eKtab
EN ع
مدن وحقائب
اقرأ عينة مجانية

مدن وحقائب

بقلم سعدي المالح

صفحة 1

فتاة على كرة

مع أن الفكرة التي أقدم على تنفيذها بدت له، منذ أن ومضت بذهنه، تافهة ومضحكة إلى حد ما، إلاّ أنه حاول أن لا يفكر بشيء، أو كما قال لنفسه بتهكم، أن يقفل مكتب تفكيره ويمنح عقله إجازة قصيرة، ويرسل به إلى دار استراحة، هنالك حيث الماء والخضرة والطبيعة الغناء، أملاً في أن يمنحه هذا فرصة لغربلة أفكاره وتصفية ذهنه، حتى يستقر على رأي ما، ويتّخذ قراره النهائي، أو ربما تخفف عنه، هذه الإجازة، وطأة المعاناة وأرق الليالي الطويلة، أو لعله أراد بذلك التهرب من حشد هائل من الأسئلة الملحاحة التي كانت تطرق رأسه طرقاً عاصفاً.

لكنه عندما ارتقى درج فوهة الميترو المفتوحة كفم الحوت وسط بحر الناس، والتقت عيناه بالطابور الطويل الملتف حول سياح حديقة المتحف كالحبل، تصنّع الجد، واعتبر نفسه واحداً من هؤلاء الناس المتجمهرين بوقار بغية ارواء نفوسهم العطشى بمشاهدة تحف الفن التشكيلي العالمي، والواهبين لذلك بسخاء يوم عطلتهم الأسبوعية، بل وتجرأ أن يردد مع نفسه "تروم العز ثم تنام! يغوص البحر من طلب اللآلئ" ولصق نفسه بذيل الطابور ينتظر.

يتنقل الآن من أمام لوحة إلى أخرى، مقترباً، مبتعداً، ممعناً النظر في ألوانها، متأملاً مواضيعها وبريق شعور غامض يلوح له من بعيد، من هناك، من مكان غير منظور في أعماقه، يوحي له أنه يتصنّع الجدية، بل ويفتعل الهروب من ذاته، حاول أن يغمض عينيه عنه، إلاّ أن البريق هذا كان يقترب ويقترب ويوقد في داخله شرارة يعجز نفسه عن أن يجد تفسيراً لها. وفجأة أحسّ أن لساناً أزرق رفيعاً من النار يندلع من تلك الشرارة، فعمد إذ ذاك إلى إطفاء اللهيب المتراقص في داخله بابتسامة وقورة، أطلق عليها في ذات نفسه ابتسامة اليقين ورسم مثل هذه الابتسامة على شفتيه، أكثر من مرة حتى كاد هذا اليقين يدفعه إلى أن يخرج من حقيبته الجلدية المعلقة من كتفه ورقة وقلماً ويسجل ملاحظاته، مثلما كانت تفعل فتاة شقراء، ممتلئة من غير سمنة، رآها مشدوهة إلى إحدى اللوحات، غير أنه ضحك في سرّه من نفسه ولم يقتنع بمثل هذه الفكرة. ماذا يسجل؟ إنه يكاد لا يعرف شيئاً عن الفن التشكيلي، ولا أحس بحاجة إلى ذلك يوماً، لا سيما أن هذه هي المرة الثانية التي يدخل فيها متحفاً في حياته: كانت المرة الأولى قبل ثلاث سنوات عندما قادته لوبا، بل أرغمته على زيارة متحف مماثل، كان ذلك في الأيام الأولى لتعارفهما. لم تسمح له عواطفه أن يخدش قلبها الرقيق، فوافق على مضض وذهب، لكنه عاد خجلاً من نفسه لأنه أحس بوجوده هناك مثل الأطرش في الزفة، كما يقال، وضحكت لوبا منه بمرح بريء، أمّا الآن فقد جاء بقناعة أخرى لا من أجل عيني لوبا بل بملء إرادته. "أن تعيش خارج وطنك، فإنك تتأقلم، شئت أم أبيت، بحدود معينة، مع الجو الذي تعيش فيه، وإلاّ فالغربة قاتلة، وأنت مهجور، وحيد، لا صديق لك" أمّا في الوطن فالأمر يختلف تماماً، ربما، لما خطر بباله يوماً، وهو في وضع نفسي مبهم، مترجرج، أن يزور معرضاً للصور. في الأصل، لم يشاهد أي شيء يمكن أن يسميه فناً تشكيلياً بالمعنى الصحيح، لا متحف، لا معرض، حتى دروس مادة الرسم في المدرسة كانت تشغل غالبيتها بتدريس مواد أخرى تأخر معلموها في إكمال المنهج المقرر، وإذا تكرم أحد المعلمين وطلب من التلاميذ أن يرسموا شيئا ما، فيكون منظراً طبيعياً: جبال وأشجار وساقية يسبح فيها البط! ويلوّن البعض الجبال بالأزرق والأشجار بالأحمر والساقية والسماء بالأخضر أو الأصفر!

صفحة 2

- اللعنة!

غرق في ضحك متواصل، وضع باطن يده اليمنى على فمه، وحاول أن يختلي بنفسه، ماذا لو رآه الناس يضحك مع نفسه؟ إذا لم يصموه بالخبل، يقولون أنه في طريقه إليه بالتأكيد. لكن كم من مرة كان يتكرّر عرض بعض اللوحات الرديئة لمعلميه في المعرض السنوي لمدارس المحافظة وبأسماء التلاميذّ وأية وجوه مشوّهة، مطلية بألوان برّاقة، غير متناسقة، كانت تتراص أمام دكان ذلك الرسام غير الموهوب في مدينتهّ كلما مرّ من أمامه وشاهد هؤلاء الناس بسحنتهم الشاحبة، وقسمات وجوههم المشوّهة، التي لعبت بها ريشة الرسام الفاشل، كان يخال له أنه هو الآخر ليس إلاّ وجهاً من تلك الوجوه، فيتقزز ويتوجّس كلما نظر إلى سحنته في المرآة...

- اللعنة.

قالها ثانية وحاول أن يضبط نفسه، غير أنه ما أن رأى المرأة العجوز، ناظرة القاعة، تتابعه بنظراتها، حتى احمرت خدّاه خجلاً، وتسلّل إلى قاعة أخرى.

وقف أمام مجموعة من اللوحات متصنّعاً جدية تامة، كانت اللوحات قد خطّتها ريشة فنان مبدع، فشدّته إليها. قال يحدّث نفسه: "إنها تتكلّم" وأحسّ أنها تخاطبه بلغة ذات رنّة عذبة، لا يفهم مفرداتها، قال أيضاً وكأنه يخاطب اللوحات: "يا للأسف والخجل... إنني لا أفهم هذه اللغة" ثم خاطب نفسه: "لو كان أبطال هذه اللوحات من الصمّ والبكم لتفاهمت معهم عن طريق الإشارات!" وجلس على مصطبة وسط القاعة مثبط الهمة يمسك رأسه بيديه: لغة الفن هي أصعب من أية لغة. ولكي تتعلمها ينبغي أن تتآلف مع اللوحة منذ نعومة أظافرك، مثل هذا الطفل الذي تقوده والدته، وتشرح له كل شيء، وإلاّ لخفيت عليك أسرار كثيرة... ما أصعب أن يرمى اللغز أمامك لتعالجه فتعجز، تنظر إليه كأعمى، تشعر بغصة في قلبك وتسكت، مثلما كانت أمي تقلب صفحات كتبنا المدرسية وتتحسّر!..

ذات مرة كان غائصاً في الهموم، منحرف المزاج، قالت له زميلته في الدراسة: "اذهب إلى متحف أو معرض سيستقيم مزاجك وتنسى همومك، إنني كلّما شعرت بالضيق دخلت متحفاً تشكيلياً وشاهدت من جديد لوحاتي المفضلة وخرجت منه بمزاج آخر تماماً." لم يأخذ كلامها على محمل من الجد، قال وهو يضحك في سرّه: هذا المزاج لا يقومه معرض. وترك اقتراحها تلعب به ريح موسكو الباردة.. لمّا عاد في ذلك المساء إلى البيت كان يحمل معه زجاجة فودكا فعالج مزاجه بها. أمّا اليوم، وبعد مضي ثلاث سنوات، هو ذا ينفذ، ومن حيث لا يدري، ذلك الاقتراح.. ما أغرب طبائع الإنسان!

ضمته والدته بين ذراعيها وطبعت على خديه الأسمرين قبلتين حنونتين تسيحان دمعاً سخياً، كان دفء حضنها يخدّره ويجعله يستسلم لعواطفه، في لحظات الوداع الأخيرة، بينما لا مندوحة له من السفر، فانتزع نفسه من حضنها بتؤدة:

- ستمضي السنوات مثل الحلم وسأرجع.

- ارجع.. ارجع.. ولأرك قبل أن أموت ياولدي.

- سأرجع بالتأكيد.

- ولا تتزوج يابنيّ.. سنجد لك عروساً حين عودتك.

- ولا أتزوج.

- لا تقطع عنّا الرسائل ولا تنسنا.

- ولن أنساكم.

صفحة 3

كان بإجابته السريعة، المقتضبة هذه، يطمئن والدته، رغم ما تعتمل في صدره من انعكاسات مؤلمة، إلاّ أنه في قرارة نفسه، في تلك الأعماق، التي لا قرار لها، كان يقرّها ويردّدها بقناعة تامة، وكان مطمئناً من قناعته إلى حد لم ير ثمة حاجة، فيما بعد، لأن يستذكر تلك المشاهد، أو يكرّرها. مثلما لم تكن ثمة حاجة، البتة، لإطلاق أية تسمية على ابتسامته الثابتة، كما لم يشعر برغبة ملحّة في استعادة أي ملمح من ماضيه القريب حتى بعد انقضاء ثلاث سنوات من وجوده خارج الوطن، لأنه كان يعيش في يقين لا تزعزعه قوة. وها هو هذا اليقين الراسخ المتجذر في أعماقه تزعزعه اليوم رجة هائلة القوة، تضعه على المحكن يحسّ أن جذوره تمتد في جوف قلبين شتّان بينهما، ويرى نفسه مزروعاً بين حقليهما ولا يعرف على أي منهما يورف ظلاله ويستكين. إنّه اليوم لم يعد يتذكر أمه، اخوته، أطفال قريته وتلك السمراء الطويلة ذات الجدائل السود المتراقصة وراءها، الحالمة بعودة فارسها، والتي احتلت لوبا مكانها في قلبه. يتذكر كل شيء ويفكر بجدية، على الرغم من تهرّبه من كل أنواع التفكير واحتمائه بهذه اللوحات.

لكن هذه اللوحات التي تتراءى له كاللغز أحياناً، تتبسّط أمامه، أحياناً أخرى، كالسهل الفسيح، فتزيد طين حياته بلّة، وتشعشع روحه. فتح عينية على سعتهما: بحرٌ مجنون هائج، عكر، مزبد تتلاطم فيه تلال من الأمواج المفترسة، وهي لا تكلّ من مهاجمة سفينة تائهة في عرضه، بينما تجثم فوقه غيوم لونها ضارب إلى لون النار المدخنة، تشتعل بالحقد والغضب. أحسّ بقلق غامض، "لا أحد قادر على تهدئة البحر إن لم يهدأ بنفسه..." وابتعد عن اللوحة خطوتين: "وهذا السيل العارم، المتدفق، المهاجم، من الأمواج، لم لا يخضع لقيد أو شرط؟" وظل يبحلق بعينين جاحظتين في اللوحة. كان البحر صاخباً يهدر، مياهه تغلي كما في مرجل. الأمواج الغاضبة المزبدة تثور، يرتفع هديرها عالياً يكاد يصمّ أذنيه، فكّر أن يسدّ أذنيه بسبابتيه، لكنه نسي أن يفعل ذلك. تقدّم من اللوحة خطوة وبعفوية تامة، مكث واقفاً أمامها، محدّقاً فيها، أمّا اللوحة، بالرغم من وجودها معلّقة على الحائط أمامه، ببحرها ومياهها وثورتها بدأت تتلاشى من أمام ناظريه، وتتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مادة هلامية تذوب في المياه الحارة، المغلية، ويظهر مكانها شيئا فشيئا شبح ما. لمّا بدأ الشبح يقترب، باتت ملامحه تتضح أكثر فاكثر، دقق النظر فيه، كان يشبهه تماماً إلى درجة ظن فيها أنه يرى نفسه واقفاً أمام المرآة. تجمّد في مكانه مصعوقاً:

- يا لهول الرجة!

أجابه الشبح:

- لا تخف إنها رجة ضرورية وإن هي ليست إلاّ قصاصاً على لا مبالاة سنوات كاملة.

وقال يحدث نفسه:

- لكن...

لكن صوت الشبح المتناهي إليه من بين صخب البحر وضجيجه كان أقوى:

- لماذا تتهرب من نفسك؟ لا شيء يمنعك أن تحب امرأة وأن تحب وطنك في آن واحد، وليس ثمة مسألة أكثر طبيعية من هذا، بل قد يكون أحد الأمرين مكملاً للآخر، فمن لا يستطيع أن يهب نفسه لامرأة واحدة لا يستطيع أن يهبها لوطنه بكل ما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد، وليس ثمّة إلا خيط واحد يربط كل هذه الموجودات بعضها ببعض. أمّا أنت، فإنك تواجه المسألة هذه وهي قد صيّغت بقالب آخر يجعلك تقف وسط الخيط: في إحدى طرفيه الوطن، وفي الآخر المرأة. حسناً، أترك الخيط. إنّك الآن تقف على تخوم الوطن، قدم في داخله، وقدم في خارجه، ولكي تخطو خطوة ليس عليك أن تغربل أفكارك جيداً فحسب، بل أن تنخلها.

امتقع وجهه. خيل إليه أنه يصيح بذعر شديد:

- لا... لا... لن أنخلها.. سأجد نفسي اثنين حتماً: واحد في النخالة وواحد في الصفوة!

- لا حول لك.. ثمة عالمان، شئت أم أبيت، عالم كبير، كبير جداً، يضم كل شيء إلاّ إياك، وعالم ثان صغير، صغير جداً، ورغم صغره تجد فيه مسكناً دائماً.. هل توقعت يوماً أنك ستعثر على مثل هذا المسكن وستقدح في قلبك، من حيث لا تدري، شرارة الحب، وبهذه القوة والعنف!؟ التقيت نساء كثيرات: شقراوات، سمراوات، سوداوات، وعاشرت معظمهن، ولم يخطر في بالك أن تقع في حب واحدة، أمّا هذه الفتاة فقد خلبت لبّك منذ اللحظة الأولى وامتلكت حواسك وأنت لا تدري لماذا تحبها، وماذا يعجبك فيها! هل هو شعرها الأشهب الغامق بلون العسل الجبلي، المعقود كذيل الحصان مرة، والمسترسل على الضفيرتين كعرفه مرة أخرى، أم ابتسامتها العريضة الدافئة، المرسومة على شفتين منقلبتين، أم عيناها البنيتان الفحميتان المستقرتان تحت جبهة عريضة بارزة.. أم هدوءها المعهود وسكونها الأخاذ أم.. أم.. لا تدري للآن.

غمغم بصوت خافت لكنه واثق من نفسه:

- وليس مهماً أن أدري.

صفحة 4

- أجل.. المهم أنك تحبها. يستحيل عليك العيش من دونها، فهي ضرورية كالماء والهواء، رغم كل مواقفها والطريقة التي تحبك بها. لهذا بالذات صرت تفكر أن الحب نعمة وبلاء في آن واحد: نعمة لأنك تعيش في عالم ترى فيه ما لم تكن تراه سابقاً، وتستفيق في ذاتك مشاعر خامدة، مكبوتة، تندفع مجتاحة كل شيء، وبلاء لأنك لا تعرف ماذا تعمل وأي طريق تختار: أنت مغترب إجباري، يتحتم عليك العودة، وإن الفتاة التي تحبها من بيئة أخرى، ترفض أن تغيرها، حتى لو غيرتها قد تنسجم معك اليوم ولا تنسجم معك غداً!

إذن أنت تعيش بين سهيل والسهى، ولا حياة بدونهما، لكن أنّى يلتقي النجمان.. بدون الوطن أنت لا شيء، ولا وجود لك أينما عشت، وبدون لوبا أنت هائم، غريب مع نفسك حتى لو كنت في الوطن، لأن لوبا أصبحت، ولسنوات الدراسة هذه، نبع حنان تستحم فيه كل يوم، وقد تعلقت بها مثل تعلّق الطفل بأمه، ولعلها تعلقت بك، هي الأخرى، إلى حد ما أيضاً. لكنك تسأل نفسك: لو رحلت هل ستنتظرني؟ كلا.. كلا.. تنتظر سنة.. سنتين.. ثلاثاً في أقصى الحالات، ثم تملّ وتتزوج. ينتظرك ويضحي من أجلك من يشعر بقضيتك ويتألم لها، أمّا لوبا فلا تحسّ بقضيتك، لا تتألم لها، لأن الألم تجربة فردية لا يحسّ به إلاّ من يعانيه، فكيف تضحي لوبا من أجل شيء ليست تتألم من أجله ولا تؤمن به؟ وترجع لتقول مع نفسك: إنها حياة المدينة، والتكنولوجيا المعاصرة، الحياة العملية التي لا مجال فيها، لمثل هذه المشاعر، الحياة التي يضيع في تشعباتها وتعقيداتها إحساس الفرد بالقضية الكبرى وتجعله يركض وراء صغائر الأمور، مع أنك تنتقد نفسك على هذا الانطباع أحياناً.

- أجل.. أجل.. صح حتى لو ارتضيت بحياة الغربة سأبقى مأخوذاً إلى الوطن، مشدوداً إليه بكل أحاسيسي، طيلة حياتي.

كان واقفاً منتصباً أمام الشبح، يردّد مع نفسه هذه الكلمات بينما شرد عنه ذهنه وسقط إلى قاع تلك البئر العميقة، ذات الفوهة العريضة، التي تهدده بالابتلاع كل لحظة، وهناك وجد نفسه جالساً إلى صغير، على حافة السرير، في ليالي الشتاء الطويلة، يقصّ عليه حكايته..

كان ياما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، كان شاعر ولهان، يقظ الضمير، مكتمل البيان، متقد الفكر، ذلق اللسان، ويحكى أنه كان ثمة سلطان، ناقص الحكمة، كثير النقمة، ليس لحكمه ميزان.

غضب الشاعر، وأبى أن يخضع لحكم السلطان، مبتغياً إنقاذ الناس من الطغيان، فظلّ يطرب الآذان، ويشدو بأعذب الألحان، متنقلاً من مكان إلى مكان. يطوي القفار، يمخر البحار، باحثاً عن عظيم الآمال إلى أن رمى عصا الترحال في بلد غريب.

مضت سنوات، مسرعات راكضات، ذاع صيت الشاعر الولهان، وأصبح يشار إليه بالبنان، فعشق وأحب، وتزوج وأنجب، خالط الأعيان، تحوط بالحب والحنان، وصار واسع الثراء، عريض الجاه، يملك قصوراً فاخرة، بالذهب والفضة عامرة.

وفي أحد الأيام، التهمته الأوهام، كان قد خفق في قلبه وجيب، وتحول ألم الغربة إلى لهيب، وذكر الوطن عن باله لا يغيب، ثم أصيب بمرض عجيب، عجز عن تشخيصه الطبيب، كانت آلامه بلا قعر، أعمق من جوف البحر، فتجلد وصبر، على أحر من جمر، ينتظر بزوغ الفجر.

لكن ليل الوطن عَسْعَسْ، وفجره لم يتنفس، وشاءت الأقدار أن يضع الشاعر عن كاهله الأوزار، ويسلم روحه للباري القهار، والناس لا تعرف سرّ موته الغريب، ولا ما حمل له القدر من نصيب، فواراه التراب، نفر من الأصدقاء والأحباب.

ذات يوم، رأت امرأة، الشاعر المقدام، هيكلاً من عظام، قد قام من القبر، بفعل يشبه السحر، تعجبت من أمره، واندهشت لسرّه:

- أيها الشاعر المقدام، ياهيكلاً من عظام! لماذا نهضت من القبر، ماذا حدث لك؟

أجاب الشاعر متوسلاً، في حديثه متمهلاً:

- أيتها المرأة الحكيمة، بالغ شكري لأرضك العظيمة. لقد اسودت هنا أيامي، والبرد تنخر عظامي. فالحنين إلى الوطن، أشد قسوة من كل المحن. خذوا عظامي إليه رغم البعد، لتشعر في مثواها بالدفء والحمد.

ذعرت المرأة المسكينة، وراحت تحدّث عنه في المدينة.

قالوا لها:

صدقْتِ ياامرأة، لقد قال شاعرنا العظيم مرة:

"الأغراب حتى بعد موتهم، ليسوا غير أضياف قلقين".

كان ياما كان، في قديم الزمان، كان شاعر ولهان، مسحور بوطنه دون كل الأوطان.

صفحة 5

- لكن الوطن يبقى وطناً، وأنت أدرى، إذ ليس بمستطاع أي إنسان آخر أن يعوّض عنه، ولا يمكن للوبا أن تصبح لك وطناً، ولا أنت أن تصبح لها وطناً، فالوطن، رغم وجوده يبقى غير مرئي في الذاكرة إلاّ حين يشعر الإنسان إنه يفقده، عندئذ يتجسد أمامه بكل ما فيه، بترابه وخضرته ومياهه، بحكاياته وأساطيره وأغانيه، ويظل المغترب يسهر متأملاً وطنه، ويعيش في أرق دائم، قاتل، مؤذ. وهل ثمة ليلة أطول من ليلة يأرق فيها المغترب في ذكر الوطن ينـزل فيها إلى هناك، إلى أعماق بئر آلامه!؟

هل تتذكر، أنك، ذات مرة، تعارفت في دار استراحة إلى فتاة وقضيتما معاً أسبوعين في محبة وصداقة جميلة، وثم كان عليكما أن تفترقا إلى الأبد، فلم تنم الفتاة، تلك الليلة، حتى الصباح، وظلت تتفرس في وجهك طويلاً وتعجمه بدقة، ولمّا سألتها:

- ما بك هكذا تدقّقين النظر في وجهي؟

قالت بألم:

- أريد أن أحفر صورتك في قلبـي.

كم من القلق كانت تعيشه تلك الفتاة لأنها ستفقد شخصاً أحبته! إذن كم من القلق يعيش من يحس بفقدان وطنه؟ في كلا الحالتين ثمة حب، والحب يحرق المرء، يجعله يذوي كالشمعة.

وكاد يصرخ بوجه الشبح "كفى.. كفى!" لولا أن تذكر أنه في معرض، وأسرع في كبت الصرخة في داخله.. بدأ الشبح يختفي رويداً رويداً، وطفق هدير أمواج البحر الصاخب يبتعد هو الآخر، يبتعد ويبتعد، بطيئاً بطيئاً، وكأنه يذوي كالشمعة. ومع انتهاء الشمعة سكن البحر، بردت مياهه. وعادت المادة الهلامية تتجمّد، وتتخذ اللوحة شكلها الطبيعي. سأل نفسه: "كيف يمكن للصوت أن يذوي مثل الشمعة؟" وشعر برجفة في جسده، أراد أن يكتمها لكنه لم يفلح في السيطرة عليها، فقضقضت أسنانه. وارتعش جسده.

في قاعة أخرى، استوقفه بورتريه امرأة، اقترب منه يتفحصه بإمعان، ثم ابتعد ثلاث خطوات إلى وراء، وظلّ يحدق في العينين السارحتين المتوهجتين مثل جمرتين مشتعلتين. قال في سرّه، صدق العرب، اللحظ أصدق إنباء من اللفظ، إن عينيها السارحتين تشتعلان بالحب، أنا أعرف: لا شيء يحرق الإنسان هكذا غير الحب. وراح يحدق في البورتريه بعينين جاحظتين فرآه يتوهج نوراً، وتحول شلالا النور المنسكبان من عينيها إلى لهيبين من نار. أمسكا بأطراف البورتريه. فنبعت النار فيه واشتعل. انتزعت صاحبة البورتريه نفسها من اللوحة وهرعت إلى الخارج ترتفع منها ألسنة اللهب... كلما كانت تسرع كانت النار المندلعة في جسدها تشتد!

- ماذا حل بها؟

- إنها تحترق.. ألا ترى؟

- لا شيء يحرق الإنسان هكذا غير الحب!

وغطّى عينيه ووجه بباطن كفيه، وظلّ على حاله هذه وقتاً ولم يدر كم طال.

- لو سمحت قليلا يارفيق.

رفع يديه عن عينه فرأى نفسه وسط مجموعة سياحية تحيط على شكل نصف دائرة بدليلة معرض.

لعن نفسه على هذه الأفكار الغريبة التي ظلت تلاحقه وعاتبها على هذا الضعف، وهو المعروف بصبره وتجلده أمام المحن. ولمّا راح يتأمل ضعفه هذا، مضيقاً عينيه، مقطباً حاجبيه، انتشر في وجهه الصارم، الزميت، تعبير من الحزن، فتجهم، وجعلته الأخاديد التي ظهرت على جبينه يبدو في عمر أكبر ممّا هو عليه، وخاطب نفسه بسخرية: "لقد انشطر عقلي: شطر في دار الاستراحة وشطر هنا" وارتقى درجات السلم المؤدي إلى الطابق الثاني. عندما صار في منتصفه، عاد يحدّث نفسه: "لو قدّر لي الانشطار لانشطرت أنا أيضاً، شطر هنا وشطر هناك". وابتسم، تركها ابتسامة مجردة من أية تسمية، لم يسمها لا ابتسامة اليقين ولا ابتسامة الشك، مع أنه كان يجدر به أن يطلق عليها ابتسامة الشك! لكن عند المرقاة الأخيرة من الدرج شعر ببعض التعب وبشيء من الاضطراب في داخله، التوت شفتاه وأوشكت رجفة خفيفة أن تحتل مكاناً لها بينهما. توقف وأطرق هنيهة: سُئل النبـي عن الوسوسة والشك فقال:

- تلك هي محض الإيمان.

تقدم خطوة، ثم أقفل "مكتب تفكيره" بمزلاج كي لا يضيع الحَزم، وعرّج نحو اليمين.

لوحات صاخبة ذات ألوان حادة حمراء وزرقاء وخضراء كانت تنشر بريقها الساطع وتصوبه في العين مباشرة، فلفتت انتباهه في الحال، شبهها بملابس العرائس في قريته. حدّق جيداً في اللوحة الوسطى، ثم ماذا؟ لم يعجبه لا الاسم، لا اللون، لا الموضوع، دار عنها ممتعضاً إلى الجهة المقابلة ورأى نفسه فجأة أمام لوحة يتآلف معها بصره، فحدّد طرفه فيها: رجل ضخم الجثة في مواجهة فتاة نحيفة تقف على كرة بتوتر شديد، وهي بالكاد تحافظ على توازنها على عكس الرجل الجالس بهدوء أمام خلفية منظر صحراوي مقفر، وثمة في البعد حصان أبيض، وفي اليسار، موضوع ثانوي، امرأة تحمل طفلاً وتمسك بيد طفل آخر، وكلب، وقد وزّع اللون الوردي الضارب إلى الحمرة قليلاً في اللوحة توزيعاً متناسقاً لم يدر من أين يسقط عليه الضوء.

- هنا.. هنا.. اقتربوا خطوة أخرى.

صفحة 6

وحين رأته ابتسمت له نصف ابتسامة، وهي تؤشر بعصاها وتجمع أفراد مجموعتها حولها كما تفعل الدجاجة مع فراخها.

- وهذه اللوحة تعود إلى المرحلة الوردية من مراحل تطور فن بيكاسو: لقد سادت الألوان الضاربة إلى الحمرة وألوان التيراكوتا في لوحاته، كما ومال الفنان أكثر فأكثر إلى تصوير أهل السيرك في حياتهم الخاصة. وغالباً ما توحي لوحاته هذه بالاغتراب والوحشة والقلق. يكفي أن تنظروا إلى الفتاة حتى تشعروا بمدى القلق الذي تعيشه. وبيكاسو مولع بالقلق، قال مرة: إنّ ما يُقْسِرنا على الاهتمام بـ"سيزان" هو قلقه، وهذا هو درس "سيزان".

غادرت الدجاجة فتبعها أفراخها، أمّا هو فوقف يحدق من جديد في اللوحة ويسأل نفسه: "ولم هذا اللون الناري؟" وفي اللحظة، انفلت الحصان، بغتة، وهبّ يركض كالملدوغ في ذعر شديد، يتطاير الغبار من تحت حوافره في تلك الصحراء المقفرة، أغمض عينيه غير مصدّق، ثم فتحهما على سعتهما بانبهار: إلى أين يركض الحصان؟ قبل قليل كان يرعى هنا على سفح الرابية! أيها الحصان الأبيض الجامح، المنفلت من عقاله، المنطلق بسرعة البرق، إلى أين تركض؟ قل لي بحق السماء لماذا تنهب الأرض نهباً لا يخضع عدوك لسلطان أو قانون مثل قلبـي تماماً وكأنكما جبلتما من طينة واحدة! هلا وقفت أيها الحصان الأبيض الجميل وأخذتني معك. ولنجتز الصحراء، ونصعد هذه الرابية، ثم ننـزل ونصعد رابية أخرى، نقطع بحراً وبراً، نرتقي جبلاً، نعدو ونعدو إلى أن نبلغ موطن حبـي الأول. وثمة على تخومه، يؤتى لك جناحان مثل جناحي نسر عظيم، وأصير أنا فارساً أشبه بحمل ذبيح له قوة الأسد، واعتلي صهوتك مزهواً، ونصعد السماء، مرة تسير خبباً، بقوائمك الممشوقة، فوق الغيوم، ومرة تطير شاقاً عنان السماء بصدرك، تسير وتسير، تطير وتطير، إلى أن نصل مكاناً قصياً مجهولاً لا يبلغه أحد، فترى قد استوى هنالك كتاب مخطوط من الداخل والخارج، مختوم بسبعة خواتم، فينادي صوت خفي بأعلى قوته: "من هو الأهل لفتح الكتاب وفض ختمه؟" فلا أحد يجيب، بينما أشهر سيفي وأقول: "أنا الأهل!" وآخذ الكتاب.

يتعالى ضجيج وتسجد لي كل خليقة السماء، فأفض الختام الأول، فالثاني، فالثالث، فالرابع، فالخامس، لكن ما أن أفض الختام السادس، ترى الأرض قد زلزلت زلزالها والشمس قد اسودت كمسح من شعر، والقمر قد صار مثل الدم، وكواكب السماء قد تساقطت إلى الأرض كما تساقط التينة ثمارها الفجة إذا هزتها ريح عاصف، والسماء قد طويت طيّ السجل، والجبال والجزر كلها قد انقلعت من مواضعها، وملوك الأرض، والأغنياء، والزعماء المراوغون، والقادة الكذابون، كلهم قد تواروا في المغاور وبين الجبال، وهم يقولون للصخور والجبال: "انهدي علينا واخفينا عن وجه الذي ثار، لقد جاء يوم غضبه العظيم، فمن يقوى على الثبات؟ ولما أفض الختام السابع يسود السماء سكون، فتظهر امرأة ملتحفة بالشمس والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها إكليل من ثلاثة عشر كوكباً، حبلى تصرخ من ألم المخاض، يقف قبالتها تنين عظيم أسود له عدة رؤوس وأكثر من ثلاثين قرناً، وذيله يجر ثلث كواكب السماء، يريد ابتلاع الطفل حين تضعه المرأة، فتنشب معركة بيننا وبينه، وأغرس سيفي في قلبه، فيقع جثة هامدة، وتضع المرأة وليدها، ويكون ذكراً، ويحكم هذا الطفل السماء وما وراءها، ويجعل من البرق نار الهدى، والرعد نغمات موسيقى، والمطر حلوى وحكايا جميلة وأحلاماً لذيذة تتساقط في حضن الأطفال، من ثم ننـزل على الأرض، ونذهب إلى قريتي، أعيد سيفي إلى غمده، لأعلقه حال وصولنا على الحائط في صدر حجرتنا، وألوح بدلاً عنه بدبلومي الزراعي، فترقص أمي فرحاً وتهلّل بصوته المجلجل، ويخرج والدي ويطلق من بندقيتنا القديمة اثنتي عشرة طلقة متواصلة. يخرج أهل القرية ويهرعون إلى بيتنا يتقدمهم الطبل والمزمار، يمسك الشباب بأيدي الشابات ويدبكون ثلاثة أيام وثلاث ليال دون انقطاع. وبعد الفرحة الكبرى، يهبّ الجميع إلى العمل، نحرث الأرض، نـزرع العنب والتفاح والقمح، نربـي الأبقار، والأغنام، والطيور، وسيكون لنا زاد وفير نعلفك كل يوم ثلاثاً، ونرتقي معك قمة الجبل، ومن هناك نرى الدنيا الواسعة... فلِمَ تجهد نفسك عناء البحث عن عشب ضئيل في هذه الصحراء المقفرة؟

لكن، قبل أن أرحل معك، ياحصاني الجميل، يجب أن أقف أمام لوبا وأتفرس في وجهها طويلاً وأعجمه بدقة، مثلما فعلت تلك الفتاة معي في دار الاستراحة، وإن سألتني:

- لماذا؟

أقول لها بثقة:

- أريد أن أحفر صورتك في قلبـي. وتبقى من لوبا تلك الصورة فقط، أحملها معي أينما حللت!

انتبه لنفسه.. ماذا أفعل!! كلا.. كلا.. أيها الحصان الأبيض الجامح لن أترك لوبا. إنني أحبها مثل حبك للركض، والعيش بدونها لا طعم له البتة.. لن أرحل معك! أستحلفك الله أن تَدْبُر، لأمتطيك وأجلس لوبا أمامي وهي بثوبها الأبيض الفضفاض، فيؤتى لك بجناحين ونطير.. نحلّق فوق هذه الأراضي الشاسعة، مرة تسير خبباً فوق الغيوم بقوائمك الممشوقة، ومرة تشق عنان السماء بصدرك، نسير ونسير، نطير ونطير، نـزور البحار المتجمدة والدافئة والأنهار السريعة والبطيئة، نـزور التايغا والثلوج والسهوب والصحارى، نـزور المعامل والمزارع ومحطات الكهرباء ونمتلك العالم، ثم نعود إلى موسكو نتنـزه في الحدائق، ندخل المتاحف، نشاهد المسارح، نسهر في المراقص، فرحين جذلين، فتقهقه لوبا بصوتها الهادئ الدافئ الحنون، قهقهتها المكركرة وترمي برأسها على صدري وتقول لي:

- كم أحبك ياعزيزي.. يافارسي الجميل.

فأحيط رأسها بذراعي وأعبث بشعرها الناعم وأنا أبحر مع نفسي، أتذكر الوطن الجميل، وخطيئتي الكبرى، المميتة، أعمد نفسي عشراً بألم التبرير الممض وأبكي.. أبكي وأبكي بحرقة، مثل طفل صغير، وأقول لها حينئذ.

- يا حبيبتي.

بحيث تقترن كلمة الحب هذه بذلك الألم الممض وتلك الخطيئة الكبرى التي لا تغفر بالتعميد أبداً.

إذن... لا أيها الحصان، قبل أن أرحل معك يجب أن أجثو ساجداً، بخجل، أمام وطني البعيد، أمام كل من يحبني فيه، وكل من يكرهني، أطلب المغفرة، وأقول لهم: لن أنساكم!.

هل فهمت الآن ياحصاني الأبيض الجامح؟ إنني لا أريد أن أبقى معك في هذه الأراضي الشاسعة أيضاً.

أمّا أنت أيها الكلب الصغير المتأهب للنباح إياك أن تنبح... أحذر النباح ياصديقي وإلاّ لجفلت البنت وفقدت توازنها. ألا تراها بأية صعوبة بالغة تحافظ على توازنها؟

غطّى عينيه براحته، ثم كشف عنهما وراح يحدّق في اللوحة بانبهار وثمة ابتسامة سائبة تتجول على شفتيه، لا يدري ماذا يطلق عليها: ابتسامة الشك أم ابتسامة محض الإيمان وسأل نفسه مرة أخرى:

-ولم هذا اللون الناري؟

صفحة 7

كادت الفتاة، عدة مرات، أن تقع، مرة في اليمين ومرة في اليسار، لكنها لم تقع. ياترى كم ستبقى هذه الفتاة الصغيرة واقفة على الكرة، محتفظة بتوازنها؟ لحظة!.. سنة! قرناً!. إنها لا بد أن تسقط وهذه مسألة حتمية تحكم فيها قوة الأرض وجاذبيتها!.. لا أيتها الفتاة البهلوانية الصغيرة، إبقي هكذا معلقة في الهواء، مشحونة، معبأة، ببارود القلق، تميلين تارة نحو اليسار وتارة نحو اليمين، مشرّعة اليدين نحو السماء، خافضة النظر نحو الأرض، تعيشين هاجس الحياة وهاجس الموت في آن واحد. لا تسقطي، ميلي، تراقصي ولتبقي هكذا قلقة، غير مستقرة، معلّقة الروح من شعرة واحدة. خذي روحي أيتها الفتاة الصغيرة فهي معلقة من شعرة واحدة أيضاً، أو هبيني كرة أخرى فأقف عليها مثلك. أجل... هكذا تماماً: أنت على كرة، وأنا على كرة. فلتتوقف الأرض عن دورانها وليجمد الزمن.

بيد أنّ، لا الأرض توقفت عن دورانها، ولا الزمن تجمد، وظل الحصان الجميل يعدو ويعدو دون توقف.. انطلق الحصان ينهب الأرض بحوافره مسرعا، كطلق ناري.

- إلى أين تعدو، ياحصاني الجميل الأبيض ؟ لا.. لا تبتعد.. لا تتركني وحدي... تعال.. أجل.. تعال.. تعال.

يتوقف الحصان لحظة، يتلفّت نحوه، فيومئ له:

- تعال.. تعال، يهرع الحصان صوبه، مسرعاً على نحو غير عادي.

- اهدأ.. ها إنك لا تعرف الهدوء.. لا تسرع هكذا.. إنك تحوم حولي؟ المهم أن لا تبتعد.. ياحصاني الأبيض الجميل ألا ترى، إنني مستقر على كرتي، هل تعتقد أنني أبقى واقفاً على كرة طيلة حياتي؟ كم أبقى على هذه الحال.. ها؟ ماذا حلّ بك؟ ما هذه السرعة.. إنك تتقدّم نحوي.. وتقدم الحصان مسرعا، واجتاز هذه المرة الحيز القصير، الضيق، الذي كان يفصل بين الواقف الجديد على الكرة وبين الفتاة، فهزتهما الريح القوية، تمكنت الفتاة البهلوانية خلاله أن تعيد توازنها بالصعوبة البالغة ذاتها، واستقرت على كرتها من جديد، أمّا هو فسرعان ما وقع من على الكرة مثلما تقع الثمرة الناضجة من غصنها ورأى نفسه يركض في أثر الحصان بأقصى سرعته، يخفق قلبه خفقاناً شديداً.

موسكو

كانون الأول/1981

صفحة 8

الفأر

تناولت مديرة القسم الداخلي، باهتمام مفتعل، من جرار منضدتها، دفتراً، وراحت تسجل فيه، بتكاسل، اسمي ورقم غرفتي والطابق الذي أعيش فيه، مثلما فعلت في المرة السابقة، ثم رفعت عينيها الذابلتين، وحدقت بوجهي ممتعضة متسائلة:

- منذ متى يعيش في غرفتك؟

قلت بنبرة متشكية متذمرة، شابكاً يديّ خلف ظهري، متراجعاً خطوة.

- منذ ثلاثة أسابيع.

فصاحت بغضب متصنع:

- لماذاَ سكتّ طيلة هذه المدة؟ سيعج القسم الداخلي من الفئران!

في البدء، اعتصمت بحبل الصمت متحاشياً التصادم معها. لكن بعد لحظات، عندما تذكرت أني جئتها قبل أسبوعين شاكياً، وزودتها، كما اليوم، بالمعلومات المطلوبة، ووعدتني بإبادته، تملكتني رغبة شديدة في توضيح الأمر، إلاّ أنها لم تمهلني، فهاجمتني قبل أن تصدر مني كلمة.

- يا لك من مهمل!

غمغمت بكلمات مبهمة، محاولاً توضيح الأمر لها والدفاع عن نفسي، لأني فعلاً كنت قد اشتريت مصيدة فئران وفق نصيحتها السابقة ولقّمتها قطعة من السجق، بيد أن الفأر اللعين، كان في كل مرة، يأكل قطعة السجق، ولا يقع في المصيدة، مثل لص محترف، غير أن الإرباك تملكني، فعجز لساني عن التعبير واختنقت الكلمات في صدري، وأخذت أصابعي المرشحة عرقا تشتبك مع بعضها البعض، بينما انصرفت هي عني حالاً لشؤونها، حينئذ فضلت الصمت من جديد، هذا الصمت المهيب، الجميل، الملاذ، جعلته يقاسمني معاناتي بدلاً من أن يقاسمني الفأر غرفتي، ويقرض ما تبقى لي من ملابس وكتب.

خرجتُ من مكتبها عابساً، كاسفاً، مقطباً، ألعن حياة الغربة، ومن أرغمني عليها، ودفعني إليها، أوبخ نفسي لأني لم أتعلم للآن أسلوباً منمّقا مزوّقا أتعامل به مع المسؤولين، أسلوباً أتمكن أن أجعل بواسطته مديرة القسم الداخلي تهرع لتلبية طلباتي، كما يفعل البعض. كبحت غيظي، ووقفت أمام بوابة المصعد الكهربائي تحت زخّات من هموم الغربة، والدراسة، والحياة، فشعرت بتوق عظيم لترك هذا البلد والعودة إلى وطني.. وليحدث ما يحدث!

صفحة 9
ماذا؟ أ ليس ثمة في الوطن من فئران!؟ سألت نفسي: إنها موجودة حيث يتوفر المناخ الملائم، وإذا ما أهمل أمر مكافحتها تتكاثر، تزداد، بحيث تغدو هي التي تتحكم بمقدرات البيت، وقد تهدم البيت على رأس ساكنيه. وسرحت في التفكير حتى كدت أجعل من هذا الأمر البسيط مأساة عظيمة. لكن الشيء الذي ظل يحيرني أنه لماذا لا ترغب هذه المسؤولة إبادة الفأر؟ أية صفة مشتركة بين بعض المسؤولين والفئران؟ بين الفئران من مختلف الأجناس والمعتقدات!؟
 
- هل تصعد؟
 
شدني سؤال البنت من داخل المصعد الكهربائي وأعادني من شرودي. كانت تترقب جواباً سريعاً، بل حركة مني قبل أن يقفل الباب، فرميت نفسي في المصعد وأنا أقول: "أجل.. أجل.." بكثير من الارتباك.
 
حملت معي إلى المصعد عبوسي وهمومي، وأحزاني، ومزاجي العكر، وقد لمحت الفتاة من الوهلة الأولى أن ذلك كله مرسوم على وجهي حالما رفعت رأسي لأسرق نظرة إليها. ابتسمت لي كأنها تريد أن تقول: "لا تفكر.. لها مدبر.." كما نقول نحن، لكني كنت صارماً جداً معها، ومع نفسي، ومع العالم، فلم أرد على ابتسامتها. أما هي، على ما يبدو فهمتني، أو شاطرتني مشاعري، وتجرأت أن تسألني:
 
- هل حدث شيء؟
 
أجبت بنبرة لا مبالية:
 
- لا.. إنه أمر تافه.
 
ابتسمت الفتاة هذه المرة بتهكم، لم أرد على ابتسامتها الثانية أيضاً. بعد برهة نظرت إليها من طرف خفي، فقرأت بعض الانـزعاج على وجهها. انتقدت نفسي على هذا التصرف الفظ. ماذا ذنب هذه الفتاة؟ ما ذنب الآخرين؟ من المؤكد أن الناس كلهم، في هذا البلد، ليسوا من طينة واحدة، ثم لماذا أجعل من حياتي جحيماً بسبب فأر لعين. رفعت إليها نظري، وابتسمت لها نصف ابتسامة، كأني أعتذر لتصرفي، وسألتها فجأة:
 
- هل لديك فئران في غرفتك أيضاً؟
 
كان سؤالي مضحكاً وغريباً في آن، لم يخطر في بالها، فباغتها، وأضحكها، وشجعها أن تقول بسخرية:
 
- كلا.. يبدو أنني لا أعجبهم!
 
قلت على الفور وبشيء من الجدية والانفعال:
 
- أمّا أنا فأعجبهم جداً، ويعيش معي منذ ثلاثة أسابيع فأر صغير، لعين، لم يبق لي لا ملابس ولا كتب. حتى النوم سلبه مني.
 
قهقهت الفتاة بفرح كأنها تنتقم مني:
 
- إنني لم أر فأراً حقيقياً في حياتي.
 
توقف المصعد، فتح الباب.
 
- إذن أدعوك لزيارة فأري الحقيقي وشرب الشاي معه.
 
قالت وهي تخرج:
 
- شكراً. لا وقت لدي الآن.
 
- تفضلي في أي وقت تشائين.
صفحة 10

جلسنا نحتسي الشاي ونثرثر، ونترقب، بين لحظة وأخرى، أن يخرج الفأر المحترم ويكرمنا برؤيته، غير أن هذا الترقب الحار بدأ يبرد، رويداً رويداً، إثر إصرار الفأر على عدم تلبية رغبة ضيفتي الجميلة.

في الحقيقة أن مزاج الفأر النكد، وغيابه المتعمد أعجبني جداً، وتمنيت أن لا يخرج من جحره أبداً، ليطيل من جلستنا، دون أن أحسب أن هذا الأمر سوف يبعث الملل في قلب ضيفتي التي راحت تبحث عن أعذار لتسرع في المغادرة. مما اضطرني لتقديم المزيد من التأكيد على وجود الفأر، بيد أن ذلك كله لم ينفع، فقالت ضاحكة:

- ألم أقل لك إنني لا أعجب الفئران!؟

قلت وأنا أنظر في اتساع عينيها الزرقاوين:

- ربما تعجبين غيرهم.

وجمت الفتاة، وأغضت بصرها، هابني رد فعلها وسكت برهة، غرزت نظراتي في وجهها، فوجدته يرتدي مسحة صارمة، تأسفت لهذه العجالة، وفجأة، ولكي لا تسمح لي بمغازلتها، انتفضت وهرولت باتجاه الباب. ندمت كثيراً. في الباب حاولت أن أكون لطيفاً معها أكثر من المعتاد لأثنيها عن المغادرة، لكنها أصرت وذهبت.

دخلت غرفتي حزيناً، منكسراً، متأسفاً على ما حصل قبل أن أسمع خشخشة وراء المكتبة، فانتفضت وأسرعت إلى الرواق وناديت بصوتٍ عالٍ:

- ياريتا.. ياريتا.. ارجعي بسرعة، لقد خرج الفأر.

استدارت بسرعة، وهرولت نحوي، مدّ أكثر من زميل رأسه من غرفته ليعرف ماذا حدث، ضحكت في سرّي، واختفيت في غرفتي بلمح البصر.

وقفنا أمام الدولاب. كان الفأر منهمكاً بقرض حافة كتاب، فما أن التفت إلى وجودنا إلاّ وتوقف، زاغ عينيه الخرزيتين وحدق فينا ملياً، وهو يحرك شواربه الخيطية الطويلة كأنه يتساءل عن سبب اهتمامنا المتزايد به.

قالت ريتا مبهورة:

- ياله من جميل! ما كنت أتصوّر أن يكون بهذا الجمال!

فزع الفأر وهرع إلى جحره.

فلتت مني، لا شعوريا، وبنبرة عصبية، شتيمة بلغتي الأم.

أدركت ريتا عدم ارتياحي وأحست بالذنب:

- لقد خاف مني.

قلت:

- ربما منّي. من يدري!.

وراحت تناكدني:

- كلا.. إنه يحبك!

وتوجهت نحو الطاولة حيث كانت قطع من السكر مبعثرة إلى جانب إبريق الشاي. أخذت قطعة مربعة ووضعتها في المكان الذي كان يقف فيه الفأر، وهي تقول:

- خبّره عندما يخرج أنها مني.

ولوحت بيدها وذهبت، وكأنها بتلويحتها هذه حركت مشاعري الراكدة منذ فترة، وأيقظتها من سباتها.

***