صفحة 1
[1]
خرجتُ وحيداً·
كانت الدنيا عصراً، عندما خرجت ·
من المعسكر الصغير الواقع بالقرب من قرية إنْخِلْ في حوران، خرجت ماشياً بهدوء·
تركت الخيمة العسكرية الصفراء مرفوعة اللثام، وَرحتُ امشي· ثلاث سنوات مرت على تخرجي من كلية الطب، ولم أكن على بينة من الأمر، بعد!
أخذتُ الطريق الترابي المنحدر من قلب القرية غرباً· طريق مساءاتي التي أمشيها، متمهلاً، كل يوم· امشي صامتاً· يَداي في جيبي، وقلبي فارغ وحزين·
حقول الحنطة والشعير تحيط بالدرب الضيق الذي امشيه· درب سيسلكه الناس والدواب والآليات والأجهزة المتجهة إلى الجبهة· درب النسوة والَحصّادين، وحَمَلَة أكوام القش واللَّقيط·
أسير متبائسا·ً أعرف أن حياتي الجديدة في الجبهة لن تختلف إلا قليلاً عن حياتي الأولى· لكنه اختلاف مدمر للعقل·
العالم قدّامي، وعلى مرمى بصري الآن· وما علَيّ إلا أن أخضع له، أو أَتحداه· تلك هي المشكلة· فالفرق بين الخضوع والتحدي، كالفرق بين الحركة والسكون، بين الحياة والموت·
سرتُ ما يقارب الساعة، وعليَّ الآن أن أَعود· وبالفعل استدرت، وعدت ماشياً إلى الوَراء· أعرف أني سأكرر المشية هذه أياما، وأشهراً، وربما سنوات· وهو ما كان يملأ قلبي بالآلام والأوهام· آلام الحياة الجامدة التي صِرتُ أَخشى أن تستمر إلى الأبد، وأوهام خلاص غير منظور·
عندما وصلت إلى الخيمة الصغيرة، استقبلني حاجبي اللطيف، زكي، محيياً، لامّاً قَدميه بقوة، رافعاً يده اليمنى إلى مستوى حاجبه، قائلاً بصوت واضح: احترامي سيدي!
ابتسمت له بمودة، ودخلت· نظرته متواطئة وحنونة· أعرف، أو أَكاد، معنى تلك النظرة اللاَّطِئة تحت حاجبيه· الشمس قد أغربت منذ دقائق· وموعد الكشوفات الليلية قد حان·
- المرضى ينتظرون، سيدي! قال زكي بتهيب· ولما رَآني ابتسم له، أضاف: والعشاء جاهز!
كدت أسأله عمن جهّز العشاء الفَطير في تلك الليلة التي ستكون، أيضاً، بلا أفق، إلا أني كتمت النفس ودخلت·
في الخيمة المرسومة في الخلاء: سرير من الحديد الأجرب، وبطانيات صفر قديمة· وفيها كرسي من التنك ، وَقادوس ماء لم يغسل منذ أن استعمل اول مرة· التراب المحيط بها يغلق نوافذها الواطئة، ويسد منافذ التنفس منها وفيها· ولكي تتمكن في الأرض، حَفَر الجند لها حفرة عميقة · حفرة كافية لتدم اكثر من جثة·
في وضع قلق كوضع حرب محتملة (مثل وضع الجبهة التي أنا فيها) يكمن الخطر في تبرير الأمور بسهولة ومكر· وفي المساءات التي أمشيها وحيداً يخطر لي أن ثمة الكثير ممّا هو غير مفهوم في ذلك الوضع الرهيب!
أحياناً، أترك الدرب المعبّد بطريقة بدائية، لألج في بطن الحقول المحاذية له· وكثيراً ماأَنبطح على بطني في الزروع، مبللاً نفسي بالندى المغربي· رطوبة المساء تجعلني اقشعر· تعيدني إلى أماسي الجزيرة البعيدة، يوم كنت طفلاً· ولكن مَنْ باستطاعته البقاء في تلك المنطقة المحرمة من العمر؟
ظل زكي واقفاً، يبتسم بصمت· وبقيت ساكناً في مكاني· أفكر في قلبي، دون أن يكون لتفكيري معنى، وهو ما كنت أَحُسُّه بوضوح· ولقد أَحَسَّهُ ، هو الآخر· أَحَسَّه في صمتي الذي بلا حدود· كان الخوف قد بدأ يستولي عليَّ· ومع ذلك، صممت على مواجهته! أي معنى للهرب إن كان الوقوع في شرك الموت لا مفر منه· ولم يكن الموت في حالتي المسائية، تلك، إلا التحرّش بمن يجعلني ارتجف من الشوق·
- في مرضى كثير؟ سألته دون تسرع·
- واحد، سيدي ·
- واحد؟
أعدت الكلمة مستاء، ولكن بحدود· الأمور الواضحة تخيفني أكثر مما تخيفني الغامضة منها·أحسب أن الغموض (حتى ولو مكشوفاً) هو السليم· وأن الوضوح (بالنسبة لي ولمن أحسبهم مثلي) ليس إلا هفوة عند من لا يعرف كيف يستتر· وفي حالتي المحزنة، تلك، كان التخفّي مثيراً للمتعة والنزو، حتى ولو لم يتحقق مما أحب أن يتحقق شي· فَهِم زكي مرادي، ولا بد، لأنه أضاف:
- في واحد مَرَةْ، سيدي·
صفحة 2
زكي من الكُرْد· شاب قصير· نحيف· ذو أسنان مربوط بعضها ببعض بدقة وتصميم· ومع ذلك َفقَدَ جزءاً كبيراً منها، دون أن يستطيع تعويضه· يَلوك الكلمات، كما تلوك الناس الطعام· وعندما يقذف الأحرف من فمه الأشقر الضيق، أحسه يرتاح مثل َمنْ يتحرر من غازات معدته التي تلحُّ عليه منذ ساعات·
أعرف أنها ستجيء· أَتمنى ذلك، دون أن أجرؤ على البوح به لنفسي· كانت الدنيا قَيظاً عندما دخلَتْ، أول مرة· الشمس تسيطر على الفضاء مرخية سُدولها· والحر المهيمن يمنع الحركة، كما يمنع السكون· وفجأة، ولجَتْ المكان! أقصد تلك الغرفة المعزولة عن الطريق· غرفة صغيرة محصورة في فناء من التراب والقش، استأجرتها من أم أحمد التي وَهبتني إياها دون أن ترفع إلى وجهي عيناً·
- عشر ليرات في الشهر·
قالت، وهي تحاور التراب· لكني بعد جدال عقيم حصلت عليها بثماني ونصف· وهو ما ظل يؤرق روحي، وربما روحها، أيضاً، أمداً طويلاً·جئتُ إلى هنا من أقصى الشمال الشرقي في سوريا· وأحسب أن الدنيا لا عذر لها إنْ لمْ تمتعني بالبدائع· كنت أَتهيّأ للموت في كل لحظة، والسبب الأساسي في ذلك ، كما أدرك الآن، هو الكبت العسير الذي يصير مع الزمن نهراً من التشاؤم ومقت الذات· أن تجيئني امرأة، مساء، ولو بحجة طبية، لهو أمر يخيفني، وكأنه الموت· كيف أخفي ابتهالاتي عن زكي؟ كيف أَتجنب الفضيحة على قارعة الطريق؟
رأى زكي تململي وانحرافي، فقال لي بتواضع ماكر:
- أروح أَشوف المَيَْ، سيدي!
أي ماء يعني؟ كيف لي بسبر اغوار نفسه؟ ولِمَ عليّ أن أفعل، في ذلك المساء المنفتح على الأهاويل؟ أَحسست أني انتظرت طويلاً، قبل أن أَلج الغرفة الطينية المشبعة بالشمس· عليَّ أن أُقرر: الحياة أو الموت· لا شأن لي بما يقال حولي ويُحاك·
وصلتُ إلى الجبهة منذ أسابيع معدودة، فقط، وصرت أحسني من التراب· من أهله، بالأحرى· وجوه الناس المليئة بالحموضة والأقاويل تشق النفوس الغريبة (مثل نفسي) إلى شقين، ناثرة خَفاياها على الملأ، بلا رحمة· كنت متعجلاً للوصول إلى جُسوم الذوات الأخرى التي تبدو لي محطمة الأَسانيد· ولكي أعبر، يكفيني أن أمد يدي وأمشي· الناس، هنا، زروع! زروع بهجتها الرَيّ، ومتعتها الأفانين: أفانين اللحظ والكلام· لماذا أَتمهل إذن؟وكيف أصل ، وقد تأخرت كثيرا عن المسير؟
- هَيّء العشاء سأحضر على الفور·
قلت لزكي دون أن أنظر إلى جهة محددة· وقبل أن أسمع جوابه الذي أعرفه، أدرت ظهري خارجاً من الخيمة اللاصقة بالأرض·
- حاضر، سيدي!
سمعته يقول وأنا أَغوص في بداية الليل·
- مساء الخير!
قلتُ بهدوء وكأني أسلِّم على ذئب أليف·ارتجفتْ شفتاها وهي ترجُّ السلام باضطراب:
- مساء الخير·
قالتْ بخفر، وكأنها لم تسمع مما قلته شيئاً· أين كانت الأمور تتفتّح، آنذاك؟ وبأية ُسقْيا سنسقيها؟
اضطربت حساباتي وأنا أَتهيّأ للجلوس وراء طاولتي المصنوعة من الخشب والحديد· طاولة باردة معدومة الأركان، صغيرة الحجم، وكأنها صنعت قصداً لكيلا تصلح لأي عمل! كانت قد خصصت، في الأصل، للعيادة العسكرية· لكي استقبل عليها المرضى من العَساكرالذين يجيئون للمُحاججة الصباحية إلا أن زكي هو الذي أوحى لي بنقلها إلى العيادة المدنية حيث سأستقبل كل شيء·
جلستُ برزانة خلف أَضلاف الخشب والحديد· انتظرتُ أن استرد أنفاسي التي غابت مع مشية المساء المعتادة· كنت أَخوض في الزروع الخُضْر المحيطة بالقرية الصغيرة كالأساور الَمفتولة حول عضد رَطيب· أَخوض فيها، وأنا أَخوض في نفسي· أحكي لها، عالياً، عن كل شيء· عن أحاسيسي، عن المقت الذي أكنّه لها، عن الخيبة الإنسانية التي لا تقاوم، عن الناس الذين أَتصدّى لهم كل يوم، وعن أشياء أخرى كثيرة، سيأتي ذكرها، فيما بعد·
قرية إنْخِلْ قريبة القصد من الجبهة· تتربع فوق سهل بركاني آسر· فيها تنبت الحبوب والبقول والأعداس والأجناس الأخرى من المزروعات· وقريباً منها تتعالى مرتفعات الجولان الجميلة·
حولها تحلّق النازحون، بعد الهزيمة·وكثرت اليد العاملة، وَرَخُص الكائن: صارت أجرة عمله الشهري تعادل أجر أسبوع من العمل، وأحياناً أجر يوم واحد فقط! وأرخص العمّال: البنات· بنات الحِمَّةْ ذوات العيون الحور، والأجساد الَمملوءة بالرحيق·
صفحة 3
ظلتْ تجلس بهدوء· لم تغير من وضعها شيئاً· عيونها ملتصقة بي· وكنت أُحاول الانفلات من نفسي المربوطة بحبال من جير· لحظات مرت قبل أن أسألها:
- خير إن شاء الله؟
- بطني!
قالت بحياء آسر· لكأنها تستحي من أن يكون لها بطن!
- بطنك؟
كررت السؤال وأنا أَتحرك في مقعدي· أريد أن أفهم الأمر قبل أن أَخوض في وحل المغامرة التي قد تكون مرعبة· بدا عليها أنها لم تفهم السؤال، التساؤل بالأحرى· هي جاءت من أجل العلاج، وأنا أريد أن أَدفعها إلى رقعة الموت! مَنْ منا بحاجة إلى شرح؟ كررت السؤال:
- أقصد أي نحو منها؟ وكيف تشتكين؟
قامت واقفة· وقرّبتْ نفسها مني· صارت بطنها في وجهي· كادت أن ترفع الثوب الأسود الطَلَس، لولا أني قلتُ لها:
- تفضلي· مشيراً إلى مكان الفحص·
غرفة أم أحمد التي صارت عيادة طبية، صغيرة المساحة· قَسِّمها زكي إلى قسمين: قسم الجلوس، وقسم الفلوس، كما يقول باسماً بحياء· يفصل القسمين عن بعضهما حاجز شفاف من القماش الذي علِّق بخيط من القِنَّب المتين· قماش كان في البدء أبيض، ومع الوقت صار أشهب مُرْبَدّاً· كان شفافاً، وغدا الآن كتيماً من تراكمات العَجاج، ومن خراء الذباب، عليه·
مشتْ بأُبهة نحو المكان الذي سَتسلقي على ظهرها فيه· مشت خطوات وكأنها تمشي في فَيافي وقفار· كدت أحس بالنهْكة فيها، لكنها قعدت، أخيراً!
- تسطًّحي، من فضلك!
أمَرْتُها متواطئاً مع رغبة خفية لدي· رغبة بدأت تشق عنان جسدي الَملْجوم· ورأيتها تنظرني بعيون مَملوءة بالبرق! وبهدوء وثقة ألقَتْ نفسها على الطرحة القديمة الممدودة فوق طاولة التنك والحديد· طاولة الفحص الطبي في إنخل· وَأحسستها تتألم من قساوتها وقد فُرِشتْ على العظم· فوقها تمددت مستاءة، وكأنها تريد أن تدخل تابوتها الأخير·
- الوجع فين؟
سألتها من جديد، وكأني بحاجة إلى سؤال من نوع هذا لأتوصل إلى مأربي الطبي!
- الوجع هينْ!
قالت مغمضة العينين، دون أن تنظر الموضع الذي وضعَتْ يدي التي أمسكَتْ بها عليه·
كان يكفي أن ألمس جسدها بيدي لأحس رقاقة الهيكل، وهَشاشته· اللعنة! ماذا كانت تلك الثياب العنجهية تخفي؟ وبأي ثمن كانت المرأة تريد أن تموت؟ كدت أسألها، إلا أني أحجمت في الهمزة الأخيرة عن الكلام·
اكتشف، فجأة، قصور الكلام وبغيته· الكلام آفات· والآفات لها أسبابها ومزاياها· ولا زلتُ أَتوخّى الانشقاق·أية عجمة تفضح أسباب ذاتي التي ابْتَلَتْ بحنين لا يَنمحي؟ وكيف أُواسي هذه المرأة الملقية كالجثة قدّامي؟ وأصير أُكرر، وأنا ألمسها عبثاً: الوجع هين؟ الوجعْ هينْ؟
وكأني بلمساتي العشوائية كنتُ أثير فيها وَجَعاً فعلاً، صارت تتأوّه مشتكية من مَسّ خفيّ· مَسّ ألَمٍ أقوى من أَسانيدها وأكبر! ألَم مسائي لا يحتمل· أي ضير في أن يكون المرء مختالاً؟ ولكن مَنْ هو القادر على سحب حبة ألم من جسد لا يريد أن يتخلّى، بأي ثمن، عنها؟ ما همّ، فلأحاول·
تخرجت من كلية الطب قبل سنوات ثلاث، أو أقل قليلاً· ولا زلت احسبني كالغجري الذي لا يحسن إلاّ اللعب بالتراب· أُدواي المرضى باحساسي عنهم قبل أن أُشَخِّص فيهم الأمراض·
تعلمنا في الكلية العَتيدة بعض الخصائص والعلامات، وكان ذلك يكفي لإرسالنا إلى حيث يَشاؤون· ولم يكن ذلك ليخيفني·ولكن، لماذا؟ لماذا توقفت، فجأة، عن فحصها؟ولِمَ صرتُ أَتأمّلها بحنان؟ أمي! عجباً لإحساس يخترق العالم كالريح· قبل قليل كنت أريد أن أقرصها، وَهأنذا الآن أريد أن أحطّها بين كفيَّ لئلاّ تنكسر من البؤس·
- خلصتَ؟ سألتني مُحتارة·
وأية حيرة أَسوأ من صمت بلا إداء؟صمت الجاهل الذي يكتشف، فجأة، مدى تخاذله (إضافة إلى جهله) في الوصول إلى حيث يريد· وفي لحظة كهذه، فقط، يمكن أن ندرك معنى الإرادة المؤذية إرادة الإصرار على الخطأ· كيف أَشرح لها الأمر؟ كيف أَشرحه لنفسي وقد انبثق، للتوّ، فيها؟
ممددة كالجثة قدّامي لم تكن، في الحقيقة، بحاجة إلى شرح· كانت بحاجة إلى لمسة تشفيها· لكن اللمسة الطبية لا تعني شيئاً إنْ لمْ تكن محملة ببصيرة نافذة تجلو خَفايا النفوس ومشتقاتها· وبأي عين يمكن لي أن أراها، إنْ لمْ تكن عين الكبت الملتوية في رأسي·
خلال سنوات الدراسة، التي صرتُ أسميها سنوات التدجين كنت لا زلت قريب العهد بالبادية التي كبرتُ فيها· وكنت لذلك، ربما، مَملوءاً بالدهشة في البداية· دهشة لن تستمر طويلاً إزاء هجوم المدينة المنظَّم، ولن تقاوم أكثر من سنوات· وهو ما صَيَّرني كالخروف المعد للتَقْصيب: أصيب مرة، وعشراً لا أصيب! أخرجني من وقفتي الباردة فوقها، صوتها القلق متسائلاً:
- لقيته؟
- نعم؟ مددتُ الكلام بحرج ·
- الوجع باقي؟
سألتني ملتاعة، وكأنها ستخيب كثيراً إن لم أجد وجعاً فيها·
ماذا أفعل غير أن أَهزّ رأسي صامتاً متجنباً كل كلام لايفيد! نظرتْني بعيون سود كثيرة· لكأن الناس الذين أعرفهم، كلهم، يعاونونها في النظر إليَّ بمثل هذه الوجاعة! تنفسها يتقطّع مثل ماء الأجران الحجرية في الأَعالي· أجران جبل عبد العزيزالطالع من الحَماد· كنا نتسلق أشجار البُطْم اليانعة في سفوحه· منها نحوش الحُبيبات الصُفْر المخضرّة المروية بالندى· وبالفؤوس الَمسْنونة نأخذ منه حطب الشتاء· كانت عَرْنَة تملأ ظهرها حطباً، وبحضنها تشيل الكُرُمّ والكَعّوب· وفوق رأسها يتوازن جُود الماء المعبّأ من الأجران· عَرْنة التي ماتت مسلولة مثل قصبة هَوَتْ في الماء· لا زلتُ أسمع نَحيحها الليلي في برد الشتاء· تداوي نفسها بالماء والرُقع، ولم يكن يهمها لاوجع، ولا شفاء!
- باقي· الوجع باقي؟
قلتُ مكرراَ للتأكيد، مع أني أعرف عبث تأكيد أمر هو في حكم الحَتْم·
- الحمد لله! قالتْ بارتياح، وكأن وجود العلة ضمان لشفائها!
صفحة 4
[2]
حيّاني زكي مرعوباً:
- العقيد ريمون يريدك، سيدي!
العقيد ريمون! تساءلت في نفسي دون أن أَفضح منها سرّاً· ومع ذلك تجاهلت الأمر، وكأنه لا يعنيني· في الحقيقة، لم أكن على بيّنة منه· حسبت أن أموراً جديدة تستدعي هذا الطلب العاجل· قلت لزكي سأتصل به حالاً· وشكرته·
استدار زكي ماشياً وبه وجل أكيد· لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يطلبني العقيد فيها، ولذا لم أفهم سر ذلك الاضطراب الخفي لديه· زكي يعرف العقيد من لهجته· ومن كيفية الطلب يمكن أن يخطر له الكثير من الأمور· ولأنه لا يتقن العربية، تلتبس عليه، أحياناً، عبارات وَمقاصد· لكن ذلك، كله، لا يفسر مجيئه إلى الخيمة ، من جديد، ذلك الصباح، ليتأكد من مغادرتي لها· كنت لا زلتُ ماسكا ً رأسي، وعيناي مغمضتان·
أنا أعرف العقيد ريمون التقيتُ به منذ أول يوم من وصولي إلى الجبهة· رجل وسط· يتكلم دون أن يستمع إلى من يتكلم معه· لا يهمه أن تفهم شيئاً مما يقوله لكَ· المهم هو أن تنفذ الأوامر· والأوامر، كما يقول، لا خلاص منها إلا بالتنفيذ· وللتنفيذ، عنده، قواعد وأصول· وهو كَالحرباء الخبيرة يظل يحوم حولكَ إلى أن يتأكد من أن كل ما أمر به قد تمَّ تنفيذه كما يريد·
في أول لقاء لي به استبد بي العجب والإعجاب· رأيته ضابطاً متحمساً، فعّالاً، صريح الكلام، أنيق المظهر· ومن نظافة مكتبه ازددتُ اعجاباً· لكن تلَجْلُج حاجبه الهزيل، ومظاهر الاستياء البادية عليه ملآني أساورَ وأفكاراً·
في أول لقاء لنا في مكتبه الحربي تركني جالساً، وخرج· خرج ودخل عشرات المرات، دون أن يقول شيئاً· كنت أَبحث في نفسي عن سبب معقول لحركة عَبثية مثل الدخول والخروج، دون أن أجد الجواب·
كانت الجبهة محدودة· ولكل منا مهماته وَنواهيه· وهو يبدو كالطفل الذي كَثُرَت ألعابه، ويريد أن يتخلص من بعضها (حتى ولو بتحطيمها) ولا يريد!
استمعتُ إليه صامتاً، مردداً من وقت لآخر: نعم· سيدي العقيد! لم يبدُ عليه الاهتمام بما أقول· حكى لي عن كل شيء· عن الجبهة· عن الخطوط الحمر، والخضر· عن الآليات· عن الُحفَر والرُجوم· عن وجبات الطعام والألبسة· عن بطانيات النوم وعن الأسرة الحديد· عن كل شيء، ماعدا البشر· الجنود بالنسبة إليه، كما سأدرك فيما بعد، من الملحقات! وليس للملحقات عنده مقام·
رفع طرف الخيمة بيده الصغيرة، ومن جديد، دخل زكي محيياً باضطراب:
-العقيد، سيدي·
ألَحّ على كلماته لتحمل إليَّ توتره الكبير، وبعض خوفه· ومن ركودي الآسر رفعتُ إليه رأسي، ونظرتُه بعين ودودة، وإنا أقول بهدوء:
- سأذهب في الحال·
أردتُ أن أدرك السبب في استدعائه العاجل لي·أن أدركه قبل أن أصل إليه· أعرف أني إن وصلتُ قبل أن أحضّر نفسي فسأقع ضحية ثرثرته التي لا تنتهي· وهو منذ أن يقع مرؤوس بين مِخْلبيه يصبح مستأسداً وعتيّاً! ولكَمْ قرأ على رأسي التعاليم والحكايات· حكايات بطولاته الخفية التي لا تدرك بالعين المجردة! يجب أن تكون أنت هو لتدرك مقدار عظمته! ولأني مشغول بأمور أُخرى لا حل لها، صرت، رأساً، عصيّاً على الفهم والإصغاء· وهو ما حرّضه، وحمّسه أيضاً، ليضطهدني كلما لجأتُ إليه في شأن صغير·
إزاء خوف زكي المتزايد، وقلقه غير المعهود، لم أجد مفرا من استدعائه:
- يا زكي! قُل لحسن يحضر الجيب·
حسن من الساحل السوري· شاب طويل نحيف شيطاني النظرة· ضحكته مليئة بالبراءة وَالهزء· وفي جيوبه يحمل أقفالاً ومفاتيح· لا يكف عن الحركة حتى وهو يسوق الجيب العسكري العَتيق ذا اللون الكَاكي الملوّث بالوحل· إلى جانبه تستقر، دائماً، بندقيته ذات النظافة الفائقة· وهو الذي علمني كيف أمسك بالمِقْوَد على الطرقات الترابية المعزولة· وعندما يراني مسروراً، يصير يردد بفرح:
- على حظي، سيدي، لازم تسوق طَيارة!
يستقبلني في الصَنَمَيْن عندما أَعود من دمشق· ومنذ أن استقر إلى جانبه يبدأ بسرد ما حدث في غيابي· ومع أني لم أطلب منه ذلك، إلا أني رأيت عدم الإصغاء إليه أكثر خطراً من الإصغاء· ولذا أظل ساكتاً استمع إلى ما يروي، بصَبْر·
أحس بمتعته وهو يروي بشغف ما سمع وما رأى، وحتى ما لم يسمع، ولم يَرَ! العالم، وأكاد أقول الحياة، يتلَخّصان عنده بالوشاية! وعندما أزعجني الأمر(وقد أزعجني منذ أول مرة) حاولت التخلص منه، بنقله إلى سرية أخرى عبثاً· لقد كان مكتوباً عليَّ كما عرفتُ، فيما بعد·
صفحة 5
في الجبهة لا تشكل النميمة مصدراً للقلق، وإنما للاستمتاع· وكنا نمارسها بمتعة لا تقدر· لكن الوشاية كانت بالنسبة لنا نوعاً من الوسخ الذي نحذر التلوّث به· وبعض العناصر، ومنهم سائقي الذكي حسن، يمارسونها بسهولة ويسر(وأكاد أقول عمداً) وكأنهم مرصودون لمثل تلك المهمة·
في عينيه اللمّاعتين أرى بريق الحكايات وهي تتزاحم للخروج· صرت أفهم مدى أهمية ذلك بالنسبة إليه، وإليهم، وإن كنتُ أُدفنُ كل ما أسمع في التراب· ومع الوقت، وبتأثير التراكم المخيف لما سمعت، صرت أرحب صدراً، وأكاد أقول لا مبالياً، وإنْ ظللتُ استمع إليه باهتمام· يعرفون ذلك، ولم أكن أعرف· وتلك كانت هفوتي الأولى!
دخل حسن متحمساً، ودون أن يحييني (كما تقتضي الأعراف العسكرية) قال بصوت عال:
- الجيب جاهز سيدي·
قال ذلك واستدار ماشياً دون أن ينتظر رد فعلي· كدتُ أُناديه وألغي كل شيء، إلا أن زكي دخل في اللحظة نفسها وابتسم لي ابتسامة نصف مكسورة· ابتسم بشكل عفوي خالص، ولكن بتواطيء· وهو ما جعلني ابتعد من كل تفكير مغامر في تلك اللحظات·
لزكي، بشكله اليتيم، وهندامه الذي يشبه بهلواناً غير مدرَّب، أثر مهدِّيء في نفسي· وتلك مزية أساسية في العلاقة التي نشأت بيننا، برغم الرتبة العسكرية! كان يوحي لمن يراه بضعف آسر· ضعف المغلوب على أمره· إلا أنه، في الحقيقة، كائن قادر على ضبط هواجسه· لا، لم يكن كذلك، فحسب، بل أميناً في علاقته، وصادقاً في عواطفه· وهو ما يتناقض تناقضاً صادماً مع صفات العقيد!
عندما خرجت من الخيمة المدفونة في التراب، كان حسن جالساً وراء الِمقود، ومحرك الجيب قد بدأ الدوران· وهو يتأمل الفضاء بصمت مغرض· وأثار ذلك الاستغراق الُمفاجيء دهشتي: أيكون له يد في استدعاء العقيد العاجل لي؟ لكن البَشاشة الطبيعية لديه (برغم كل ما أنفر منه) والتي استقبلني بها، جعلتني أنسى الامر فوراً، وأُهيّء نفسي لمفاجأة قد لا تكون سارة أبداً· مَنْ يدري كيف تدور الأمور مع العقيد؟
في الطريق إليه قطعنا الخلاء الصامت ببطء· أحجار السهول البركانية تتراكم أكواماً على جوانب الطرق الترابية التي شُقَّتْ على عجل· كانت المنطقة مهملة بشدة قبل الهزيمة التاريخية ومنذ أن وجدت القوات المسلحة مراكز لها في حوران بدأ العمل في تهيئة الدروب والاشتقاقات· وصار عَجاج الآليات اليومي منظراً مألوفاً·
الناس يمشون بالقرب منا، دون أن يهتم بنا أحد منهم! لكأننا كائنات من كوكب آخر، أو هذا، على الأقل، ما كان يبدو عليهم وعلينا· سأعرف فيما بعد أن كل المظاهر خدّاعة، وأن الكائنات، وبخاصة تلك التي بلا أفق، كَالأنعام: حدودها في الحياة هي حدود أجسادها وما تقتضيه! كدت أضحك من نفسي في خضمّ طيران الجيب العسكري على تراب حورانالناعم : وَمَنْ كان غير ذلك فليتكلَّم! صرتُ أُردد في صمتي، حتى لا يسمعني حسن، الذي سمعني، ولا بد!
كان الطريق مستقيماً· ولم يكن حسن بحاجة حتى إلى الإمساك بالمقود· لكن الأحجار النابعة من قلب الأرض هي التي تجعل القيادة صعبة، أحيانا، وتوجب الحذر· في ذلك الصبح الصيفي الجميل، وجدتني استمتع بالرحلة التي لم أكن على بيّنة من أسبابها· كانت الشمس قليلة الوجد، وبعض رطوبة الليلة الفائتة لا زالت تهيمن على الفضاء، ملطفة نهار إنْخِلْ الذي سيكون جحيماً بعد قليل·
كانت دمشق تفتل في رأسي مع العَجاج المتطاير حولي! وفي شارع النصر منها، تمشي هاجِرْ بهدوء ساحبة جسدها البَضّ المليء بالريش· وصلنا إليها منذ ساعات· فطريق الجزيرة طويل· كنا جياعاً، ومهملين· وأبي يردد في رأسي: مَنْ طَلَب العلا سهر الليالي! وكان ذلك يَملؤني بفيض من الإرادة والتصميم· كنت أريد ألّا أعيد سيرة حياته· أن أخرج من المهد الذي وُضِع فيه· ولم يكن ذلك يحتاج إلى تبرير: كان كل شيء مرئياً· وكل مرئي غير مفهوم بالضرورة· لكن هذا ما سأدركه بعد ذلك بزمن طويل·
أريد أن أغيّر مسار حياتي، ولم أكن قد بدأتها، بعد· ذلك المفهوم المفجع، مفهوم ضرورة التغيير بأي ثمن، هو الذي قادني(مِنْ صحراء الجزيرة) إلى كلية الطب· وهو الذي سيقودني من كلية الطب إلى خِيَم الجيش المرابط على الحدود، حيث سأقع في براثن العقيد الملتهب من الغباء!
الشَعْر! الشَعْر! يردد الرجل الذي خرج من مَدْكَنه راكضاً خلفنا! وهاجِرْ تمشي بقوة وشعرها الأسود الغزير يترجرج في فضاء الشام التي تراها لأول مرة·
كان الجوع والعجب يتضافران لإعطائها نوعاً من الإحساس بامتلاء غريب· لم نكن نعرف أين سنذهب· ولم نكن نريد أن نعود· كانت أختي قد رافقتني لكي أتمكن من متابعة دراستي في الكلية· هي لا تقرأ، إلا أنها لم تكن تشعر بحاجة إلى قراءة وهمية وهي تتابع قراءتها الحقيقية للعالم· وكان ذلك يَملؤها حُبوراً·
وفجأة، صرخَتْ ملتاعة، وهي تردد في همس: شوف الرووس معلقة! قالت ذلك وَاحتمتْ بي وكأني جبل سأحمي عيونها من الرؤوس الاصطناعية ومن عمائم الشَعْر المزيف المنسدل عليها بلا أناقة· في تلك اللحظة العاصفة، سيبرز الرجل، من جديد، مُتلَمِّظاً، فاحصاً شَعْر هاجِرْ بعينين ناريتين، قائلاً بتواطؤ:
- أريد شعرها، وسأدفع الثمن الذي تطلبه·
صفحة 6
ونَطَّتْ هاجِرْ دَاحسة نفسها بي، وكأنها تريد أن تدخلني لتهرب من عينيه:
- يا خيّي، الرِجّال يريد راسي!
ذلك النهار، سندور، وندور، وسنعرف أن المدينة بلا ضيوف· وأن كل شيء مخطط بدقة· فلا يمكن أن ننام إلا في مكان ولا أن نأكل إلا من طعام كنت حائراً· وهاجر أكثر مني حيرة: إما أن نعودبخفي حنين، أو أن نبيع شعرها الأسود الغزير· نبيعه لكي أَستطيع أن أبدأ، أن أبدأ، فقط، مرحلة التدجين!
كانت هاجِرْ تبكي وهو يجزُّ شعرها كما تُجَزُّ النِعَاج· وقبَّلَتْني وهي تَلُفُّ رأسها الحليق، قائلة: يا خيّي، خوذْ الفلوس، وادرُسْ، وآني أرَوِّح على أهلي يحْرَمْ علَيَّ النوم هين!
- وصلنا، سيدي!
قال حسن بهدوء قبل أن يُطفيء المحرك بعد إن اجتاز بوابة قيادة الفِرقة وبدأْتُ استعيد نفسي من ذكرياتها المَشئومة قبل أن أَقع بين مخلبي عَقيدي اللئيم
أعرف أن الدخول عنده ليس كما الخروج· فللعقيد منهجه في الحركة وفي الحديث· حركة بلا قاعدة، وحديث بلا مضمون· وهو لذلك يطول ويطول· لكأن العَقيد يحاول أن يعوِّض مالايُعَوَّض من حياته بالكلام·
يَصول ويجول وهو يَتأنّث ويتأنَّق· ومن وقت لآخر ينادي على حاجبه المسكين:تعال يا ابني! مادّاً قَدميه، الواحدة بعد الأخرى، ليمسح له الجندي حَذاءه· وأكثر من مرة يجعله يعيد المسح بخرقة جديدة· لكأنه يريد أن ينظِّف نفسه عبر تنظيف بوطه اللامع كالحرير·
العقيد لا يمشي· يمتطي اللاندروفر المُموَّه بإتقان إلى أن يصل إلى المكان وعندما يصل إلى حيث يريد، يصير يأْمر سائقه بعنجهية:
- تقدّم· تقدَّم·
حتى لتظنّه يريد أن يُدخِل الجيب في سمّ البرّاكات التي يزورها تحاشياً للسير خطوة واحدة فوق التراب!
هو يكره السير على الأتربة والقُشوش· ولكيلا يتعثّر بالأحجار السود المغروزة في القاع، يوقف اللاندروفر الكاسدة الألوان على باب الخيمة الصغيرة المغروسة في الأرض، وبأعلى صوته الأبحّ، قليلاً ، ينادي: وين الدكتور؟
كان زكي شديد الحساسية لصوته الذي ينتشله حتى من أعماق النوم، فيجيئني راكضاً، مَلهوفاً، وكأن الكارثة حلَّتْ: العقيد، سيدي· العقيد!
وصلتُ إلى الجبهة منذ أشهر· وذلك يكفي لإدراك بذاءة المجد الذي يحيط بي· مَجْد يعلن عن حقارته، وعن ضَحالته، منذ اللمحة الأولى! صرت أحب الأتربة والأحجار، وأبتعد عن أَزياف البشر الذين يتكاثرون كالنمل· دمع هاجِرْ، وشَعرها الأسود الجميل الذي جُزَّ بوحشية أمام عينيّ ، هما اللذان سيحمياني من السقوط في هاوية الرضاء عن الذات والانغماس في تفاهتها!
ثمة أمر جليل ينقص كل شيء حولي· في بداية الأمر حسبتُ أن النقص في نفسي· ولأنه فيها فعلاً، فقد كان فيمن حولها، وفيما يحيط بها كالسوار، أيضاً! كانت العساكر تتكاثر، كذلك· وفي كل يوم أَتفرَّج على أفواج جديدة من الشر، دون أن اغدو صديقاً لأحد· لكأن الناس تحتمي بثيابها، عجباً! وأنا أحب معرفة الناس ولقاءهم· وحده، المشي وحيداً في الحقول مساء، يعيدني إلى حظيرة البشر· ولكن أي بشر هم هؤلاء؟
دخلتُ على العقيد، متعجّلاً·
- احترامي سيدي!
قلت بتبجيل باذخ· لم يسمع مما قلته شيئاً· كان رأسه مغروساً بين أوراق كثيرة متناثرة، وأذنه ملتصقة بالهاتف الميداني· وكأنه نسي لماذا دعاني، استبدت به الحيرة، وهو يراني في حضرته· ولا بد أنه تذكّر الأمر، أخيراً، ولم يكن ذا أهمية، كما أحسب، إذْ قال، دون أن يرفع نظره إليَّ:
- تعا، بكْرَةْ، دكتور·
صفحة 7
[3]
الآن أَتذوَّق حلاوة تلك المرارة!
كانت الدنيا مساء عندما عدت من مشيتي اليومية في الحقول الخضر المحيطة بإنخل أمشي لأتفكَّر في مصائر الكائنات، ومنها مصيري · أحسني كالطير الذي وقع في مصيدة كائن غبيّ لا يعرف قَدْره، وما عليه إلا أن يخلص نفسه من الأسر!
كانت المقولة التاريخية الشهيرة: أحسنت الدخول فاحسن الخروج تأسر لُبّي· أريد أن أملك شأن نفسي بأي ثمن! والآخرون يحسبوني حراً بامتياز· كنت أدرك أني لم أكن حراً في أمر· وَمَنْ يجرؤ على ادعاء امتلاك حُريتة الشخصية في بلد لم يُهيّء الحرية لكل رعاياه، ولم يتخلص من تواطؤه مع التاريخ!
ذلك المساء، أيضاً، استقبلني زكي مبتسماً بخبث:
- المريض وصلَتْ، سيدي!
صرتُ أعرف من حركات فكيه، أهمية الناس الذين يتوافدون على العيادة البرية عيادتي التي جهزها بكل ما يمكن أن يُستعمَل في ذلك البر المنلقح تحت هَضائب الجولان غرفة معزولة وَضَع فيها قَادوس ماء للشرب، ومجموعة من التَنكات التي صفَّها وغطَّاها، وسرير من الحديد القاسي حطّ فوقه بطانية صفراء عَتيقة ووسادة من قش· وفَصَلَ موقع الفحص عن موقع الانتظار بخائط (بالخاء) من قماش أبيض شفاف· وظلت النوافذ مفتوحة للريح· ليس للعيادة باب، ولذا كان مُضطراً للنوم فيها ليلاً (وهو ما سيخلّصه من النوم القاسي في مَهجع الجنود)·
من أول يوم صارت العيادة مكاناً للتوادد والإلتقاء· وصرت أقضي أوقات طويلة فيها: أَقرأ، وأكتب، وأتأمل، وأتجمّل·
صارت لي فيها ملامح وذكريات· آهات ودموع· ملامس وحُساسات· حتى أني بدأت أنوي الإقامة فيها· وهو ما أخافني: أن أحس بالأمان في مكان ما (حتى ولو كان لي) هو أن أَتخلّى نهائياً عن مشروع حياتي الأساسي الذي من أجله كنت مستعداً لفعل كل شيء! العيادة، إذن، قد تكون إبادة! أُردد في كل مرة أدخلها·
في فضائها، كنت أَبتئس قصداً، كما سأدرك فيما بعد، لئلا آلفها· ولكن، مَنْ هي هذه المرأة التي ملأت فم زكي بالإبتسام؟
وقفَتْ، عندما دخلتُ:
- مساء الخير!
قالت بصوت خافت لا يكاد يُسمَع· تتكلم همساً وعيونها تنظر الأرض· سحنتها صفراء مُسمَرّة· على جَدائلها أَغبرة وآلام· ثوبها زَاهٍ، مفصل من قصب وقش· في صدرها آهات تَتفلَّت للإنطلاق· حذاؤها من جلد وخيوط· وكعوبها مطلية بالقير· بلمحة رأيت قلبها الخافق· ومن سٌهومها قَرأتُ أسرار نواياها·
- تفضلي!
قلتُ بأدب وحنان· كنت بحاجة إلى كائن يفوقني ضعفاً لأطمئن· وكنت مستعداً للتوهّم والإختلاق· لكأن الحياة لا تستقيم بلا أضغاث أحلام نُنَمّيها منذ نعومة أَضلافنا!
- لا! مستعجلة، والله·
قالَتْ بخفر ونعومة، وكأنها تقول: خُذني على الفور، خُذني!
تريثتُ قبل أن أَرفع عيني إلى ذقنها النازل· قبل أن أُلاقي وجهها بأنفي· قبل أن أُحيطها بمرفقيّ المتهيّئين لحَضْنها! بدأت أحس حرارة التوهّج، والإستعار، ولم يكن المساء مهيئاً للرُؤيا· كيف أَتخلص من أَظافر نفسي؟ كيف أسند المرأة التي ستقع ، للتَوّ، على الأرض! ماذا أفعل غير أن أُنادي بأعلى صوتي، في ذلك المساء المُرَقَّع بالأفانين:
- زكي! زكي!
وكأنه جنّيُّ ألف ليلة وليلة، وقف زكي بين يدي في الحال· كان خَاتلاً، ولا بد، في أقرب نقطة مني! وإلا كيف تراه سمع صوت ارتطام الجسد قبل أن يميل على الأرض؟
- الَمَرَةْ يموت، سيدي! يردد مضطرباً ورَجوفا!ً
صفحة 8
- زكي! هات المَيْ· عَجِّلْ!
أَتطلّع حولي في العيادة الخالية لكي أسعفها، ولكن بأي شيء؟على الطاولة الحديد بعض الأوراق، وقلم أجرب، وخَتْم طبي يؤكد أني، طَبيب الوحدة المرابطة على الحدود، عضو نقابة أطباء دمشق لكن ذلك كله لن يفيد المرأة المسكينة التي التجأت مساء إليَّ·
كنت لا أملك من الطب إلا اللقب· مع ذلك صرتُ أَتحرك بغائية، وأتحرّى الأغراض حولي، وكأني في غرفة العناية المشددة رَششت وجهها بالماء البارد· دلكتٌ أركانها بيدي· وسمعت أصوات أنفاسها التي بدأت تتوالى بانتظام وصبر· من دقات قلبها اليابس عرفت أن الأمر لا يتعدى طَورالإحتراق، احتراق الكائن بنيران شقائه الإنساني: شقاء الرغبة الي يهدرها كل يوم بلا إشباع! كيف أُقيمها من هذه السقطة المريبة؟ وبأي وجه سأتلقّى أفانينها من بعد؟
من التَعابير البائسة التي ملأت غضون وجه زكي عرفت أن الأمر خطير· ظلت المرأة تتلَوّى وكأن في أحشائها ناراً· من عينيها تتقاذف الشهب والأسرار· الصفرة الباهتة تتسلّق أركانها! وبدأ زكي يرتجف وهو يقول شبه- منتحب:
- المَرََةْ يموت، سيدي!
لأول مرة رأيت أشجان عينيه، وبَلَلَهما· رأيت الخوف المتوحِّش يملأ شِدْقَيه· صرت أريد أن أفعل شيئاً ينقذ حياتها التي بدأت تَتهارب منها· وبالرغم من كل سَعاديني، وحِيَلي الطبية، وجدت نفسي على حافة الانهيار! وفجأة، صرت أصرخ:
- زكي! نادِ الممرض والإسعاف·
وزكي يركض في العيادة المحدودة كالأرنب المجذوب· يدور حولي وحولها، ولا يكف عن الدوران· وبيدي التي حررتها منها دفعته خارجاً:
- اركض! هاتِ الممرض والأدوية·
ورأيته يسابق الريح وهو يصيح:
- سوليمان! سوليمان!
لكن سُلو لم يكن في ذلك المساء هنا!
- أين سلو يا زكي؟ صرت أصرخ وانا أَكاد أن أُلقي بالمرأة الهامدة على القاع·
-زين! زين! صار يردد في أذني زكي· وفجأة، قال: أعرف أين سأجده الملعون! ومن جديد بدأ يركض كالثعلب المطرود·
ستموت النازحة بين يدي! ستموت قبل أن يصل زكي· قبل أن يعود جارّاً خلفه سلو العجين! كنا نسميه العجين لشدة لينه وَتَماهله في العمل· وبرغم الرخاوة البادية عليه يقوم بعمله خير قيام· كان متأنياً وصريحاً، لكنه صارم عندما يعمل· ولأنه يروي لي أحداث عامودا وحَواريها، كنت أَستلطفه كثيراً·
عامودا أول مدينة أراها· وأول سوق أَدوسها صغيراً سوقها· في مساربها تحملني أمي مثل حِزْمة الحطب فوق ظهرها، وأبي يقودنا باكراً مع الفجر· كان علينا أن نبيع ونشتري· أن نصل وأن نعود قبل الليل· قبل أن تظلم الدنيا كما يقول أبي·
على الأتربة المنثورة حول نهرها الناشف أَتغوط· وفي محافر جيلانها أَبول· أرى الأثواب الزاهية تغطي خصور نِسائِها وأتلَمّظ· ألُمُّ بعضي على خروقي الممزقة منتظراً أن تظهر العلامات· ما كنت أخاف أحداً· كان أبي طويلاً، وأمي مَرْبوعة وسمينة، وأنا الأملق الصغير· كان أبي يُخَيِّرني· ولا أَختار إلاّ التين والرمان· و يتعجّب وهو يمشي ساحباً أمي: الولد ببطنه شي!
من غُفولي العابر نبهني زكي:
- المَرَةْ أصفر كتير، سيدي! (نسيت أن أقول إنه يُؤنّث المذكّر، ويُذكٌِر المؤنث)·
- المرأة ماتت يا زكي! قلت بلوعة والخوف يملأ أركاني· وقبل أن أَحدد: تكاد أن تموت، قال، مردداً كلامي المتسرع:
- ماتت!
صفحة 9
صار يبكي وكأنها القيامة· يرتجف بالقرب مني مثل طير اُنتِشِلَ، للتو، من بئر عميق· كيف أَشرح له الأمر؟ وماذا لدي لأقوله، أصلاً؟
كنت أحس بصَلافَة الكذب وهو يتقاطع مع العبث، وكأنهما يتلاقيان، في تلك اللحظة، من أجل إجهاض مشروع حياتي! كنت عاجزاً عن ضبطهما· كانا يتحكمان بي، مثلما يفعل العقيد ريمون تماماً· كل شيء يسيل من بين أصابعي، دون أن تحسن نفسي الإستفادة منه· كنت أحسبني متأهباً للوصول إلى أبعد الأمكنة والإمكانيات، ولم أكن ، في الحقيقة، سوى رجل من قش! عليَّ أن أعيد ارتباطي بنفسي، إذن· وفجأة صرختُ:
- سلو! (كأنه ملجأي الأخير) هات السيارة وخذها على الاسعاف·
- إلى دَرْعا، سيدي؟
- إلى الصَنَمَيْنْ يا أبله! إلى أقرب مركز طبي·
لأول مرة، أراه يهروِل، وهو يتمتِمُ: ميتة، وآخذها على الإسعاف! وكأنه اقتنع، فجأة، بصواب رأيي، صار يهزُّ رأسه راكضاً متلفتاً في كل صوب·
قبل أن تموت، رفعَتْ عينيها إلى وجهي وهي تُتمتِم لائمة:
- جيت مرتين وما لقيتك! وين كنت؟
كانت تعرف أنها ستموت، إذن؟أنا الوَحيد الغارق في الغفلة والجهل· وهو ما أَكَّدَتْه قائلة بحَسافة:
- حسبتك طبيب زين! حسبتك أحسن طبيب!
وانغلق الحلق على اللسان· صارت شفاهها مثل حطب البُطْم العَتيق· وحدها، نظرتها ظلتْ خضراء وناعمة· لكأنها أرادت أن تسامحني قبل أن يقهرها الموت·
الموت في الجبهة بلا إثم· وهو، أيضاً، لا اسم له· الناس هنا كَالأنعام، أو أخفّ بَهَظاً· نازحون من القرى المحتلة والتخوم· من القنيطرة، من تل الفرس ومن أنحاء الجولان الأخرى المزروعة بالأحجار· لكن الموت على هذه الشاكلة، يُذكِّر بأشياء كثيرة· يذكّرني بميتات أخرى مرت بالقرب مني·
في تلك الحظة، صرت لا أطمح إلا إلى الخلاص منها: امرأة عرفتها ساعة موتها! كان يمكنني أن أسعفها، أن أضع في يدها مَصْلاً وحليباً، لو كانت السرية الطبية التي أرأسها، تمتلك شيئاً منهما· لكن العقيد الشديد القَتَر، المسئول عن حياة الجنود، والذي لا يريد أن يفعل شيئاً بلا فائدة، فَرّغ كل شيء من محتواه· جعل امكانياتي الطبية تتلخص بالأسبرين، والمسكنات، وحبوب الوجع والإسهال· كنت أَعزل وخائباً مثل كلب نُزِع لسانه لئلا ينبح غريباً! وظلَّ يردد عَلَيَّ أوامره، كلما التقى بي: كل العساكر يجب أن تتداوى هنا، على الأرض، عندك!
يحدد مشيراً إلى التراب الذي يمشي فوقه باحتقار، قبل أن يُتابع: وَمنْ يقاوم الشفاء في هذا المكان(مؤكِّداً سوء النية العَفوي لدى الجنود) لن يشفى في أي مكان آخر· ولكي أفهم صراحة (وكأنه يحذرني من التواطؤ معهم) يضيف بتحدّ، وهو يمصُّ سيكاره الهولندي النتن: ولن أسمح لأي عسكري بالسَفَر إلى الشام للعلاج· وبعد أن يُراوِغ نظرتي الحاقدة، يؤكِّد، دون أدنى تأنيب ضمير: أنت أحسن أطباء الجيش!
أعرف أنه يكذب·
دخلت الطب صدفة، ولم أفلح به كثيراً· كنت أميل إلى دراسات أخرى لم أتمكن من متابعتها لأسباب نسيتها، الآن· وعندما جِئْتُ إلى الجيش كانت الدوافع كثيرة لا مجال لتعدادها، اليوم· ولأني لم أكن معنيّاً بما يدور في رأس العقيد، أظل ساكتاً، وهو يتكلّم، استمع إلى فقاعات نفسي التي لا تكف عن التكوّن والإضمحلال·
نظرته الزائغة تسلّيني! أرى في عينيه غمام التعنّت الذي لا يمكن التخلص منه: تَعَنُّت المتحكِّم برقاب الناس! كان جهله مخيفاً: جهل بلا حنان! أحياناً، أرى اضطرابه العميق يتجاوز شَفتيه إلى الفضاء المحيط بنا، معلناً عن نفسه بطمأنينة· وعندما يتمادى في أفق كلماته التي بلا معنى، كما يحدث، غالباً، في مساءات الجبهة الشديدة الهدوء، تملؤه الراحة والبلادة، معاً، وكأنه يتذوّق متعة التَبوُّل بعد حَصْر طويل!
ذلك، كله، جعلني أَتمزّق لموت المرأة المجهولة· أَتمزّق من نظرة الحنان التي غمرتْني بها وهي تموت· ومع أني لم أفعل لها شيئاً، إلا أن شعور الإعتراف بالجميل كان يفيض منها! أيجعل الموتُ الكائنَ أَريباً إلى هذا الحد؟ لا! لقد رأيت آخرين يموتون متجهمين كالثيران، مع أني أتيت كل ما أستطيع لإنقاذ حياتهم البائسة·
لا بد أن يكون العقيد من هذا الصنف· وعندما سَيُجرح في المعركة المقبلة سترى كيف سيصرخ مثل فَطيم عزلوه عن أمه· أَكاد أحصي عدد خلايا الجُبْن الكامنة في معثكلته! العقيد المتعَسِّف الذي يُشَقْشِقُ، اليوم، كالجمل الهائج في برية حوران!
صفحة 10
[4]
بلا لغة ولا نقود بدأتُ رحلتي الأساسية في الحياة·
منذ أن تركتني هاجِرْ وحيداً، أدركت أن الموت لا يخيف· وأن الجوع والإضمحلال اليومي، وحدهما، جديران بالوَبال·
كانت الشام مستتبة، وبطيئة· كنت أعدُّ الأيام التي ستوصلني إلى الرفق· أيام الدراسة المليئة بالآمال· كانت الغَاردينيا عامرة بالبشر والدُخان· وكنت أَتناول من مَجامرها بعض الحرارة والريب· أصدقاء البارات العَتيقة يتجمعون سعداء ومتهيبين· يتضاحكون، ويتماحكون، وأظل ساكتاً وسجيّاً·
كان أنور يخاطبني، من وراء نظارته الَسميكة، متعجباً:
- لماذا لا تحكي أيها الغُراب؟
الحَكي بالنسبة لأنور الطري هو الضحك بمناسبة وبلا مناسبة· يكفي أن يشرب كأساً ليتحول العالم عنده إلى سراب· عندها، يصير يتطلّع إليَّ بِجَفَاء يرعبني· أعرف أن لوجهي أبعادا كثيرة، لكن بُعْد الغُراب هو الذي سيسيطر على نفسي منذ أن سمعت الكلمة تخرج مُفَخَّمة من بين شفاهه البيضاوية، المبللة بالبُصاق· وعَبْر العَكَر الدخاني المنطلق من أنفاسه، ملوّثاً نظارته الَسميكة، لم أكن أَستشف مدى الصدق، أو الرياء·
عندما انتحر الستيوارت الجميل ، مضيّف الخطوط الجوية السورية، بطلقة في رأسه، كدت أبكي عليه رغم معرفتي السطحية به، والتي مصدرها أنور، أصلاً· إلا أن تلك النزعة البكائية عندي تحولتْ إلى نوع من التشتت والضِياع عندما سمعته يردد، بلا مبالاة، وقد كان صديقه الحميم: الغبي! انتحر يوم موعدي معه! هكذا خسرت كروز المَالبورو الذي وعدني به!
من بعد، عرفت أنه كان يَقبُصُ منه زجاجات الشراب الأصفر مثل عين الديك على حد قوله، لقاء مَدائح مجانية وعابرة يكيلها له·وأكثر من مرة، كان يتباهى، يتباهى بذلك الشراب العجيب كلما التقينا، ملوثاً وجهي ببصاقه المتناثر، وهو يؤكد مترنحاً: لم أَتوقف عن الشرب منذ البارحة مساء، يا غُراب!
حدث ذلك، كله، قبل الهزيمة، بقليل· كنا طلبة وَمتحمّسين· بعد ذلك، اختلف الموضوع! صار أنور بائساً وتعيساً· والتحقتُ أنا بالجيش طبيباً· كنت أحسب أني بذلك سأمسح الوجع عن نفسي، والانتكاس من رأسي· كان كل شيء يبدو ممكناً وبسيطاً·
تخرجتُ، حديثاً، من كلية الطب، ولم ينجح أنور، بعد حتى في السنة الأولى من دراسته التي امتدت سنوات· كان سعيداً بذلك، وهو ما يَملؤني عجباً· وفي كل مرة أَلومه فيها على إهماله، يردُّني معنِّفاً، مختطفاً بعض شِعْر طرفة : ألا أي هذا اللائِمي أشرب الّلمى، وأن أغرف اللذات هل أنت مخلدي؟
لكن ذلك لم يكن مقنعاً، وهو العليم به· وعندما رأيته بعد أشهر من افتراقنا التَراجيدي الذي تلى الهزيمة، كان متهدلاً، يمشي بتثاقل وبطء، وكأنه خارج من قبر·
من قبل، كان يخطف الأرض خطفاً، متجهاً إلى مسقط رأسه كما يسمّي غرفة النوم، أو إلى محطّ المؤخرة كما يسمّي المقهى·
الغَاردينيا هي المحط الأفضل عنده، حيث تنتظره فيه، دائماً، بعض الجميلات الباحثات عن الشهرة والنوم، كما يزعم· لكن ذلك الادعاء الَمشروخ لم يكن إلا ليزيدنا فرحاً واحتفاء به· فما جدوى أن يتقشّف الكائن في جوّ مشحون بالخيبة والغباء؟
عندما سألته عن سر تثاقله المريب، شرح لي نظريته الجديدة قائلاً: قررت ألا أَضاجع امرأة، إلاٌ·· وسكتَ· سكت وهو يَتعذب لأنه حكى لي، ربما، ما كان يجب السكوت عنه· لم ينظر إلى عيني كما من قبل، حينما كان يغرقني بتَلمّظاته الجنسية (حتى الوهمية منها)·
ولما رَآني أَنتظر بقية النظرية، بكل إنصاتي، أضاف بنوع من التوتر والغرور: إلا إذا سال منهما السيل عفواً· وأشار إلى خصيتيه، وهو يقول: منذ أشهر، وقد حرمتهما من كل نَيْل، صرت أحس بثقلهما بين رِجْليَّ· لكأنه تضاعف عشرات المرات! وبدأتُ أشعر، أضاف بنوع من التباهي الغريب، بهما يَلْطُمان فخذيّ نتيجة الانتباج الهائل في أَقنيتهما· وقبل أن اقول شيئاً، أكّد بجد: أريد أن أَتحوّل إلى ثور! ثور يغرق العالم عندما يقذف·
في الصَالحية عندما التقينا، من جديد، بعد فراق قصير، كدتُ أخرُّ ساجداً عندما رأيته· ساجداً من العجب والهول! كان يمشي مباعداً ما بين فخذيه· لكأن دَلْواً يتدلّى بينهما· دلْو مَملوء بأَمْخِطة واضطرابات· لكأن ثُقْلاً باهظاً عُلِّق في أسفل حوضه، وبالضبط في إحليله· وبدا لي فمه أعوج وَشاقولياً! وبلا تحية بادرني بازدراء، وكأنه يريد أن يحمي نفسه من نظراتي:
- أنظر! وأشار إليهما من جديد: