صفحة 1
الثلاثاء 16/4
أبدأ في تدوين يومياتي، بعد ثلاث سنوات من عودتي إلى الوطن. قلت للصحافيين الذين سألوني عما سأفعله بعد العودة: سأكتب وأكتب وأكتب. كان هذا يعني أنني أقدّر قيمة الكتابة وأعي أهميتها، غير أن هذا الوعد الذي قطعته على نفسي لم يتحقّق على النحو المطلوب.صحيح أنني كتبت في السنوات الثلاث الماضية، مقالات سياسية وأدبية، وشاركت في ندوات أدبية وسياسية في القدس ورام الله وغيرهما من المدن الفلسطينية، وتمكّنت خلال هذه السنوات الثلاث من الانخراط في تفاصيل المشهد الثقافي الفلسطيني الراهن، غير أن هذا كله لا يستجيب تمامًا للوعد الذي قطعته على نفسي.
وصحيح أنني كتبت نصًّا مسرحيًّا تم عرضه في مدن فلسطينية عدّة، وأنني، عبر قراءاتي الواسعة، رحت أعد نفسي لكتابة إبداعية متصلة، غير أنني لم أكتب قصصًا حتى الآن. آخر مجموعة قصصية صدرت لي في الخارج، كانت في العام 1991، وبعدها لم أكتب قصصًا، وأنا مكرّس في الحياة الثقافية الفلسطينية باعتباري كاتبًا للقصة القصيرة، فأين الوعد الذي قطعته على نفسي؟
منذ أسابيع، بدأت كتابة قصة طويلة للفتيات والفتيان. قد تكون هذه بداية ملائمة لاستعادة نشاطي في الكتابة الإبداعية، غير أنني لست واثقًا من ذلك، ولذلك، فأنا أشعر بعدم ارتياح، وعليّ أن أراقب موقفي من الكتابة، وأن أفكّر على نحو جدّي بتوفير ما أمكن من الشروط التي تجعلني قادرًا على العودة المنتظمة للكتابة.
لعلّ هذه اليوميات، تسهم في شيء من ذلك.
صفحة 2
الأربعاء 17/4
إلى أين في هذا الصباح الربيعي المبكر؟ إلى مقر وزارة الداخلية الإسرائيلية في القدس الشرقية.ولماذا؟ لتجديد وثيقة السفر.
ذهبت وانتظرت خمس ساعات حتى تمكّنت من تقديم الأوراق، وعلى الباب الخارجي للمبنى الكائن في شارع نابلس وقفت مع طابور من الرجال والنساء ننتظر الدخول. إنه انتظار مذل ومهين يفرضه علينا المحتلون.
تذكّرت أن اليوم هو يوم السجين الفلسطيني. خمسة آلاف أسير وأسيرة في السجون الإسرائيلية. وأنا واقف أمام مبنى الداخلية، طاب لي أن أدخل في لعبة التخيلات: أمّ غاب عنها ابنها أو ابنتها خلف القضبان منذ عشر سنوات، تجلس كل صباح في شرفة البيت وترنو نحو البعيد، نحو السجن الذي يحتجزون ابنها أو ابنتها فيه، وتنتظر. امرأة لم يعد زوجها إلى البيت منذ اعتقلوه قبل خمس عشرة سنة، وهي مرابطة في البيت صابرة تنتظر عودة زوجها إليها. طفل كان عمره ثلاثة أشهر حينما اعتقلوا أباه، وهو الآن شاب في العشرين، وهو لم يظفر بعطف الأب وحنانه مثل بقية أطفال العالم.
ولكن، لماذا التخيّلات والحقائق الدامغة ماثلة هناك؟ آلاف الأمهات والزوجات ينتظرن الأحبة القابعين خلف قضبان السجون، ومعهن آلاف الأطفال الذين ينتظرون آباءهم. فلماذا لا نقوم بتنظيم حملة عالمية مستمرة لإطلاق سراحهم؟ لماذا؟
غادرت مقرّ الداخلية ووصلت بعد الظهر إلى مقرّ "الطليعة" الكائن في حي الشيخ جراح بالقدس. وجدت الشباب يهيئون لإخلاء المقر، وهو بيت قديم من بيوت القدس التي تتميز بسقوفها العالية وشبابيكها المستطيلة. ولماذا يخلي الشباب المقر؟ لأن "الطليعة" توقّفت عن الصدور بسبب شحّ مواردها المالية.
كنت رئيس تحريرها منذ العام 1994. والآن، تشعرني بالحزن لحظات إخلاء المقرّ ومغادرته إلى غير رجعة. تأملت غرف المبنى التي بدت موحشة وهي تخلو من الطاولات والكراسي والخزائن. تأملت مكتبي الغارق في الصمت. من قبل، كان بشير البرغوثي يشغل هذا المكتب، باعتباره رئيس تحرير "الطليعة" الذي أعطى "الطليعة" تميزها لسنوات. هاتفني ذات يوم، وكان مداومًا في مكتبه في مركز السلام الواقع في شعفاط. ذهبت إلى مكتبه، وكانت صحافية شابة تجري معه حوارًا. وبعد خروجها من المكتب اقترح علي أن أتولّى رئاسة تحرير "الطليعة".
وافقت على الاقتراح وأصابتني رعشة فرح ممزوجة بشيء من التهيّب، ذلك أن رئاسة تحرير "الطليعة" بعد بشير البرغوثي تضع على عاتقي مسؤوليات جمة، وبذلت كل جهد مستطاع، نجحت في أمور وأخفقت في أمور أخرى، وكانت التجربة درسًا كبيرًا لي في مهنة الصحافة بشكل عام.
بعد ساعتين غادرت مقرّ "الطليعة" التي لن تعود إلى الظهور اعتبارًا من الغد، وكانت أسئلة كثيرة تدور في خاطري.
صفحة 3
الخميس 18/4
قرأت خمسين صفحة في رواية "الأربعينية" للإسباني خوان غويتيسولو. هذا كاتب له أسلوبه الخاص، وثمة استفادة من التصوّف الإسلامي في هذه الرواية، وبالذات من ابن عربي.
في الليل تدرّبت على الرسم. حتى هذه اللحظة لا أتقدّم كثيرًا. ثمة متسع من الوقت أمامي، فأنا لم أبدأ إلا منذ شهر. ومع ذلك، لا أتوقّع أن أصبح رسّامًا، إنما هي محاولات.
أمينة تنام في غرفتها ولا ندري ماذا يخبئ لها المستقبل، والحفيد محمود يملأ البيت ضجيجًا ولا ندري ما الذي ينتظره بعد خمس أو عشر سنوات.
صفحة 4
الأحد 21/4
كان يتعيّن علي أن أكون اليوم في غزّة لحضور الدورة الحادية والعشرين للمجلس الوطني الفلسطيني، التي ستبدأ مساء الغد، لكنني لم أذهب، لأنني غير مقتنع بعضوية هذا المجلس الذي شاركت فيه منذ العام 1987، وحضرت الدورات الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين التي انعقدت جميعها في الجزائر، ولم أشعر بأن لي ولكثيرين غيري أيّ دور يذكر في هذا المجلس، فلماذا أحتفظ بعضويته؟ قد يبدو هذا الاستنكاف مستغربًا في زمن التشبث بالمواقع والرغبة في الظهور، إنما هذا ما وقع، وأنا الآن مقتنع بما فعلت.لم أذهب إلى غزة سوى مرتين. الأولى لحضور اجتماع حزبي موسع عقده فرع الحزب هناك. كان الطقس باردًا بعض الشيء، ولم تتح لي فرصة للتجوال في المدينة. مر الوقت كله ونحن داخل قاعة مكتظة نناقش قضايا سياسية وأخرى تنظيمية. والثانية حينما دعاني محمود درويش لحضور اجتماع يحضره بعض الأثرياء الفلسطينيين لتشكيل هيئة داعمة للثقافة الفلسطينية. اجتمعنا وتبادلنا الآراء ولم نتوصل إلى قرار نهائي حول الهيئة الداعمة. هذه المرة أيضًا لم تتح لي فرصة للتجوال في المدينة. بقيت معرفتي بغزة منقوصة إلى حدّ كبير.
هذا الصباح اتصلت موظفة في وزارة الداخلية الإسرائيلية تسأل عني في البيت، وتطلب مني إحضار وثائق تثبت أنني مقيم في القدس من أجل الحصول على وثيقة السفر. هذا السؤال مفاجئ ولم أكن أتوقعه، ففي العادة تتركنا الداخلية للانتظار الممل، ولا تستجيب لطلباتنا بالسهولة المتوخّاة.
سأذهب إلى هناك ومعي الوثائق المطلوبة.
صفحة 5
الاثنين 22/4
انتهيت من قراءة مذكّرات خليل السكاكيني "كذا أنا يا دنيا" وهي التي أوحت إلي بالشروع في كتابة هذه اليوميات. أشعر الآن بالحزن وأنا أقرأ السطور الأخيرة في الكتاب على لسان ابنته هالة، وهي تشير إلى وفاته بعد ثلاثة أشهر من وفاة ابنه سري الذي مات في عزّ الشباب، ما أورث والده حزنًا مقيمًا، فلم يغادره حتى مات.الآن، وقد انتهيت من قراءة المذكّرات التي لمست من خلالها سعة أفق السكاكيني، ورجاحة عقله، وانحيازه إلى تيار التنويريين الفلسطينيين والعرب، فإنني أرى ضرورة كتابة سيناريو تلفزيوني أو سيناريو فيلم وثائقي عنه. ليتني أتمكّن من كتابة هذا السيناريو، أو ليت أحدًا غيري يتمكّن من ذلك.
كم كان هذا المقدسي محبًّا للقدس التي عاش فيها أغلب سني حياته! وكم كان محبًّا لزوجته سلطانة! وكم أثّر موتها على حياته!
صفحة 6
الخميس 25/4
اللقاء مع الطلاب والطالبات يعيد إلى ذهني تجربتي الطويلة في التدريس. كانت تجربة ممتعة في كثير من الأحيان.اليوم، شاركت في مهرجان نوار نيسان الذي تقيمه في رام الله مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي مع مؤسسات أخرى. التقيت مع عدد من الطلاب والطالبات، حدّثتهم عن بعض قصصي التي كتبتها للأطفال. حدثتهم عن ابنتي أمينة التي تشعر بوهن في ساقيها، وعن حفيدي محمود الذي يعاني من صعوبات في النطق. أصغوا باهتمام وطرحوا أسئلة عديدة، وأنا أجبت عن أسئلتهم، وشعرت بأن الكتابة للأطفال تتطلب معرفة جيدة بعالم الأطفال، واقترابًا واعيًا من هذا العالم المتسم بالعفوية والبراءة.
لقاء في رام الله، يجدّد صلتي بعالم الطلبة، ويكرّس حبي لرام الله التي كانت أول ندوة ثقافية لي قبل ثلاثين سنة في فيها. ذهبت آنذاك إلى دار المعلمات في الطيرة، وقرأت قصة عنوانها "اليوم الأخير" أمام ما يزيد عن مئتي طالبة من طالبات الدار. كانت ندوة لا تنسى لأنها الأولى.
هذا المساء، أنهى المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في غزة أعماله، وجرى انتخاب لجنة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية. هاتفت نعيم الأشهب الذي اعتذر مثلما اعتذرت أنا عن عدم حضور اجتماعات المجلس. تحدثنا عن المجلس وعن اللجنة التنفيذية الجديدة.
بعد قليل سأشرع في الرسم.
صفحة 7
الجمعة 26/4
في المساء، شاهدت على شاشة التلفاز فيلمًا اسمه "قط الصحراء" ظهر فيه الممثل أحمد رمزي بعد أن تساقط شعر رأسه. وأنا طالب في الصفوف الثانوية، قبل حوالي أربعين سنة، كنت متحمّسًا لتمثيل أحمد رمزي. أرسلت له رسالة بالبريد، وبعد أسابيع استلمت منه رسالة جوابية. كدت أن أطير من الفرح. لم أعد متحمّسًا لتمثيل أحمد رمزي هذه الأيام! وكنت أرسلت رسائل لفاتن حمامة ولممثلات أخريات، ولم أتلق منهن أي جواب.قرأت ديوان "الناي والريح" للشاعر خليل حاوي، الذي قرأته أوّل مرة أوائل الستينيات، فلم أستوعبه جيدًا، كما لم أستوعب ديوانه الآخر "نهر الرماد" آنذاك. أذكر أنني كنت أجلس قريبًا من نافذة غرفتي في تلك القرية البعيدة التي عملت فيها مدرسًا، أنظر من النافذة إلى حقول القرية الممتدة أمامي حينًا وأقرأ قصائد حاوي حينًا آخر. ولم أكن قادرًا على استيعاب شعره آنذاك، وكان ذلك مصدر قلق لي. الآن، أدعي أنني أفهم ما يقصده الشاعر، وأرى قلقه الوجودي باديًا في شعره، وألاحظ أن شعره ما زال محتفظًا بكثير من ألقه رغم مرور السنين.
صفحة 8
السبت 27/4
بقيت طوال هذا اليوم في البيت. البقاء في البيت بعد أيام من الحركة المستمرّة والنشاط الموصول له مزاياه، وهو يدخل السكينة والهدوء إلى النفس (سكينة مؤقتة وهدوء مؤقت، لأن دورية الجيش قد تأتي في أية لحظة، ولأن شجارًا لأتفه الأسباب قد يندلع فجأة).قرأت سيناريو فيلم "المومياء" لشادي عبد السلام، وقرأت مقابلتين أجريتا معه يتحدّث فيهما عن فنه السينمائي. سأحاول مشاهدة هذا الفيلم الذي امتدحه النقّاد.
أنهيت كتابة القصة الطويلة للفتيات والفتيان "قالت مريم.. قال الفتى". شعرت بارتياح، فها أنذا أعود إلى الكتابة الإبداعية بعد انقطاع. وعدت بعد انقطاع دام عدّة أشهر لتلقي دروس في اللغة العبرية. كنت توقّفت عن الذهاب إلى معلمتي الإسرائيلية تمار بسبب الحصار والإغلاق المفروضين على الشعب الفلسطيني.
لتمار ابن في الجيش. وهي لا تفصح عن مواقفها السياسية، ربما لأنها لا تريد أن تستفزّني فأتوقّف عن تلقي الدروس على يديها. وهي لا تتحدّث عن ابنها إلا قليلاً حينما ننظر أنا وتمار بين الحين والآخر إلى صورته المعلّقة على الحائط.
في ساعات المساء، صعد خالد إلى سطح البيت، وجهّز كل ما يلزم لوجبة شهية من اللحم المشوي على النار. دعاني لتناول طعام العشاء. جلسنا على السطح، وكانت أمينة معنا تشاركنا العشاء بشكل طبيعي. كانت قد صعدت الدرج نحو السطح ببطء ملحوظ، والحفيد محمود شاركنا العشاء. محمود في الرابعة من العمر وهو حتى الآن لا ينطق إلا بعض مفردات قليلة.
الطقس حارٌّ رغم أننا ما زلنا في عزّ الربيع، وبيوت جبل المكبر مشرعة النوافذ والأبواب، تندلع منها الأضواء، وكنت أفكّر بشيء من الأسى: ثمة هموم أكيدة وحكايات لا أعرفها خلف النوافذ والأبواب.
صفحة 9
الثلاثاء 30/4
عدت بعد غياب. في مثل هذا اليوم قبل ثلاث سنوات، عدت إلى الوطن بعد غياب دام ثماني عشرة سنة. عادت معي زوجتي وابنتي أمينة. لم تكن أعراض المرض قد ظهرت على أمينة بعد. أبعدتني سلطات الاحتلال الإسرائيلي من الوطن بتاريخ 28/2 /1975 بعد قضاء عشرة أشهر في السجن. أيام كثيرة مرّت في المنفى. بعضها سارّ وبعضها الآخر مثير للأحزان.وأنا هنا منذ ثلاث سنوات. لم أتأقلم بسرعة مع أوضاع الوطن الذي ما زال يرزح تحت الاحتلال. احتجت إلى وقت غير قليل لذلك. عملت محرّرًا في "الطليعة" ثم رئيس تحرير للصحيفة. كنت أذهب كل يوم إلى مقر "الطليعة" الواقع في حي الشيخ جراح. هذا الحي يتسم بهدوء نسبي، غير أنه أصبح محاصرًا بالبناء الاستيطاني، وبتكاثر المؤسسات الإسرائيلية الرسمية فيه. يقع المقر في وسط المسافة بين فندقين معروفين في القدس هما الإمبسادور وماونت سكوبس.
وأنا هنا منذ ثلاث سنوات، وكان لا بدّ من الذهاب إلى الناصرة. ذهبنا، نعيم الأشهب وأنا، إلى الناصرة لزيارة الروائي إميل حبيبي.
وصلنا مستشفى العائلة المقدّسة حيث يرقد إميل على فراش المرض. كانت حالته الصحية غير مطمئنة. رحّب بنا وتبادلنا حديثًا مختصرًا. توقّعنا أن هذا هو آخر لقاء لنا معه. قلنا ذلك في ما بيننا وعلى نحو يشبه تبادل الأسرار، وشعرنا بالخسارة التي تنتظرنا. بقينا في المستشفى ساعة، وكانت زوجة إميل وعدد من أفراد أسرته هناك. غادرنا المستشفى وعدنا في المساء إلى القدس.
صفحة 10
الأربعاء 1/5
يوم أمس عند إميل حبيبي الذي لم يكن أديبًا بارزًا وحسب، وإنما رجل سياسة له دوره الريادي المرموق. واليوم هو عيد العمال العالمي. لم أشارك في أية فعالية لها علاقة بهذا العيد (ربما كنت مقصرًا في ذلك، فهذا العيد له مغزى لا ينبغي أن يغيب عن البال). ذهبت أنا وزوجتي وأمينة لزيارة ابنتي باسمة وزوجها حسام وطفلتهما شروق في رام الله. أخذنا الحفيد محمود معنا. كان مسرورًا لهذه الرحلة وهو يرى البنايات والشوارع والسيارات والأشجار من خلف زجاج السيارة. حاولت تدريبه على التلفّظ باسم رام الله، ولم يكن ذلك سهلاً. اشتريت له ولشروق نظارات وآلتين موسيقيتين.أمضينا يومًا ممتعًا (قليلة هي الأيام التي أتيحُ لنفسي فيها شيئًا من الراحة والمتعة). في المساء عدنا إلى البيت، ولم أقرأ شيئاً. فليكن، فهو يوم عطلة واستجمام.