صفحة 1
إشارة لابدَّ منها
أعترف،
أنه ليس لي يد في هذه الرسائل، فأنا لا أعرف السيد فلاديمير الذي كتبها، كما لا أعرف السيد إيفان الذي كُتبت إليه·· فقد عرفت الاسمين من الرسائل، ومن العنوانين: عنوان المُرسل السيد فلاديمير، وعنوان المرسل إليه السيد إيفان··
كنت في مكتبي، في بيت الشرق، في القدس·· حين جاءتني السيدة وديعة عميخاي، كان الوقت صباحاً يلفه مطر خفيف·· فوجئت مرتين: مرة بمجيئها وسؤالها عني، ومرة لأنها دفعت إليَّ هذه الرسائل·
كنت، وقبل أربعين سنة، قد اتبعت دورة تأهيل في الأرشفة، وكانت السيدة وديعة عميخاي واحدة من الدارسين في الدورة· معرفتي بها بسيطة، وعادية·· لا تتعدى حدود أنها تعرف مكان عملي في بيت الشرق، وأنني أعرف مكان عملها في البريد المركزي، في حي زخرون موشيه، لا أخفي على أحد أنني تخوفت، بل خفت، من زيارتها·· لكنها بددت خوفي، وبضربة واحدة، حين قالت لي: جئت أزورك، وأودعك، وأعطيك!! قلت: خيراً، سيدة عميخاي· قالت: أنا مريضة جداً، وأيامي معدودة، السرطان أكلني أو كاد (بدت كذلك فعلاً) ·· إن صدقت توقعات الأطباء، فأنا لن ألحق بتوديع معارفي كلهم·· قلت متأثراً: خسارة ياسيدة عميخاي· قالت: أشكرك، هذه هي الزيارة، وهذا هو الوداع·· فأنا لا أنساك·· لأنك كنت ·· من أبدى طلاب دورة الأرشفة التي انخرطنا فيها معاً·· قبل أربعين سنة·· كان فهمك، وسرعة إنجازك يغيظانني دائماً· فابتسمتُ، وأضافتْ: أما ما سأعطيك إياه فهو هذه الأوراق، وهي رسائل كنت أراقبها في مركز البريد، وهي لزائر روسي كان يكتبها لأستاذه الجامعي في جامعة سان بطرسبورغ الذي علّمه اللغة العربية··· وسبب مراقبتي لها هو أخبارها، وقصصها، وسبب احتفاظي بها هو أسلوبها الأدبي الرائع، لعلك تعرف جيداً محبتي للغة العربية وشغفي بها، فقد سحرتني هذه الرسائل ·· على الرغم مما فيها من غُصّات·· وأكاذيب·
قلت: ولماذا تعطينني إياها؟! قالت: أنا أريد الذهاب إلى الجنة، ولهذا أتيت بها إليك كي أكفر عن ذنبي باحتجازي لها وقتاً طويلاً· قلت: أليس لك معارف، هم أجدر بها مني· قالت: معارفي إن عرفوا ما فيها لن يرسلوها، بل سيحرقونها· قلت: وما المطلوب مني؟ قالت: أن تقرأها، وأن تتخير الطريقة المناسبة لإرسالها إلى عنوانها، أعني إلى السيد إيفان··· فلعله ما زال ينتظرها·· قلت: كم مضى من زمن والرسائل بحوزتك؟ قالت: عشر سنوات أو أكثر بقليل· قلت: وقت طويل· قالت بأسى: وقت طويل· · فعلاً، سامحني يا رب··
ومضت السيدة عميخاي، كانت متهالكة تماماً، يجرها أحد معارفها في كرسي طبي·· مضت ولم تشرب شيئاً من شاي بيت الشرق أو قهوته؛ رُغم إلحاحي عليها؛ كانت تمتص بعض الرشفات من زجاجة الماء التي بحوزتها· وحين غادرتني شيعتها إلى باب المركز، وحين صارت الرسائل إلى يدي، حرت ماذا أفعل بها· ولم أجرؤ على قراءتها إلا عندما علمت بموت السيدة عميخاي·
الآن، وبعد أن قرأتُ الرسائل التي أدهشتني حقاً··، أرسلتُ رسالة صغيرة، موجزة إلى عنوان السيدة جورجي إيفان في جامعة سان بطرسبورغ·· أُخبره بموضوع الرسائل، وسألته أن يرشدني إلى الطريقة المثلى كي أرسلها إليه، فهي من حقه·· وانتظرت الإجابة·
ولكم صدمت حين كاتبتني أمانة سر الجامعة تخبرني أن السيد جورجي إيفان ترك التدريس في الجامعة، وأنه غادر بطرسبورغ إلى جهة لا يعرفون عنها شيئاً·· فحزنت· ولم أقف عند هذا الحد، فأرسلت رسالة إلى الجامعة نفسها، أسألها عن السيد فلاديمير بودنسكي، وانتظرت الإجابة· فقيل لي إنه ذهب إلى إسرائيل في زيارة، ولم يعد منها· لذلك ·· قمت بنشر إعلان في الصحف الإسرائيلية والعربية معاً، رجوت السيد فلاديمير، أن يتصل بي، أو الذين يعرفونه أن يتصلوا بي لأمر ضروري وجوهري·· وتركت للجميع أرقام هواتفي، ولكن دون جدوى·
ولم أقنط من البحث عنه، فذهبت إلى إدارة السجون، وسألت عن السيدة سيلفا ( ···) صديقة فلاديمير، فقيل لي، بعد ألف عذاب وعذاب، إنها ماتت منتحرة··، ولم أقنط، فبحثت عن السيدة أم أهارون مؤجرة فلاديمير، في سجلات المكاتب العقارية·· لكنني لم أحظ بمعرفتها··أيضاً·
·· ولم أقنط، فسألت في دائرة السياحة، قسم (الأدلاء) عن السيد جو مكملان، الحوذي الذي عمل دليلاً للسيد فلاديمير بودنسكي، فقيل لي إنه غادر البلاد، ولا يعرفون له عنواناً·
ولم أقنط، فذهبت إلى مقهى في قلندية، وسألت عن السيد فلاديمير، فتأسف صاحب المقهى لأنه ما عاد يراه، وامتدحه كثيراً·
لكل هذا··، ولأن المرء قليل بنفسه، استشرت أصدقائي، وسألتهم ماذا أفعل بالرسائل، فأشاروا عليَّ بنشرها في كتاب·· فوقعت على رأيهم، وهذا هو ما أفعله هنا· لم أتدخل بمادة الرسائل إطلاقاً، لم أغيّر، أو أحوّر، أو أدوّر سطراً واحداً فيها·· كل ما فعلته هو أنني محوت الأرقام المتسلسلة التي وضعتها السيدة وديعة عيمخاي للرسائل بالقلم الأحمر·· لأنها ليست من وضع السيد فلاديمير بودنسكي·
صفحة 2
القدس
ها أنذا،أكتب إليك من القدس·
لم أشأ الكتابة إليك مباشرة قبل أن أمكث فيها ليلة أو ليلتين، تعرف جيداً أنني عبَّأت روحي لمثل هذه الزيارة، وقرأت عن القدس الكثير، والتهمت معظم تاريخها خلال أشهر، ولم أترك، قدر استطاعتي خبراً، أو حادثة، أو موقفاً، أو علماً، أو مكاناً، إلا وجالسته كي أعرف هذه المدينة أكثر وإن كان من خلال قراءاتي· لم أدع كتاباً من كتب الرحلات المقدسية القديمة والحديثة إلا وأتيت عليه كي أعرف سرانية المدينة، ودهشة النفوس، وحيرة العقول، وبهجة الخواطر التي رأت المدينة وعرفتها أو عاشت فيها أياماً أو شهوراً أو سنوات·
تعرف جيداً أنني مفتون بالقدس مكاناً، وتاريخاً، ومعتقداً، ومعنى، لهذا، وقبل أن أهم بزيارتها مغادراً مدينتي سان بطرسبورغ ·· ذهبت إليك، وأنت المؤرخ، والسياسي، ورجل الفكر، وصاحب الرحلات الشهيرة وأستاذي في اللغة العربية·· كي أتزود بوصاياك لزائر مثلي يزور القدس للمرة الأولى ·
أذكر أنك قلت لي، ستدهش، وتصاب بسحر المكان ومغناطيسيته حالما تصل إليه، وهذا ما حدث فعلاً، فأي مكان خرافي هذا الذي أراه، فالبيوت هنا أشبه بالدوالي عناقاً وتعريشاً وتآخياً وهمساً وجمالاً، وهي على الرغم من تطاولها·· دانية مثل العناقيد، وطرية كالثمار، وذات رائحة تشبه رائحة الحناء والزعفران، عتبات البيوت متشابهة مثل أولاد أسرة واحدة، والشبابيك الوسيعة طولاً وعرضاً مملوءة بنداءات الترحيب·· لأول مرة أشعر هنا بأن شبابيك البيوت تشبه المرايا الصقيلة، تشبه وجوه ساكنيها·· يا لطلات النساء المقدسيات من الشبابيك الحانية، ويا للنباتات التي تزينها كبساتين الدروب··
هنا، وفي منفسح رحب تتلاقى فيه الدروب·· تلاقيك شجرة خروب مذهلة في اتساعها، وامتدادها، واصطفاف أوراقها وأغصانها، وزقزقة طيورها، وكثرة قرونها السود لذيذة المذاق·· لكأنها قرون السكر التي حدثتنا عنها الأساطير؛ تلك القرون التي كان يتهاداها العشاق في الأمسيات الرخية·· أتذكر ما قالته الأسطورة عن بنات القدس، من أن رضابهن الحلو·· حلوٌ لأن أمهاتهن أكلن الكثير من قرون الخروب، هنا، وفي الظلال الطويلة لهذه الشجرة تفترش النساء البلاطات الحجرية وهن يبعن العطور، والثياب، والحناء، والزعتر، والزعفران، والعنبر، والقرفة، وجوزة الطيب، وأعواد القرنفل، والبخور، والسمسم، وحبة البركة، والرمان، والتين، والكعك، والمكاحل، والأصبغة، وأعواد الند والصندل، والأساور، والخرز، والخواتيم، والأقراط، والريش، والقهوة، والسكر الفضي، والقمردين، والجوز، واللوز، والبندق، والزنجبيل·· وإلى جوارهن نساء أخريات يخبزن أقراص الزعتر، والسبانخ، والحميضة، والهندباء، والكشك، والفليفلة الحمراء، والجبنة، والقريش·
صفحة 3
سألت عنهن فقيل لي تنذر المرأة المقدسية نذراً لله، تقول: يا رب إن رزقتني ولداً، أو بنتاً أو فككت أسر زوجي المسجون، أو عدت لي بغائبي، أو شفيت لي مريضي، فإنني سأقوم بالخبز يوماً كاملاً أمام بيت المقدس، وأوزعه أنا وأولادي على المارة هبة وشكراً، لك يا رب·· فإن استجاب الله لها، توفي بنذرها·· فتأتي إلى هنا أمام بيت المقدس مع أولادها وطحينها، وصاجها، وزعترها، وجبنها، وقريشها·· فتخبز طول النهار، وأولادها يوزعون ما تخبزه على المارين هبة ونذوراً ·· وإلى الجوار حاملو قرب الماء يوزعون أكواب الماء المبرد مناولةً ، وقرب زوايا البيوت عازفون يسيلون من آلاتهم الموسيقية أنغاماً آسرة، وبقربهم صناديق خشبية وضعت عليها أجمات الورد·· راح المارون بالشوارع يستلون الورد وردةً وردةً، وثمة عازف ناي ينفخ في نايه فتلفّه الأبصار وهو يمشي رهواً كالخيول·
هنا، لا تدري ، وفي أي وقت تتعالى التكبيرات، ودقات النواقيس، كما لا تدري من أي الجهات تأتي الروائح الطيبة، ومن أين يتوافد الناس، والدراويش، وأصحاب العربات، والسلال، وكيف تجري الأسواق والحارات نحو بعضها بعضاً وتتلاقى مثل السواقي، هنا تسلم روحك للشوارع·· فتماشيك الظلال، والأنسام، وتباريك الوجوه التي تشبه أرغفة الخبز، ويدور بك التلفتُ والانتباه والصحو كي تلفّك غواية المكان، وكي تظل على مبعدة كفٍّ من غيبوبة الافتتان·
أصارحك بأنني مدهوش، ومسحور، أجلس، وأمشي، وأنا في حذر مشتهى أتمنى أن يطول، أشعر كأنني أرى ولا أرى، وأحسُّ بأن ضباباً أبيض فضياً أو يكاد يغشى المدينة·· فتستدير الهالات هنا وهناك وتتعالى في مرجحة كأنها مشدودة إلى حبال خفية تحجبها الغيوم·
هنا، لا تدري من بلل يديك ووجهك بالرذاذ النثيث، ومن منح هذه الوجوه الطالعة من كل الأمكنة نثار الضوء، ومن حباها بالبهجة الحالمة·· ومن أطلق طيور الحمام المتفلتة من أقفاص الهواء·· مثل الفلاحات لتمنح الدروب، والبيوت، والساحات، والحقول، والأشجار، والمفارق، والشبابيك·· نعمة النشور·
هنا، تشعر بأنك كائن أثيري، تمشي وراء حواسك مندفعاً·· تماماً مثلما تمشي الأنهار في مجاريها هبوطاً نحو مصباتها الدانية··
هنا·· لا شيء يفسد المكان، أو الهواء، أو الصفاء سوى هذه البغال السمان التي يعتليها الجنود السمان الثقال·· وقد اعتلتهم خوذ الحديد الشاحبة، يهزون أيديهم بهرواتهم الغليظة، وقد أُغلقت وجوههم·· لا شيء حولهم، أو قربهم سوى الكلاب، وسيارات الجيش، وحواجز الحديد ولا شيء يلفهم سوى النظرات الكارهة·· يبدون مثل كتابة بالفحم آيتها السواد·· تمرُّ بلوحة زاهية الألوان· لا شيء يضيّع إيقاع الخطا، والشوارع، والحارات الحانية، والأشجار، ووداعة الطيور·· سوى نخر البغال السمان، ونهرِ من اعتلوها·
بلى، يبدون، في هذا المشهد الرائق·· مثل نقطة سوداء حائرة
ملحوظة:
أعذرني، أطلت عليك، وربما أحزنتك·· فسامحني، أنتظر رسالتك باللهفة الكاملة·
صفحة 4
سلوان
أعذرني،ما عدت قادراً على انتظار بريدك الذي لا يأتي، لعلك على سفر، أو أن متاعب العمل تكاثرت عليك، أو لعل مرضاً ألمَّ بك، لا سمح الله· اكتب إليَّ، أو هاتفني كي تزداد الروح صفاء، وأنا هنا، في بلاد الضوء، والفيء، والدهشة الضافية·
ها أنذا، أفتكُّ روحي من أسر أحياء القدس، من جمال الحارات، والبيوت، والشرفات، والساحات، والأبواب، والأشجار، والصباحات، والمساءات، والناس·· وأمضي نحو نبعة سلوان، تماماً كما قلت لي·· أمشي وسط أجمات القصب التي تحاذي الساقية الآتية قدوماً من النبعة العالية، ساقية صافية، غرّيدة، تمرُّ بالبيوت كساعي البريد، مسيّجة بأعواد القصب المتعانقة في الأعالي مثل الدوالي، تترك خريرها العذب أمام كل بيت مقدسي تمرّ به هنا، وقرب الشرفات موسيقى حباها الله بالوقع الرنيم·· أماشيها وكأنها طفلة تتهجى حروف الأبجدية·· فأصعد معها وقد ضاففتها البيوت، وشجيرات الورد، وأرى اندفاعات الماء وتقلبه بين ضفتين نظيفتين زاهيتن مثل جديلتي طفلة أفلتت للتو من بين يدي أمها الماشطة··
هنا وقرب نبعة سلوان تتسع الأمكنة، وتبدو أسطحة البيوت رويداً رويداً، وهنا تبدو التلال كعش من الخضرة العابقة، تمر بي عربات جر، وسيارات، ونساء يحملن في السلال التين والرمان وأكواز الصبارة·· وجوههن أشبه بهالات الضوء التي مسَّتها الحمرة القانية·· وثيابهن المحتشدة بالتطريز أشبه بالحقول التي زينتها الألوان الآسرة؛ يا لهذا الصباح الندي، ويا لهذا الضوء الذي يتشكل على ريث ومهل شديدين، ويا لوقع الخطا فوق بلاطات الحجارة السود، ويا لتغريد الطيور الدانية·· ويا لسعادتي بهذا البكور·· ونظرات الناس تلفني، والهمهمات تصل إليَّ بالتحية والسلام·· ويا لهذا المنظر البديع الفتان·· فها هي نبعة سلوان، دائرة ماء وسيعة، لمعانها يخطف الأبصار، وحصاها سجادة ذهبية الألوان، تتحرك صفحة الماء، فيتحرك الحصى في تماوجات تشبه حمحمة الخيل قبل الطراد، لكأن الماء يهمُّ بالصعود أو الجولان·· صخور وردية ندَّاهة لكأن الصباح أضاءها، أو لكأن الضباب الأبيض الرخي خصها بالبيان·· هنا، وحول النبعة أحواض، وقنوات، وحجارة ناهضة على شكل عتبات، وأشجار تين، وصفصاف، وزيزفون، وخروب، وأجمات من القصب كيفما تمايلت تهبُّ منها أنسام شجيرات الريحان والغار والطيّون·· وحين أدنو أرى صبايا فارعات الطول يدنين جرارهن من صفحة الماء، ثم ينهضن بها، وما من أحد يدري هل النبعة أعطت ماءها للجرار، أم أن الجرار استلت ماءها قطرة قطرة حتى ارتوت·· صبايا شبيهات بأعواد الخيزران·· يمضين في ذهاب وإياب ونشور واجتماع·· كأنهن الطيور، وعربات جرّ فوقها براميل ملونة من لدائن البلاستيك·· يملؤها شبان ينشدون أغنيات وأهازيج لا يدري المرء من يخصون بها·· الماء، أم الأشجار، أم الصبايا القمريات·
صفحة 5
هنا، وقد رأيت جمال الصبايا يسيل مثل العسل من أقراص الشمع، تذكرت الحكاية التي قصصتها عليَّ، حكاية البنت سلوان التي أعطت النبعة اسمها، كما أعطت المكان روحها·· أذكر أنك قلت لي·· إن القدس كانت حوضة ماء بين عديد من الجبال المحيطة بها، الجبال التي تبدو حين تنظر إليها أشبه بالكفوف الحاضنة لحوضة الماء الصافي·· وإن الماء هو الذي أنبت البيوت، والأشجار، والأعشاب، وهو الذي شقَّ حاراتها، وهو من سيّج شبابيكها بنباتات الحبق والريحان، وهو الذي وزّع الدوالي المعرشة فوق عتبات البيوت، وهو الذي فرش الحصى بكفه العريضة دروباً وساحات·· وحين نهضت البيوت، والأشجار، وبدت الدروب والشوارع، انحسر الماء وغار·· ولم يبقَ من شاهد على وجوده سوى حوضة النبع الرطيبة التي ساهرها الناس لتعود بمائها·· كي تصفو الحياة، وخاف الناسُ العطش، والجفاف·· فكان أن انتدبت أجمل صبايا القدس نفسها، واسمها سلوان، كي تبيت كل ليلة قرب حوضة النبع تدعو وترجو السماء لتملأ بيدها الرحيمة حوضة النبع بالماء الزلال·· وكان لها ذلك في ليلة يضيئها قمران، قمر يجول في السماء، وقمر يجثو جثوة العابد قرب حوضة الماء·· وتعالى الماء حتى طفح، فابتلَّ ثوب سلوان، ابتل جسدها، فتنبهت وقد رأت الماء يتعالى كالأناشيد·· فأرادت أن تشكر السماء·· فدخلت الحوضة·· وأسلمت جسدها للماء·· وما إن طلع الصبح حتى ابتهج الناس، وقد رأوا السواقي ملأى، والطيور تحوّم تحويمات الجذل، والعتبات مغسولة لامعة·· ولم تكن غصة سوى افتقاد سلوان·· التي طفا جسدها فوق صفحة الماء·· مثل ورقة لا لون لها سوى لون الذهب·· وحولها تساقطت وطفت أوراق الورد، والغار، والطيون، والزيزفون·· فغطت جسدها الذي لم يبن منه سوى وجهها الذي استدار حتى صار هالة تشبه هالة القمر·
بلى، أكاد أرى جسد سلوان طافياً الآن فوق سرير النبعة·· هو الذي يضيء الماء، وهو من يعطي للحصى لونه الذهبي الشفيف<·
ملحوظة:
حمدت الله لا لأنني لم أر البغال هنا، ولا أصحابها·· وحسب، وإنما لأن هذا المشهد الجميل·· لا يحتمل وطء البغال، ولا نهر أصحابها·· الثقال· أرجوك اكتب إليَّ، فأنا بحاجة لروحك كي ترافقنـي·
صفحة 6
في الطريق إلى المغارة
أعترف،أنني ما كنت أود الكتابة إليك مرة أخرى قبل أن تصلني رسالة منك، أو قبل أن تكلمني عبر الهاتف، ولكن ما حدث جعلني أنهض إلى ورقي كي أكتب إليك، فأنت مرآتي، ولابد من أن أرى نفسي فيها·
ها أنذا، أعود من سلوان، النبعة الوسيعة المخبأة بين أشجار الطيون والغار، وأجمات القصب، وقد باتت حياً من أحياء القدس، صحيح أن لها إيهاب قرية، وعفوية ريف تلفها، ولكن روح المدينة شاعت فيها فشملتها· كانت ثمة مساحة واسعة مكشوفة تفصلها عن القدس، لكن البيوت، والأبنية العالية، والشوارع العريضة والضيقة··· امتدت نحوها فأخذتها شداً باليدين حتى صارت حيّاً من أحياء المدينة·
أعود ماشياً بمحاذاة الساقية التي تقودني مثل دليل إلى وسط المدينة، وإلى جواري تماماً سور القدس الحجري الأبيض العريض يباريني وقد علته الطيور حذرة، وجاورته الأشجار، وقربي فلاحات يجالسن الظلال، وقد بدت أمامهن قففٌ وسلالٌ مملوءة بالتين، والزبيب، واللوز، والجوز، والخبز·· لكأنهن مشهدٌ أو صورة في مجلة ملوّنة· أودّ الاقتراب من إحداهن لأسألها عن زبيبها، وعن رائحة الخبز العابقة كالبخور، لكن رجلاً عجوزاً نحيلاً، أبيض البشرة، بشاربين أشقرين يوقف عربته إلى جواري، ويناديني: سيدي، سيدي·
فألتفت إليه بكليتي، أستدير نحوه تماماً، فأرى بوضوح شديد عربته الخشبية الصغيرة الملونة، وكرسي الجلد الطويل الذي يعلوها، وأرى حصانه الأشهب الذي وقف وقفة الحيرة والانتظار· يهبط الرجل من عربته، ويدنو مني· يسألني إن كنت راغباً بزيارة مغارة سيدنا· قلت: أية مغارة· قال: مغارة سيدنا العجيبة· قلت: أين هي؟ قال: على مبعدة من هنا، اصعد، سترى عجباً· ودونما إبطاء، ودونما التفات نحو الفلاحة بائعة الزبيب والخبز، صعدتُ العربة، وجلست في المقعد الجلدي المريح النظيف، تظللني واقية جلدية مزينة بصور القدس· سألت الرجل عن المغارة وأهميتها، فقال: بدايةً، لا بد لي من أن أقول لك شيئاً كتعريف، أنا من ايرلنده، واسمي جو مكملان، جئت إلى هنا من أجل أن أقضي أسبوعاً أو أسبوعين في القدس، وأعود إلى دبلن، فلدي هناك أعمالي ومشاغلي، ناهيك عن أن لي فيها عشيقة عزيزة عليَّ، أدم قلبي حتى قبلت بي، عشيقة تساوي في أهميتها دبلن نفسها، وأن لي فيها صديقاً نادراً كلما عصفت بي ريح الأذى كان سياجي، ووالدة·· كلما جفت روحي ذهبتُ إليها لأرتوي، صحيح أنها تزوجت بعد وفاة والدي بحادثة القطار المشؤومة، إلا أنها ظلت أمي التي تهفو روحي إليها على الدوام· يا إلهي ما أكثر أُنس الأُمهات، وما أكبر الطمأنينة التي يمنحنها، لكن ما إن وصلت إلى هنا، إلى القدس، حتى أحسست أن أعمالي ومشاغلي صارت هنا، وأن عشيقتي التي حاولت ودّها سنوات سنوات هي هنا، وأن صديقي النادر صار أصدقاء نادرين هنا، وأن أمي الحنون، اليد المباركة، الصوت الدافئ المطمئن هي هنا أيضاً· لم يكن في الأمر غواية، ولا غيبوبة، وإنما كان سحراً، فأنا لا أدري، حتى ساعتي هذه، من أبقاني هنا، قلبي أو عقلي، وكيف قضيت عمري هنا أجول في المكان فلا أشبع من رؤيته، وأخالط الناس فلا أرتوي من محبتهم··· أنظرُ إلى البيوت، والشرفات، والعتبات، والنوافذ·· فأراها أكثر سحراً ودهشةً في كل يوم؛ أشعر بأن تلويحاتها تخصني بالنداء والدنو، وأن وجوه الناس الرَّضية، رغم الأسى والعذاب والمكاره، تخصني برضاها، وأن ظلال الأشجار لي، وتحويمات الطيور هالات ضوء تحرسني، وأن السواقي، كيفما مشيت، تماشيني، وأن هفيف الأنسام يعبر قميصي للسلام والتحية ومباركة الجسد، وأن الروائح الزكية تنثال من هنا وهناك لأجلي، والناس يمرون بي للمؤانسة والمسرة؛ دائماً، وكلما فكرت بـ دبلن العزيزة تنهض جمالية القدس العزيزة، روحانيةُ المكان، قدسية الخطا التي مشاها سيدنا الجليل، روائحُ البخور، طيبةُ الناس التي يُراد الفتك بها· هنا، وفي كل صباح ينفتح أمامي كتاب الصلوات والمحبة، وكتاب الصبر الذي يعيش معانيه الناس، وقد صارت المكاره التي أصابتهم أذياتٍ وندوباً ومواجعَ أبدية؛ دائماً، وفي كل صباح، أسأل السماء··· ذراعاً أو سياجاً أو قميصاً أو سيفاً أو كلمةً تحمي هؤلاء المظلومين أهل الأرض كي لا تموت المحبة؛ كي لا يموت السلام· أصارحك بأن وجودي هنا راح يشعرني بقيمتي، بإنسانيتي··· كي أناصر أهل سيدنا الناصري·
صفحة 7
ويصمت الرجل الناحل، فيتعالى ضجيجُ العربة الرشيقة، وأميل نحوه، أسأله كي لا يغرق في حزنه: أرجوك انظر إلى اليمين، فيرفع رأسه، وقد تلامع الدمع في عينيه، ما هذا البرج الواسع هنا· ينظر إلى حيث أشير، ويهمهم بصوت متهدج: إنه برج اللقلق· أسأله: برج اللقلق· فيقول: برج تعشش فيه اللقالق، تأتي إليه في مثل هذا الوقت من كل عام كي تديم حياتها·
أسأله: وأين هي الآن، إنني لا أراها؟ يقول بأسى: ولن تراها· لقد أتيت إلى هنا منذ أربعين عاماً، ولم أرها· أسأله: ولماذا لا تأتي، هل ضلّت طريقها إلى هنا؟، يقول: لا· أقول: إذاً ما بها؟ فيوقف العربة، وينظر إليَّ مباشرة، ويقول: اللقالق طيور الربيع، طيور الطمأنينة والسلام· وهؤلاء، ويشير بيده إلى نفر من الجنود الذين يركبون بغالهم السمينة منتظرين قربنا في أحد مفارق الطرق، ويضيف: هؤلاء الذين يحرسون المكان بعصيهم ودويهم ودخانهم وبغالهم··· ما داموا هنا، لن تأتي اللقالق·
ويرخي العنان للحصان، فتسير العربة صعوداً نحو المغارة، ويلفنا صمت ثقيل·
ملحوظة:
في الطريق أخبرني الحوذي جو، أنه تعلم اللغة العربية هنا، وأنه بات، لعشقه لها، يكتب بها أشعاره·· وأنه أحب فتاة من هنا، حيّرته وعذّبته، فحضورها وغيابها من الأسرار العواصي، أحياناً تأتيه مثل سيل جارف، وأحياناً تنقطع عنه مثل مطر حرون·
أصارحك بأنني ارتحت إليه، وسررت بمعرفته لذلك رجوته أن يكون دليلي· أستاذي، أرجوك، اكتب إليَّ لتفرح روحي·
المغـارة
يا إلهي،
ما أجمل هذا الدرب العصي الصاعد نحو المغارة؛ وما أبهى هذه الأشجار الحانية عليه من اليمين والشمال حتى لتكاد تأخذه بين الذراعين، وما أطرب هذه الساقية البادية والمتخفية بين الأشجار والأعشاب، وما أكثر لمعان هذه البلاطات الحجرية السود، وما أوقع الموسيقى التي تتركها العربة وراءها كالنثار، وما أبدع تحليقات هذه الطيور فوق ذؤابات الأشجار، فوقنا، وما أصفى صوت هذا الحوذي الذي راح يتعالى ويمتد، ما أشجاه!!
صفحة 8
تنهض العربة ثم تنهض صعوداً·· فتتبدى جمهرة من الناس، وبعض المظلات المخططة، والمحلات الخشبية الصغيرة الملونة، فيلتفت الحوذي نحوي، ويهتف فرحاً، هي ذي المغارة· وصلنا·· قلت معاتباً: وصلنا إليها، ولم تحدثني عنها· قال: المعرفة الحقّة لا تحتاج إلى تعريف· قلت: كان لابدّ من تمهيد؛ من عتبات· قال، وقد راح يتخيّر مكاناً فسيحاً لوقوف العربة: لذة الاكتشاف كامنة في الحدس· قلت: لكن··، قال مقاطعاً: عدل من الجوز المقشر لا يساوي حبة جوز واحدة تكسرها بيديك، وتستخرج ما فيها، قلت ونظري معلق على المغارة: يبدو أنها وسيعة· قال: ستدهش! اهبط·
فهبطت، وهبط هو أيضاً، وسكنت العربة خلف الحصان الأشهب الذي أدخل رأسه في عليقة كتانية طويلة أدارها الحوذي جو نحوه، وتعالى صخب الناس من حولنا وسط الساحة الصغيرة التي تتقدم مدخل المغارة· هزّني من ذراعي، وقال لي: هيّا، فتبعته، وأنا أسوي حقيبتي فوق ظهري· بدا نشيطاً، مثل طائر الماء، وكأنه ظفر بي صيداً كي يريني المغارة·· مشيت وإياه، وسط الناس، يقودنا درب فضي نحو باب المغارة التي يعلوها تلٌ يحاول أن يكون جبلاٌ صغيراً ·· نثيث من رذاذ المطر الربيعي الخفيف يهمي فوقنا فيبعث الانتباه والصحو فينا· أيد كثيرة تمد نحونا أوراقاً، وكراسات صغيرة ملونة لعلها تحتوي تعريفات بالمغارة، أنظر إليها على عجل، فأدرك أنها مطبوعات دعاية تعرف بالفنادق، والحمامات، والمطاعم، ومكاتب السيارات، وأمكنة اللهو والسهر·· أقلبّها، فلا أجد فيها شيئاً عن المغارة··
فجأة تغيب الأشجار تتوارى، ويبدو باب المغارة المقوس الوسيع، وتتبدى الأضواء الذهبية البهّارة، ويبدو شبان وشابات في ملابس موحدة، نظيفة، وملونة·· يهمهمون بأنهم أدلاء المغارة، أحاول الوقوف عند أحدهم، لكن يد الحوذي جو تسحبني، فتمحو تلبثي، أسمعه يقول لي: تعال أنا أحسن دليل لهذه المغارة·· فأتبعه باسماً· الفتاة الطويلة صاحبة الجديلتين الشقراوين التي ظنت بأنني سأكلمها·· نظرت بازدراء إلى الحوذي جو، وقد رأته يشدني نحوه· نظرت إليها باسماً لكنها ظلت عابسة·
ها أنذا في مدخل المغارة، وسط الأضواء الشديدة التي لا يدري المرء مصدرها، هل هو السقف أو الجدران·· ووسط ازدحام الناس الذين رأيتهم يصلون وهم داخلون، ويصلون وهم خارجون·· كان نظري شائحاً، جوالاً يجوب هذه العجيبة المكانية الفريدة·· ثمة متدليات صخرية هابطة من السقف، مشدودة إليه، يحسبها المرء ستسقط بين لحظة وأخرى مثل نقاط الماء، وثمة تجاويف، ومسطحات، وطاقات أشبه بالنوافذ، وعتبات، ودرجات، وأعمدة، وأجران، ومصاطب مسطحة، وطيور حمام تجول في المغارة كأنها تبحث عن شيء ما، كل شيء داخل المغارة وردي اللون، الصخور، والتجاويف، والجدران، والسقف الشاسع، والناس، حتى الطيور لولا الضوء الذهبي البهّار لما بدت ألوانها، صمت يشوب المغارة، فلا يسمع فيها سوى وقع الأقدام المتنقلة بحذر، وهمس الأدلاء للزائرين·· رهبة غير عادية تظللني والآخرين، العيون مفتوحة على وسعها، والخطا قصيرة محتشدة بالحذر·· لكأن الجميع ينتظرون مفاجأة ما·· يأخذني الحوذي جو من يدي، ويهمس لي ابقَ قريباً مني، لازمني، واستمع إليَّ· يا إلهي، أي كلام؟! ولماذا الكلام· فهذا المرأى هو الكلام، ولا كلام بعد هذا الكلام· البصر هنا هو الكلام، هو البلاغة، والترقب والحذر والدهشة والانبهار والمفاجأة كلها هي الكلام·· أحاول طيَّ خطاي كي لا تذهب بي بعيداً عن هذه النتوءات التي تتبدى على شكل أشجار، وأزهار، وطيور، وأعشاب، وسواقٍ جارية··
صفحة 9
لكأن النتوءات استحالت هنا إلى بستان· أسمع الحوذي جو يقول لي: هنا فوق هذه المصطبة، هنا بالضبط، جلس سيدنا، وحوله تحلق المريدون، وبدأ يعظ، كان المكان ضيقاً جداً، والهواء ثقيلاً، والأشواك والأتربة والحجارة تداهمهم·· وعندما نطق سيدنا قولته أيها الفقراء تعالوا إليَّ·· تعالى هدير أصوات الناس المنادية·· سيدنا سيدنا·· فذعر المريدون، وخافوا من أن يدهمهم الناس إذا ما دخلوا، فالمكان يضيق عليهم·· الوحيد الذي كان مطمئناً باسماً هو سيدنا·· الذي رفع يده وأشار للناس أن ادخلوا·· انظر هنا، هنا تماماً·· أرأيت هذه هي ذراع سيدنا، وهذه كفه، انظر كيف ارتسمتا على الصخر· أرأيت· فأهزّ له رأسي مؤكداً، فعلاً هذه ذراع ناحلة، وكف أكثر نحولة، وقد بدت أصابعها الوردية الطوال محفورة مثل أعواد الخيزران·· وأضاف الحوذي جو: ودخل الناس يحملون مرضاهم، واشتدَّ الزحام·· لكن المغارة اتسعت لهم جميعاً· جدرانها تباعدت، وسقفها علا وانشق لأن رجالاً دلّوا من السقف مفلوجاً مشدوداً إلى سريره فأوقفه سيدنا في هواء السقف، قبل أن يصل إليه، وقال له: خذ سريرك وامش· فقام ومشى وأخذ سريره· انظر إلى السقف، هنا، ليس هنا، بل هنا ·· أترى السرير، والمريض· فأهزّ له رأسي ثانية، فعلاً أراهما، ويقودني خطوة أبعد، ويقول لي موضحاً: انظر هنا، هذا هو الرجل يمشي، وهذا السرير خلفه·· انظر جيداً، تمعن· فعلاً الصورة واضحة، فالرجل يمشي والسرير يتبعه· وحين دنا الغروب خاطب سيدنا الناس: هيّا اذهبوا، ودعوا متاعبكم لديَّ·· فمضوا، ومضى هو نحو النهر المقدس·· تاركاً المغارة تشدّ على سعتها ورحابتها وأضوائها·· وصور ناسها·· باليدين·
ويستدير الحوذي جو، فأستدير، نظل نطوف داخل المغارة طويلاً، فكلما أراد الحوذي جو إخراجي، أرجوه أن يمهلني بعض الوقت لأنني أشعر بأنني لم أر شيئاً بعد، فيوافقني، أمر بما أراه مرات ومرات، فلا أراه كما رأيته، لكأن كل شيء هنا يتحرك، ويدور·· أسمع الحوذي جو يقول لي: إنني خائف عليك· تعال· فأستجيب له· أراه يخرج من المغارة، فأخرج خلفه ·· وحين صعدت إلى العربة، قلت له بهلع: انتظر، نسيت قلبي داخل المغارة· فنظر إليَّ مبتسماً وقال: وأنا كذلك!! ومشت العربة، فحفّ بنا اصطفاق أوراق الأشجار موسيقى لا أصفى منها ولا أحن<·
ملحوظة:
لعلك زرت هذه المغارة· أخبرني أرجوك· كي لا أظل صوتاً مفرداً في البرية·
صفحة 10
الرامة
أصارحك،بأنني أشعر بدوار خفيف·
دوخة أشبه بخلطة ألوان عبثت بها يد طفل صغير· فسمعي ليس هو سمعي، وبصري ليس هو بصري، وعنقي مشدودة إلى الوراء، تُلفتني نحو المغارة، فأديم الالتفات إليها قبل أن تغيب طيَّ غابة الأشجار المديدة، وقبل أن تنحدر العربة أكثر في الدرب الذي راح يجاري الساقية في سقوط حر شبيه بسقوط الثلج·أسمع الحوذي جو يهمهم ويغمغم، ولكني لا أفهم من كلامه شيئاً· أظلُّ أرقب غروب المغارة، تماماً كمن يرقب غروب الشمس، ها هي ذي ظلالها النورانية تتوارى رويداً رويداً، وتعلو الأشجار؛ تعلو أكثر فأكثر حتى لتصير ذؤاباتها سقفاً عشبياً يظلل العربة، والهواء، وتغاريد الطيور، أستدير نحو الحوذي جو· أعتذر إليه لأنني لم أكن معه، فالخدر الخفيف لفّني، وسحر المغارة شدّني إليها· قال باسماً: لا تقلق؛ هذه دوخة المغارة· قلت: كيف؟· قال: لا بدَّ من الدوخة لأن الفرق ما بين الصعود والهبوط كبير· قلت: تعني الفرق النفسي· قال: لا، أعني الفرق ما بين هناك، وأشار إلى المغارة، وهنا، وأشار إلى الدرب الذي ينحدر· فهززت رأسي له مؤمنّاً على كلامه· قال: أتود أن ترى ما يدهشك أيضاً أم أنك تود العودة إلى بائعة الزبيب والخبز· قلت: سامحني لأنني أشعر بالارتواء؛ لا أريد أن أضيف شيئاً إلى ما رأيته في المغارة· أظن أن نهاري اكتمل، وأن الروح امتلأت· وسألته: أنت، ماذا تريد من أجر؟ قال: أجر!، قلت: نعم، أجر· قال: أنا صاحب رسالة، لا أريد أن أفسدها بالمال· قلت: لكنني أتعبتك، وأتعبت حصانك· قال: أهمية الرسالات ليست في أعمالها وحسب، وإنما في مشاقها· وصمتَ، وصمتُّ· ثم سمعته يضيف: أقترح عليك أن تتريض هنا لبعض الوقت، دعني معك· قلت: لا بأس، ولكن لبعض الوقت فقط· قال: سندخل من ذلك المدخل، وأشار إليه، فقلت: لا بأس·
بدت الأشجار لامعة بنثيث المطر الخفيف، وكأن الأغصان والأوراق تراشقت به للتو، وبدت هالات الضوء دوائر من نور مسّه غبش طفيف، تحوّم فيها طيور لا شغل لها سوى الرفرفةِ والزقزقة·
تميل بنا العربة في درب ناحل تسيجه شجيرات العليق، والورد، وتحفُّ به شجيرات الزيزفون، خطوات فقط، وبدت كروم العنب، شجيرات أشبه بالعرائش والأكواخ تتوازع المكان الفسيح وقد حاذى بعضُها بعضها الآخر في قبب خضر تحركها الأنسام فتعلو وتنخفض مثل ثياب عبّتها الرياح، ورجال ونساء وأطفال ناشطون يعشبون الأرض، ويسقون، ويجرّفون، ويزرعون، ويحملون الدلاء ويغنون· تمرُّ بهم العربة فيرفعون أيديهم بالتحية والسلام· وغناءٌ شجي يصل إلينا من عند النساء والصبايا، وأصوات نايات الرعيان تتناهى إلى أسماعنا، تتردد بترجيع بعيد، يا لانتشار قطعان الغنم والمعيز، ويا لتلك الأبقار والجواميس التي تبدو مثل نجوم في صفحة الجبل البادية، ويا لهذه البيوت المتآخية اجتماعياً كي تصير قرية لها لافتة مكتوب عليها اسم (الرامة)، يفجؤني الاسم، فأسأل الحوذي: أهذه هي الرامة التي هبط إليها سيدنا ليلاً؟ التفت الحوذي نحوي، وهمهم: الحمد لله، بدأت الدوخة تزايلك، قلت: أرجوك، قل لي أهذه هي الرامة؟· قال: نعم هي هي·