةُ في القرنين الثاني عشر، والثالث عشر الهجريين (لمحةٌ تاريخية)
في علاقة الشعرية، بوصفها مفهوماً جمالياً، بشكلها التعبيري المتمثِّل في النص الشعري، ما يكشف للمتلقي مكوِّنات التجربة ومدى اتسامها بالعمق، وانطلاقها من مكوِّناتها البيئية، وفضائها الثقافي والأدبـي وتعبيرها عنه؛ ليشكِّل النص الشعري مادتها الموضوعية الباعثة على الاستنطاق والتأمُّل والتحليل.
ولسنا هنا بصدد مقاربة تجربة شعرية فردية -إلا بالقدر الذي تقتضيه الدواعي الإجرائية لمقاربة هذا الموضوع في بعض أجزائه- وإنَّما في وارد استقراء ظاهرة فنية جمالية جماعية، وفي إطار مكان واقعي محدد، يمثِّل مكوِّناً جوهرياً في بنية هذه التجربة، التي تنطلق منه وتستلهم أبعاده وتشكلاته في نماذجها الشعرية. وقد لا نستطيع استبانة أثر المكان وتحولاته عبر النص الشعري، دون التَّماس مع هذه التجربة بأنماطها المتعددة ومستوياتها النصية والدلالية المختلفة.
فالتجربةُ الشعريةُ بوصفها ظاهرة متكاملة متعددة الأبعاد؛ هي محط قراءتنا، ولاسيما ما يتعالق منها مع المكان، وما ينبثق من تضاعيفه ومشاهده وتحولاته فيها.
وبهذا الإرهاص، يمكن أن نحدِّد الأنماط التكوينية للمكان، وأثره في الوعي الشعري. كما يمكن أن نستجلي الإطار العام للمكان بمكوناته وأبعاده، وقيمه التعبيرية، وفق تمثِّلها في النص الشعري. حيث شكَّل المكان ببناه وعناصره وجمالياته مكوناً رئيساً من مكونات ذلك النص.
فالمكانُ هنا، بوصفه مكوِّناً شعرياً «يحمل تسامي النفس الإنسانية
عند الشاعر، مثلما يحمل رثاء المكان دلالة الاعتبار إلى جانب معاني الوفاء ونحوه من المثل العليا، حتى يصبح وصف آثار المكان في أحد جوانبه، ليس إلا نبش الشاعر بوجوده المكاني الذي آخذ في الارتحال»[2].
ومن ثمَّ فإنَّ القيمةَ الإبداعية للمكان، لا تقتصر على الشعرية المعاصرة فحسب، لأنَّ المكان يتكشِّف لنا بأنماطه الواقعية والجمالية وإحالاتهما الثقافية من خلال مدوَّنة العرب الشعرية. فقد كرَّس وقوف الشاعر العربـي القديم على الأطلال إشكالاً ثقافياً يروم رسم العلاقة بين الإنسان والمكان وتحديد أبعادها.
وعلاقةُ الشاعر بالمكان ذات أبعاد متعددة «تستحضر الواقعي والخيالي والوهمي، ويكفي أنَّ الشاعر يعيش في المكان على مستوى الوجود الحقيقي، ويسبح المكان في عالمه الشعري، فيستحضر المكان من المعرفة الثقافية ويقيم لنفسه وجوداً فيه..»[3].
والمكانُ الذي تتوخى هذه المقاربة النقدية تحديده إطاراً لها، هو (المدينة المنورة)، بكل ما يؤصِّله وجودها من دلالات وحقائق ومعان وإيحاءات. فهي المكان الـمُشرع لتأمِّل البصيرة الإنسانية منذ القدم. وهي أيضاً المكان الحقيقي المرتبط بالتاريخ والدين والثقافة.
انطلاقاً مما احتواه من شرف وأفضلية على سائر الأمكنة، وبما ورد في القرآن الكريم والسنَّة المطهَّرة عبر عدة نصوص تشير إلى القيمة الحضارية والمستوى الرفيع الذي تبوأته هذه المدينة الطاهرة منذ مسَّتها أقدامُ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم، وتأسَّست فيها دولة الإسلام، وشكَّل التاريخ الإسلامي انطلاقاً منها صفحاته الناصعة وصنائعه المبهرة، لتشع الحضارة وتنطلق إلى آفاق الأرض من هذه المدينة[4].
أما الشعراءُ الذين تقارب هذه الدراسة أنماط التشكيل المكاني في تجاربهم ونصوصهم الشعرية، فهم شعراء المدينة المنورة منذ النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، إلى القرن الهجري الحالي (الخامس عشر).
إذ تشكَّل المكانُ في نصوص الشعراء في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، والنصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، من خلال أبرز ملامح التجديد الأدبـي في الحجاز، بحسب عبد الرحيم أبو بكر وغيره من الباحثين[5]، الذين وجدوا تطوراً فنياً وأصالةً إبداعيةً، في شعر السيد جعفر البيتي المتوفى سنة 1182ه، وعمر عبد السلام الداغستاني المتوفى سنة 1201ه، ومحمد أمين الزللي المتوفى سنة 1237ه، وعبدالجليل براده المتوفى سنة1327ه، وإبراهيم الأسكوبـي المتوفى سنة 1331ه، ومحمد سعيد الدفتردار المتوفى سنة 1392ه، وغيرهم، إبان الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي في العهد العثماني، الذي يجسد أكثر العصور تخلفاً وتراجعاً في نظر جلِّ الباحثين؛[6]إذ «من المؤكد أنَّ الأدب العربـي بلغ في العهد العثماني درجة سحيقة من التدهور، وتظل تلك الحقبة تتصف بغياب الإبداع والافتقار إلى الحيوية»[7].
وبالرغم من التطور والتجديد النِّسبيين اللذين حفلت بهما تجارب هؤلاء الشعراء، وهو ما يشاكلُ الصورةَ النمطيةَ للشعر العربـي الكلاسيكي، فإنَّ المدينة المنورة كمكوِّن ثقافي وشعري جاء خلفيةً تاريخيةً محضة في نصوصهم الشعرية، ولم يستثمر هؤلاء الشعراء غناها الجمالي وثراءها الثقافي في إنتاجهم بصوره معمَّقة تستوحي قيم المكان الجمالية.
ولم يتجاوز هؤلاء الشعراء واقعهم، استشرافاً لمكانتها الحضارية أو استثماراً لمكوناتها الثقافية والتاريخية والجمالية؛ خلال مائة عام (منذ النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، وحتى النصف الأول من القرن الثالث عشر).
ويمكننا القول بأنَّ جلَّ الشعر في هذه المرحلة، قد عُني بالمكان بشكل مباشر، وبرزت الملامح التسجيلية والأبعاد التصويرية التقليدية للمكان، كما برزت الصورة الشمولية النمطية له، من خلال شعر المناسبات والإخوانيات، والوصف، والتأمل، والمديح، والأغراض التقليدية الأخرى في الشعر العربـي، وبعض النصوص ذات الاتجاه السياسي، والإصلاحي. «ولم تكن البيئة الثقافية والفكرية في الحجاز خلال العهد العثماني الطويل، وبخاصة في العهد الأول منه، لتسمح بظهور نشاط أدبـي ممتاز، يفرض وجوده واتجاهاته، وذلك لأنَّ البيئة كانت محرومة من العوامل القوية المساعدة على استئناف النهوض والتقدم، وإذاعة روحهما بين جيل هذا العهد بقوة، ولهذا كاد الشعر في هذا العهد المظلم يجود بأنفاسه؛ لولا جهود بعض الشعراء الذين حافظوا بإنتاجهم على وجود هذا الفن، ترفدهم في ذلك بعض الوسائل أو الوسائط الثقافية المحدودة التي أتيحت لهم»[8].
المكانُ/المدينةُ المنورةُ..عند شعراءِ القرنينِ الثاني عشر، والثالث عشر الهجريين
في هذه الفترة المحددة بالقرن الثاني عشر الهجري، يرى عبد الرحيم أبو بكر أنها أدَّت بالشعراء إلى استثمار قدراتهم الذاتية وما يُتاح لهم من فرص القراءة والاطلاع.
وهو ما لا يتوافقُ مع حالة عدم الاهتمام بالشأن الثقافي والأدبـي، التي فرضتها الإدارة السياسية العثمانية على المدينة المنورة، مما يعني توافر البواعث الذاتية لكتابة الشعر تحديداً لبعض شعراء تلك الفترة، ويجعل تجاوزهم لأزمة واقعهم الحياتي إشارة رامزة للتوق إلى التعبير الشعري ومناهضة الظلم، وعدم مهادنة السلطة أو ممالأتها.
وهي دلالةٌ ثقافيةٌ تأخذ شكلها المعبِّر عن رمزية المكان؛ كدافع لتلك الحماسة الثقافية التي عبرَّ عنها الأدباء شعراً من خلال نصوص شعرية تعكس نوعية تجاربهم وموقفهم السياسي، ولا تتوقف عند حدود التعبير الفني فقط، بفضل الباعث الذاتي الكامن في النفس، ومكونات المكان الثقافية بشكل عام، ومقدراته؛ وهو ماكان بمعزل عن اهتمام العثمانيين، الذين لم يكن يشغلهم الشأن الثقافي بوصفه تعبيراً عن قيم اللغة العربية وفنونها ونظامها المعرفي.
وإنما شغلَهم دعم ركائز حكمهم السياسي، وتوطيد ولاء الحجاز لهم، وما يستدعيه ذلك من قمع الأصوات المعارضة، أو الهمم المنافحة عن وجودها واستقلالها، التي اتخذ بعضها التعبير الشعري أداة لتلك المعارضة.
وقد شهدت بيئة المدينة المنورة الأدبية في حقبة القرن الثاني عشر الهجري حركة شعرية حاولت أن ترتفع إلى أفق الأحداث التي عاشها المجتمع في تلك الفترة.
«ولا شك أنَّ ما تنطقُ به نصوص هذا الشعر من استبطان لبعض نوازع النفس الإنسانية، ونقدٍ لواقع أليم يعيشه الفرد في ذلك المجتمع، وإبرازٍ لأخطاء قاتلة وقع فيها من وضعت فيهم ثقتها وحملتهم أمانتها، ولذلك اتَّخذ شعراء هذه الحقبة التصوير أداة لتجسيد الوضع السيئ التي أضحت عليه مدينة الرسول صلى الله عليه وسلّم »[9].
على أنَّ استثمار المكان في نتاج هؤلاء الشعراء في تلك الفترة التي حددناها وهي (المائة عام)، كان انعكاساً للواقع السياسي والثقافي آنذاك، بمعنى تواري المكان بوصفه مكوِّنا حضارياً وجمالياً ثراً، لم يتفاعل أولئك الشعراء مع أهميته تلك، بالقدر المعبِّر عن مقوماته ومميزاته الثرَّة، ليظهر هذا المكان شعرياً كمشهد لمجريات الواقع السياسي وتداعياتها في نصوص أولئك الشعراء[10].
وإذا كان عاصم حمدان يرى «أنَّ شعراء تلك الفترة استعادوا تاريخ المدينة الماضي، في محاولة ذكية لمقارنته بالوضع المأساوي التي تعيشه في الحقبة العثمانية»[11]، فإنَّ هذه الاستعادة تتفق مع ما ذكرناه من استمرار تأثير الواقع السياسي على الحركة الأدبية بالمدينة خلال الفترة التي أشرنا إليها.
أما الشعراء الذين يعوِّل عليهم عبد الرحيم أبو بكر في تمثيل النهضة الأدبية في الحجاز في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، فإنَّ جُلَّهم من شعراء المدينة المنورة، وهم كما يراهم «يمثلون إرهاصات النهضة ومطالع التطور الأدبـي في الحجاز الحديث. وقد استطاعوا أن يمثِّلوا مرحلة الانتقال إلى النهضة بفنهم الشعري»[12].
وقد ظلَّ الواقعُ السياسيُ إبان ذلك يلحُّ على شعراء المدينة المنورة، وكان تبرمهم من الهيمنة العثمانية على المدينة واضحاً في شعرهم بشكل عام، يعبِّر عنه واحد من أبرز شعرائها، وهو إبراهيم الأسكوبـي الذي ذاع صيته عبر قصيدته الشهيرة التي ناوأ فيها (آل عثمان) وعبَّر فيها عن واقع مرير، ودفع ثمنها من حريته حيث أُعتقل وأُرسل إلى الأستانة[13].
فيما يشيرُ عبد الرحيم أبو بكر إلى «نوعٍ من التنبه والإحساس الوطني، تمثَّل في تلك الحركة التي قام بها بعض أهل المدينة المنورة ضدَّ المحافظ التركي علي باشا مرمحين في عام 1324ه، حينما أراد هذا الأخير بغطرسته التركية إذلال أهل المدينة ببعض تصرفاته الحمقاء، وأدَّت تلك الحركة بالقائمين عليها إلى محاكمة كانت نتيجتها إدانة أربعين رجلاً من أعيان المدينة وعلمائها، وأمر السلطان بإبعادهم إلى الطائف مصفدين بالحديد، ولم يقبل شفاعة أحد فيهم لأنَّه أخذ عنهم فكرة سيئة، وهي إسقاط الخلافة العثمانية وإسنادها للعرب، وقد مكث أولئك الرجال في سجنهم ثمانية عشر شهراً»[14].
وقد ألقت هذه الحركةُ الثوريةُ بضلالها على حركة الأدب، وكان صنَّاع الثورة وقادتها وجهاء وأدباء مدنيين، فاض بهم الكيل تجاه تعنُّت الوالي التركي (علي باشا مرمحين)، الذي فرض الضرائب على أهل المدينة؛ فثاروا بقيادة الشاعر المدني أنور عشقي، وأطلقوا الرصاص على الوالي التركي، ومن ثمَّ استحثَّت الحركة الثورية أهل المدينة فهاجوا مرددِّين جملة شعارية- تعبِّر عن رفضهم له- باللهجة العامية، هي: (يامرمحين ياوجه القمله من قالَّك تعمل دي العَمْلَه).
ولم يرُق أمر الثورة للسلطان عبدالحميد فزجَّ بالثوَّار في (سجن القلعة) بالطائف وقضوا فيه سنة ونصف وتوفي بعضهم هناك، ثم نُقل من بقي على قيد الحياة منهم مكبَّلين بالحديد إلى مكة المكرمة وجدة، لترويع سكانهما، وقد عبَّر الشاعر أنور عشقي عن هذه الثورة، وتداعياتها
بقصيدة منها قوله:
نُساق للسجن لا جرامٌ نُدان به
إلا تلافيق زور من ذوي الفتن
كنَّا نطالب بالعدل الذي حُرمت
منه المدينة دار العدل والمنن
أيُّ الذنوب اللواتي نستحق بها
هذا العقاب سوى الإعراض والإحن
ما ضرَّنا غير قول الشامتين لنا
ذوقوا جزاءكم في السجن والوهن
قضت علينا الليالي وهي ظالمةٌ
بُعداً عن الأهل والإخوان والوطن[15]
وقد تضمَّنت قصيدةُ عشقي مطالب الثائرين وفي مقدمتها العدل، الذي يرى الشاعر أنَّ المدينة المنورة داره ومناره الأبدي، كما لخَّص مطالبه ورفاقه برفع الظلم عن أهل المدينة، ومواصلة الإصرار على الموقف الذي لم تزده أيام السجن إلا إصراراً وتأكيداً.
والشاعرُ وهو يوقنُ بشرف المكان/المدينة المنورة ورمزيته في احتضان العدل، والتعبير عنه عبر تاريخها الطويل؛ إنما يعيد تأكيد ما وقر في نفوس أهل المدينة من رفض الاستبداد والمطالبة بالحرية للإنسان والمكان.
ولم يكن الأسكوبـي أقل شأناً من عشقي في مواقفه السياسية وشعره المناهض للحكم العثماني، فكتب قصيدته التي منها قوله:
فهذه العُربُ والأتراك قاطبة
ما عندهم عِدَدٌ تكفيهم قدرا
فرخِّصوا لجميع المسلمين به
بل اكشفوا لهمُ عن صنعه السِّرا
وعندما نُشرت هذه القصيدة وتناقلتها الصحف أحدثت ضجَّةً في بلاد الشام وتناقلها أهل الشام وروَّجوا لها، وكانوا حينئذ يناهضون حكم العثمانيين؛ فطُلب الأسكوبـي إلى الأستانة بسبب هذه القصيدة، التي رأى فيها العثمانيون تحريضاً على مناهضة حكمهم وانتقاصاً من قياداتهم، فاستطاع الأسكوبـي إقناعهم بأنَّ الأمر ليس كما تصوروه.
ولكي يأمنوا شعره ويشتروا مواقفه، عرضوا عليه منصباً كبيراً فرفض، واختار العودة إلى المدينة المنورة[16].
ويعلِّق الدكتور الخطراوي على ذلك بقوله: «..لا يستطيع دارس الحركة الشعرية في الحجاز..إلا أن يضع الأسكوبـي في إطار عصر البعث العربـي في العصر الحديث الذي تحمَّل الكثير من أعبائه الشعراء، وبشرَّوا به وفتحوا عيون مواطنيهم على الشعور بالذاتية، والوعي بالمسئولية الوطنية تجاه أوطانهم»[17].
وهكذا كان الشعرُ المدنيُ- في ذلك العصر- يكسر نمط الامتثال والصمت والتسليم، ويمثِّل موقفاً معارضاً بوجه الساسة، ويعيد شحذ الهمم المتطلعة إلى الحرية، ويوجِّه الرأي العام آنذاك نحو مزيد من الإصرار على الخروج من ربقة حكم العثمانيين، والمطالبة بالعدالة والحرية.
وفي هذا السياق يرى عبد القدوس الأنصاري «أنَّ عصر البعث بدأ في أعقاب حرب الدولة العثمانية مع إيطاليا، وكانت بلاد العرب تموج بحركات الاستنكار، لا للتواءات الرجل المريض، كما تموج بحركات اليقظة والشعور بالذاتية، ونفخ شعرائها في أبواق التبشير بتفتح الوعي، وبانطلاقه من القيود واسترجاع مجده السليب».
وفي سياقٍ متصلٍ نسبياً بذلك، ذهب الشاعر عمر الداغستاني إلى مصر- وكانت مصر ملاذاً للأدباء الحجازيين آنذاك- وعندما ضجَّ في نفسه الحنين إلى المدينة، بعث إلى والده قصيدة يُحمِّلها حنينه وأشواقه إلى المدينة المنورة، ومنها قوله:
سقى الله جيران العقيق ولعلع
ملث سحاب هامع العطر هاميا
وحيا مغاني الأنس أوفى تحية
تدوم لهم ما دام شوقي وافيا
سقى ورعى أيامنا ولياليا
تمضت بوصل في حماها حواليا
لقد هاجني التذكار نحو ربوعها
كما هاجت الأرواح ورقاً شواديا[18]
ونجدُ الإشارةَ الواضحة للمكان/العقيق في شعر هذه الفترة لدى الداغستاني، لا توحي بأكثر من استخدام دال (العقيق)[19]/المكان المدني لتأكيد أنَّ المقصود بهذه المناجاة الشعرية هم أهل المدينة. وبالرغم من تلك الظروف المعوِّقة للنهضة في العهد العثماني، ظلَّ الشعر يحتفظ بوجوده على أيدي شعراء جادين في مغالبة العزلة الفكرية والثقافية مثل: البيتي، والزللي، والداغستاني، والأسكوبـي.
ويمكن تلمُّس مثل ذلك الدور الثقافي في جهود جعفر البيتي، وعمر الداغستاني، ممن حاولوا استنهاض إمكانات المكان، ورصد أجزاء من حراكه الثقافي، عبر مساق أدبـي غير الشعر.
إذ ألفَّ السيد جعفر البيتي كتاباً بعنوان: (مواسم الأدب وآثار العجم والعرب)، وفيه «ألوان من الثقافة العربية، وتراجم لبعض الشعراء، وشيئاً من شعرهم وما قيل فيه، كما احتوى أحاديث عن التاريخ والجغرافيا، وذكر الممالك والأمم، والكتاب يدلُّ على ثقافة واسعة وإطلاع شامل تزوَّد بها السيد جعفر، ثم عكس آثارهما في هذا الكتاب، الذي يعد بادرة حسنة ومهمة في ذلك العصر الذي عاش فيه السيد جعفر، وقد نُشر الكتاب لأول مرة في جزأين عام 1326ه على نفقة الخانجي»[20].
والبيتي شاعرٌ مطبوعٌ يتوافر شعره على عناصر القصيدة العربية التقليدية، ويمثِّل نموذجاً للشعراء الإحيائيين، بما يقتضيه هذا الوصف من مقوِّمات وسمات، وبما يتميز به بناء هذه القصيدة من التزام البحور الخليلية، وجزالة في الألفاظ واستقامة ووضوح في المعاني، وتراتب في الأفكار، وقيم أسلوبية أخرى تفيد من الموروث البلاغي وأنساقه البيانية، كما اُشتهر البيتي بكتابة المطولات، ويعدُّه عاصم حمدان من أفضل شعراء جيله وممن تفنَّن في الكتابة في مختلف الأغراض، ولاسيما الشعر الاجتماعي[21].
وللبيتي ملاحم شعرية، ومطوَّلات ابتهالية تشفُّ عن وجدان مشرَّبٌ بصدق الانتماء للمكان، والإيمان العميق وحرارة التضرُّع إلى الله تعالى، وتحسُّس قيمة الجوار المكاني وقداسته، ومنها قوله:
ربِّ إني قصدت بابك فاشهد
بمقامي وما إليه أصير
يا عظيماً يرجى لكل عظيم
وعلى ما يشاء حقاً قدير
يا مجيب المضطَّر مهما دعاه
يا إلهي أنت اللطيف الخبير
لا تكلني إلى احتيالي وحولي
فهما دون ما تريد غرور
وقد شاعت قصائد الابتهال والمدائح النبوية عند شعراء هذه الحقبة، وكتب في هذا الغرض شعراء غير البيتي، مثل محمد سعيد دفتردار وغيره.
أما عمر الداغستاني فقد ألفَّ كتاب: (تحفة الدهر ونفحة الزهر في أعيان المدينة من أهل العصر) يصفه عبد الرحيم أبو بكر، بأنَّه كتابٌ مهمٌ من الناحية التاريخية.
ويأتي عبد الجليل براده في طليعة شعراء عصره في الحجاز، وهو من الجيل الثاني بالمدينة المنورة بعد البيتي، والزللي، والداغستاني، ويعدُّه عبدالرحيم أبو بكر من «أكثر شعراء الحجاز شهرة، وقد استطاع بما هُيِّىء له من ثقافة واسعة ورحلات خارج وطنه، أن يغرس اسمه في المحافل الأدبية حينذاك»[22].
فيما يصفهُ عبيد مدني في مجلة (المنهل)- التي كانت اللسان المعبِّر عن الحركة الثقافية بالمدينة ومدوَّنة سيرتها الأدبية بحكم وعي وجهد رئيس تحريرها وصاحبها عبد القدوس الأنصاري- بأنَّه «من أبرز أعلام المدينة المنورة علماً وأدباً ووجاهة، لم ينحجز صدى سمعته بين ساكني المدينة المنورة وحدها، ولا في الحجاز وحده، بل تجاوزتها إلى أبعد مدى، وتردَّد ذكره في مجتمعات العلم وأندية الأدب»[23].
وفي السياق ذاته يشير عبد القدوس الأنصاري كذلك إلى الشاعر المدني محمد العُمري-من شعراء القرن الرابع عشر- ويشبهه «بالبارودي في جزالة الألفاظ، وتدفق المعاني وعروبة البيان، وبث الشكوى والأشجان، والمساهمة في حوادث الأكوان»[24].
وللشاعر العُمري نص شعري يصف فيه حال المدينة المنورة، بعد هجرة أهلها منها اضطراراً في أحداث الحرب العالمية الأولى، ونرى فيه أسماء الأماكن التفصيلية في إطار المكان/المدينة المنورة، ولعلَّه من النصوص الشعرية النادرة التي يبدأ فيه شاعر من ذلك العصر بتصوير هذه الأماكن، والحنين إليها، وشكوى الخروج منها.