صفحة 1
القمر في النافذة عاش معلم الزن ريوكان في كوخ متواضع عند سفح الجبل· وفي إحدى الأمسيات دخل الكوخ لص، فوجد المكان خاليا من أي شيء ذي قيمة· وبينما هو خارج من الباب، أمسك به ريو كان الذي وصل لتوه من الخارج فقال له
- لقد أتعبت نفسك في الوصول إلى هذا الكان النائي لتجده فارغا· يعز علي أن أتركك تذهب خالي الوفاض· إليك ثوبي هدية·
تسمر اللص في مكانه ذاهلا بينما كان ريوكان يخلع ثوبه ويقدمه إليه· وفي غمرة ارتباكه، أخذ الثوب وولى هاربا·
جلس ريوكان عاريا تقريبا قبالة النافذة يرقب القمر الذي توسطها، ثم هز رأسه بأسف قائلا:
- كم وددت لو أعطيته هذا القمر الجميل
(من قصص الزن)
لكنني أستطيع أن أهدي القمر
فأهديه
وأهدي كتابي هذا لأحبتي زوجتي وأولادي
وكذلك
لكل الأصدقاء الذين أهدوني أثوابهم
فجعلوا هذا الكتاب ممكنا
ولدت، كما قيل لي، قبل سنة الثلجة الكبيرة بعامين· كان الناس يؤرخون بالأحداث الكبيرة، وربما هم لازالوا يفعلون حتى اليوم· كل ما كان قبل الحدث ينتسب للماضي يستوي فيه البعد والقرب- فكلاهما منسي على أية حال- وكل ما بعده ينظر إليه كذلك، اللهم إلا إذا حدث حادث آخر، فيبدءون بهذا·
أمي هي الوحيدة التي كانت تعرف تاريخ اليوم والشهر· وتبين فيما بعد أن التاريخ الذي أعطته ليوم ميلادي هو نفسه المسجل في وزارة الصحة· وقع ذلك في 5 1 رمضان، المصادف ليوم الانقلاب الشتوي لسنة 4 3 9 1 · كانت سنة قحط· عبثا حرث الناس وزرعوا· حتى لقد قيل أن كثيرا من الناس كانوا يبحثون عن عمل في الصيف التالي وأن الأجرة كانت رغيفا واحدا من الخبز·
وقد تبين بأن السبب الوحيد الذي كان وراء قرار الطبيعة في أن تكون تلك السنة سنة قحط هو أنني ولدت فيها· تنبه الكبار لذلك على نحو مفاجئ· كانوا يقولون، عندما أخطئ، كأن أضرب ولدا، أو ألا أطيع أحدا عندما يأمرني، بأنني ولدت في سنة القحط·
صرت رمزا للشؤم· كل الأطفال الذين ولدوا تلك السنة كانوا رمزا للشؤم· المشكلة أن أحدا من الذين أعرفهم من أقراني لم يولد تلك السنة· فقد كان قدرا علي أن احمل الرمز وحيدا·
لقد ساهمت أمي بنشر تلك المقولة· لا أعلم لماذا· لماذا تفعل أم لابنها مثل ما فعلت أمي؟ هل أرادت أن تبعد العين عني؟ هل كانت هناك أسباب أخرى؟ ربما!!
فقد كانت تعلن عن اعتقادها في كل مناسبة، أن الفقر وأهلها رفيقا درب لا يفترقان· تلك سنة العائلة منذ أيام عمر بن الخطاب، جدها الأول· ألم يمت الخليفة فقيرا؟ وكذلك كان أولاده وحتى حفيده عمر بن عبد العزيز؟ ليست تلك لعنة كما كانوا يقولون، بل نعمة في ثوب نقمة·
فالنعمان، وهم أخوالي، جبابرة لو اغتنوا· وفقرهم يجعلهم أقرب إلى الله· ولذلك فإن سنة القحط التي ولدت فيها إعلان لا يخطئ، كما كانت تفخر أمي، بأنني أنتسب لأخوالي أكثر مما أنتسب لأعمامي· وكان قرار جدي بتسجيل اسمي واسم أخي على جلد الغزال الذي يحتفظون به سجلا للعائلة بمثابة اعتراف بتلك الحقيقة·
قال لي أحدهم يوما بأن ذلك لم يكن صحيحا· فنحن، أنا وأخي، لسنا في سجل العائلة· ربما أن أمي سمعت أهلها يتداولون في الأمر فيما بينهم تكريما لها، فقد كان جدي يحبها، فظنت بأن الأمر قد انتهى على هذا الشكل· وفيما بعد وعندما كانت تفاخر بأن ولديها مسجلان في عداد أحفاد عمر بن الخطاب لم يعترض أحد، فبقيت على اعتقادها·
ولو سألها أحد عن سر تلك اللعنة أو النقمة، فإنها كانت تجيب بأن ذلك السر لا يعرفه إلا الله· ويدل التاريخ الذي كان يقرأه لها أخوها أنه لم يكن هناك استثناء واحد لهذه القاعدة·
وعلى هذا فقد كان مقدرا لي أن أكون فقيرا· ليس ذلك فقط، بل قيل، اعتمادا على هذه الحقيقة وحقائق أخرى، أنني لو وردت البحر لوجدته ناشفا·
لا أذكر متى سمعت ذلك أول مرة· غير أنني فيما بعد كنت أخشى أن يطلب أحدهم مني ماء، فلا أجد ماء، وكنت أرفض تلبية هذا الطلب ما استطعت·
كان الرواشدة من سكان قرية الشجرة قد جلوا في حكما عند أهلي لحمايتهم من ثأر لشخص قتلوه· درج الناس في أغلبهم أن يجلو عندنا لأن حكما قرية محصنة· فقد بنيت من الحجر في خمسة تجمعات، أقيمت أربعة منها حول مقورة·
والمقورة حفرة دائرية واسعة نُحتت عميقا داخل الصخر وهي تتصل مع المقورات في المجمعات الثلاثة الأخرى بدهاليز واسعة وعالية تجري على أطرافها مياه إما من بئر محفورة لهذا الغرض أو من بئر بعيدة كجزء من نظام ري قديم· لكن أحدا لا يذكر أن مياها كانت تجري في تلك الخنادق العميقة· فبقيت هذه ممرات يلجأ إليها الناس في حالة الخطر، أو أمكنة يكتشفها الأطفال·
- لقد أتعبت نفسك في الوصول إلى هذا الكان النائي لتجده فارغا· يعز علي أن أتركك تذهب خالي الوفاض· إليك ثوبي هدية·
تسمر اللص في مكانه ذاهلا بينما كان ريوكان يخلع ثوبه ويقدمه إليه· وفي غمرة ارتباكه، أخذ الثوب وولى هاربا·
جلس ريوكان عاريا تقريبا قبالة النافذة يرقب القمر الذي توسطها، ثم هز رأسه بأسف قائلا:
- كم وددت لو أعطيته هذا القمر الجميل
(من قصص الزن)
لكنني أستطيع أن أهدي القمر
فأهديه
وأهدي كتابي هذا لأحبتي زوجتي وأولادي
وكذلك
لكل الأصدقاء الذين أهدوني أثوابهم
فجعلوا هذا الكتاب ممكنا
ولدت، كما قيل لي، قبل سنة الثلجة الكبيرة بعامين· كان الناس يؤرخون بالأحداث الكبيرة، وربما هم لازالوا يفعلون حتى اليوم· كل ما كان قبل الحدث ينتسب للماضي يستوي فيه البعد والقرب- فكلاهما منسي على أية حال- وكل ما بعده ينظر إليه كذلك، اللهم إلا إذا حدث حادث آخر، فيبدءون بهذا·
أمي هي الوحيدة التي كانت تعرف تاريخ اليوم والشهر· وتبين فيما بعد أن التاريخ الذي أعطته ليوم ميلادي هو نفسه المسجل في وزارة الصحة· وقع ذلك في 5 1 رمضان، المصادف ليوم الانقلاب الشتوي لسنة 4 3 9 1 · كانت سنة قحط· عبثا حرث الناس وزرعوا· حتى لقد قيل أن كثيرا من الناس كانوا يبحثون عن عمل في الصيف التالي وأن الأجرة كانت رغيفا واحدا من الخبز·
وقد تبين بأن السبب الوحيد الذي كان وراء قرار الطبيعة في أن تكون تلك السنة سنة قحط هو أنني ولدت فيها· تنبه الكبار لذلك على نحو مفاجئ· كانوا يقولون، عندما أخطئ، كأن أضرب ولدا، أو ألا أطيع أحدا عندما يأمرني، بأنني ولدت في سنة القحط·
صرت رمزا للشؤم· كل الأطفال الذين ولدوا تلك السنة كانوا رمزا للشؤم· المشكلة أن أحدا من الذين أعرفهم من أقراني لم يولد تلك السنة· فقد كان قدرا علي أن احمل الرمز وحيدا·
لقد ساهمت أمي بنشر تلك المقولة· لا أعلم لماذا· لماذا تفعل أم لابنها مثل ما فعلت أمي؟ هل أرادت أن تبعد العين عني؟ هل كانت هناك أسباب أخرى؟ ربما!!
فقد كانت تعلن عن اعتقادها في كل مناسبة، أن الفقر وأهلها رفيقا درب لا يفترقان· تلك سنة العائلة منذ أيام عمر بن الخطاب، جدها الأول· ألم يمت الخليفة فقيرا؟ وكذلك كان أولاده وحتى حفيده عمر بن عبد العزيز؟ ليست تلك لعنة كما كانوا يقولون، بل نعمة في ثوب نقمة·
فالنعمان، وهم أخوالي، جبابرة لو اغتنوا· وفقرهم يجعلهم أقرب إلى الله· ولذلك فإن سنة القحط التي ولدت فيها إعلان لا يخطئ، كما كانت تفخر أمي، بأنني أنتسب لأخوالي أكثر مما أنتسب لأعمامي· وكان قرار جدي بتسجيل اسمي واسم أخي على جلد الغزال الذي يحتفظون به سجلا للعائلة بمثابة اعتراف بتلك الحقيقة·
قال لي أحدهم يوما بأن ذلك لم يكن صحيحا· فنحن، أنا وأخي، لسنا في سجل العائلة· ربما أن أمي سمعت أهلها يتداولون في الأمر فيما بينهم تكريما لها، فقد كان جدي يحبها، فظنت بأن الأمر قد انتهى على هذا الشكل· وفيما بعد وعندما كانت تفاخر بأن ولديها مسجلان في عداد أحفاد عمر بن الخطاب لم يعترض أحد، فبقيت على اعتقادها·
ولو سألها أحد عن سر تلك اللعنة أو النقمة، فإنها كانت تجيب بأن ذلك السر لا يعرفه إلا الله· ويدل التاريخ الذي كان يقرأه لها أخوها أنه لم يكن هناك استثناء واحد لهذه القاعدة·
وعلى هذا فقد كان مقدرا لي أن أكون فقيرا· ليس ذلك فقط، بل قيل، اعتمادا على هذه الحقيقة وحقائق أخرى، أنني لو وردت البحر لوجدته ناشفا·
لا أذكر متى سمعت ذلك أول مرة· غير أنني فيما بعد كنت أخشى أن يطلب أحدهم مني ماء، فلا أجد ماء، وكنت أرفض تلبية هذا الطلب ما استطعت·
كان الرواشدة من سكان قرية الشجرة قد جلوا في حكما عند أهلي لحمايتهم من ثأر لشخص قتلوه· درج الناس في أغلبهم أن يجلو عندنا لأن حكما قرية محصنة· فقد بنيت من الحجر في خمسة تجمعات، أقيمت أربعة منها حول مقورة·
والمقورة حفرة دائرية واسعة نُحتت عميقا داخل الصخر وهي تتصل مع المقورات في المجمعات الثلاثة الأخرى بدهاليز واسعة وعالية تجري على أطرافها مياه إما من بئر محفورة لهذا الغرض أو من بئر بعيدة كجزء من نظام ري قديم· لكن أحدا لا يذكر أن مياها كانت تجري في تلك الخنادق العميقة· فبقيت هذه ممرات يلجأ إليها الناس في حالة الخطر، أو أمكنة يكتشفها الأطفال·
صفحة 2
وقد بني المجمع على أطراف المقورة الدائرية، غالبا، فاتخذ شكلها· وبقيت كذلك فترة طويلة من الزمن حتى لم تعد المساكن المبنية حولها تتسع لكل ساكنيها من العائلات الممتدة التي كبرت، فانتشر البناء حولها وبعيدا عنها· ثم هجر الناس المساكن الأولى التي تركت للزمن يتصرف بها حتى تهدمت ولم يبق منها سوى خرابات لا تسكن·
مجمع واحد منها لم يبن حول مقورة· تلك كانت عقودنا، عقود أبي وأعمامي· وإنما كانت المنطقة منطقة كهوف عميقة لم يكتشفها أحد إلا عندما بدأ البناءون بالحفر لوضع الأساس· رأى هؤلاء أن البناء لن يكون أمينا ما لم تثقب سقوف تلك الكهوف وتؤسس الركب التي سترتفع العمارة فوقها بدءا من القاع الصخري لها؛ وأن ذلك سيكلف مالا كثيرا؛ وأن الأفضل أن يختاروا مكانا آخر بعيدا عن هذه المنطقة الخطرة· لكن عمي إبراهيم وهو الأكبر بين الأخوة أصر على بناء الركب مهما كلفت·
لم يكن أحد من الأخوة الآخرين قادرا على الاعتراض أو إبداء الرأي· فتم العمل بما رآه الكبير، فأتت العقود على كل ما ادخروه من مال· ولكنها جاءت في النهاية أجمل المباني في القرية وكل القرى حولها· كانت أشبه بدائرة حجرية محمية من كل الجهات بجدران العقود وبسور ذي بوابتين كبيرتين جلبت حنوتهما وبعض ما زينت به من حجارة جرانيتية جميلة، من مدينة بيت رأس الأثرية القريبة، إحدى المدن الرومانية العشر التي بنيت كحصون لحراسة الساحل من الصحراء· وقد جعلت المضافة مركز المجمع وأجمل بناء فيه·
تتباهى مضافتنا بين كل المضافات بحجمها الكبير وبنائها المهيب، والحجارة النادرة التي زينتها من الداخل وخاصة موقد النار - المنقل- الذي زرع في وسطها· وهو حجر جرانيتي نحتت النقرة في وسطه على شكل متوازي مستطيلات يكون من العمق بما يكفي للنار ودلال القهوة الكثيرة· أما إطاره، فقد تُركت فيها عند النحت مخاريط صغيرة بارزة توضع عليها، مقلوبةًًً، فناجين القهوة والشاي بعد غسلها، كما كانت فيها أمكنة محفورة لملاقط النار ومحاريكها· أما المساحات المتبقية من ذلك الإطار على أطراف الموقد الأربعة فكافية لاستعمالات الجالسين تتسع لكل أغراضهم الخاصة بما فيها أمكنة لوضع صحون الأكل عليها، إذا أرادوا·
كما كان في المضافة، أيضا، حجر جرانيتي على شكل متوازي مستطيلات حفرت فيه على صفين متوازيين أربع عشرة حفرة تصلح للعبة يبدو أنها كانت معروفة في بلادنا منذ أيام الرومان على الأقل، ولا تزال تلعب حتى الآن وتسمى المنقلة·
تتم اللعبة عن طريق وضع سبعة أحجار من حجم واحد في كل حفرة· يفضل أن تكون الأحجار من الرخام، إذا كان ذلك ممكنا· وللعبة، كأي لعبة قوانينها، وإحدى لعب المنقلة تسمى المجنونة· وهي مجنونة بالفعل فكثيراً ما حدث شجار بين اللاعبين حول مسيرة اللعبة· يشترك في أية لعبة فيها، عادة، لاعبان اثنان· وقد تبلغ الحماسة أن يشارك في اللعب كل الحاضرين مهما كان عددهم، على أن يقوم المشاركون من غير اللاعبين الأساسيين بتقديم المشورة فقط·
لم يتحرك حجر المنقلة من مكانه حتى اختفي بطريقة غامضة بعد اكثر من سبعين سنة من إدخاله للمضافة· لقد كان جزءا من المضافة ومعلما من معالمها، يندر أن يكون هناك رجل من القرية أو القرى المجاورة لم تكن له ذكريات معه·
كانت مضافة واسعة ومريحة ويقبل عليها أهل البلد والضيوف· وقد عُرفت ردحا طويلا من تاريخها بمضافة القعدان - هذا هو اسم الفخذ من عشيرة البطاينه التي أنتسب إليها، قبل أن تتدخل الأفكار الحديثة فيتغير اسمهم إلى آل الطويل·
لم تكن حكما بعيدة عن مدينة إربد التي يعقد فيها السوق كل يوم اثنين· ولما كانت تلك المضافة، ككل المضافات في القرية مفتوحة للضيوف على الدوام، فقد كان الناس من القرى البعيدة يفدون إليها قبل السوق بيوم واحد، فيستقبلون فيها، يطعمون وتطعم ركائبهم· ولهذا عقدت الصداقات التي انتهت، في أحيان كثيرة، بالنسب والقربى بين الضيوف ومضيفيهم·
وفي مرات أخرى انتهت تلك الصداقات بالاشتراك في ملكية الأرض وخاصة حين قررت الإمارة تسجيل الأرض بأسماء أصحابها في بداية العقد الثالث من القرن العشرين· لقد كان ذلك القرار الحكومي مدعاة في ذلك الوقت للاستنكار والاحتجاج، إذا أن التسجيل يعني ضرورة دفع الضريبة من قبل المالكين، ولم يقبل به إلا الذين حازوا على أرض لم يكونوا يملكونها من قبل كما كان الحال مع أهلي في قرية بريقا القريبة من الرمثا·
يفتخر أهل حكما بأنفسهم -كانوا جميعا من عشيرة البطاينه في ذلك الوقت- ويرون بأنهم ذوو شجاعة وكرم، ويغضبون إذا أنكر عليهم أحد ذلك· ولكي يستحقوا اعتراف الآخرين بهاتين الصفتين، فقد كانوا كرماء حد المبالغة·
فهم وحسب أنسابهم التي يتداولونها ويورثونها لأبنائهم ينتسبون إلى بني جهم من زعماء اليمن· يتناقلون فيما بينهم قصصا تقوي معتقدهم أن حربا نشبت بين بني جهم حول خلاف على الزعامة في بداية القرن السادس عشر، فهاجر جزء كبير من الذين هزموا نحو الشمال· لكنهم لم يستقروا في مكان، نظرا لطبيعتهم المشاكسة· فما إن يركنوا إلى أرض حتى تبدأ القبائل المضيفة تطاردهم· فهربوا إلى الحجاز أولا ثم إلى جبل العرب في سوريا، ثم جنوبا إلى الأردن و فلسطين، وتفرقوا منذ ما يزيد على ثلاثمائة سنة في كل أصقاع جنوب سوريا·
ولقد عرفوا أنفسهم بأنهم يحمون الجار ويردون العار· ولهذا كانت حكما مقصد كل الذين ينشدون الحماية، ومنهم آل الرواشدة من الشجرة، والزعبية من حريما·
مجمع واحد منها لم يبن حول مقورة· تلك كانت عقودنا، عقود أبي وأعمامي· وإنما كانت المنطقة منطقة كهوف عميقة لم يكتشفها أحد إلا عندما بدأ البناءون بالحفر لوضع الأساس· رأى هؤلاء أن البناء لن يكون أمينا ما لم تثقب سقوف تلك الكهوف وتؤسس الركب التي سترتفع العمارة فوقها بدءا من القاع الصخري لها؛ وأن ذلك سيكلف مالا كثيرا؛ وأن الأفضل أن يختاروا مكانا آخر بعيدا عن هذه المنطقة الخطرة· لكن عمي إبراهيم وهو الأكبر بين الأخوة أصر على بناء الركب مهما كلفت·
لم يكن أحد من الأخوة الآخرين قادرا على الاعتراض أو إبداء الرأي· فتم العمل بما رآه الكبير، فأتت العقود على كل ما ادخروه من مال· ولكنها جاءت في النهاية أجمل المباني في القرية وكل القرى حولها· كانت أشبه بدائرة حجرية محمية من كل الجهات بجدران العقود وبسور ذي بوابتين كبيرتين جلبت حنوتهما وبعض ما زينت به من حجارة جرانيتية جميلة، من مدينة بيت رأس الأثرية القريبة، إحدى المدن الرومانية العشر التي بنيت كحصون لحراسة الساحل من الصحراء· وقد جعلت المضافة مركز المجمع وأجمل بناء فيه·
تتباهى مضافتنا بين كل المضافات بحجمها الكبير وبنائها المهيب، والحجارة النادرة التي زينتها من الداخل وخاصة موقد النار - المنقل- الذي زرع في وسطها· وهو حجر جرانيتي نحتت النقرة في وسطه على شكل متوازي مستطيلات يكون من العمق بما يكفي للنار ودلال القهوة الكثيرة· أما إطاره، فقد تُركت فيها عند النحت مخاريط صغيرة بارزة توضع عليها، مقلوبةًًً، فناجين القهوة والشاي بعد غسلها، كما كانت فيها أمكنة محفورة لملاقط النار ومحاريكها· أما المساحات المتبقية من ذلك الإطار على أطراف الموقد الأربعة فكافية لاستعمالات الجالسين تتسع لكل أغراضهم الخاصة بما فيها أمكنة لوضع صحون الأكل عليها، إذا أرادوا·
كما كان في المضافة، أيضا، حجر جرانيتي على شكل متوازي مستطيلات حفرت فيه على صفين متوازيين أربع عشرة حفرة تصلح للعبة يبدو أنها كانت معروفة في بلادنا منذ أيام الرومان على الأقل، ولا تزال تلعب حتى الآن وتسمى المنقلة·
تتم اللعبة عن طريق وضع سبعة أحجار من حجم واحد في كل حفرة· يفضل أن تكون الأحجار من الرخام، إذا كان ذلك ممكنا· وللعبة، كأي لعبة قوانينها، وإحدى لعب المنقلة تسمى المجنونة· وهي مجنونة بالفعل فكثيراً ما حدث شجار بين اللاعبين حول مسيرة اللعبة· يشترك في أية لعبة فيها، عادة، لاعبان اثنان· وقد تبلغ الحماسة أن يشارك في اللعب كل الحاضرين مهما كان عددهم، على أن يقوم المشاركون من غير اللاعبين الأساسيين بتقديم المشورة فقط·
لم يتحرك حجر المنقلة من مكانه حتى اختفي بطريقة غامضة بعد اكثر من سبعين سنة من إدخاله للمضافة· لقد كان جزءا من المضافة ومعلما من معالمها، يندر أن يكون هناك رجل من القرية أو القرى المجاورة لم تكن له ذكريات معه·
كانت مضافة واسعة ومريحة ويقبل عليها أهل البلد والضيوف· وقد عُرفت ردحا طويلا من تاريخها بمضافة القعدان - هذا هو اسم الفخذ من عشيرة البطاينه التي أنتسب إليها، قبل أن تتدخل الأفكار الحديثة فيتغير اسمهم إلى آل الطويل·
لم تكن حكما بعيدة عن مدينة إربد التي يعقد فيها السوق كل يوم اثنين· ولما كانت تلك المضافة، ككل المضافات في القرية مفتوحة للضيوف على الدوام، فقد كان الناس من القرى البعيدة يفدون إليها قبل السوق بيوم واحد، فيستقبلون فيها، يطعمون وتطعم ركائبهم· ولهذا عقدت الصداقات التي انتهت، في أحيان كثيرة، بالنسب والقربى بين الضيوف ومضيفيهم·
وفي مرات أخرى انتهت تلك الصداقات بالاشتراك في ملكية الأرض وخاصة حين قررت الإمارة تسجيل الأرض بأسماء أصحابها في بداية العقد الثالث من القرن العشرين· لقد كان ذلك القرار الحكومي مدعاة في ذلك الوقت للاستنكار والاحتجاج، إذا أن التسجيل يعني ضرورة دفع الضريبة من قبل المالكين، ولم يقبل به إلا الذين حازوا على أرض لم يكونوا يملكونها من قبل كما كان الحال مع أهلي في قرية بريقا القريبة من الرمثا·
يفتخر أهل حكما بأنفسهم -كانوا جميعا من عشيرة البطاينه في ذلك الوقت- ويرون بأنهم ذوو شجاعة وكرم، ويغضبون إذا أنكر عليهم أحد ذلك· ولكي يستحقوا اعتراف الآخرين بهاتين الصفتين، فقد كانوا كرماء حد المبالغة·
فهم وحسب أنسابهم التي يتداولونها ويورثونها لأبنائهم ينتسبون إلى بني جهم من زعماء اليمن· يتناقلون فيما بينهم قصصا تقوي معتقدهم أن حربا نشبت بين بني جهم حول خلاف على الزعامة في بداية القرن السادس عشر، فهاجر جزء كبير من الذين هزموا نحو الشمال· لكنهم لم يستقروا في مكان، نظرا لطبيعتهم المشاكسة· فما إن يركنوا إلى أرض حتى تبدأ القبائل المضيفة تطاردهم· فهربوا إلى الحجاز أولا ثم إلى جبل العرب في سوريا، ثم جنوبا إلى الأردن و فلسطين، وتفرقوا منذ ما يزيد على ثلاثمائة سنة في كل أصقاع جنوب سوريا·
ولقد عرفوا أنفسهم بأنهم يحمون الجار ويردون العار· ولهذا كانت حكما مقصد كل الذين ينشدون الحماية، ومنهم آل الرواشدة من الشجرة، والزعبية من حريما·
صفحة 3
لم يكن محمد الرواشده، شيخ تلك العشيرة، يحبني· كانت لديه نظرة خاصة تتميز بالقسوة، فلم أره يبتسم لي قط كما كان يفعل مع الآخرين من أقراني·
طلب مني يوما أن أسقيه ماء من الخابية التي كانت مزروعة في صقالة شباك المضافة· اعتبرت ذلك مبادرة منه لإعطائي بعض اهتمامه· لذلك أسرعت فرحا لخدمته· عندما مددت يدي بالقاشانية لأغرف الماء من الخابية، وجدتها ناشفة، كما لو لم يدخلها ماء منذ شهر·
لقد كانت النساء من اللواتي عليهن دور الضيافة - يتداول الأخوة الستة الدور كل أسبوع- يجلبن الماء من البئر بانتظام· كان من الطبيعي أن تمر أوقات على الخابية يفرغ ماؤها· ولكن حدث أنني وجدتها ناشفة هذه المرة، كما كان الحال كل مرة يطلب مني أحدهم أن أسقيه· لم يحدث ذلك مع غيري من الأطفال·
سأل محمد الرواشدة عن سنة مولدي فقال بعضهم أنه ولد قبل الثلجة الكبيرة بسنتين، وقال آخر أنه ولد سنة المحل· فنظر إلى محاولا أن يجد تفسيرا مقنعا لما حدث· ثم هز رأسه وهمهم، كما لو كان قد بدأ يجد ما كان يبحث عنه· حملق في الأرض أمامه ليرتب أفكاره، وعندما انتهى، كما كان واضحا، لاذ بالصمت هنيهة، ثم هز رأسه عدة مرات مشيرا بأنه قد فهم أخيرا· كان الجميع يراقبونه تعلو وجوههم ابتسامة موافقة على النتائج التي توصل إليها· استند قليلا ليعلن شيئا، كما كانت عادته· التفت باتجاه أبي، وخاطبه قائلا:
- عبد الكريم، أنت تذهب إلى حيفا كثيرا، أنصحك ألا تأخذ هذا الولد معك· فقد ينشف البحر· ولا يعلم أحد أية مصيبة تحل إذا نشف البحر·
ضحك الجميع·
تحولت إلى كتلة من التعاسة· هذا الرجل لا يخلو منه مجلس· وسوف يذكر هذه القصة كلما رآني· وقد لا يطلب الماء بعد الآن من سواي· بعضهم من الذين شاركوا في الضحك كانوا يقفون خلفي· تمنيت لو كنت ملتصقا بجدار حتى لا يرى الناس مني سوى ما أراه من جسمي· شعرت أنني عار أمام كل الذين رأوني والذين لم يروني بعد· لم اكن أكثر من عين تراقب من مكان ما لا يخصني عالما معاديا· أظن أنني كنت في تلك اللحظة قادرا على معرفة الإحساس الذي ينتاب فأرا مسحوقا لا يشغله شيء سوى البحث عن ثقب أسود يصبح فيه جزءا من العتمة·
بقيت واقفا والقاشانية بيدي لا أدري ما أفعل· أأذهب أملأها من أية خابية؟ أم أنتظر ما سوف تنتهي إليه المداولة بشأني؟ تذكرت ما حل بابن خال لي·
ارتجفت·
كان سطام قد حاول الجلوس في مكان بين الكبار· فنهره أحدهم، وطلب منه المغادرة وشتمه· قال له أنت فاسخ· قالها بصوت مسموع، فأخذ الذين سمعوها يرددونها كما لو كانت تلك حقيقة أدركوها على حين غرة·
- فاسخ! فاسخ! فاسخ!
هرب ذلك التعيس· فرددها الذين كانوا عند الباب، وفيما بعد رددها الذين كانوا في الشارع بعيدا عن الموقع وسمعوها دون أن يعرفوا من المقصود· لكنهم اكتشفوا أن سطام هو المقصود، عندما رأوه يهرب بأي اتجاه·
ارتجفت ركبتاي وتمنيت أن أجلس على الأرض·
لم يضحك أبي· بل أغمض عينيه هازا رأسه ذات اليمين قليلا· كانوا جميعا يعرفون بأن تلك علامة غضب منه·
امتلأت، فجأة، برغبة بالبكاء· سكت الجميع· لأول مرة شعرت بالدم يجري في عروقي· رفعت عيني عن الأرض قليلا لأكتشف بأنني لا زلت أحمل القاشانية مدلاة من يدي· وضعتها على الأرض في غير مكانها· مد أبي يده بصمت نحوي وسحبني ثم أدخلني في حضنه وضمني تحت عباءته· مر بيده على شعري، وقال:
- هذا الولد يا أبو خليل ( موجها الكلام لمحمد الرواشدة، وعاتبا) يمكن الله ما خلقه ليكون سقّا· الخابية تقول هيك· هذا معمم، مخول· سوف آخذه إلى حيفا معي إن شاء الله، وسوف يحضر لك هدية من هناك بدل الماء·
ثم نادى بصوت عال على أحدهم وطلب منه أن يأتي بالماء للشرب· حضن أبي دافئ· بقي أبو خليل يتحدث· لم أعد أكترث كثيرا·
لأبي خليل سن معطوبة، وقد لاحظت لأول مرة بأن كلماته تخرج من خلال الضحك مقطعة أو ممطوطة· لا أذكر أنني رأيت من محمد الرواشده أو تذكرت منه بعد ذلك سوى سنه المعطوبة وحركاته التي كانت تستهدف نيل إعجاب الآخرين به· لقد احترمه الجميع، بطيعة الحال، وأطاعوه وأعطوه المكان الأول في أية جلسة لأنه ضيف وجار·
كما لا اذكر أن أحدا بعد ذلك طلب مني أن أحضر الماء له من الخابية أو من أي مكان آخر·
طلب مني يوما أن أسقيه ماء من الخابية التي كانت مزروعة في صقالة شباك المضافة· اعتبرت ذلك مبادرة منه لإعطائي بعض اهتمامه· لذلك أسرعت فرحا لخدمته· عندما مددت يدي بالقاشانية لأغرف الماء من الخابية، وجدتها ناشفة، كما لو لم يدخلها ماء منذ شهر·
لقد كانت النساء من اللواتي عليهن دور الضيافة - يتداول الأخوة الستة الدور كل أسبوع- يجلبن الماء من البئر بانتظام· كان من الطبيعي أن تمر أوقات على الخابية يفرغ ماؤها· ولكن حدث أنني وجدتها ناشفة هذه المرة، كما كان الحال كل مرة يطلب مني أحدهم أن أسقيه· لم يحدث ذلك مع غيري من الأطفال·
سأل محمد الرواشدة عن سنة مولدي فقال بعضهم أنه ولد قبل الثلجة الكبيرة بسنتين، وقال آخر أنه ولد سنة المحل· فنظر إلى محاولا أن يجد تفسيرا مقنعا لما حدث· ثم هز رأسه وهمهم، كما لو كان قد بدأ يجد ما كان يبحث عنه· حملق في الأرض أمامه ليرتب أفكاره، وعندما انتهى، كما كان واضحا، لاذ بالصمت هنيهة، ثم هز رأسه عدة مرات مشيرا بأنه قد فهم أخيرا· كان الجميع يراقبونه تعلو وجوههم ابتسامة موافقة على النتائج التي توصل إليها· استند قليلا ليعلن شيئا، كما كانت عادته· التفت باتجاه أبي، وخاطبه قائلا:
- عبد الكريم، أنت تذهب إلى حيفا كثيرا، أنصحك ألا تأخذ هذا الولد معك· فقد ينشف البحر· ولا يعلم أحد أية مصيبة تحل إذا نشف البحر·
ضحك الجميع·
تحولت إلى كتلة من التعاسة· هذا الرجل لا يخلو منه مجلس· وسوف يذكر هذه القصة كلما رآني· وقد لا يطلب الماء بعد الآن من سواي· بعضهم من الذين شاركوا في الضحك كانوا يقفون خلفي· تمنيت لو كنت ملتصقا بجدار حتى لا يرى الناس مني سوى ما أراه من جسمي· شعرت أنني عار أمام كل الذين رأوني والذين لم يروني بعد· لم اكن أكثر من عين تراقب من مكان ما لا يخصني عالما معاديا· أظن أنني كنت في تلك اللحظة قادرا على معرفة الإحساس الذي ينتاب فأرا مسحوقا لا يشغله شيء سوى البحث عن ثقب أسود يصبح فيه جزءا من العتمة·
بقيت واقفا والقاشانية بيدي لا أدري ما أفعل· أأذهب أملأها من أية خابية؟ أم أنتظر ما سوف تنتهي إليه المداولة بشأني؟ تذكرت ما حل بابن خال لي·
ارتجفت·
كان سطام قد حاول الجلوس في مكان بين الكبار· فنهره أحدهم، وطلب منه المغادرة وشتمه· قال له أنت فاسخ· قالها بصوت مسموع، فأخذ الذين سمعوها يرددونها كما لو كانت تلك حقيقة أدركوها على حين غرة·
- فاسخ! فاسخ! فاسخ!
هرب ذلك التعيس· فرددها الذين كانوا عند الباب، وفيما بعد رددها الذين كانوا في الشارع بعيدا عن الموقع وسمعوها دون أن يعرفوا من المقصود· لكنهم اكتشفوا أن سطام هو المقصود، عندما رأوه يهرب بأي اتجاه·
ارتجفت ركبتاي وتمنيت أن أجلس على الأرض·
لم يضحك أبي· بل أغمض عينيه هازا رأسه ذات اليمين قليلا· كانوا جميعا يعرفون بأن تلك علامة غضب منه·
امتلأت، فجأة، برغبة بالبكاء· سكت الجميع· لأول مرة شعرت بالدم يجري في عروقي· رفعت عيني عن الأرض قليلا لأكتشف بأنني لا زلت أحمل القاشانية مدلاة من يدي· وضعتها على الأرض في غير مكانها· مد أبي يده بصمت نحوي وسحبني ثم أدخلني في حضنه وضمني تحت عباءته· مر بيده على شعري، وقال:
- هذا الولد يا أبو خليل ( موجها الكلام لمحمد الرواشدة، وعاتبا) يمكن الله ما خلقه ليكون سقّا· الخابية تقول هيك· هذا معمم، مخول· سوف آخذه إلى حيفا معي إن شاء الله، وسوف يحضر لك هدية من هناك بدل الماء·
ثم نادى بصوت عال على أحدهم وطلب منه أن يأتي بالماء للشرب· حضن أبي دافئ· بقي أبو خليل يتحدث· لم أعد أكترث كثيرا·
لأبي خليل سن معطوبة، وقد لاحظت لأول مرة بأن كلماته تخرج من خلال الضحك مقطعة أو ممطوطة· لا أذكر أنني رأيت من محمد الرواشده أو تذكرت منه بعد ذلك سوى سنه المعطوبة وحركاته التي كانت تستهدف نيل إعجاب الآخرين به· لقد احترمه الجميع، بطيعة الحال، وأطاعوه وأعطوه المكان الأول في أية جلسة لأنه ضيف وجار·
كما لا اذكر أن أحدا بعد ذلك طلب مني أن أحضر الماء له من الخابية أو من أي مكان آخر·
صفحة 4
ليست حادثة محمد الرواشدة والخابية حادثة منفردة، فنادرا ما كان طفل في مثل حالتي يتمتع بحنان الكبار وحمايتهم· فقد تزوج سبعة من أعمامي بنات عمهم، فجاء أقراني أولاد عم وأولاد خالات· وكنت لذلك الوحيد بينهم الذي لا ينتسب لهم· فأمي من قرية أخرى ومن عشيرة أخرى· لذلك كثيرا ما كنت أصبح مطاردا إذا اختلفت مع أحدهم، فليست لي من الحقوق بينهم إلا ما لا يكترثون به من تلك الحقوق· ولا أتمتع برفقة واحد منهم إلا إذا كان ضعيف البنية أو كان بعيدا عن الجماعة، أو كان ابن أم غريبة مثلي·
ملجأي الوحيد الذي أهرب إليه كان الطبيعة، أنصب فيها فخاخا لصيد الطيور التي عرفت كثيرا من عاداتها فصار صيدها جزءا من معارفي؛ أو الوقوف طويلا أمام كهف أجده، أي كهف، أو رجم حجارة قديمة علني أرى حية فأظهر لها قطعة قماش حمراء أحتفظ بها في جيبي لكي تترك لي خاتم المنوة؛ أو الجلوس متعبا على التربة الحمراء النقية ألتصق بها وأحس ببرودتها حتى في الصيف تسري تحت جلدي وتعطيني ذلك الاكتفاء؛ أو أذهب لموعد ألتقي فيه رحيلة أو نعيم، رفيقي في الصيد دائما·
وقد كانت محاولة فهم ما يجري في أذهان الحيوانات التي كنا نرافقها ليل نهار داخل بيوتنا وخارجها تشغلني، وربما كانت تلك الحيوانات تقرأ ما يجول في ذهني فتسبقني إلى حيل توقعني في مشاكل كثيرة·
***
لم يكد يمضي النهار حتى كان كل أولاد القرية يعرفون بسفري إلى حيفا· بعضهم جاء يتمسح بي· آخرون كانوا يسألونني عن حيفا، وكيف هي، كما لو أن من الضروري أن أعرف كل شيء عنها لمجرد أنني موعود برحلة إليها·
حدثتهم طويلا عنها، ذلك المساء، على أية حال· تحلقوا حولي على صفاة في وعرة أبو جمعه، وهي تلة صغيرة موازية للتلة التي تتسلق عليها حكما· قلت لهم بأن اسمها هو بلدي المحبوب وديني· رويت لهم قصصا جعلت ابن عمي نعيم- شريكي في نصب الفخاخ لصيد الطيور- يضحك باستغراق ويصر على أسنانه من شدة الإثارة التي كانت تحركها فيه رواياتي·
لم يفهم مسلّم، وهو ابن عمي الآخر، معنى بلدي المحبوب وديني· هو لا يفهم عادة ما يقال له بسرعة كبيرة· إذ يقع ذلك على سمعه كصوت مبهم لا معنى له، فينصت أولا، ثم يبدأ في ترديد الذي قيل عدة مرات، ثم عندما يدرك المعنى المراد، يرفع رأسه ويردد ما قيل دفعة واحدة بلهجة من فهم أخيرا· بقي يردد كلمات على بلدي المحبوب وديني لنفسه بعض الوقت دون أن يتوصل إلى قرارا بشأن هذه الاسم·
ثم تساءل
- من قال لك أن هذا هو اسم حيفا؟
قلت:
- أخي محمد·
لم يكن يعجب مسلم أن يكون في المركز الثاني وخاصة أنه أقوى مني، ويستطيع أن يضربني متى شاء· وكنت أظن بأن قصصي تعجبه كما كانت تعجب نعيم ومنصور وكل الآخرين·
استفسر مني مطأطئ الرأس، كعادته عندما يشعر بالغيرة:
- رايح تشوفه هناك؟
وافترضنا جميعا بأنني سأشوفه· وعندما قمنا نتحرك باتجاه البيت، أمسك نعيم بيدي وبقي ممسكا بها حتى وصلنا· قال
- عند ما تعود نروح مع بعض نصيد البليقيات
شعرت بسعادة كبيرة وتمنيت لو أن أبي سافر بي إلى حيفا قبل أن يطلع نهار الغد·
***
حمّلوا السيارة بأكياس القمح التي سيبيعها أبي في حيفا· كان مع السائق رجل غريب آخر· سألت عنه فقيل أنه معاون السائق وأنه سيبقى معه· سألت أين سوف نركب· لم يجبني أحد· لكني علمت بأننا سنركب على ظهر السيارة بين الأكياس التي صفت بحيث تترك بينها مكانا مذريا يمكن لي ولأبي أن ننام فيه· كان مثل غرفة صغيرة محمية من جميع الأطراف، وضعت أمي فيها فرشة صغيرة ووسائد وأغطية· قال أبي أخيرا:
- يا لله يا جماعة· توكلنا على الله
حملني بين يديه ووضعني على ظهر السيارة في المكان الذي بناه لنا· جلس إلى جانبي ثم أدخلني في فروته الدافئة، كما لو كان يطمئن أمي التي بقيت تراقبنا حتى اختفينا عن نظرها وراء أول منعطف، أنني سأكون بأمان·
تصاعد صوت المحرك متقطعا أول مرة ثم متواصلا حين استوت على الطريق· كان هديرا يصم الأذن يترك في الليل المتراص وراءنا ثقبا لم يغلق· صار واضحا لي على الفور أنه سوف يرافقنا طوال الرحلة· تمنيت لو يختفي الصوت· ولكنه لم يفعل· كان يتقطع أحيانا كما لو كان هناك شيء يحاول أن يعترض طريقه، لكنه ما يلبث أن يعود إلى هديره المتواصل· ثم كان إذا اشتد يشتد معه حولنا تيار الهواء البارد الذي تحميني منه فرة أبي في عشتنا بين أكياس القمح·
هذه هي السيارة، إذن، التي كان يتمنى نعيم ومنصور، أن يركبوها لتنقلهم عبر المسافات دون أن يحركوا قدما، أو يبذلوا جهدا· وعلى الرغم من أنني، بالأمس فقط كان يأكلني شوق لاعتلاء ظهرها، إلا أنني أحسست مع هذا الهدير الذي لا ينقطع وتيار الهواء البارد بأن هذه ليست هي· لازمني شعور، على نحو غامض، بأنني لا أنتسب لهذا المكان الموحش· كما أحسست بأن أبي عاجز عن الخروج بنا مما نحن فيه·
لكن سرعان ما امتلأ رأسي بالهدير فاستسلمت له·
ملجأي الوحيد الذي أهرب إليه كان الطبيعة، أنصب فيها فخاخا لصيد الطيور التي عرفت كثيرا من عاداتها فصار صيدها جزءا من معارفي؛ أو الوقوف طويلا أمام كهف أجده، أي كهف، أو رجم حجارة قديمة علني أرى حية فأظهر لها قطعة قماش حمراء أحتفظ بها في جيبي لكي تترك لي خاتم المنوة؛ أو الجلوس متعبا على التربة الحمراء النقية ألتصق بها وأحس ببرودتها حتى في الصيف تسري تحت جلدي وتعطيني ذلك الاكتفاء؛ أو أذهب لموعد ألتقي فيه رحيلة أو نعيم، رفيقي في الصيد دائما·
وقد كانت محاولة فهم ما يجري في أذهان الحيوانات التي كنا نرافقها ليل نهار داخل بيوتنا وخارجها تشغلني، وربما كانت تلك الحيوانات تقرأ ما يجول في ذهني فتسبقني إلى حيل توقعني في مشاكل كثيرة·
***
لم يكد يمضي النهار حتى كان كل أولاد القرية يعرفون بسفري إلى حيفا· بعضهم جاء يتمسح بي· آخرون كانوا يسألونني عن حيفا، وكيف هي، كما لو أن من الضروري أن أعرف كل شيء عنها لمجرد أنني موعود برحلة إليها·
حدثتهم طويلا عنها، ذلك المساء، على أية حال· تحلقوا حولي على صفاة في وعرة أبو جمعه، وهي تلة صغيرة موازية للتلة التي تتسلق عليها حكما· قلت لهم بأن اسمها هو بلدي المحبوب وديني· رويت لهم قصصا جعلت ابن عمي نعيم- شريكي في نصب الفخاخ لصيد الطيور- يضحك باستغراق ويصر على أسنانه من شدة الإثارة التي كانت تحركها فيه رواياتي·
لم يفهم مسلّم، وهو ابن عمي الآخر، معنى بلدي المحبوب وديني· هو لا يفهم عادة ما يقال له بسرعة كبيرة· إذ يقع ذلك على سمعه كصوت مبهم لا معنى له، فينصت أولا، ثم يبدأ في ترديد الذي قيل عدة مرات، ثم عندما يدرك المعنى المراد، يرفع رأسه ويردد ما قيل دفعة واحدة بلهجة من فهم أخيرا· بقي يردد كلمات على بلدي المحبوب وديني لنفسه بعض الوقت دون أن يتوصل إلى قرارا بشأن هذه الاسم·
ثم تساءل
- من قال لك أن هذا هو اسم حيفا؟
قلت:
- أخي محمد·
لم يكن يعجب مسلم أن يكون في المركز الثاني وخاصة أنه أقوى مني، ويستطيع أن يضربني متى شاء· وكنت أظن بأن قصصي تعجبه كما كانت تعجب نعيم ومنصور وكل الآخرين·
استفسر مني مطأطئ الرأس، كعادته عندما يشعر بالغيرة:
- رايح تشوفه هناك؟
وافترضنا جميعا بأنني سأشوفه· وعندما قمنا نتحرك باتجاه البيت، أمسك نعيم بيدي وبقي ممسكا بها حتى وصلنا· قال
- عند ما تعود نروح مع بعض نصيد البليقيات
شعرت بسعادة كبيرة وتمنيت لو أن أبي سافر بي إلى حيفا قبل أن يطلع نهار الغد·
***
حمّلوا السيارة بأكياس القمح التي سيبيعها أبي في حيفا· كان مع السائق رجل غريب آخر· سألت عنه فقيل أنه معاون السائق وأنه سيبقى معه· سألت أين سوف نركب· لم يجبني أحد· لكني علمت بأننا سنركب على ظهر السيارة بين الأكياس التي صفت بحيث تترك بينها مكانا مذريا يمكن لي ولأبي أن ننام فيه· كان مثل غرفة صغيرة محمية من جميع الأطراف، وضعت أمي فيها فرشة صغيرة ووسائد وأغطية· قال أبي أخيرا:
- يا لله يا جماعة· توكلنا على الله
حملني بين يديه ووضعني على ظهر السيارة في المكان الذي بناه لنا· جلس إلى جانبي ثم أدخلني في فروته الدافئة، كما لو كان يطمئن أمي التي بقيت تراقبنا حتى اختفينا عن نظرها وراء أول منعطف، أنني سأكون بأمان·
تصاعد صوت المحرك متقطعا أول مرة ثم متواصلا حين استوت على الطريق· كان هديرا يصم الأذن يترك في الليل المتراص وراءنا ثقبا لم يغلق· صار واضحا لي على الفور أنه سوف يرافقنا طوال الرحلة· تمنيت لو يختفي الصوت· ولكنه لم يفعل· كان يتقطع أحيانا كما لو كان هناك شيء يحاول أن يعترض طريقه، لكنه ما يلبث أن يعود إلى هديره المتواصل· ثم كان إذا اشتد يشتد معه حولنا تيار الهواء البارد الذي تحميني منه فرة أبي في عشتنا بين أكياس القمح·
هذه هي السيارة، إذن، التي كان يتمنى نعيم ومنصور، أن يركبوها لتنقلهم عبر المسافات دون أن يحركوا قدما، أو يبذلوا جهدا· وعلى الرغم من أنني، بالأمس فقط كان يأكلني شوق لاعتلاء ظهرها، إلا أنني أحسست مع هذا الهدير الذي لا ينقطع وتيار الهواء البارد بأن هذه ليست هي· لازمني شعور، على نحو غامض، بأنني لا أنتسب لهذا المكان الموحش· كما أحسست بأن أبي عاجز عن الخروج بنا مما نحن فيه·
لكن سرعان ما امتلأ رأسي بالهدير فاستسلمت له·
صفحة 5
أيقظني أبي في هدأة الليل· شعرت بالبرد· التصقت ملابسي بجسمي· قادني إلى جانبه عبر ممرات تنمو عليها أشجار ذات أطوال مختلفة مضاءة بمصابيح معلقة بين الأغصان· أجلست على طاولة ذات شراشف بيضاء رطبة· تقدم منا شخص ممتلئ أبيض البشرة· تحدث أبي معه· لا بد أنه يعرفه· كان ينحني كلما قال أبي شيئا· ثم أسرع بعيدا· وبعد لحظات جاءنا بصينية نثرت فيها كتل من البيض المقلي واللحم المفروم· قال أبي:
- كل·
تلك أول مرة أرى فيها بيضا مقليا مع اللحم· لم تعجبني الفكرة· لماذا البيض واللحم سوية؟ لم أتصور أنهما يصلحان للطبخ معا· كان البيض كتلا جافة بينها قطع من اللحم المفروم· حاولت أن آكل اللحم كما أشار أبي، لكنه كان قاسيا، وشعرت بأسناني تؤلمني· كما أن البيض كان جافا وليس له الطعم الذي أحبه· أكلت دون رغبة واضحة· طلب أبي شيئا عرفت فيما بعد أن اسمه الحمص مدمس· أكلت منه فكان خشنا وليس له طعم محدد، حلو أو دسم·
فيما بعد اكتشفت أمي بأن لثتي زرقاء وأن هذا هو السبب في ألم الأسنان الذي أحسه· تحدثت مع أبي وقررا أن تداويني·
كانت طبيبة تعالج الذين يفدون إليها وخاصة منهم المصابون بالحزاز، أو بالجبخ· في معالجة الأول كانت تسخن شفرة حادة وتجرح حول الجلد المصاب جرحا خفيفا متصلا· وعادة ما كان المرضى يشفون خلال يوم أو يومين حيث يتساقط الجلد المصاب وينبت تحته جلد ناعم ويختفي الجرح والمرض·
أما الجبخ فكان يصيب الأطفال حيث تنمو في الرأس بثور تكبر وتمتلئ بالصديد ثم تنفجر لتنمو تحتها بثور أخرى وهكذا حتى يتراكم الجلد الأبيض المصاب على رأس الطفل·
كانت أمي تتناول من جعبتها أعشابا تجمعها من البرية وتعجنها مع زيت الزيتون ثم تضعها على رأس الطفل مرتين أو ثلاثا في النهار الواحد· وما هي إلا أيام حتى يشفى الجلد ثم ينبت الشعر·
سمعتهم يقولون بأن أحدا لم يعلم أمي طبها، ولكنها كانت تعتقد بأن الله لا يخيبها حين تقرر مساعدة الناس وأن هذا هو كل كفاءتها الطبية!
قالت لي:
- سوف أقطع قيد شفتك السفلى بالمسلة، وإلا فسوف تسقط كل أسنانك· هذا مرض أبو حافور، وشفيت أناسا كثيرين منه، بإذن الله· لحم أسنانك أزرق وهو ميت وهذا هو علاجه·
وقال أبي:
- لن يكون هناك ألم· سوف تقوم أمك بتسخين المسلة على ببور الكاز وتكوي القيد فينقطع· وغدا سوف تستطيع أن تأكل اللحم دون ألم· أتذكر اللحم والبيض في المشارع؟؟ وكيف أنك لم تستطع أن تأكل؟
تذكرت أن اللحم والبيض والطاولة البيضاء الرطبة والحمص المدمس والرجل الذي عرفه أبي كان في مكان اسمه المشارع· قبلت ما قالته أمي· فهي تحبني ولولا أنها كذلك لما حاولت قطع قيد شفتي·
سألت سؤالا فائضا عن الحاجة وهو ما إذا كانت شفتي سوف تتدلى بعد قطع قيدها·
كنت واثقا من أن ذلك لن يحصل· ومع ذلك سألت، كما كنت أفعل دائما، وأحيانا قبل أن أفكر فيما سأسأل عنه· لا أعرف لماذا· كان يراودني شعور مبهم يدور على نفسه كما يفعل البخار المتصاعد من أرض ما، يلمع في ذهني للحظات ثم يختفي، وهو أنني أخلق بمجرد الكلام الذي لا معنى له حالة مزيفة حولي· ربما لرغبة دفينة في درء شيء ما· الصمت مثلا أو الخوف، أو دعوة أمي وأبي لإبداء الإعجاب بي وبذكائي، عن طريق تزويدهم بسبب للحديث عني· ولهذا كثيرا ما شعرت حين أنفصل عنهم، وأخلو لنفسي، أنني وحيد· وعلى الرغم من أن مثل هذه الحالات الغريبة لم تكن تحدث دائما، إلا أنها كانت ترافقني كثيرا من الوقت مما جعلني أشعر على نحو ما بأنني لست كبقية الأطفال·
ضحك أبي حين سمعني أتساءل عن الشفة المتدلية التي لا قيد لها· ضحك ضحكته التي أعرفها· تنتشر تلك الضحكة في بطنه وكتفيه ثم يحس بها المرء تنتشر تحت لحيته التي يقصها دائما بعناية فائقة ثم عبر وجنتيه وعينيه العسليتين اللتين سرعان ما تطفحان بدمع يترقرق ويتلامع عند أطراف رموشه ثم ما يلبث أن يسيل على وجنتية·
يمسح أبي دمعه بأصابع يديه، عادة، وغالبا ما يقول في مثل هذه الحالة لا إله إلا الله، اللهم اعطنا خير هالضحك· ثم تعبر وجهه مسحة هادئة لم أعرف آنذاك أو فيما بعد ما إذا كانت حزنا أم فرحا، أم تحسبا·
اندفعت أمي نحوي تقبلني على براطمي· كانوا يسمونني أبو البراطم، ربما لكبر شفتي اللتين كانتا تتدليان عندما يزعلني أحدهم، بالإضافة إلى أسماء أخرى كثيرة، لم تكن في الحقيقة أسماء، بل أوصافا تنطبق علي في لحظة فأستحقها، مثل الدب، عندما أخسر في مسابقة أقراني الآخرين؛ والبكّاء، إذا أصررت على طلب لم يلب·
لقد أشيع عني أنني إذا بدأت البكاء فلا أتوقف· والحقيقة أن هذه كانت كذبة كبيرة أخرى· فقد كنت، إذا منعت شيئا، أنتحي جانبا بعيدا أو أصعد على سطح لا يراني منه إلا مار بالصدفة، فأبكي أو أتظاهر بالبكاء ريثما يمر ويختفي؛ فما ينقضي النهار حتى تبدأ تتوارد الأخبار من شهود كثيرين بأنني بكيت طوال ذلك النهار دون انقطاع· ولقد نجحت في خططي· فلم يتباطأ أحد بعد ذلك في تنفيذ رغباتي·
يقولون أن الأطفال أبرياء· لا أظنهم كذلك· بل يكيدون الواحد منهم للآخر وللكبار أيضا، ويخططون ويتحايلون، فإذا وجدوا أن كل هذا لم يؤد إلى نتيجة، فإنهم يغادرون المكان، دون أن يترك الفشل في نفوسهم أثرا، ويبدءون من جديد·
لم ألاحظ أنني أتميز في هذا عن بقية الأطفال، فكلهم يفعلون الشيء نفسه بطريقة أو بأخرى· أما إذا كان الطفل بريئا فهو أهبل بالتأكيد·
تناولت أمي مسلة كبيرة لامعة من تلك التي يستعملها أبي في خياطة أكياس القمح أو خيش التبن· أشعلت ببور الكاز ووضعت طرف المسلة الحاد على طرف اللهب قابضة على الطرف الأخر بقطعة قماش سميكة· احمر طرف المسلة· سألت أبي إن كان جاهزا· كان أبي جاهزا بالفعل·
وضعني بين رجليه المفتوحتين بعدأن أدخل كلتا يدي في جيبي سترته وضغط عليهما بمرفقيه كي يمنعني من الحركة ثم فتح فمي وضغط على شفتي السفلى باتجاه ذقني مما كشف عن ذلك القيد اللعين· لم يكن باستطاعتي سوى التنفس وإصدار ذلك النوع من الأنين الذي لا تستخدم في استعماله أية عضلات حركية·
تقدمت أمي بمسلتها التي لم تعد حمراء تماما وكوت به المكان الذي كانت تقصده· طشت المسلة في اللحم فشممت رائحة الشواء· لكنها لم تكن مؤلمة· قال أبي
- هذي علامة الشفا إن شاء الله·
- كل·
تلك أول مرة أرى فيها بيضا مقليا مع اللحم· لم تعجبني الفكرة· لماذا البيض واللحم سوية؟ لم أتصور أنهما يصلحان للطبخ معا· كان البيض كتلا جافة بينها قطع من اللحم المفروم· حاولت أن آكل اللحم كما أشار أبي، لكنه كان قاسيا، وشعرت بأسناني تؤلمني· كما أن البيض كان جافا وليس له الطعم الذي أحبه· أكلت دون رغبة واضحة· طلب أبي شيئا عرفت فيما بعد أن اسمه الحمص مدمس· أكلت منه فكان خشنا وليس له طعم محدد، حلو أو دسم·
فيما بعد اكتشفت أمي بأن لثتي زرقاء وأن هذا هو السبب في ألم الأسنان الذي أحسه· تحدثت مع أبي وقررا أن تداويني·
كانت طبيبة تعالج الذين يفدون إليها وخاصة منهم المصابون بالحزاز، أو بالجبخ· في معالجة الأول كانت تسخن شفرة حادة وتجرح حول الجلد المصاب جرحا خفيفا متصلا· وعادة ما كان المرضى يشفون خلال يوم أو يومين حيث يتساقط الجلد المصاب وينبت تحته جلد ناعم ويختفي الجرح والمرض·
أما الجبخ فكان يصيب الأطفال حيث تنمو في الرأس بثور تكبر وتمتلئ بالصديد ثم تنفجر لتنمو تحتها بثور أخرى وهكذا حتى يتراكم الجلد الأبيض المصاب على رأس الطفل·
كانت أمي تتناول من جعبتها أعشابا تجمعها من البرية وتعجنها مع زيت الزيتون ثم تضعها على رأس الطفل مرتين أو ثلاثا في النهار الواحد· وما هي إلا أيام حتى يشفى الجلد ثم ينبت الشعر·
سمعتهم يقولون بأن أحدا لم يعلم أمي طبها، ولكنها كانت تعتقد بأن الله لا يخيبها حين تقرر مساعدة الناس وأن هذا هو كل كفاءتها الطبية!
قالت لي:
- سوف أقطع قيد شفتك السفلى بالمسلة، وإلا فسوف تسقط كل أسنانك· هذا مرض أبو حافور، وشفيت أناسا كثيرين منه، بإذن الله· لحم أسنانك أزرق وهو ميت وهذا هو علاجه·
وقال أبي:
- لن يكون هناك ألم· سوف تقوم أمك بتسخين المسلة على ببور الكاز وتكوي القيد فينقطع· وغدا سوف تستطيع أن تأكل اللحم دون ألم· أتذكر اللحم والبيض في المشارع؟؟ وكيف أنك لم تستطع أن تأكل؟
تذكرت أن اللحم والبيض والطاولة البيضاء الرطبة والحمص المدمس والرجل الذي عرفه أبي كان في مكان اسمه المشارع· قبلت ما قالته أمي· فهي تحبني ولولا أنها كذلك لما حاولت قطع قيد شفتي·
سألت سؤالا فائضا عن الحاجة وهو ما إذا كانت شفتي سوف تتدلى بعد قطع قيدها·
كنت واثقا من أن ذلك لن يحصل· ومع ذلك سألت، كما كنت أفعل دائما، وأحيانا قبل أن أفكر فيما سأسأل عنه· لا أعرف لماذا· كان يراودني شعور مبهم يدور على نفسه كما يفعل البخار المتصاعد من أرض ما، يلمع في ذهني للحظات ثم يختفي، وهو أنني أخلق بمجرد الكلام الذي لا معنى له حالة مزيفة حولي· ربما لرغبة دفينة في درء شيء ما· الصمت مثلا أو الخوف، أو دعوة أمي وأبي لإبداء الإعجاب بي وبذكائي، عن طريق تزويدهم بسبب للحديث عني· ولهذا كثيرا ما شعرت حين أنفصل عنهم، وأخلو لنفسي، أنني وحيد· وعلى الرغم من أن مثل هذه الحالات الغريبة لم تكن تحدث دائما، إلا أنها كانت ترافقني كثيرا من الوقت مما جعلني أشعر على نحو ما بأنني لست كبقية الأطفال·
ضحك أبي حين سمعني أتساءل عن الشفة المتدلية التي لا قيد لها· ضحك ضحكته التي أعرفها· تنتشر تلك الضحكة في بطنه وكتفيه ثم يحس بها المرء تنتشر تحت لحيته التي يقصها دائما بعناية فائقة ثم عبر وجنتيه وعينيه العسليتين اللتين سرعان ما تطفحان بدمع يترقرق ويتلامع عند أطراف رموشه ثم ما يلبث أن يسيل على وجنتية·
يمسح أبي دمعه بأصابع يديه، عادة، وغالبا ما يقول في مثل هذه الحالة لا إله إلا الله، اللهم اعطنا خير هالضحك· ثم تعبر وجهه مسحة هادئة لم أعرف آنذاك أو فيما بعد ما إذا كانت حزنا أم فرحا، أم تحسبا·
اندفعت أمي نحوي تقبلني على براطمي· كانوا يسمونني أبو البراطم، ربما لكبر شفتي اللتين كانتا تتدليان عندما يزعلني أحدهم، بالإضافة إلى أسماء أخرى كثيرة، لم تكن في الحقيقة أسماء، بل أوصافا تنطبق علي في لحظة فأستحقها، مثل الدب، عندما أخسر في مسابقة أقراني الآخرين؛ والبكّاء، إذا أصررت على طلب لم يلب·
لقد أشيع عني أنني إذا بدأت البكاء فلا أتوقف· والحقيقة أن هذه كانت كذبة كبيرة أخرى· فقد كنت، إذا منعت شيئا، أنتحي جانبا بعيدا أو أصعد على سطح لا يراني منه إلا مار بالصدفة، فأبكي أو أتظاهر بالبكاء ريثما يمر ويختفي؛ فما ينقضي النهار حتى تبدأ تتوارد الأخبار من شهود كثيرين بأنني بكيت طوال ذلك النهار دون انقطاع· ولقد نجحت في خططي· فلم يتباطأ أحد بعد ذلك في تنفيذ رغباتي·
يقولون أن الأطفال أبرياء· لا أظنهم كذلك· بل يكيدون الواحد منهم للآخر وللكبار أيضا، ويخططون ويتحايلون، فإذا وجدوا أن كل هذا لم يؤد إلى نتيجة، فإنهم يغادرون المكان، دون أن يترك الفشل في نفوسهم أثرا، ويبدءون من جديد·
لم ألاحظ أنني أتميز في هذا عن بقية الأطفال، فكلهم يفعلون الشيء نفسه بطريقة أو بأخرى· أما إذا كان الطفل بريئا فهو أهبل بالتأكيد·
تناولت أمي مسلة كبيرة لامعة من تلك التي يستعملها أبي في خياطة أكياس القمح أو خيش التبن· أشعلت ببور الكاز ووضعت طرف المسلة الحاد على طرف اللهب قابضة على الطرف الأخر بقطعة قماش سميكة· احمر طرف المسلة· سألت أبي إن كان جاهزا· كان أبي جاهزا بالفعل·
وضعني بين رجليه المفتوحتين بعدأن أدخل كلتا يدي في جيبي سترته وضغط عليهما بمرفقيه كي يمنعني من الحركة ثم فتح فمي وضغط على شفتي السفلى باتجاه ذقني مما كشف عن ذلك القيد اللعين· لم يكن باستطاعتي سوى التنفس وإصدار ذلك النوع من الأنين الذي لا تستخدم في استعماله أية عضلات حركية·
تقدمت أمي بمسلتها التي لم تعد حمراء تماما وكوت به المكان الذي كانت تقصده· طشت المسلة في اللحم فشممت رائحة الشواء· لكنها لم تكن مؤلمة· قال أبي
- هذي علامة الشفا إن شاء الله·
صفحة 6
دخلنا حيفا مساء خميس ما· أخذني أبي إلى بناية قريبة، صعدنا درجا ضيقا إليها· لم يكد يضرب على الباب حتى فتحت لنا سيدة سمينة مرحبة بأبي بالاسم· إنها تعرفه معرفة جيدة، هي الأخرى· انحنت لتسلم علي· مدت يدها لتصافحني· كانت تكشف عن نصف صدرها· انقبضت للمنظر· لم أستسغ قط لحم امرأة كبيرة· كدت أكره أمي يوما حين رأيتها في وضع شبيه· قالت موجهة الحديث لأبي:
- بكرة نكون اصحاب·
قادتنا إلى الغرفة التي أعدتها· ساقاها مليئان كصدرها· سألها أبي عن آخرين يعرفهم· وجرى بينهما الحديث عاديا كما يجري بين رجلين· كانت تضحك ضحكات غير تلك التي أعرفها في حكما· فالنساء في حكما لا يضحكن· خالطني شعور طاغ بأن نساء حكما لا يعرفن الضحك كما تفعل هذه المرأة·
أفقت في اليوم التالي متأخرا· قال أبي:
- سأوصلك إلى الحسبة، ثم اذهب لصلاة الجمعة·
لم أكن أعرف ما هي الحسبة· ولكنني حدست أو قيل لي أن أخي محمد سيكون هناك بانتظارنا· كان المكان يعج بالناس والأصوات· صف من الدكاكين المليئة بكل أنواع الخضار والفواكه على جانبي ممر ضيق طويل· دلفنا إلى ساحة واسعة لا يختلف ما فيها عما رأيناه في الشارع الضيق سوى في شيء واحد· كانت هناك محاقين كبيرة من النحاس الأصفر لم أر محاقين بحجمها من قبل، أفواهها متجهة إلى أعلا· لم يكن هناك أحد قريبا من أي منها· ولكن الأشخاص الذين كانوا وراءها، مختفين على أية حال، كانوا يغنون جميعا وبصوت واحد، كما لو كانوا نفس الشخص· لكن المحاقين النحاسية اللامعة كانت ذات نهايات رفيعة وتتكئ كل منها على طاولة مثل تلك التي أكلنا عليها اللحم والبيض·
شددت يد أبي وقلت بصوت عال كاف ليسمعني وسط الضجيج:
- أي هو الذي يغني في المحقان·
ضحك أبي باستغراق مرة أخرى· كان سعيدا· قال دون أن يتوقف ليفسر لي :
- هذا هو المكبر·
لا بد أن المكبر رجل يختلف عن الآخرين وله قدرة على الاختفاء· لم يكن مع أبي من الوقت لإعطائي معلومات أكثر· دلفنا إلى دكان شبيه بكل الدكاكين الأخرى ولكنه على طرف واحد من الدائرة· قال أبي:
- انتظرني هنا· رايح لصلاة الجمعة·
انطلق في الطريق التي كانت تمتد على طول الجدار الخارجي للدكان الذي كان علي أن أنتظر فيه· كان شارعا دائريا ينتهي عند نقطة النهاية ببيت حجري ذي باب جميل يصعد إليه الداخل على درج مكون من عدة عتبات· كان الدرج محاطا بسياج من الحديد الأبيض لم أر مثله من قبل·
لن أنسى ذلك الدرج· في تلك اللحظة التي كان أبي يختفي فيها، دخلت الشارع من الجانب المقابل بنت صغيرة تلبس تنورة قصيرة سوداء وقميصا أبيض· كان تنتعل صندلا أحمر يصعد منه إلى ما فوق كعبيها جوربان بيضاوان قصيران ينتهيان بكشكش لونه كلون الصندل· صعدت على الدرجات بخفة وقرعت الباب· كان لها شريط أبيض يتدلى مع جديلة صغيرة من شعرها قريبا من عنقها الأبيض· فتح الباب فاختفت وراءه· ترى ما ذا هناك؟
فيما بعد وعبر سنوات طويلة كنت أقفز من الفراش كل مرة أرى فيها نفس الدرج والباب والفتاة، بينما تستعصي علي الأسرار التي قبعت وراء ذلك الباب، لأكتشف بأنني أحلم· لم أسمها· لم يكن هناك من الأسماء التي أعرفها ما يمكن أن تصلح لها· الأسماء التي أعرفها لا تتجاوز خمسة أو ستة، ولا يصلح أي منها لفتاة يتعلق بجديلتها شريط أبيض ناصع·
وفي يوم من الأيام بعد سنوات كثيرة، خطر لي أنها بياترس من نوع ما، تلك الفتاة الصغيرة التي تعلق بها دانتي عندما كان في مثل سني، ورآها عندما كانت في سن فتاة الدرج في حيفا، تقفز ممسكة بيد أبيها وتختفي في شارع ما مرة واحدة وللأبد، ويختفي معها قلبه يتراوح عبر كل سني حياته بين نقطة ما في المجهول وبين صدره·
دخل أخي محمد الدكان الذي كنت أنتظر فيه لا بسا القنباز الفلسطيني· كان يدندن بصوته الجميل· لم يرني· اختنقت بالمفاجأة· لم استطع أن أناديه· اندفعت نحوه فاستدار عني فتأبطت ساقيه من الخلف· تفاجأ بالحركة فأخذ يدور وأدور معه· لا أعرف كم درنا· رفعني إلى صدره فدفنت رأسي هناك أقبل ملابسه·
لا أظن أنني أحببت شخصا كما أحببت محمد· كانت له رائحة تملأ على نفسي ووجودي فأمتصها من كل الفضاء حولي· وحتى عندما كان بعيدا عني لم تكد رائحته تفارق أي شيء لامسه مرة· كنت أشمها في قميص، أو فرشة افترشها أو وسادة اتكأ عليها·
كنت أعرف، يوم يفكر بالعودة إلينا من حيفا، أنه قادم ذلك اليوم· تأتيني منه رائحة خفيفة تكبر كلما اقترب في مشوار العودة منا· وعندما كان يغادر مدينة إربد إلينا على بعد خمسة كيلومترات، كنت أصل إلى حالة من اليقين بقدومه تجعلني أحدد موقعه على الطريق، فأصرخ بأعلا صوتي حيثما كنت: محمد جا··· محمد جا· وأندفع للقائه·
في البداية كانوا يقولون: أهبل مثل ابن خاله، غير أن ابن خالي أخرس أطرش لا يتكلم، وأنا لا يكاد لساني يتوقف عن الحديث· صحيح أن ابن خالي يعرف كثيرا مما هو على وشك الحدوث ويشير إلى أنه يعرف· لكنني أشم رائحة أخي فقط·
في البداية كانوا يتركونني وحيدا أسرع على الطريق باتجاه إربد· ولكنهم عندما رأوني أعود به كل مرة أندفع فيها للقائه، لم يعودوا يكذبونني· وفي كل مرة لاحقا حين كنت أصرخ معلنا مقدمه، كان الأولاد يتبعونني ويتناقل الناس قصتي مدركين أن في الأمر سرا·
كان محمد يأتينا من حيفا بكثير من اللحم، يطبخه هو بيديه· فقد كان طباخا ماهرا، ويغني لنا بصوته الرخيم أغاني عبد الوهاب يابابور قل لي رايح على فين، وأغنية أم كلثوم على بلدي المحبوب وديني· ولفريد الأطرش ياريت ياريت· كان يطعمنا وينام بيننا أنا وأخي فلاح حتى الصباح· ربما لكل ذلك دخلت رائحته لتصبح جزءا مكونا من نظامي فهي تتغذى بما أتغذى به وتعيش كما أعيش وتنمو كما أنمو·
لم يكد يصدق أنني بين ذراعيه· كان يسألني سؤالا وراء الآخر محاولاً أن يعرف كل شيء· ولكنني كنت متعلقا به وبملابسه·
أجلسني على صندوق عال ومد يده إلى أعلا نحو شيء معلق من حبل في السقف· شيء أشبه بمجموعة من قرون الماعز الصفراء، معلقة على نحو ما· كانت عيناي تتحركان معه لا تفارقانه· سقطت بعض القرون في يده وكأنها كانت تنتظر أن يمد يده إليها ليسندها· تناول واحدة منها من طرفها فانسحب منها شيء يشبه اللسان تدلى على جانب القرن، ثم تدلى لسان آخر، ثم ثالث· قدمه مني وقال يالله، حبيبي، كل· فأكلت شيئا ناعما سهل المضغ كالمخ، ولكنه ليس كالمخ طعما· ابتلعته يسهولة· أخذتني المفاجأة· لم أصدق أنني آكل· أشرت إليه أنني أريد أخرى ففعل· وهكذا حتى شبعت وعرفت فيما بعد، أن اسم هذا الشيء الذي أكلته لتوي هو الموز·
كنت قد شبعت عندما عاد أبي من المسجد· أغلق محمد الدكان· طلب مني أن أساعده في ذلك، ففعلت· سألته عندما انتهينا:
- أين الرجل الذي يغني في المحقان؟
وقف أبي ينظر· حملني محمد ووضعني في فوهة البوق أو المحقان كما سميته· كانت نهايته تضيق وليس من المعقول أن يسكن هناك إنسان· أخذني إلى حيث يتكئ المكبر كما سماه أبي· تحدث شيئا مع الشخص الذي كان إلى جانب الطاولة· ثم التفت إلى وقال:
- هذا هو المكبر· لا أحد هنا· هذا الصوت يأتي من هذه القطعة المستديرة· الصوت محفور فيها· وهذه الإبرة تلاحق تلك الحفر فيه فيغني المغني الذي حفرها·
- بكرة نكون اصحاب·
قادتنا إلى الغرفة التي أعدتها· ساقاها مليئان كصدرها· سألها أبي عن آخرين يعرفهم· وجرى بينهما الحديث عاديا كما يجري بين رجلين· كانت تضحك ضحكات غير تلك التي أعرفها في حكما· فالنساء في حكما لا يضحكن· خالطني شعور طاغ بأن نساء حكما لا يعرفن الضحك كما تفعل هذه المرأة·
أفقت في اليوم التالي متأخرا· قال أبي:
- سأوصلك إلى الحسبة، ثم اذهب لصلاة الجمعة·
لم أكن أعرف ما هي الحسبة· ولكنني حدست أو قيل لي أن أخي محمد سيكون هناك بانتظارنا· كان المكان يعج بالناس والأصوات· صف من الدكاكين المليئة بكل أنواع الخضار والفواكه على جانبي ممر ضيق طويل· دلفنا إلى ساحة واسعة لا يختلف ما فيها عما رأيناه في الشارع الضيق سوى في شيء واحد· كانت هناك محاقين كبيرة من النحاس الأصفر لم أر محاقين بحجمها من قبل، أفواهها متجهة إلى أعلا· لم يكن هناك أحد قريبا من أي منها· ولكن الأشخاص الذين كانوا وراءها، مختفين على أية حال، كانوا يغنون جميعا وبصوت واحد، كما لو كانوا نفس الشخص· لكن المحاقين النحاسية اللامعة كانت ذات نهايات رفيعة وتتكئ كل منها على طاولة مثل تلك التي أكلنا عليها اللحم والبيض·
شددت يد أبي وقلت بصوت عال كاف ليسمعني وسط الضجيج:
- أي هو الذي يغني في المحقان·
ضحك أبي باستغراق مرة أخرى· كان سعيدا· قال دون أن يتوقف ليفسر لي :
- هذا هو المكبر·
لا بد أن المكبر رجل يختلف عن الآخرين وله قدرة على الاختفاء· لم يكن مع أبي من الوقت لإعطائي معلومات أكثر· دلفنا إلى دكان شبيه بكل الدكاكين الأخرى ولكنه على طرف واحد من الدائرة· قال أبي:
- انتظرني هنا· رايح لصلاة الجمعة·
انطلق في الطريق التي كانت تمتد على طول الجدار الخارجي للدكان الذي كان علي أن أنتظر فيه· كان شارعا دائريا ينتهي عند نقطة النهاية ببيت حجري ذي باب جميل يصعد إليه الداخل على درج مكون من عدة عتبات· كان الدرج محاطا بسياج من الحديد الأبيض لم أر مثله من قبل·
لن أنسى ذلك الدرج· في تلك اللحظة التي كان أبي يختفي فيها، دخلت الشارع من الجانب المقابل بنت صغيرة تلبس تنورة قصيرة سوداء وقميصا أبيض· كان تنتعل صندلا أحمر يصعد منه إلى ما فوق كعبيها جوربان بيضاوان قصيران ينتهيان بكشكش لونه كلون الصندل· صعدت على الدرجات بخفة وقرعت الباب· كان لها شريط أبيض يتدلى مع جديلة صغيرة من شعرها قريبا من عنقها الأبيض· فتح الباب فاختفت وراءه· ترى ما ذا هناك؟
فيما بعد وعبر سنوات طويلة كنت أقفز من الفراش كل مرة أرى فيها نفس الدرج والباب والفتاة، بينما تستعصي علي الأسرار التي قبعت وراء ذلك الباب، لأكتشف بأنني أحلم· لم أسمها· لم يكن هناك من الأسماء التي أعرفها ما يمكن أن تصلح لها· الأسماء التي أعرفها لا تتجاوز خمسة أو ستة، ولا يصلح أي منها لفتاة يتعلق بجديلتها شريط أبيض ناصع·
وفي يوم من الأيام بعد سنوات كثيرة، خطر لي أنها بياترس من نوع ما، تلك الفتاة الصغيرة التي تعلق بها دانتي عندما كان في مثل سني، ورآها عندما كانت في سن فتاة الدرج في حيفا، تقفز ممسكة بيد أبيها وتختفي في شارع ما مرة واحدة وللأبد، ويختفي معها قلبه يتراوح عبر كل سني حياته بين نقطة ما في المجهول وبين صدره·
دخل أخي محمد الدكان الذي كنت أنتظر فيه لا بسا القنباز الفلسطيني· كان يدندن بصوته الجميل· لم يرني· اختنقت بالمفاجأة· لم استطع أن أناديه· اندفعت نحوه فاستدار عني فتأبطت ساقيه من الخلف· تفاجأ بالحركة فأخذ يدور وأدور معه· لا أعرف كم درنا· رفعني إلى صدره فدفنت رأسي هناك أقبل ملابسه·
لا أظن أنني أحببت شخصا كما أحببت محمد· كانت له رائحة تملأ على نفسي ووجودي فأمتصها من كل الفضاء حولي· وحتى عندما كان بعيدا عني لم تكد رائحته تفارق أي شيء لامسه مرة· كنت أشمها في قميص، أو فرشة افترشها أو وسادة اتكأ عليها·
كنت أعرف، يوم يفكر بالعودة إلينا من حيفا، أنه قادم ذلك اليوم· تأتيني منه رائحة خفيفة تكبر كلما اقترب في مشوار العودة منا· وعندما كان يغادر مدينة إربد إلينا على بعد خمسة كيلومترات، كنت أصل إلى حالة من اليقين بقدومه تجعلني أحدد موقعه على الطريق، فأصرخ بأعلا صوتي حيثما كنت: محمد جا··· محمد جا· وأندفع للقائه·
في البداية كانوا يقولون: أهبل مثل ابن خاله، غير أن ابن خالي أخرس أطرش لا يتكلم، وأنا لا يكاد لساني يتوقف عن الحديث· صحيح أن ابن خالي يعرف كثيرا مما هو على وشك الحدوث ويشير إلى أنه يعرف· لكنني أشم رائحة أخي فقط·
في البداية كانوا يتركونني وحيدا أسرع على الطريق باتجاه إربد· ولكنهم عندما رأوني أعود به كل مرة أندفع فيها للقائه، لم يعودوا يكذبونني· وفي كل مرة لاحقا حين كنت أصرخ معلنا مقدمه، كان الأولاد يتبعونني ويتناقل الناس قصتي مدركين أن في الأمر سرا·
كان محمد يأتينا من حيفا بكثير من اللحم، يطبخه هو بيديه· فقد كان طباخا ماهرا، ويغني لنا بصوته الرخيم أغاني عبد الوهاب يابابور قل لي رايح على فين، وأغنية أم كلثوم على بلدي المحبوب وديني· ولفريد الأطرش ياريت ياريت· كان يطعمنا وينام بيننا أنا وأخي فلاح حتى الصباح· ربما لكل ذلك دخلت رائحته لتصبح جزءا مكونا من نظامي فهي تتغذى بما أتغذى به وتعيش كما أعيش وتنمو كما أنمو·
لم يكد يصدق أنني بين ذراعيه· كان يسألني سؤالا وراء الآخر محاولاً أن يعرف كل شيء· ولكنني كنت متعلقا به وبملابسه·
أجلسني على صندوق عال ومد يده إلى أعلا نحو شيء معلق من حبل في السقف· شيء أشبه بمجموعة من قرون الماعز الصفراء، معلقة على نحو ما· كانت عيناي تتحركان معه لا تفارقانه· سقطت بعض القرون في يده وكأنها كانت تنتظر أن يمد يده إليها ليسندها· تناول واحدة منها من طرفها فانسحب منها شيء يشبه اللسان تدلى على جانب القرن، ثم تدلى لسان آخر، ثم ثالث· قدمه مني وقال يالله، حبيبي، كل· فأكلت شيئا ناعما سهل المضغ كالمخ، ولكنه ليس كالمخ طعما· ابتلعته يسهولة· أخذتني المفاجأة· لم أصدق أنني آكل· أشرت إليه أنني أريد أخرى ففعل· وهكذا حتى شبعت وعرفت فيما بعد، أن اسم هذا الشيء الذي أكلته لتوي هو الموز·
كنت قد شبعت عندما عاد أبي من المسجد· أغلق محمد الدكان· طلب مني أن أساعده في ذلك، ففعلت· سألته عندما انتهينا:
- أين الرجل الذي يغني في المحقان؟
وقف أبي ينظر· حملني محمد ووضعني في فوهة البوق أو المحقان كما سميته· كانت نهايته تضيق وليس من المعقول أن يسكن هناك إنسان· أخذني إلى حيث يتكئ المكبر كما سماه أبي· تحدث شيئا مع الشخص الذي كان إلى جانب الطاولة· ثم التفت إلى وقال:
- هذا هو المكبر· لا أحد هنا· هذا الصوت يأتي من هذه القطعة المستديرة· الصوت محفور فيها· وهذه الإبرة تلاحق تلك الحفر فيه فيغني المغني الذي حفرها·
صفحة 7
لم افهم شيئا وإن تظاهرت أنني أفعل· رفع الإبرة فتوقف الغناء· أعادها إلى حيث كانت فاستؤنف الغناء· رفع الإبرة فتوقف الغناء مرة أخرى· عندها رفعني بين يديه وصار هو يغني تلك الأغنية التي أعرفها منه على بلدي المحبوب وديني·
عندما يغني أخي محمد يختفي كل شيء إلا صوته ووجهه الحبيب· اجتمع الناس حولنا· عندما توقف صفق الناس من وراء طاولاتهم وداخل دكاكينهم· بعضهم صفّر بوضع أصابعه في فمه تماما كما يفعل الناس في حكما·
***
أخذني أبي صباح اليوم التالي إلى بيت فالح الزعبي، زوج فصل، لنفطر هناك· قال أننا معزومون· كنت أتحرق شوقا لرؤية مضيفنا الذي تعلمت أن أحبه وأحب زوجته· وقد ظننت أنني سأراها أيضا·
كانت فصل امرأة جميلة يحبها أهل حكما، وتحبها أمي بشكل خاص· كثيرا ما قالت أمي أن أهل فصل هم مثل أهلها·
لا أذكر، اليوم، من فصل سوى خلخالها الذي أحاط بساق أبيض لا زال يلمع في ذاكرتي كلما ذكر هذا الاسم ذو الثلاثة حروف فصل·
لقد أصرت، إذا أرادت أن تنزل عن عتبة عقودنا الذي سكنته مدة طويلة، على أن ترفع ثوبها الأسود الطويل قليلا عنه فيلمع الساق الأبيض والخلخال· ولقد تركت في دارنا ضحكة كانت لها رنة كرنة خلخالها، اختزنتهما جدران عقودنا ولا زالتا تعيشان هناك أسمعهما إذا أصغيت·
والزعبية من قرية حريما القريبة من قريتنا· كانوا قد اتهموا بقتل أحد أقربائهم من عائلة أبو علي من نفس القرية·
تقول القصة أن أبو غالب الزعبي شارك في خصام وقع في القرية· لا أحد يعلم ما الذي حصل ولكن ذلك القريب وجد ميتا بعد أن شج رأسه بعبوة· ومن الطبيعي أن تتوجه التهمة لأبو غالب الزعبي، فقد كان هو الذي بدأ الخصام وكان معروفا بقوته، وسرعة غضبه·
طولب الزعبية بالثأر· فجلوا عن ديارهم· كان لا بد أن يفعلوا في الحال حقنا لمزيد من الدم ريثما يتوسط أهل الخير، ويسووا المشكلة· جلوا إلى حكما·
أطلوا علينا من الشمال في ظعن عريض من الحيوانات المحملة بكل أنواع العفش والملابس والأطفال والنساء، يسيرون باتجاهنا على الطريق الضيقة وفي المساحات المفتوحة حولها من كلا الجانبين·
كان على القرية أن تتوزع الجالين· وقيل بأن أصحاب الثأر لن يستدوا لقتيلهم من أبوغالب الزعبي بل سيقتلون إما فالح الزعبي، أو عمه· ولذلك كان على عشيرتنا أن تولي حماية هذين الاثنين عناية خاصة·
أبو غالب، على أية حال، لم يجل مع الجالين إلى حكما وإن كانت قد وصلت معهم زوجته وأولاده الصغار· فقد هرب إلى لبنان وعاش هناك مع الدروز إلى حين·
اقترحوا أن يسكن المطلوبان في عقودنا: فهي محمية بأسوار عالية ويصعب اختراقها· كما سمعت أمي ونساء أعمامي يفتخرن فيما بينهن بأن القعدان قادرون على السهر وحماية دخلائهم من الحائفين
وهكذا صار فالح الزعبي وزوجته فصل جارين لنا يحبهم الجميع·
لقد كان الناس يتسابقون في الأيام الأولى على تزويدهم بالطعام والمؤونة· لكنهم تدبروا أمرهم فيما بعد، وصاروا يدعون الناس على ولائم في بيوتهم·
ولقد كان من بين الجالين في حكما زعبي اسمه سالم العنبر وهو أسود البشرة- أمه سوداء من إفريقيا- معروف بقدرته الفذة على العزف على الربابة وبصوته الجميل وخاصة عندما يغني الهيجنا· كما كان قوي الجسم جسورا أثار خيالنا وأحببناه·
كثيرا ما تسللت وأولاد عمي، في الليل، بين الكبار لنسمع غناءه على الربابة وألحانه الجميلة وقصصه التي كنا نضحك لها كثيرا· كان يستخف بأعدائه من الزعبية الموتورين، يتهددهم دائما، ويؤكد أنه يذهب في الليل إلى حريما كل يوم ويسهر هناك ويعلم الجميع بأنه موجود ولكنهم لا يقدرون على مواجهته·
أثار هذا الجانب منه غضب أعمامي· هدده عمي إبراهيم مرة بأنه إذا لم يتوقف عن اللعب بالنار فسوف يمنعه من الخروج من حكما·
لكن عمي لم يستطيع ذلك دائما، فسالم العنبر يسكن عند القواسمة، قريبا من أولاد وأهل أبو غالب، في بيت يوسف السليمان، الملقب بالجدي،
قصة الجدي هذه هي أن يوسف السليمان كان يحب جديا لهم، عندما كان طفلا صغيرا· وفي يوم ذبحوا الجدي، فبقي يبكي مدة طويلة ينادي به· فإذا حاولوا إسكاته، نظر إليهم مذهولا يردد كلمة واحدة دون غيرها جدي··· جدي··· جدي··· حتى خافت عليه أمه من الاختلال، فاشترت له جديا فقبل به·
والجدي شاب متحمس مثل سالم العنبر وأبو غالب الزعبي، يدبك ويغني، هو الآخر، ومعه بندقية· وقيل أنه كان يرافق العنبر في غزواته إلى حريما·
وفي يوم وفد أبو غالب من هجرته وقرر، إمعانا في التحدي، أن يطحن طحنة لهم في ببور حريما· لم يخف· كان سالم العنبر يصحبه في رحلته تلك دون الجدي، كما اعتاد الأخيران أن يفعلا دائما·
رأى البواعنه القاتل فكمنوا له وقتلوه في أحد الحواكير·
وقد سقط الثأر بموت أبو غالب، فعاد الزعبية إلى قريتهم في نفس اليوم· ولم يلبث فالح الزعبي أن عاد مع أخوته إلى حيفا· فقد كان يعمل هناك من قبل·
سألت أبي إن كنا سنرى خالتي فصل، فأجابني بأن فصل في حريما، وهو في حيفا وحده مع أخوته·
وجدنا في البيت قبلنا رجلا يلبس طربوشا أحمر· عرفته حين رأيته بعد ذلك بعدة سنوات· كان كرديا من أغنياء قرية سحم الكفارات· سلم عليه أبي بحرارة واحترام· وجلس يتحدث معه ويسأله عن سحم وأخوال أبي- جدتي لأبي من طوالبة سحم الكفارات·
دخل علينا فالح الزعبي متهللا كما عرفته دائما يروي قصصا لتأخره عنا· أخذني بين يديه ورفعني ورحب بي بحرارة· التفت إلى ضيفة الكردي، وقال :
- أبو ردن، هذا سميي· اسمه فالح· في كل عائلة كبيرة في قرانا، كما تعرف، اثنان أحدهما يسمى فالح وهو الكبير عادة، ويسمى الأصغر منه فلاح، ثم تتلو أسماء أخرى إذا كان هناك أكثر من أخوين· اسمي كان يوسف· ولكن أمي قررت أن تسميني فالح عندما سموا أخي الأصغر فلاح· قالت: إذا كان هناك فلاح فيجب أن يكون اسم أخيه الأكبر فالح· أستطيع أن أعد لك عشر عائلات من الذين أعرفهم كهذه·
- وهل كل شخص اسمه فالح ذكي، مثل هذا الصغير؟
قالها الضيف وضحك· فرد الزعبي قائلا:
- أؤكد لك ذلك· أنا أيضا ذكي ها!!!!···
وضم كفه نصف ضمة مادا سبابته على طولها وهازا إياها في وجه الضيف مهددا بينما ألحقها بضحكة طويلة·
عندما يغني أخي محمد يختفي كل شيء إلا صوته ووجهه الحبيب· اجتمع الناس حولنا· عندما توقف صفق الناس من وراء طاولاتهم وداخل دكاكينهم· بعضهم صفّر بوضع أصابعه في فمه تماما كما يفعل الناس في حكما·
***
أخذني أبي صباح اليوم التالي إلى بيت فالح الزعبي، زوج فصل، لنفطر هناك· قال أننا معزومون· كنت أتحرق شوقا لرؤية مضيفنا الذي تعلمت أن أحبه وأحب زوجته· وقد ظننت أنني سأراها أيضا·
كانت فصل امرأة جميلة يحبها أهل حكما، وتحبها أمي بشكل خاص· كثيرا ما قالت أمي أن أهل فصل هم مثل أهلها·
لا أذكر، اليوم، من فصل سوى خلخالها الذي أحاط بساق أبيض لا زال يلمع في ذاكرتي كلما ذكر هذا الاسم ذو الثلاثة حروف فصل·
لقد أصرت، إذا أرادت أن تنزل عن عتبة عقودنا الذي سكنته مدة طويلة، على أن ترفع ثوبها الأسود الطويل قليلا عنه فيلمع الساق الأبيض والخلخال· ولقد تركت في دارنا ضحكة كانت لها رنة كرنة خلخالها، اختزنتهما جدران عقودنا ولا زالتا تعيشان هناك أسمعهما إذا أصغيت·
والزعبية من قرية حريما القريبة من قريتنا· كانوا قد اتهموا بقتل أحد أقربائهم من عائلة أبو علي من نفس القرية·
تقول القصة أن أبو غالب الزعبي شارك في خصام وقع في القرية· لا أحد يعلم ما الذي حصل ولكن ذلك القريب وجد ميتا بعد أن شج رأسه بعبوة· ومن الطبيعي أن تتوجه التهمة لأبو غالب الزعبي، فقد كان هو الذي بدأ الخصام وكان معروفا بقوته، وسرعة غضبه·
طولب الزعبية بالثأر· فجلوا عن ديارهم· كان لا بد أن يفعلوا في الحال حقنا لمزيد من الدم ريثما يتوسط أهل الخير، ويسووا المشكلة· جلوا إلى حكما·
أطلوا علينا من الشمال في ظعن عريض من الحيوانات المحملة بكل أنواع العفش والملابس والأطفال والنساء، يسيرون باتجاهنا على الطريق الضيقة وفي المساحات المفتوحة حولها من كلا الجانبين·
كان على القرية أن تتوزع الجالين· وقيل بأن أصحاب الثأر لن يستدوا لقتيلهم من أبوغالب الزعبي بل سيقتلون إما فالح الزعبي، أو عمه· ولذلك كان على عشيرتنا أن تولي حماية هذين الاثنين عناية خاصة·
أبو غالب، على أية حال، لم يجل مع الجالين إلى حكما وإن كانت قد وصلت معهم زوجته وأولاده الصغار· فقد هرب إلى لبنان وعاش هناك مع الدروز إلى حين·
اقترحوا أن يسكن المطلوبان في عقودنا: فهي محمية بأسوار عالية ويصعب اختراقها· كما سمعت أمي ونساء أعمامي يفتخرن فيما بينهن بأن القعدان قادرون على السهر وحماية دخلائهم من الحائفين
وهكذا صار فالح الزعبي وزوجته فصل جارين لنا يحبهم الجميع·
لقد كان الناس يتسابقون في الأيام الأولى على تزويدهم بالطعام والمؤونة· لكنهم تدبروا أمرهم فيما بعد، وصاروا يدعون الناس على ولائم في بيوتهم·
ولقد كان من بين الجالين في حكما زعبي اسمه سالم العنبر وهو أسود البشرة- أمه سوداء من إفريقيا- معروف بقدرته الفذة على العزف على الربابة وبصوته الجميل وخاصة عندما يغني الهيجنا· كما كان قوي الجسم جسورا أثار خيالنا وأحببناه·
كثيرا ما تسللت وأولاد عمي، في الليل، بين الكبار لنسمع غناءه على الربابة وألحانه الجميلة وقصصه التي كنا نضحك لها كثيرا· كان يستخف بأعدائه من الزعبية الموتورين، يتهددهم دائما، ويؤكد أنه يذهب في الليل إلى حريما كل يوم ويسهر هناك ويعلم الجميع بأنه موجود ولكنهم لا يقدرون على مواجهته·
أثار هذا الجانب منه غضب أعمامي· هدده عمي إبراهيم مرة بأنه إذا لم يتوقف عن اللعب بالنار فسوف يمنعه من الخروج من حكما·
لكن عمي لم يستطيع ذلك دائما، فسالم العنبر يسكن عند القواسمة، قريبا من أولاد وأهل أبو غالب، في بيت يوسف السليمان، الملقب بالجدي،
قصة الجدي هذه هي أن يوسف السليمان كان يحب جديا لهم، عندما كان طفلا صغيرا· وفي يوم ذبحوا الجدي، فبقي يبكي مدة طويلة ينادي به· فإذا حاولوا إسكاته، نظر إليهم مذهولا يردد كلمة واحدة دون غيرها جدي··· جدي··· جدي··· حتى خافت عليه أمه من الاختلال، فاشترت له جديا فقبل به·
والجدي شاب متحمس مثل سالم العنبر وأبو غالب الزعبي، يدبك ويغني، هو الآخر، ومعه بندقية· وقيل أنه كان يرافق العنبر في غزواته إلى حريما·
وفي يوم وفد أبو غالب من هجرته وقرر، إمعانا في التحدي، أن يطحن طحنة لهم في ببور حريما· لم يخف· كان سالم العنبر يصحبه في رحلته تلك دون الجدي، كما اعتاد الأخيران أن يفعلا دائما·
رأى البواعنه القاتل فكمنوا له وقتلوه في أحد الحواكير·
وقد سقط الثأر بموت أبو غالب، فعاد الزعبية إلى قريتهم في نفس اليوم· ولم يلبث فالح الزعبي أن عاد مع أخوته إلى حيفا· فقد كان يعمل هناك من قبل·
سألت أبي إن كنا سنرى خالتي فصل، فأجابني بأن فصل في حريما، وهو في حيفا وحده مع أخوته·
وجدنا في البيت قبلنا رجلا يلبس طربوشا أحمر· عرفته حين رأيته بعد ذلك بعدة سنوات· كان كرديا من أغنياء قرية سحم الكفارات· سلم عليه أبي بحرارة واحترام· وجلس يتحدث معه ويسأله عن سحم وأخوال أبي- جدتي لأبي من طوالبة سحم الكفارات·
دخل علينا فالح الزعبي متهللا كما عرفته دائما يروي قصصا لتأخره عنا· أخذني بين يديه ورفعني ورحب بي بحرارة· التفت إلى ضيفة الكردي، وقال :
- أبو ردن، هذا سميي· اسمه فالح· في كل عائلة كبيرة في قرانا، كما تعرف، اثنان أحدهما يسمى فالح وهو الكبير عادة، ويسمى الأصغر منه فلاح، ثم تتلو أسماء أخرى إذا كان هناك أكثر من أخوين· اسمي كان يوسف· ولكن أمي قررت أن تسميني فالح عندما سموا أخي الأصغر فلاح· قالت: إذا كان هناك فلاح فيجب أن يكون اسم أخيه الأكبر فالح· أستطيع أن أعد لك عشر عائلات من الذين أعرفهم كهذه·
- وهل كل شخص اسمه فالح ذكي، مثل هذا الصغير؟
قالها الضيف وضحك· فرد الزعبي قائلا:
- أؤكد لك ذلك· أنا أيضا ذكي ها!!!!···
وضم كفه نصف ضمة مادا سبابته على طولها وهازا إياها في وجه الضيف مهددا بينما ألحقها بضحكة طويلة·
صفحة 8
أُخذت بالبيت· جلست بينهم قريبا من نافذة أطلت، من حيث نجلس، على السماء· عندما اقتربت أكثر منها، تبين لي فعلا أن البيت كله، ونحن فيه، يطير فوق سماء زرقاء ممتدة، سماء غريبة تمتد في كل الاتجاهات قريبة من الأرض، بينما نحن نجلس فوقها·
لاحظ أبي استغراقي· عرف فيما أفكر فيه· قال:
- هذا هو البحر·
عرفت ماذا يعني البحر من قبل· قلت ساهما
- ميه كثيرة·
قال
- نعم· وهذا الذي تشوفه ويمتد أمامنا مثل دائرة هو بحر حيفا·
فهمت أن البيت في منطقة الهدار هاكرمل كما كانوا يسمونها· اشتراه فالح الزعبي وأخواه فلاح وخليل· فيما بعد قال لي الأستاذ محمد حسن الخطاب في المدرسة الابتدائية في قرية سحم التي بدأت حياتي مع المدرسة منها، أن الاسم العربي لها هو دار الكرمل· كان محمد حسن الخطاب معلم الجغرافيا من قرية الطيرة القريبة من حيفا·
قدم لنا فالح الزعبي طاسة كبيرة من الفخار مليئة بشيء شبيه بالحمص مدمس الذي أكلته مع أبي في المشارع، مع فارق ملحوظ يجعل لهذه الأكلة اسما آخر تعرف به، هو الفتة: وهو أنها كمية كبيرة؛ وأنها ليست صلبة مثل الحمص؛ وهي مغطاة بطبقة من السمن البلدي، وليس زيت الزيتون؛ وعليها كتل معجونة من الحمص المسلوق أصفر اللون؛ وهناك فرق آخر، وهي أنها لا تؤكل بالخبز، بل بالملاعق·
أقبلنا على الأكل· كانوا، جميعا، يتلذذون بطعمها، وأنا أستغرب ذلك· فطعمها خشن كالحمص المدمس، وهذا على وجه التحديد ما جعلني لا آكل كثيرا على الرغم من أنني أحسست بالجوع يعضني قبل فترة وجيزة من قدوم هذه الطاسة·
تمنيت لو أنني مع محمد أبتلع ذلك الموز الذي لم اشبع منه·
أخذ حديثهم على طاولة الأكل منحى أعرفه· فقد تحدثوا عن رجل اسمه الزناتي· والزناتي الذي أعرفه وأسمعهم في حكما يتحدثون عنه هو الزناتي خليفة وابنته سعدة التي أشارت عليه عندما هاجمهم أبو زيد الهلالي، في تونس، بحرق البيادر والمدينة والرحيل بعيدا عنها· وهم في حكما يضربون المثل فيها لكل من يشير مشورة سيئة· مثل سعده الزناتي، يقولون·
لكنني لم أكره الزناتي خليفة· فقد كان فارسا، يغير في الليل على بني هلال، وكاد يقتل ذياب بن غانم في إحدى هذه الغارات لولا أن ذياب استطاع أن يهرب على فرسه الخضراء السبوق· وذياب هذا جبان ولا أحبه·
على أن هذا الزناتي الذي يتحدث عنه مضيفنا شخص آخر لم يكن يحمل سيفا، بل فردا· قال فالح الزعبي:
- نط أمام الناس مثل الأسد الطليق، يابو ردن، والحكي للجميع· لا تعرف من أين جاء· أطلق النار عليه وبقي واقفا ينظر حوله بينما ذلك العلج يتخبط بدمه· ثم قفز فوق السياج القريبة واختفي مثل لمح البصر· تبوسه بين عيونه!!
- رجال والله··· سمعت أنهم لم يقبضوا عليه
قالها الضيف بهمس·
فرد الزعبي قائلا بينما أبي يلاحقه معجبا بشجاعته
- فشروا····· احنا وين؟؟
- برافو يا فالح··· أنا أعنقر طربوشي عندما أسمعهم يقولون الأردني· أفرحني أن أحدا منهم لا يعرف من هو الأردني· بعضهم يقول الحوراني· احنا الوحيدين الذين نعرف من هو هذا الذي يتحدثون عنه·
- أنا من إيدك هاي لأيدك هاي، يابو ردن
- تعيش وتحيا والله··
ترى هل هذا الزناتي البطل هو ابن خليفة الزناتي؟ وما الذي جاء بالزناتي إلى حيفا من تونس الخضراء؟ أم أن حيفا هي تونس؟ وإذا كانت كذلك فهل فيها أحد من أبناء أبو زيد الهلالي والسلطان حسن؟
عندما حاولت أن أستفسر من أبي فيما بعد عن كل هذا، حاول أن يسكتني، وقال:
- لا تسألني عن هذا في حيفا· أقول لك كل شيء بعدما نعود لحكما·
محمد هو الآخر تمدد إلى جانبي قبل النوم، ثم همس في أذني
- حبيبي، لا تحكي عن اللي سمعته اليوم عند فالح الزعبي· أوع· انس كل شيء، وأبوي رايح يحكي لك كل شيء في حكما·
عرفت أن الموضوع خطير· ولم أسأل أحدا بعد ذلك· ولكن محمد روى لي القصة عندما عاد إلينا من حيفا وكانت روايته تلك جميلة ككل الأغاني التي كان يغنيها لنا·
ثم قال أن حيفا ليست تونس، والزناتية في حيفا ليسوا أبناء الزناتي خليفة· اسم على اسم·· وزناتية حيفا أكثر شجاعة من زناتية تونس· فهم ثوار فلسطينيون يطاردون الإنكليز واليهود ويقتلونهم· سألته
- هل تعرفهم؟
- نعم أعرفهم· أعرف الكثيرين منهم وأحبهم· وهم يحبون الحوارنه كما يسموننا· ويقولون الحوارنه أبطال·
- هل قتلت يهوديا؟
فضحك· وقال :
- لا · نحن نساعد الثوار فقط·
لاحظ أبي استغراقي· عرف فيما أفكر فيه· قال:
- هذا هو البحر·
عرفت ماذا يعني البحر من قبل· قلت ساهما
- ميه كثيرة·
قال
- نعم· وهذا الذي تشوفه ويمتد أمامنا مثل دائرة هو بحر حيفا·
فهمت أن البيت في منطقة الهدار هاكرمل كما كانوا يسمونها· اشتراه فالح الزعبي وأخواه فلاح وخليل· فيما بعد قال لي الأستاذ محمد حسن الخطاب في المدرسة الابتدائية في قرية سحم التي بدأت حياتي مع المدرسة منها، أن الاسم العربي لها هو دار الكرمل· كان محمد حسن الخطاب معلم الجغرافيا من قرية الطيرة القريبة من حيفا·
قدم لنا فالح الزعبي طاسة كبيرة من الفخار مليئة بشيء شبيه بالحمص مدمس الذي أكلته مع أبي في المشارع، مع فارق ملحوظ يجعل لهذه الأكلة اسما آخر تعرف به، هو الفتة: وهو أنها كمية كبيرة؛ وأنها ليست صلبة مثل الحمص؛ وهي مغطاة بطبقة من السمن البلدي، وليس زيت الزيتون؛ وعليها كتل معجونة من الحمص المسلوق أصفر اللون؛ وهناك فرق آخر، وهي أنها لا تؤكل بالخبز، بل بالملاعق·
أقبلنا على الأكل· كانوا، جميعا، يتلذذون بطعمها، وأنا أستغرب ذلك· فطعمها خشن كالحمص المدمس، وهذا على وجه التحديد ما جعلني لا آكل كثيرا على الرغم من أنني أحسست بالجوع يعضني قبل فترة وجيزة من قدوم هذه الطاسة·
تمنيت لو أنني مع محمد أبتلع ذلك الموز الذي لم اشبع منه·
أخذ حديثهم على طاولة الأكل منحى أعرفه· فقد تحدثوا عن رجل اسمه الزناتي· والزناتي الذي أعرفه وأسمعهم في حكما يتحدثون عنه هو الزناتي خليفة وابنته سعدة التي أشارت عليه عندما هاجمهم أبو زيد الهلالي، في تونس، بحرق البيادر والمدينة والرحيل بعيدا عنها· وهم في حكما يضربون المثل فيها لكل من يشير مشورة سيئة· مثل سعده الزناتي، يقولون·
لكنني لم أكره الزناتي خليفة· فقد كان فارسا، يغير في الليل على بني هلال، وكاد يقتل ذياب بن غانم في إحدى هذه الغارات لولا أن ذياب استطاع أن يهرب على فرسه الخضراء السبوق· وذياب هذا جبان ولا أحبه·
على أن هذا الزناتي الذي يتحدث عنه مضيفنا شخص آخر لم يكن يحمل سيفا، بل فردا· قال فالح الزعبي:
- نط أمام الناس مثل الأسد الطليق، يابو ردن، والحكي للجميع· لا تعرف من أين جاء· أطلق النار عليه وبقي واقفا ينظر حوله بينما ذلك العلج يتخبط بدمه· ثم قفز فوق السياج القريبة واختفي مثل لمح البصر· تبوسه بين عيونه!!
- رجال والله··· سمعت أنهم لم يقبضوا عليه
قالها الضيف بهمس·
فرد الزعبي قائلا بينما أبي يلاحقه معجبا بشجاعته
- فشروا····· احنا وين؟؟
- برافو يا فالح··· أنا أعنقر طربوشي عندما أسمعهم يقولون الأردني· أفرحني أن أحدا منهم لا يعرف من هو الأردني· بعضهم يقول الحوراني· احنا الوحيدين الذين نعرف من هو هذا الذي يتحدثون عنه·
- أنا من إيدك هاي لأيدك هاي، يابو ردن
- تعيش وتحيا والله··
ترى هل هذا الزناتي البطل هو ابن خليفة الزناتي؟ وما الذي جاء بالزناتي إلى حيفا من تونس الخضراء؟ أم أن حيفا هي تونس؟ وإذا كانت كذلك فهل فيها أحد من أبناء أبو زيد الهلالي والسلطان حسن؟
عندما حاولت أن أستفسر من أبي فيما بعد عن كل هذا، حاول أن يسكتني، وقال:
- لا تسألني عن هذا في حيفا· أقول لك كل شيء بعدما نعود لحكما·
محمد هو الآخر تمدد إلى جانبي قبل النوم، ثم همس في أذني
- حبيبي، لا تحكي عن اللي سمعته اليوم عند فالح الزعبي· أوع· انس كل شيء، وأبوي رايح يحكي لك كل شيء في حكما·
عرفت أن الموضوع خطير· ولم أسأل أحدا بعد ذلك· ولكن محمد روى لي القصة عندما عاد إلينا من حيفا وكانت روايته تلك جميلة ككل الأغاني التي كان يغنيها لنا·
ثم قال أن حيفا ليست تونس، والزناتية في حيفا ليسوا أبناء الزناتي خليفة· اسم على اسم·· وزناتية حيفا أكثر شجاعة من زناتية تونس· فهم ثوار فلسطينيون يطاردون الإنكليز واليهود ويقتلونهم· سألته
- هل تعرفهم؟
- نعم أعرفهم· أعرف الكثيرين منهم وأحبهم· وهم يحبون الحوارنه كما يسموننا· ويقولون الحوارنه أبطال·
- هل قتلت يهوديا؟
فضحك· وقال :
- لا · نحن نساعد الثوار فقط·
صفحة 9
قصص ثوار فلسطين استمر أخي يرويها لنا، بعد أن عاد من حيفا نهائيا، وهي قصص كثيرة مليئة بالبطولات· قال لنا أن الثوار شددوا على اليهود والإنكليز أثناء الحرب· كانت طائرات الألمان في ذلك الوقت تدك المدينة في غارات لا تنقطع·
كنت أعرف عن الحرب الثانية· ولذلك لم يكن ما يقوله أخي محمد غريبا علي بل زادني أخبارا عنها· سمعت عن تلك الحرب لأول مرة عندما رأيت السيدة كاتبة تقرأ في جريدة أن طائرات الألمان تدك معسكر فايد في السويس· والسيدة كاتبة هي السيدة الوحيدة في القرية التي تستطيع أن تقرأ الجريدة، وكانت شامية من دمشق·
كانت، تلك المرة، تهز رأسها أسفا، أثناء القراءة، وتقول أن الإنكليز الملاعين أسقطوا ثلاث طائرات للألمان· شعرت بالحزن· ولكنها قالت بأنها تظن أن الإنكليز يكذبون، فأحسسنا جميعا بالاطمئنان·
سألتها إحداهن:
- ما هو معسكر فايد، هذا!!
فقالت السيدة كاتبه
- هذا معسكر للإنكليز المحتلين على قناة السويس··· والحرب بين الإنكليز تدور في السويس وفي العلمين غربي مصر
لم أنس تلك الأسماء وفيما بعد في المدرسة كنت أعرف أكثر من أقراني عن الحرب الثانية وحيفا والسويس، والعلمين·
قال أخي محمد بأن الطائرات الألمانية تساعد ثوار فلسطين ومنهم الزناتية·
بقيت حيفا رمزا لكل ما أحبه وأعشقه· امتلأت بشوارعها، وبيوتها وبحرها، ورجالها من الزناتية والزعبية وأخي· رويت لنعيم ومسلم ومنصور وأولاد عمي فيما بعد قصصا كثيرة عن حيفا، وخاصة تلك المرأة الجميلة التي فتحت لي ولأبي باب بيتها في تلك الليلة وقادتنا إلى غرفة ننام فيها· ذكرت لهم بالتفصيل صدرها الأبيض الذي كاد يتكوم على رأسي عندما مالت علي تريد تقبيلي· كان ذراعاها عاريين ينكبان من كتفها مثل الحليب، وأبطها مكشوفا ونظيفا، كانت عارية·
وجهت كلامي كله لنعيم الذي كان يعض على يده تحرقا لمزيد، فإذا أفلتت يده من فمه، أخذته موجة هستيرية من ضحك هو أشبه بالصراخ·
عندما قفلنا راجعين أمسك بيدي
***
اشترى لي أبي صاية فلسطينية صفراء لونها فاقع كالورص· الناس في حكما لا يلبسون الصايات الصفراء· يقولون أنها لباس النور فقط، فاللون المقبول والمعروف للصاية لديهم هو اللون الفضي· لذلك صارت صايتي مثار سخرية·
ومما زاد الطين بلة أن الصاية كانت قصيرة ولم يكن منظر قدمي وحذائي المثقوب مقابل الإصبع الصغرى في قدمي الأيسر جميلا أيضا· كان على أهلي أن يثقبوا كل حذاء جديد لي، وإلا التهب ذلك الإصبع اللعين الذي لازمني سنوات طويلة من حياتي· كم تمنيت لو خلقت بدونه·
كنت قد دخلت قبل أن أدرك حقيقة الأشياء حولي فرنا تحرق فيه الخبازات الزبل مساء ليكون جاهزا لإعداد الخبز صباح اليوم التالي· قيل لي فيما بعد، أنني ذهبت أبحث في الفرن عن بيض مشوي كانت أمي قد شوته هناك في الصباح للإفطار، وظننت أنه لا زال في الفرن ينتظرني· شبت النار بقدمي· فزعت على الصراخ امرأة عمي التي كانت قريبة من الفرن· انتشلتني، هلعة علي، من اللهب· كانت قدماي تحترقان أمام عينيها· لم تعرف ما ذا عليها أن تفعل· أسقطتني، في شبه غيبوبة من الفكر الفاعل، في حوض مليء بالماء·
لم يكن عليها أن تفعل· فبعض المعارف المتوارثة في القبيلة تشير إلى أن الماء يسقط الجلد المحترق على الفور ويحدث تشوهات كثيرة· أطفئت النار ولكن سقطت خلال مدة قصيرة أصابع قدمي حسب شدة الاحتراق فيهما· سقط نصف الإصبع الأصغر لقدمي اليسرى التي لفوها بعصابات· وعندما شفي الحرق تبين بأن بقايا ذلك الإصبع علقت بقدمي بزاوية قائمة· فصار بسبب تعرضه شديد الحساسية يلتهب، برأسه المدروم وجلده الرقيق، إذا مسه شيء· ولذلك دأبوا على قطع حذائي ليسمحوا لرأسه أن يطل على الهواء الطلق·
بقيت امرأة عمي تلوم نفسها كل مرة تراني لا أفرح كما يفرح الصغار بحذاء جديد· ماتت المسكينة قبل أن تعلم بأنها في تسرعها غير المألوف وإسقاطي في الماء قد أنقذتني· فقد تبين لاحقا بأن الماء هو افضل علاج لحرق الجلد الحي إذا كان الماء كثيرا ويغمر المنطقة المحروقة كلها· لقد تصرفت بعفوية حين أسقطتني في حوض الماء بفعل تأثير لا واع للعقل الجمعي الموروث لأهلها· وامرأة عمي فاطمة السمر- هذا هو اسمها- لم تكن من أصل عربي· فقد جاء أهلها في القرن الخامس عشر من كازاخستان·
ولو كانت عربية لما استخدمت الماء ولربما انتظرت في إطفاء الحريق أحدا ينجدها باللبن الذي كان يستخدم في الحروق الخفيفة، وربما ستكون النار قد أتت على كامل قدمي وساقي قبل أن يبدأ العلاج· كثيرون هم الذين تصدر بحقهم أحكام ظالمة ولا تثبت براءتهم إلا بعد أن يكونوا قد فقدوا حياتهم· كم في الحبس من مظاليم، كما يقولون· إن إحساسي بالجميل لتلك المرأة مشوب اليوم بكثير من الحكمة، وهما، كلاهما، لم تعودا مفيدتين لها!
لا أذكر أنني لبست الصاية أو الحذاء قط، ولا حتى في الأعياد، بعد الحفلة التي استقبلت بها أول مرة لبستهما فيها· عندما خرجت خارج بوابة دارنا وجدتهم جميعا ينتظرونني وراء الجدار: أحد أعمامي، وأولاد أعمامي الكبار الذين كان الكثيرون منهم يضربونني ليس لأنهم يكرهونني بل لأنني أصغر منهم، وآخرون من أقراني جاءوا يشاركون ويسمعون· قفزوا جميعا باتجاهي بسحجة واحدة، يضحكون كعادتهم، يغنون لي كعريس يجلى·
- طلع الزين من الحمام سلم سلم يا سلام·
حمل لي تقدمهم نحوي خطرا داهما: كانوا أثناء اقترابهم ينظرون في عيني غير عابئين ما إذا كانوا سيدوسون أثناء تقدمهم على إصبعي التعيس المطل عليهم من حذائي المثقوب· أحسست بالخوف الشديد، فهربت منهم عائدا إلى بيتنا باكيا وأسارع بخلع ملابسي الجديدة تلاحقني ضحكاتهم التي لا تعبر عن فرح·
كنت أعرف عن الحرب الثانية· ولذلك لم يكن ما يقوله أخي محمد غريبا علي بل زادني أخبارا عنها· سمعت عن تلك الحرب لأول مرة عندما رأيت السيدة كاتبة تقرأ في جريدة أن طائرات الألمان تدك معسكر فايد في السويس· والسيدة كاتبة هي السيدة الوحيدة في القرية التي تستطيع أن تقرأ الجريدة، وكانت شامية من دمشق·
كانت، تلك المرة، تهز رأسها أسفا، أثناء القراءة، وتقول أن الإنكليز الملاعين أسقطوا ثلاث طائرات للألمان· شعرت بالحزن· ولكنها قالت بأنها تظن أن الإنكليز يكذبون، فأحسسنا جميعا بالاطمئنان·
سألتها إحداهن:
- ما هو معسكر فايد، هذا!!
فقالت السيدة كاتبه
- هذا معسكر للإنكليز المحتلين على قناة السويس··· والحرب بين الإنكليز تدور في السويس وفي العلمين غربي مصر
لم أنس تلك الأسماء وفيما بعد في المدرسة كنت أعرف أكثر من أقراني عن الحرب الثانية وحيفا والسويس، والعلمين·
قال أخي محمد بأن الطائرات الألمانية تساعد ثوار فلسطين ومنهم الزناتية·
بقيت حيفا رمزا لكل ما أحبه وأعشقه· امتلأت بشوارعها، وبيوتها وبحرها، ورجالها من الزناتية والزعبية وأخي· رويت لنعيم ومسلم ومنصور وأولاد عمي فيما بعد قصصا كثيرة عن حيفا، وخاصة تلك المرأة الجميلة التي فتحت لي ولأبي باب بيتها في تلك الليلة وقادتنا إلى غرفة ننام فيها· ذكرت لهم بالتفصيل صدرها الأبيض الذي كاد يتكوم على رأسي عندما مالت علي تريد تقبيلي· كان ذراعاها عاريين ينكبان من كتفها مثل الحليب، وأبطها مكشوفا ونظيفا، كانت عارية·
وجهت كلامي كله لنعيم الذي كان يعض على يده تحرقا لمزيد، فإذا أفلتت يده من فمه، أخذته موجة هستيرية من ضحك هو أشبه بالصراخ·
عندما قفلنا راجعين أمسك بيدي
***
اشترى لي أبي صاية فلسطينية صفراء لونها فاقع كالورص· الناس في حكما لا يلبسون الصايات الصفراء· يقولون أنها لباس النور فقط، فاللون المقبول والمعروف للصاية لديهم هو اللون الفضي· لذلك صارت صايتي مثار سخرية·
ومما زاد الطين بلة أن الصاية كانت قصيرة ولم يكن منظر قدمي وحذائي المثقوب مقابل الإصبع الصغرى في قدمي الأيسر جميلا أيضا· كان على أهلي أن يثقبوا كل حذاء جديد لي، وإلا التهب ذلك الإصبع اللعين الذي لازمني سنوات طويلة من حياتي· كم تمنيت لو خلقت بدونه·
كنت قد دخلت قبل أن أدرك حقيقة الأشياء حولي فرنا تحرق فيه الخبازات الزبل مساء ليكون جاهزا لإعداد الخبز صباح اليوم التالي· قيل لي فيما بعد، أنني ذهبت أبحث في الفرن عن بيض مشوي كانت أمي قد شوته هناك في الصباح للإفطار، وظننت أنه لا زال في الفرن ينتظرني· شبت النار بقدمي· فزعت على الصراخ امرأة عمي التي كانت قريبة من الفرن· انتشلتني، هلعة علي، من اللهب· كانت قدماي تحترقان أمام عينيها· لم تعرف ما ذا عليها أن تفعل· أسقطتني، في شبه غيبوبة من الفكر الفاعل، في حوض مليء بالماء·
لم يكن عليها أن تفعل· فبعض المعارف المتوارثة في القبيلة تشير إلى أن الماء يسقط الجلد المحترق على الفور ويحدث تشوهات كثيرة· أطفئت النار ولكن سقطت خلال مدة قصيرة أصابع قدمي حسب شدة الاحتراق فيهما· سقط نصف الإصبع الأصغر لقدمي اليسرى التي لفوها بعصابات· وعندما شفي الحرق تبين بأن بقايا ذلك الإصبع علقت بقدمي بزاوية قائمة· فصار بسبب تعرضه شديد الحساسية يلتهب، برأسه المدروم وجلده الرقيق، إذا مسه شيء· ولذلك دأبوا على قطع حذائي ليسمحوا لرأسه أن يطل على الهواء الطلق·
بقيت امرأة عمي تلوم نفسها كل مرة تراني لا أفرح كما يفرح الصغار بحذاء جديد· ماتت المسكينة قبل أن تعلم بأنها في تسرعها غير المألوف وإسقاطي في الماء قد أنقذتني· فقد تبين لاحقا بأن الماء هو افضل علاج لحرق الجلد الحي إذا كان الماء كثيرا ويغمر المنطقة المحروقة كلها· لقد تصرفت بعفوية حين أسقطتني في حوض الماء بفعل تأثير لا واع للعقل الجمعي الموروث لأهلها· وامرأة عمي فاطمة السمر- هذا هو اسمها- لم تكن من أصل عربي· فقد جاء أهلها في القرن الخامس عشر من كازاخستان·
ولو كانت عربية لما استخدمت الماء ولربما انتظرت في إطفاء الحريق أحدا ينجدها باللبن الذي كان يستخدم في الحروق الخفيفة، وربما ستكون النار قد أتت على كامل قدمي وساقي قبل أن يبدأ العلاج· كثيرون هم الذين تصدر بحقهم أحكام ظالمة ولا تثبت براءتهم إلا بعد أن يكونوا قد فقدوا حياتهم· كم في الحبس من مظاليم، كما يقولون· إن إحساسي بالجميل لتلك المرأة مشوب اليوم بكثير من الحكمة، وهما، كلاهما، لم تعودا مفيدتين لها!
لا أذكر أنني لبست الصاية أو الحذاء قط، ولا حتى في الأعياد، بعد الحفلة التي استقبلت بها أول مرة لبستهما فيها· عندما خرجت خارج بوابة دارنا وجدتهم جميعا ينتظرونني وراء الجدار: أحد أعمامي، وأولاد أعمامي الكبار الذين كان الكثيرون منهم يضربونني ليس لأنهم يكرهونني بل لأنني أصغر منهم، وآخرون من أقراني جاءوا يشاركون ويسمعون· قفزوا جميعا باتجاهي بسحجة واحدة، يضحكون كعادتهم، يغنون لي كعريس يجلى·
- طلع الزين من الحمام سلم سلم يا سلام·
حمل لي تقدمهم نحوي خطرا داهما: كانوا أثناء اقترابهم ينظرون في عيني غير عابئين ما إذا كانوا سيدوسون أثناء تقدمهم على إصبعي التعيس المطل عليهم من حذائي المثقوب· أحسست بالخوف الشديد، فهربت منهم عائدا إلى بيتنا باكيا وأسارع بخلع ملابسي الجديدة تلاحقني ضحكاتهم التي لا تعبر عن فرح·
صفحة 10
لا أذكر أنني رأيت واحدا منهم باستثناء أبي يضحك بفرح· فإذا فعل فإنهم جميعا يهرعون إلى حيث يجلس ليستمعوا للقصة التي أضحكته· وكانت في الغالب قصة تروى· كان من الذين عرفوا بشدة الأمانة والإيمان بالله وبالقدر، وبالقدرة على الغضب، والرضا· لقد جنده الأتراك في حربين قبل الحرب العالمية الأولى· أسر، في الأولى، في اليونان· ولما أطلق سراحه عاد ليجد أخاه الأكبر وقد قبض عليه الأتراك وكانوا على وشك تسفيره فتبرع بافتدائه· فسافر سفر برلك للمرة الثانية· ولم يعد إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى·
عندما عاد من سفره، ذات مساء، وجد الناس يحتفلون بزواج أخيه الأصغر· فزوجوه في تلك الليلة أخت العروس· كان أخي محمد أخا غير شقيق اعتنت به أمي فيما بعد وأحبته فكان لنا ذلك الذي وصفت·
استمع أبي لي ذات يوم أروي قصصا لأولاد عمي عن رحلة حيفا· يبدو أنها أعجبته كثيرا· سمعته يقول لأمي في الليل بينما كنت متمددا في الفراش لم أغف بعد:
- هذا الولد إما أنه كذاب، أو أنني لا أرى حولي·
- كيف؟
سألته أمي· قال:
- سمعته اليوم يحكي للأولاد عن سفرنا إلى حيفا عن أشياء لم أرها، على الرغم من أنه لم يفارقني لحظة واحدة إلا وقت صلاة الجمعة حينما تركته في دكان محمد وقتا قليلا· يتحدث عن أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة واليهودي الذي كان يبكي، بينما سيف زيدان شيخ الشباب يلوح بسيفه فوق الرؤوس واليهود ينبطحون أرضا خوفا علي رؤوسهم من أن تنقطع· وأشياء أخرى كثيرة كنت أضحك وأنا استمع لها· وصف رأس محمد الآغا، أبو ردن الذي رأيناه عند فالح الزعبي، بأنه يشبه القرعة ضيق من أعلا منتفخ عند الخدين ومدور عند الذقن· وقال أنه عندما يضحك يسمع صوته يعود إلى كرشه فيبقبق من هناك·
- طالع لخاله، لمين لعاد!!
- أرسله للخطيب، بكره·
كان أبي قد أعد منذ الصباح الباكر، وقبل أن أتذكر ما كان من حديث الأمس، اللوح الذي سوف أتعلم عليه الخط· وهو قطعة من التنك منزوعة من صفيحة بنزين كان الإنكليز قد تركوا منها الكثير في حكما حين حفروا في كل السهول خنادق، وبنوا قلاعا من الأسمنت والحديد ذات فجوات مغطاة بشبك حديد من الخارج قيل أنها استحكامات عسكرية لمقاتلة الألمان عندما يصلون· وقد تحولت الاستحكامات فيما بعد لمخابئ لنا نلعب فيها لعبة تخبأ أدور عليك·؛ كما تحولت الخنادق في الشتاءات التالية إلى بحيرات· ولم يستطع أبي أن يحرث من الخندق الذي كان في أرضنا سوى سفوحه المائلة· أما الجوانب العمودية فكانت مبينة من الحجر·
أما أمي فقد أعدت لي دواة حبر من صخام الدخان العالق في أسفل أواني الطبخ عندنا· كانت تمسحه بخرقة مبللة وتعصره في قنينة زجاج، حتى إذا امتلأت حتى منتصفها وضعت الخرقة في قاعها· وقد برى لي أبي قلما من القصيب· وقال لي: الخطيب سوف يعلمك الكتابة بها ·
سلمني أبي للشيخ أحمد الزقط· وعاد أدراجه· لم أبك كما كان يفعل الأولاد الآخرون· لم أفعل شيئا ذلك النهار· ولكنني عندما عدت للبيت كانت الدنيا قد تغيرت كثيرا· لم يكن أبي في البيت، وكان العسكر قد ملئوا المضافة·
حدث ذلك النهار حدثان كبيران في القرية: فقد خطفت رحيلة· خطفها عمير؛ وسرقت فرسنا الشقراء وقالوا أنهم رأوا شخصا غريبا يركبها ويهرب بها·
كانت الشقرا فرسا عربية أصيلة، تتميز بلونها الذهبي الأخاذ، محجلة عند الكعبين في قوائمها الأربع بحلقات بيضاء ناصعة البياض، كما أنها تحمل معينا من نفس اللون في جبينها· وهي فرس سبوق مشهود لها·
وقد أحبها الجميع· عرفت الشقرا ذلك، وتصرفت بناء على تلك المعرفة· كانت شريفة ابنة عمي إبراهيم تحبها وتلح دائما في ركوبها· وتبكي إذا لم يستجب لها أحد· تأكدت أن الفرس غضبت كل مرة بكت فيها شريفة· فقد رأيتها تحدق النظر باتجاه مصدر البكاء عندما يبدأ، فتهز رأسها بعصبية كما لو أنها تبعد الذباب عن عينيها، وتشخر، ولا تعود لمتابعة أكلها إلا بعد أن تهدأ الأمور· لذلك قررت حل المشكلة بطريقتها الخاصة·
فإذا ما خلت الدار من سكانها تبدأ الشقرا مشروعها لإرضاء شريفة· فكانت تدفعها برأسها بينما شريفة تضحك وكأنها تعلم ما تريد الفرس منها، فتسيران سوية إلى نقطة بعينها على البيدر، حيث السنسلة الحجرية التي تفصل بيدرنا عن بيدر دار فواز
في هذه النقطة بالذات لا ترتفع السلسلة عن بيدرنا إلا بحجر أو حجرين يشكلان قمة السلسة، ويمكن لأي طفل أن يتسلق عليها· أما من الجهة الأخرى فالسلسلة تشبه جدارا استناديا حيث تنخفض الأرض، فإذا وقفت الشقرا حذاء الجدار، يكون ظهرها بنفس المستوى الذي تقف عليه شريفة· وبعد أن تتأكد الفرس أن صاحبتها تقف حيث يجب أن تقف تسرع هي لتدور حول البيدر وتقف ملاصقة للجدار على الجهة المقابلة، وتهدأ هناك تاركة لشريفة أن تتسلق الحاجز المنخفض وتنتقل إلى ظهر صاحبتها بأمان· ثم تنطلقان: شريفة تصرخ من الفرح وتحيطها بذراعيها الصغيرين قريبا من ناصيتها، والشقرا تتهادى بخيلاء· لقد رأى كثير من الناس هذا المنظر وقال بعضهم أنهم رأوا الشقرا تستجيب للكزات أقدام شريفة فتركض دون أن يهتز ظهرها أو تعرض راكبتها للخطر·
فإذا فرغتا من رحلتهما، أو تنبه عمي لما يحدث فنادى بأعلى صوته على الفرس لتعود، تعودان إلى حيث يقف عمي أو أي رجل أو امرأة فتقف بجانبها تشخر وتهز رأسها فرحا حتى تنزل شريفه· وإذا لم يكن هناك من يساعد، فإنهما تعودان إلى حيث انطلقتا فتنتقل شريفة إلى السلسلة ثم تنتظر بعد زن تنزل منها إلى البيدر،حتى تصلها الشقراء فتعودان كما جاءتا·
عرف الناس قصة الشقراء وشريفة وتناقلوها، وعرفوا خصائص هذه الفرس النبيلة، فللشقرا قصص كثيرة مشابهة جعلتها واحدة من الخيول التي تشترك مع البشر في كثير من صفاتهم الطيبة: الذكاء والوفاء والجمال والرشاقة· وكثيرا ما فكرت لاحقا أن العلاقة بين الشقرا والناس علاقة أنبل بكثير مما بين الناس أنفسهم، فهي علاقة حب خالص من كل غرض سوى متعة الصداقة· لا أذكر أن الشقرا ماتت، ولكنها اختفت ذات يوم ولم يعد أحد يذكرها أو يذكِّر بها·
سارع الناس، كما كان العرف في ذلك الزمان، إلى الدخول في علاقات نسب خيل مع أعمامي· أي أنهم كانوا يشترون مهرها أو مهرتها قبل أن تولد· فإن كانت ذكرا، يكون الشاري قد دفع الثمن المتفق عليه وتنتهي القصة؛ وإن كانت مهرة فإن الثمن يكون للمهرة، ولكل أولادها ما عدا الأول الذي يعود لأعمامي يتصرفون به· لقد قيل أن لنا نسبا في الخيل وصل حتى مدينة الخليل في فلسطين، كما بيعت أمهار لها في عدد من قرى شمال الأردن·
لم يكن اختفاء الشقراء ذلك النهار حدثا عاديا· بعضهم قال أنها اختفت لأمر يخصها، وأنها ستعود إلى أهلها؛ وبعضهم اعتقد أنها سرقت، وأنها لن تعود·
قرر أعمامي أن الفرس سرقت، وأنهم سيبحثون عنها ويعيدونها· ضربت القرعة· وقع نصيب أبي في أن يتجه للغرب نحو فلسطين· قال لأمي كما سمعت لاحقا، سوف أصل للبحر حتى أجدها إن كان سارقها قد ذهب في ذلك الاتجاه·
غادر قبل أن أعود للبيت· سمعت بما جرى فاستغربت· إذا كانت الشقراء قد ضاعت، فإنها ستعود وحدها· وقد فعلت ذلك من قبل· هي تعرف الطريق إلى بيتها· أما إذا سرقها حرامي، فكيف يمكن لأبي أن يبحث عنها في كل البلاد إلى الغرب؟ هناك آلاف الطرق وليس بالإمكان أن يكون أبي فيها كلها في الوقت نفسه· من المؤكد أنه سيضيع أو يتعب ولن يعود قريبا· أو أنه سيعود بدونها· كيف لخمسة رجال يمكن أن يجلسوا في بيت واحد، أن يبحثوا عن فرس في هذا العالم؟
لم يجبني أحد على تساؤلاتي· لم يكن لأحد الوقت ليفعل ذلك· الكل مشغول بالحدث الثاني· عمي إبراهيم يعتني بالضيوف من الفرسان الذين ملأوا المضافة، بينما انصرفت أمي مع نساء أعمامي لإعداد الطعام·
ظن الناس أول الأمر أن فرسان الشرطة جاءوا بكبسة وهم غالبا ما يطلبون، إذا جاءوا لهذه الغاية، نوع الأكل الذي يريدون إذا رأوا من معازيبهم ترددا أو ميلا للبخل· ولكنهم اليوم جاءوا لأمر آخر لا علاقة لنا به· فقد خطفت رحيلة في منتصف الليلة الفائتة، فأسرع طليبها سلامه يخبر الحكومة، فجاء هؤلاء إلى مضافتنا يجرون وراءهم والد الخاطف·
عندما عاد من سفره، ذات مساء، وجد الناس يحتفلون بزواج أخيه الأصغر· فزوجوه في تلك الليلة أخت العروس· كان أخي محمد أخا غير شقيق اعتنت به أمي فيما بعد وأحبته فكان لنا ذلك الذي وصفت·
استمع أبي لي ذات يوم أروي قصصا لأولاد عمي عن رحلة حيفا· يبدو أنها أعجبته كثيرا· سمعته يقول لأمي في الليل بينما كنت متمددا في الفراش لم أغف بعد:
- هذا الولد إما أنه كذاب، أو أنني لا أرى حولي·
- كيف؟
سألته أمي· قال:
- سمعته اليوم يحكي للأولاد عن سفرنا إلى حيفا عن أشياء لم أرها، على الرغم من أنه لم يفارقني لحظة واحدة إلا وقت صلاة الجمعة حينما تركته في دكان محمد وقتا قليلا· يتحدث عن أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة واليهودي الذي كان يبكي، بينما سيف زيدان شيخ الشباب يلوح بسيفه فوق الرؤوس واليهود ينبطحون أرضا خوفا علي رؤوسهم من أن تنقطع· وأشياء أخرى كثيرة كنت أضحك وأنا استمع لها· وصف رأس محمد الآغا، أبو ردن الذي رأيناه عند فالح الزعبي، بأنه يشبه القرعة ضيق من أعلا منتفخ عند الخدين ومدور عند الذقن· وقال أنه عندما يضحك يسمع صوته يعود إلى كرشه فيبقبق من هناك·
- طالع لخاله، لمين لعاد!!
- أرسله للخطيب، بكره·
كان أبي قد أعد منذ الصباح الباكر، وقبل أن أتذكر ما كان من حديث الأمس، اللوح الذي سوف أتعلم عليه الخط· وهو قطعة من التنك منزوعة من صفيحة بنزين كان الإنكليز قد تركوا منها الكثير في حكما حين حفروا في كل السهول خنادق، وبنوا قلاعا من الأسمنت والحديد ذات فجوات مغطاة بشبك حديد من الخارج قيل أنها استحكامات عسكرية لمقاتلة الألمان عندما يصلون· وقد تحولت الاستحكامات فيما بعد لمخابئ لنا نلعب فيها لعبة تخبأ أدور عليك·؛ كما تحولت الخنادق في الشتاءات التالية إلى بحيرات· ولم يستطع أبي أن يحرث من الخندق الذي كان في أرضنا سوى سفوحه المائلة· أما الجوانب العمودية فكانت مبينة من الحجر·
أما أمي فقد أعدت لي دواة حبر من صخام الدخان العالق في أسفل أواني الطبخ عندنا· كانت تمسحه بخرقة مبللة وتعصره في قنينة زجاج، حتى إذا امتلأت حتى منتصفها وضعت الخرقة في قاعها· وقد برى لي أبي قلما من القصيب· وقال لي: الخطيب سوف يعلمك الكتابة بها ·
سلمني أبي للشيخ أحمد الزقط· وعاد أدراجه· لم أبك كما كان يفعل الأولاد الآخرون· لم أفعل شيئا ذلك النهار· ولكنني عندما عدت للبيت كانت الدنيا قد تغيرت كثيرا· لم يكن أبي في البيت، وكان العسكر قد ملئوا المضافة·
حدث ذلك النهار حدثان كبيران في القرية: فقد خطفت رحيلة· خطفها عمير؛ وسرقت فرسنا الشقراء وقالوا أنهم رأوا شخصا غريبا يركبها ويهرب بها·
كانت الشقرا فرسا عربية أصيلة، تتميز بلونها الذهبي الأخاذ، محجلة عند الكعبين في قوائمها الأربع بحلقات بيضاء ناصعة البياض، كما أنها تحمل معينا من نفس اللون في جبينها· وهي فرس سبوق مشهود لها·
وقد أحبها الجميع· عرفت الشقرا ذلك، وتصرفت بناء على تلك المعرفة· كانت شريفة ابنة عمي إبراهيم تحبها وتلح دائما في ركوبها· وتبكي إذا لم يستجب لها أحد· تأكدت أن الفرس غضبت كل مرة بكت فيها شريفة· فقد رأيتها تحدق النظر باتجاه مصدر البكاء عندما يبدأ، فتهز رأسها بعصبية كما لو أنها تبعد الذباب عن عينيها، وتشخر، ولا تعود لمتابعة أكلها إلا بعد أن تهدأ الأمور· لذلك قررت حل المشكلة بطريقتها الخاصة·
فإذا ما خلت الدار من سكانها تبدأ الشقرا مشروعها لإرضاء شريفة· فكانت تدفعها برأسها بينما شريفة تضحك وكأنها تعلم ما تريد الفرس منها، فتسيران سوية إلى نقطة بعينها على البيدر، حيث السنسلة الحجرية التي تفصل بيدرنا عن بيدر دار فواز
في هذه النقطة بالذات لا ترتفع السلسلة عن بيدرنا إلا بحجر أو حجرين يشكلان قمة السلسة، ويمكن لأي طفل أن يتسلق عليها· أما من الجهة الأخرى فالسلسلة تشبه جدارا استناديا حيث تنخفض الأرض، فإذا وقفت الشقرا حذاء الجدار، يكون ظهرها بنفس المستوى الذي تقف عليه شريفة· وبعد أن تتأكد الفرس أن صاحبتها تقف حيث يجب أن تقف تسرع هي لتدور حول البيدر وتقف ملاصقة للجدار على الجهة المقابلة، وتهدأ هناك تاركة لشريفة أن تتسلق الحاجز المنخفض وتنتقل إلى ظهر صاحبتها بأمان· ثم تنطلقان: شريفة تصرخ من الفرح وتحيطها بذراعيها الصغيرين قريبا من ناصيتها، والشقرا تتهادى بخيلاء· لقد رأى كثير من الناس هذا المنظر وقال بعضهم أنهم رأوا الشقرا تستجيب للكزات أقدام شريفة فتركض دون أن يهتز ظهرها أو تعرض راكبتها للخطر·
فإذا فرغتا من رحلتهما، أو تنبه عمي لما يحدث فنادى بأعلى صوته على الفرس لتعود، تعودان إلى حيث يقف عمي أو أي رجل أو امرأة فتقف بجانبها تشخر وتهز رأسها فرحا حتى تنزل شريفه· وإذا لم يكن هناك من يساعد، فإنهما تعودان إلى حيث انطلقتا فتنتقل شريفة إلى السلسلة ثم تنتظر بعد زن تنزل منها إلى البيدر،حتى تصلها الشقراء فتعودان كما جاءتا·
عرف الناس قصة الشقراء وشريفة وتناقلوها، وعرفوا خصائص هذه الفرس النبيلة، فللشقرا قصص كثيرة مشابهة جعلتها واحدة من الخيول التي تشترك مع البشر في كثير من صفاتهم الطيبة: الذكاء والوفاء والجمال والرشاقة· وكثيرا ما فكرت لاحقا أن العلاقة بين الشقرا والناس علاقة أنبل بكثير مما بين الناس أنفسهم، فهي علاقة حب خالص من كل غرض سوى متعة الصداقة· لا أذكر أن الشقرا ماتت، ولكنها اختفت ذات يوم ولم يعد أحد يذكرها أو يذكِّر بها·
سارع الناس، كما كان العرف في ذلك الزمان، إلى الدخول في علاقات نسب خيل مع أعمامي· أي أنهم كانوا يشترون مهرها أو مهرتها قبل أن تولد· فإن كانت ذكرا، يكون الشاري قد دفع الثمن المتفق عليه وتنتهي القصة؛ وإن كانت مهرة فإن الثمن يكون للمهرة، ولكل أولادها ما عدا الأول الذي يعود لأعمامي يتصرفون به· لقد قيل أن لنا نسبا في الخيل وصل حتى مدينة الخليل في فلسطين، كما بيعت أمهار لها في عدد من قرى شمال الأردن·
لم يكن اختفاء الشقراء ذلك النهار حدثا عاديا· بعضهم قال أنها اختفت لأمر يخصها، وأنها ستعود إلى أهلها؛ وبعضهم اعتقد أنها سرقت، وأنها لن تعود·
قرر أعمامي أن الفرس سرقت، وأنهم سيبحثون عنها ويعيدونها· ضربت القرعة· وقع نصيب أبي في أن يتجه للغرب نحو فلسطين· قال لأمي كما سمعت لاحقا، سوف أصل للبحر حتى أجدها إن كان سارقها قد ذهب في ذلك الاتجاه·
غادر قبل أن أعود للبيت· سمعت بما جرى فاستغربت· إذا كانت الشقراء قد ضاعت، فإنها ستعود وحدها· وقد فعلت ذلك من قبل· هي تعرف الطريق إلى بيتها· أما إذا سرقها حرامي، فكيف يمكن لأبي أن يبحث عنها في كل البلاد إلى الغرب؟ هناك آلاف الطرق وليس بالإمكان أن يكون أبي فيها كلها في الوقت نفسه· من المؤكد أنه سيضيع أو يتعب ولن يعود قريبا· أو أنه سيعود بدونها· كيف لخمسة رجال يمكن أن يجلسوا في بيت واحد، أن يبحثوا عن فرس في هذا العالم؟
لم يجبني أحد على تساؤلاتي· لم يكن لأحد الوقت ليفعل ذلك· الكل مشغول بالحدث الثاني· عمي إبراهيم يعتني بالضيوف من الفرسان الذين ملأوا المضافة، بينما انصرفت أمي مع نساء أعمامي لإعداد الطعام·
ظن الناس أول الأمر أن فرسان الشرطة جاءوا بكبسة وهم غالبا ما يطلبون، إذا جاءوا لهذه الغاية، نوع الأكل الذي يريدون إذا رأوا من معازيبهم ترددا أو ميلا للبخل· ولكنهم اليوم جاءوا لأمر آخر لا علاقة لنا به· فقد خطفت رحيلة في منتصف الليلة الفائتة، فأسرع طليبها سلامه يخبر الحكومة، فجاء هؤلاء إلى مضافتنا يجرون وراءهم والد الخاطف·