صفحة 1
1
آخر أيام ياسمين وبشارة في المدينة كانت صاخبة، لم يتفرقا، كانا يتحدثان بكل تفاصيل ما بعد الخروج، ترسم أحلامها بالكلمات، تخطها على قصاصات ورق وتلصقها بجانب خريطة البيت المعلقة على الجدار، أما هو فيشرد في تفكيره نحو البعيد، مكان لا زعيمَ حاقداً فيه، يبني البيت الذي رسمته ياسمين، يربي الورد، وينجب المزيد من الطيور، يريد كل ما حوله فضاء أرضاً وسماء، يريد أن يتنفس كل الهواء ويزفره من جديد، يريد أن يفرغ كل كلمة في كتاب شعر قرأه على جدران منزله الجديد، يكتبها أفقية وعمودية، يجعل من جدران بيته لوحة من الكلمات التي كانت تؤنس وحدته في المكتبة·· ينجيه الشعر دائما من ثقل دم الكتب الدسمة، كان يكفي أن يقرأ مقطعاً واحداً في ديوان شعر ليعيد إليه بريقه وثقته بالحياة، ابتسامته المعهودة أمام زملائه ورواد المكتبة·
في بداية الحجر على المدينة دخلت الشرطة تنتظرها سيارات كبيرة أسفل البنايات تجمع الكتب وتستبدلها بالكتاب الذي أوصى به الزعيم، قادوا كل الكتب التي جمعوها إلى المحرقة، غطت سماء المدينة في ذلك النهار سحب سود أدت إلى اختناق السكان، وسببت حزناً لن ينسى·
بشارة لا يريد شيئاً من ماضيه، كل شيء حصل معه في الماضي مسألة لا يريد تكرارها، اكتفى من كل شيء· إلا من ياسمين، كان يشعر بأنهما ولدا ليكونا معا·
كانا فرحين يتعانقان حتى أثناء تبول أحدهما في الحمام، حبل سري ربط مصير عاشقين معا، حين يعطش يشرب ماءها، يقبل كل شيء فيها، يشعر أن ياسمين عوضته عن حرمان الماضي، خفة دمها، ذكاؤها المتقد، طيبة قلبها، استيعابها له، كما لو أنها أنجبته، مرات ينام بحضنها كأنها تلك الشجرة التي يسند ظهره إليها، ومرات تتكور في حضنه ملتصقة به، بعينين مفتوحتين كما الغزال حين ينام، تثيره في كل حركة، ينفضان قليلا، ليعودا من جديد جسدين في واحد، تدور فيه الدورة الدموية، من القلب ذاته، واحد يكمل في الآخر سر العشق والحياة، حياتهما سوف تتغير معا، كان حين يحضنها، يقول لها: شكرا للمصادفة، جئنا لبعضنا في الوقت والساعة المناسبين، تتمتم هي عبارات تلهب فيه ما تبقى من عاطفة، يشعر أنه شمع يسيل من على أطرافها·· نارها تنتصف ذوبانه·
تغير الكثير من سلوكهما في الأيام الأخيرة، لم يعد الأكل يهمهما، صار كل واحد منهما غذاءً للآخر، يأكل فاكهتها، كأنه تاه على جزيرة بعيدة، لا يوجد فيها سوى الفاكهة، تشبع ياسمين من لذة يتركها عارمة في جسدها، كأنه يجدد سر وجودها، يدفعها إلى الطيران، تقوى وهي تحك جناحين كانا معطلين، لا تقوى على الكلام يحب ريقها، تنتصب حلمتاها البنيتان، تستسلم لإكسير الحياة في جسد يضاء منه القمر·
صفحة 2
2
نهض مفزوعا بعد أن ألقى رجال الشرطة القبض عليه، وهو يردد:
- لم أفعل شيئاً·
نظر إليه أحد رجال الشرطة وهو يشد شعره ويقرب وجهه··إليه قائلا : من قال لك أن تخرج ؟
وأنبه مواصلا حديثه :
- وفرنا لك كل وسائل الراحة في البيت ماذا تريد بعد؟!
ارتبك وشعر بالخجل من عريه، كان بعضهم ينظر إلى أعضائه التناسلية الخائفة أيضا·
لم يكن يدرك المشكلة التي حصلت نتيجة خروجه عاريا من البيت والتقائه مع الناس في الشوارع عراة، كان يهذي· يلوح بملابسه الداخلية، كانت تمشي بجانبه امرأة رفعت ملابسها الداخلية الحمر وهي تطالب بعودة العدالة· حملها على كتفيه وهي تهتف منفعلة·
حين عاد إلى بيته كان الفجر قد بدأ يكشف عن نهار لم يكن في الحسبان، تفرقت المسيرة كل في اتجاه· مشى هو وهي دون إدارك معا·
كان وجهها أحمر يعبر عن غضب عارم ليس فقط في وجهها بل وفي جسدها الذي ينتفض ويرجف·· مسحت عرقها أكثر من مرة بملابسها الداخلية، قالت له وهي تنظر بلا هدف في الشارع : سئمت كل شيء، ولا أريد أن أبقى طيلة حياتي في البيت·
كان شاردا في ملامح وجهها المحتقن، وصل إلى بيته وهو منهك لا يفكر بشيء سوى النوم، شعر بكره شديد للجدران والأبواب وهي مقفلة فقرر على غير العادة أن يترك بابه مفتوحا،·· ونام·· رجل الشرطة كان كلامه واضحا تهديد ووعيد : إذا خرجت مرة أخرى من البيت فسوف ندمر حياتك·· كما أن عليك ألا تترك الباب مفتوحاً بعد الآن
كان يقيم في بناية تختلط فيها الأصوات وتتجاوز جدرانها كل شيء يسمعه·· خلافات أزواج، أنين الجنس وآلامه، أحاديث ونقاشات، وبكاء النساء والأطفال، صخب السهرات·· الاحتجاجات·
صفحة 3
كان يسمع بعض الأخبار من حارس البناية، وهي في الحقيقة لم تكن أخباراً· بل مشاهدات له بحكم وجوده أسفل البناية، كان يقول له ولسكان البناية إنه رأى سيارة تسير في الشارع ومجموعة من رجال الشرطة يتجولون ليلاً، وسيارة إسعاف تمر مسرعة، كانت الشوارع في النهار أقل صخبا مما هي عليه في الليل· ففي الليل تنتشر الشرطة ويختبىء ما تبقى حتى من حشرات أو قطط وكلاب سائبة·
يتلقى أي خبر من حارس البناية كأنه بشارة الخلاص مما يعانيه من وحدة قاسية وحجز قسري لا يفهم معناه، الدنيا ضيقة الأفق بالنسبة له، حين قرر أن يخرج في تلك المسيرة الليلية عارياً لم يكن يدور في خلد أي من سكان البناية أو المدينة سبب خروجهم عراة يلوحون بملابسهم الداخلية، ويصرخون ويجهشون في البكاء، حتى الأطفال كانوا مستائين ولم يصدقوا ما كانوا يشاهدونه من حدائق وشوارع وأشياء يرونها للمرة الأولى، كانت الدهشة والصدمة باديتين على الجميع رغم انشغالهم بالمطالبة بحقهم أن لا يجلسوا في البيت·
كان حارس البناية همزة الوصل في تلك الليلة حين أعطاهم الإشارة بالخروج، وكان قبلها أحد سكان البناية قد أعطاهم الملاحظات التي عليهم الالتزام بها، ألا ينسوا أجسادهم على طبيعتها·· في الحقيقة لم يناقش أحد أو يحتج على طبيعة خروجهم، خاصة أنهم تعودوا الجلوس عراة في البيوت·
يأخذ الإنسان من المدرسة ما تمليه عليه، ويأخذ من الحياة ما يريد، وهذا ما يريد، وفكرة ما يعيشه كان عبارة عن إعادة إنتاج الماضي وليس الحاضر، يعيش وحيدا لأن كل شيء حوله مزعج ومربك، وبلا جدوى، ذات مرة قالت له امرأة : إنني احبك، سألها : لماذا أحببتني فلم تجبه·· وبدوره لم يعد الاتصال بها ولم يرها· هناك نظريات علمية بحاجة إلى تحليل وتفسير لكن المشاعر لا تدخل في هذا السياق·
ضاقت بهم المساحات، لم يعودوا يحتملون خطواتهم الاعتيادية، أرواحهم خفتت، وبدأوا يشعرون بأن أرواحهم تزهق نتيجة قرار السلطة بعد قرار الحجر عليهم، في بعض الأحيان يناقشون بعضهم في ممرات البنايات والبيوت، لماذا تفعل بنا الشرطة ذلك، يخافون من أنفسهم، يراودهم السؤال ذاته : قد يكون أحدنا مصاباً بمرض معد أدى إلى هذا القرار، أو نكون دعونا إلى تغيير النظام، أو أن زعيمنا الذي لا نراه إلا قليلا وفي مناسباتٍ محدودة قد يكون غضب علينا نتيجة نصيحة أحد مستشاريه غير الدقيقة فدق إسفيناً بيننا وبين زعيمنا، غريب الأطوار·
صفحة 4
المفاجأة أن تلك السيدة التي كانت بجانبه في المظاهرة الاحتجاجية العارمة والعارية كانت تسكن في الطابق الثالث من البناية نفسها ولم يكن يعرف أنه وهي جاران، إلا حين عادا معا، مشيا في الطريق ذاته، بدأ الفأر يلعب في صدره، شعر بالخجل من أن يسألها أين تذهب وأين بيتها؟ اعتقد أنها قد تكون أعجبت به، وأنها تتردد أن تذهب معه إلى البيت، سعد جدا للفكرة غير الدقيقة في بادئ الأمر، مشت بجانبه كأنها تمشي بين القبور، حزينة ومتعبة وصوتها مبحوح، وصلا إلى البناية التي يسكن فيها فدخلت معه، لحظتها ارتبك أكثر، نظرت في وجهه وهي تبتسم ابتسامة خفيفة قالت: أنا أسكن أيضا في هذه البناية في الطابق الثالث يمكنك أن تزورني وقت ما تشاء، دلفا إلى المصعد، أرخى كل منهما جسده متقابلين ينظران في وجهي بعضهما كأن التعب والعتاب والخلاف عنوان لعلاقة بينهما·
وقف المصعد عند الطابق الثالث، خرجت ببطء وأشارت إلى باب بيتها، ثم قالت له بشكل سريع : في أي طابق تسكن أنت؟ أجابها : في السابع ومضت·
فتحت باب بيتها ودخلت·· مشى وهو يتأمل كل ما جرى في ذلك المساء، وقلبه يخفق على غير عادته، كان مرحاً رغم عودته مجبرا إلى البيت، للمرة الأولى يشعر بالطمأنينة وكأن سهم نجم أصابه أو ثلج قطب جنوبي أو شمالي بدأ يذوب بداخله، تذكر في تلك اللحظة الطريق إلى البساتين وسلاسل الحجارة التي تؤكد وجود ممرات بين البيوت، وشجرة الصبار جميلة الأزهار قبل النضوج، كأنها امرأة تناديه بأثر رجعي إليها، يمشي حتى يصل إليها على وقع صوت نداء سري يدعوه، ليقف أمامها ويستنشق قدرته على تحمل الكوارث والمشكلات وضيق الحال، ليمشي عاري القدمين على شوك مبعثر على تراب أحمر لا يصلح إلا للخصوبة·
صفحة 5
3
لم يكن الحلم متعلقاً بالنوم في مساحة صغيرة وبسيطة تكاد لا تنفع لأي شيء على الإطلاق، تلك المساحة منحته الثقة بنفسه وبالحلم أكثر من ذي قبل، وكانت على الرغم من ضيقها مبعثا للراحة، تدفعه في كل مرة لأن يكون أكثر تواطؤاً مع الحلم، كان يأتيه بثيابه الملونة المعطرة، يحدثه عن كل الأشياء؛ عن الأخبار في الصحف التي لم يقرأها، البلاد التي لم يسافر إليها، عن الناس الذين عاشوا في الماضي، عن البحر والبحارة الأشداء، عن الحب حين يكون مفقودا·
يتذكر حين يخرج من العمل مسرعا باتجاه البيت لكي يكون أكثر جدارة بهذا النهار، ويعود على رؤوس أصابعه، يفتح الباب على مهل ويدخل ليراه منتظراً وهو في حالة من القلق، وكره الانتظار، وحين يراه يبتسم ويتصرف كأن شيئا لم يكن، بل يعدل جلسته كأنه يريده أن يبدأ على الفور بالنوم من أجل الدخول إلى عالم أكثر حنوا ورقيا ورأفة، بدوره يستسلم لهذا الفعل المخلص·
يسأله : إلى أين تحب أن نذهب اليوم ؟
يخفق قلبه فيستسلم أكثر وهو يضع رأسه على وسادة ملونة بالبهجة من خلاصة الشرق·
قال له : اليوم سنذهب إلى حيث تود أن تكون، إلى الخريف، إلى الشمال، نحو اقتراب الربيع، سنحاول أن نلحق بآخر أيام الخريف ونمشي على الورق المتساقط لكي تتجدد الطبيعة وتمنحنا معها صدقها·
يغمض عينيه ويعود أصغر مما كان عليه، يمشي باتجاه المدرسة حاملا حقيبة وأقلام رصاص وممحاة ودفاتر لا تفي بالأبجدية، يمشي بين دموع الموتى ونحيب الغرباء، ووحدة شجرة الزيتون التي تزين رؤوس الموتى كأنهما أكاليل وضعت لكي يستأنسوا ويستظلوا بدوران الشمس على عزلتهم البعيدة، يسمع ضحكات الأطفال الممددين في قبور صغيرة كأنهم دمى ملاك الموت، يتهجى أسماءهم ويتلو الفاتحة ويمشي وهو ينظر خلفه؛ وهم يلوحون بالشواهد، يعدهم بالعودة لزيارتهم ويصب الماء على شجرهم·
صفحة 6
عذره الحلم على ذلك المشهد الذي مر فيه في تلك المقبرة، كان جالساً خارج المقبرة ينتظره وهو يشعر بالأسى، ربت على كتفه وضمه إليه وقال : دعنا نذهب إلى حيث اتفقنا إلى آخر الخريف، تعال إلى حيث بدأت تريد الخروج من الظلام إلى النور· إلى دفئك الأول، مضيا في طريق معاً· لم يكن مر قبل ذلك فيها، ينظر إليه ويقول : دع لك السؤال لأنه أكثر أهمية من الجواب، اسأل بداخلك بعقلك بإحساسك، لا تدع مكانا للجواب في حياتك
يمشيان معا إلى آخر الخريف نحو اللحظة التي امتزج فيها البكاء بالضحك·
قال له : تعال لنذهب إلى تلك اللحظة التي لم يكن لك فيها اسم·
دخلا إلى مكان مظلم، وجلسا، قال له : هل تذكر شيئا عن هذا المكان·
شعر بأنه على متن مركبة فضائية فقدت الجاذبية وبدأ يسبح فيها وهو يرى وجوه إخوته يبكون ويحاولون الخروج، ويسألون عنه، رأى نفسه محمولا على كتف أخيه الأكبر متجهاً إلى الحلاق، وأخته وهي تحمله معها إلى بيت الجيران، وأخيه الذي يكبره بسنتين وهو يعلمه كيف يمكن أن يكون حارس مرمى، وأخيه الذي يكبره وهو يسحبه من حول طاولة القمار نحو خسارة أخرى·
رأى أباه وهو عائد مبلل بالدم، وأمه وهي تحاول جاهدة حياكة قميص من خرقة معدمة، رأى الجيران وهم يسهرون ويشربون في الليل عرق النهار، ويرقصون على أمل العودة، رأى جاره وهو عائد إلى البيت بلا حذاء بعد أن خسره في لعبة قمار مع أصحابه، رأى بنت جيرانه وهي تعلمه الغزل ولهفة القلب، رأى معلمه جاثماً أمام كرسيه يردد مقاطع من قصيدة لعمر الخيام، بصوت مبحوح:
فما أطال الليل عمرا ولاقصَّر في الأعمار طول السهر
غد بظهر الغيب واليوم لي وكم يغيب الظـن بالمقبـل
صفحة 7
4
رأى الملاجئ التي نام فيها ذات حرب، تعرف على الخوف في تلك اللحظة، سلم عليه، تذكره وقال له : أنت الذي كنت تبكي وتبكي الظلام، أنت الذي ملأ المكان صراخا، أنت العجول كثير الحركة والتململ، أنت الذي كان يزعجني ويخيفني حين يواجهني بعيونه المبللة بالدموع، وبنحيبه حين يوبخه أحد على بكائه، للمرة الأولى أشعر بأنني كنت أزعج الخوف وأسبب له كل هذا الرعب
كان الحلم ينظر إليه ويبتسم كأنه يريده أن يتذكر أكثر تلك الأيام، كان بنظراته يدفعه أكثر للاستماع ويحاول أن يبعده عن تلك الأيام القاسية التي عاشها، رأى حشود الناس على باب السينما، كان مع أخيه الكبير وأصدقائه، رأى نفسه مع أبيه في يوم عطلته وسط الأسبوع ذاهبين إلى مقر توزيع المعونة، كان يوما خاصا، بعد أن يضع المؤن على ظهر الحمار يركب ويمضي نحو البيت وكأنه عائد من معركة منتصراً·
نام تلك الليلة نوما عميقا، شعر بحقيقة النوم، بهدوء أطرافه، لم يتحرك وكأنه مستلق على غيوم يحاول ألا يزعجها، أو يخرب تشكيلاتها، كان يشعر بأن الأشياء أكثر بهجة ورونقاً، كأن نسمة متجهة نحو شجر الياسمين بعد عصر يوم مليء بالشمس·
شعر في يومه الأول مع الحلم بنكهة لذيذة طازجة، بالمساء حين يمسد على شعر الليل، ويمنحه خصوصيته، ويبعث في العتمة النور الذي يخرج من صميمه، بات أكثر حرصا على الانتهاء من أعماله اليومية من أجل ملاقاة حلمه، بعد يوم مملوء بالتعب الخفيف، يخرج· يكون في انتظاره، كأنه على موعد لملاقاة حبيبة خرجت من صُلبه، من رحم مشاعره، وليدة أفكاره، هواجسه تعرفه· تمشي في عروقه، تنبت شعرا في ذقنه كل يوم، كأنها شيب مطرز في لحيته الكثة، كأنها الليل والنهار، والشوارع التي سار فيها، كأنها المقعد الخشبي في حديقة متواضعة، كأنه يحبل ويلد الأشياء التي أحبها مثل أي امرأة، لكن ما كان يميز الأشياء التي يتعامل معها أنها من صنيعه، من لحمه ودمه، من خسارته وانتصاراته، من هزائمه في أبعادها الشخصية والتاريخية، والعاطفية·
سار في صباح اليوم التالي يروح ويجيء كالعادة، يمدد نفسه على الوقت كي يعرف متى ينتهي، يدرك أكثر وهو في طريقه يلعن حبات العرق التي تتصبب من كل مكان في جسده بأنه جدير بالحلم، بالعودة إليه فور انتهاء مهماته الاعتيادية تجاه أن يبقى على قيد الحياة·
صفحة 8
يفكر متى يعود إلى حلمه؟ ويتساءل كيف يقضي هو وقته من دونه؟ ماذا يفعل؟ هل يكون ضجرا، أم متماهياً مع تفاصيل الحياة؟ أم أنه يحضر إليه مشهدا يحب أن يراه؟ تثيره الأسئلة·· هل يجوع؟ هل تتعب روحه؟ هل يفكر في الانتحار حيث تشتد الأزمات أم يواجه الحياة كما نفعل نحن، بماذا يفكر وهو جالس في الشارع أو المقهى أو البيت أو في المخيلة؟ هل تزعجه أصوات السيارات؟ كيف يرى الجنود وهم يتحركون ضمن خطة من أجل القتل؟ هل يحب الأطفال ويفسر لهم نفسه، بعد أن يأخذوا قسطا من حليب أمهاتهم؟ هل يمرض وينظر مثلنا إلى دوائه المركون بجانب السرير؟ هل يحب الحيوانات ويمنحها نفسه؟ تزدحم الأسئلة في جسده وعقله ودقات الساعة، وغبار النهار، في ضوء البيت، في لحن ينساب على الروح كأنه رشة ملح في قدر جائعة·
منحه الحلم أن يتورط فيه وفي ماهيته، وإنسانيته التي يستقيها منه، كان يتأمله، وهو يأتيه مسرعا لكي يمنحه نفسه، ليخفف عنه ضغط الحياة، يأتيه حين يخلو من الناس وافتقادهم له أو حين يتوه أكثر مما ينبغي، ينسى أو يفقد بوصلته حين يشعر بالضعف، وحين تخونه العناوين، يمشي في شوارع رسمها على جدران· فيها أسوار، ألوان، أزهار وشجر بألوان غير معتادة، كان يرسم له الحلم طرقاً وبيوتاً وسماء ووجه الحبيبة، كان يعلمه الجمال وأبجدياته، كان يقول له بأن الصبر هو التفهم والتسامح هو الكبرياء، والغضب من سمات الضعفاء، كان أكثر مجدا حين يمنحه صولجانه، كان يجلس أحيانا يحدثه عن الآخرين، عن تفاصيلهم وكم هم صعبون، وكم هم مطحونون لا يريدون أي شيء ويريدون كل شيء في الوقت نفسه، وهمهم أن يفسروه بما يخدم زيادة مالهم في تحقيق رغباتهم السريعة·
كان في كثير من المرات يشكو من أناس يريدونه فقط للاستمناء، يريدون أن يضاجعوا نساء الملصقات والمغنيات التافهات، كانوا يمارسون غباءهم في لحظته، قال له إنه يشعر بالحزن لأنهم ينظرون ويستغلون مساحته التي يحاول أن يتقاسمها معهم·
وصف له كل المواقف التي سببت له الهرب والاختفاء، قال له أيضا بأنه يختبىء في أجساد الأطفال وحين يعطش يشرب من حليب أمهاتهم، وحين يلعبون يضحك معهم، وحين ينامون ينام وفي غياب النوم يشترك معهم في ألعابهم مع الملائكة، قال له بأن الملائكة يشبهون الحرير حين لا يختلط بالأجساد، يشبهون النسمة الحائرة، لا يعرفون الاتجاهات إلا من خلال الناي والريح، يحبون الموسيقى، يصغون إلى صوت القيثارة وهي تبدل النغمات كأنها تدفق نهر يتبعثر بالحجارة هنا وهناك·
صفحة 9
كان يحب الحديث عن الأيام التي عانى منها، عن فقده للذين مروا في حياته، عن بطش مجرم يريده في ليلة، عن زعيم سياسي يفكر بأن الحلم مثل حكم الشعب، عن المستضعفين حين لا يردونهم في لياليهم المكحلة بالهزيمة والانكسار، عن طردهم لأي منهم، يقول لهم بأنه جاءه أو رآه أو سمع عنه، كان يبكي وهو يحدثه، ينتحب، ينهار، يضعف، يلعن نفسه واسمه ولحظته التي يمر من خلالها إلى الآخرين·
حكى عن الأيام واللحظات العصيبة التي مر بها وفيها، كان يشهق بالبكاء وينظر في وجهه وفيه من الحزن ما يكفي لتعبي وحبي له، ينسى نفسه وهو يحدثه عن أشيائه، مشكلاته، أكد له بأنه بات يعاني ويتعب ويهرب من المحبطين والظالمين ولم يعد قادراً على مواجهة الكوابيس التي كانت تهرب منه لحظة حضوره، قال له بأن الأشياء كانت أفضل حالا، وأن الناس جارت على نفسها، وأن الخطوط أصبحت أضعف، وأن المساحات تداخلت بين الأشياء، بين الضعيف والقوي، الفقير والغني، بينه وبين الكابوس، أصبح مستنزفاً يدافع ويقنع الآخرين به وأنه سبب قوتهم، صار مطلوباً منه بذل كل ما بقوته لكي يعيش فقط، لكي يكون ملح الليل، كان يبوح له كأنه توحد من هواء حامل النغمات من ثقوب الناي، كان يحب الشرق ويسترخي حين يشم رائحة البخور، ويداعب الستائر الشفافة في غرف النوم الفاخرة والمطلة على السهول والبحار·
ذات يوم قال له:
أصبح لي مزاج خاص، أحب الجلوس وحدي، أفكر بنفسي، بأن يكون لي ما يكون للناس
نظر إليه ثم عاد ليكمل حديثه:
أن يكون لي حبيبة وأطفال وبيت وحديقة وستائر وردية، وأخرى مخملية، ومقعد خاص أجلس عليه لأحلم بما لم أحلم به وراح مني، أريد أن أحلم، أريد أن أتوقف عن دوري هذا، علي أن أعيش مثل الآخرين، مثلا أن يكون لي عمل، تمنيت أن أعمل ساعي بريد، أتنقل بين المدن والقرى والبيوت والأزقة، وأزف الأخبار للملهوفين، أحمل لهم شوق الآخرين في رسائل بدل الجهد الذي أبذله الآن من أجل أن أصلهم في نومهم دون نتيجة، هل تعلم بأن الرسائل تعادل وجودي ؟ لقد كانت الناس تفرح كثيرا بها·
صفحة 10
5
تعرف ذات يوم على امرأة كانت تتلقى رسائل من زوجها المسافر، كانت تعتبر أن الرسالة منه أفضل من أن يأتيها في الحلم، تمسد على الكلام كأنها تمسد على ظهره وهي تعانقه، كان للدموع معنى خاص في رسائله، وللفراق أيضا، خطوط كلامه تشبه ارتباكات طفل تركته أمه للحظات، كانت تحمل رسائله وتمشي بها متنقلة في البيت لكي يرى مكانه ويطمئن على ملامحه وتفاصيله في البيت، كانت تتحدث مع رسائله، تبلغه أخبار أبنائه، وجيرانه الذين يسألون عنه·
غاب عنه بعد ذلك اليوم ولم يعرف له طريقاً، كان مشغولاً عليه، ويفكر في تلك المرأة التي حدثه عنها·
حلم أنه يسحب وجع الخسارة من ركبتها، تلك المرأة التي عاشت حياتها جاثمة تمسد عشبها صباح ومساء كل يوم·
بعد أن رحل عنها رجلها، وبقيت صورته معلقة في البال·
كانت تحلم بينها وبين غيابه، تصف له مفاتنها، تفاصيل شهوتها، تغريه بتأوهاتها المخنوقة، تنتحب بصمت، وهي تستحم بلزوجتها، وتعد حبيبات القشعريرة المنثورة على جسدها كأنها تقويم أيامها/ لذتها·
عاد بعدها، كان في حال مزرية، كان كثير البكاء، يلبس ثوبا أبيض، جسده ناحل ومترهل، وصوته مبحوح، شاهده ولم يقوَ على سؤاله، أين غاب وما سبب هذا التردي الذي بلغته حالته النفسية، بقيت ثيابه تنزف حزناً زمنيا، سأله، لم يجبه، وظل صامتا·
حينها رأى أباه بملامحه الطيبة، يأتي من بعيد بثيابه البيض الأخيرة، هو أيضا يمشي إلى البعيد· ينظر إليه كأنه يقول له : إذا انتظرت هنا ستبقى الغريب/القريب·
جادله وطلب منه بأن يأخذ سكينه معه·
أقول له : لا يا أبتي، لا لست أنا الضحية، ولن أكون القربان الذي ينجو في المشهد الأخير من التعبير عن دقة الاختبار بينك وبينك·