eKtab
EN ع
مفارق العتمة
اقرأ عينة مجانية

مفارق العتمة

بقلم محمد عبد الله المزيني

صفحة 1
مفارق العتمة
 
صفحات تنضح برائحة أحلامنا في نزق إلى مستقبل نجهله· يشدنا الماضي حيث كانت ولاتزال خطواتنا تدب بين جنباته· نحلق كالفراشات· نزف حكايات صغيرة مختزلة تملأ فراغات عقولنا وتهوي بنا بين عقارب الساعات غير المحسوبة· تعصرنا· تشكلنا· تقذف بنا في رحم عالم نراه يكبر كالمنطاد، يحجب الكون، فنشمر عن سواعدنا بشغب· نمتطي صهوة أحلامنا التي لا تلبث أن تنفجر كفقاعة صابون· تعترينا خيبات صغيرة ؛ نقفز فوقها سريعاً· نلملم أوصالنا المبعثرة كأهازيج ليلة عرس موشحة بخيوط ضوء القمر؛ فنبدو كأطياف ليل مهجور، تصفر فيه الريح بين مفارق العتمة القابعة في وجوم وتبتل وسط الصحراء، حيث الرمضاء ووهج الشمس الحارقة تلفح الوجوه، وحيث الرياح المعتسفة تذرو حبات الرمال·· تحملها من صحراء النفود والربع الخالي، مروراً بالصمان، حيث تختلج المشاعر الصامتة فتنبض بالحلم ؛ ملهمة الذاكرة الشعبية بمعنى الصمود أو لربما اليأس أو الجحود، بمشاعر تتحرك كحبات الرمل على أكف الرياح تكظمها الصدور بتحد وعناد·· مثل بركان يتحفز ليثور، لا تفك رموزها أو تحل معانيها إلا ساعة انتشاء، حينما يدق لهيب النار أوصال خشب (الأرطا) أو (الغضا) أو (السمر)·· وحينما تصدح فناجين القهوة بأنفة وكبرياء مصطدمة بأنف الدلة الأشم المسكونة بعنفوان الكرم·· هناك ترقد المدينة المكدودة تحفها الرمال من جهاتها الأربع· تتكور على نفسها بخطوط وتقاسيم أزقة متشابكة، تراها من بعيد تنبت من الرمال في اصطبار وتبتل تحنو على خرير المياه تنتزعه مكنات الري الحديثة، فلا يخبو صوتها إلا حينما تلفظ الشمس آخر أنفاسها على صفحة الأرض الموشاة بلون الذهب وحمرة النار، فلا يبقى منها سوى ظلال معتمة تبعث على القشعريرة·· تلك كانت مدينتي (الرياض) وفي جزء منها حيث أقطن·
صفحة 2
آيات الخوف والجوع
 
يمتد الشارع الغارق بالمياه الطافحة من عنق الطريق المؤدي إلى الفرن المقابل تماماً لسوق الخضار (الحلقة) حيث تسوقه روائح عفنة كعلامة فارقة لا تغرب عنه صيفاً أو شتاءً بتعاريجه وتشابكه، بلا حدود أو أبعاد أو مسافات، بلا ملامح تميزه في الشكل، لكنه يبدو أمام أعيننا مغارة نتيه في دهاليزها· نفيق من نومنا باكراً، نفز بلا تراخٍ· نبحث عن وجوهنا المرسومة على قارعة الطريق، فلا يفت في عضدنا أو يثبط من عزائمنا لفيح الحر أو لسعات القر المشاكَّة· ننطلق· نرفرف كالعصافير بأجنحة نسجتها أنفاسنا التي لاتزال تقطنها رائحة الليل، نسابق أشعة الشمس الملقاة تواً على حافات الأزقة؛ متنقلين بين زواياها المتناثرة بين نتوءات وتغضنات المنازل الطينية المتلاصقة، بلا انتظام أو مبرر·· وعند أقرب حافة تطالها وشوشات الشمس الناعسة تلتصق أجسادنا الصغيرة، انتظاراً لساعات الانطلاق، بعد أن تشحذ أوصالنا بالطاقة اللازمة، عوضاً عن وجبة الإفطار التي قلما تناولناها في الشتاء· تجتاحنا رغبة عارمة في مطارحة رياح الشمال العنيدة بأسمالنا التي لاتكاد تسترنا! ليس من قبضات البرد المهلكة، وإنما من أن نبدو أنصاف عراة نبصم يومياً بأقدامنا الجرداء على وجه الأرض التي تسكنها المستنقعات الآسنة·· مذ عرفنا طريقنا إلى الشارع ونحن نسابق الريح إلى دفء الشمس الزاحفة خلف هالات سحائبية·· نكده·· حيث يستقر الخوف والقشعريرة اللذان يكادان يستلان أرواحنا فزعاً ووجلاً من سياط تلوح بها جحافل الغيوم، فتتراءى لنا كقبضة توشك أن تحكم مسامات الكون بزفرات تعلن عن ليل يجتر لواعج البرد القارس المبشر بالحمى، ونوبات السعال المتواصل، فنلتف، متحلقين، حول النار المشتعلة من قطع خشب الأثل كقطةٍ ترضع صغارها، نراقب تجمر الحطب انتظاراً لساعة الصفر للخلود إلى النوم في تشكل خرافي مع هالات الغبار العالقة بأثوابنا الصدئة، ورائحة الطين اللازب تتنفس بها تشققات وندوب تحتل المساحة الكبرى من منزلنا المكون من غرفتين تحتضنان غرفتين ملحقتين بهما، تنقصهما التهوية الكافية لاستنشاق هواء صحي، أو إضاءة لا تكاد تسمح إلا ببصيص ضوء مهترئ، عدا سلك كهربائي ممدود قسراً معلق في الطرف الأخير منه مصباح يطفأ تقريباً الساعة الثامنة إيذاناً بإسدال الستار على يوم محموم باللعب والمشاغبات· نشرع في استحضارها والضحك بقهقهات مسموعة على بعض المقالب الباعثة على الضحك، ثم نغمض أجفاننا وأفواهنا مملوءة بحكايات لم تنته بعد ؛ تاركين لأحلام الرقاد مهمة استكمال رحلة الحكايات المتعاكسة مع واقعنا· تبدأ تصفية الحسابات، تنقلب المعادلة، يبيت المظلوم ظالماً والمضروب ضارباً والمهزوم بطلاً· كنت أفضل النوم دائما في الزاوية القصوى من الغرفة الوحيدة المخصصة لأيام الشتاء، الراقدة في جوف المنزل بلا نوافذ، سوى نافذة صغيرة معلقة في السقف مقابلة تماماً للوجار، مكان إشعال الحطب الرطب لتسريب أدخنته الرديئة،وكأنها تشكيل خرافي يستمد سماته من عالم سرمدي يستيقظ مع الأموات عنوة مفضياً بالأحياء إلى عالم البرزخ·· لا أدري كيف أتوجس هيبة النوم ؟ ربما مع الخوف الملبد بين أجفان الناس !
 
كانت الغرفة القصيَّة توحي بأكثر من رائحة تكوين عجيب يستمد خصائصه من مخلفات الزمن الذي يلف الجدران والأسقف المصنوعة من الجريد وخشب الأثل·· وفي ريعان ذلك الصمت الشاحب تبحر عيناي في صميم تكويناته الخرافية، فترتسم أمام عينيَّ المنهكتين دوائر حمراء تبتلعها أخرى زرقاء في جدلية لا متناهية، تفرز من أحشائها أشلاء تتكور بين مسامات الظلمة ؛ تنتابني قشعريرة الخوف، يهتز بدني الصغير المنهك، تتمطى بأشكال هلامية تنتزع أوصالي، لا يبدد خوفي سوى أصوات متعاكسة تتسلل عبر الشقوق؛ مخترقة تفاصيل الخوف والقشعريرة، ينبعث من المنزل المجاور ذي الغرفة الملاصقة تماما للغرفة التي أنام فيها بكاء·· صراخ متقطع·· تأوهات·· تأخذني نشوة تنفض غبار النوم الراقد في أنحائي، وبين جوانحي أصوات مختلطة··ضحكات·· قهقهات·· جلبة جنون، ثم أنفاس مكدودة تفتح أمامي نافذة من تضاريس أيامنا المتيبسة في عروقنا تحتضن حكايات تنقشع تفاصيلها كغمامة عقيم تلوكها ألسنتنا بلا حياء·
 
عندما تقدم شعلان لخطبة سويّر أصبح رجلا وصارت سويّر امرأة· تلاشى صوتها إلى أعمق مسافة، وارتحل وجهها النابض بالحياة تظلله خيمة شعر نازفة بكل اتجاه· تزوج شعلان بسويّر وظل يلاحق شهوته الجامحة بين تفاصيلها المكتربة·· خوفا وحياء تحولت إلى نمرة مزقت ثياب عرسه وخدشت وجهه، ظلت الليلة بطولها تجلل غرائزها المكبوتة بوحشية متناهية مستنزفة قواه المكتنزة لمثل هذه الليلة بين كر وفر، لم تسلم عقالها إلا بعدما حل شعلان إزارها بعنف ؛ قاصداً عنوة تكحيل سيفه بغمده ملقياً برأسه بين هضابها،سهولها وشعابها·· ينحدر الصوت مجلجلا، ينتزع شعلان سهامه يغرقها بفورة الدماء المتدفقة، يرفع راية الانتصار بين أكتافه، يتغلغل سابحاً بين أمواج هادرة· ترمقه سوير بعينين واجفتين وشفتين مرتجفتين تتوسل إليه، تحثه أن يطأ الأرض يحرقها، يفجر ينابيعها، ألا ينسحب حتى ينتزع فتيل المعركة ويسدل الستار عن أول الفصول وأهمها بانتظار ساعات أخرى شبقة محمومة ندية، ومتكسرة كأمواج البحر·
صفحة 3
يفجر الصوت ذو الدرجات الظلية المبعثرة مكنونات ذاكرتي المنحوتة على قارعة الليل الملتحف بالظلمة، ترسل معها كوابيس نزقة·· أظل معلقاً في فيافيها العابسة، كشرنقة تحملها أجنحة الصمت اللعين·· تنكشف أمدية العتمة القابضة على أكتاف الكون، متسللة إلى أقصى مساحة من أنحاء جسدي المنهك· تحملني بين ذراعيها تسلمني يد الإرهاق والتعب عنوة إلى نوم عميق، لاتنقطع وتيرته إلا مع حشرجات صوت أبي القاطنة أبدا في أسماعنا، تزفها ذبذبات صوت المؤذن المرتعش مستبيحاً خلجات السكون كإعلان ابتدائي عن ميلاد يوم جديد· أترنح تحت وطأة هواجسي الدفينة تحت أنقاض الإرهاق· كيف يمكن أن أحمل ركامي من نوم عميق·· يخترق صوت أبي حواجز العتمة المخيمة على كياني، فأنهض محمولاً على أكف الأحلام متثاقلاً وفي ذهني صورتان تبعثان عليَّ النكد : الماء المتجمد سينسكب حتماً على أطرافي الدافئة، تنتابني رعشة تكاد تقبض أنفاسي، والوجه الآخر البرد القابع خارجاً بوحشية وحنق، وكأنها الضريبة اللازمة مقابل ساعات أحرقتها أنفاسنا تدثرها أغطية مبللة بروائح قديمة، فما أقسى الاصطبار على تلك اللحظات القميئة· أجتازها والخوف يرفرف بين جوانحي، خشية ألا تقع عين أبي الفاحصة على جسدي الناحل بين الصفوف الأولى من المسجد·· يتمخض هذا التفكير الموحش عن رغبة ملحة في مواصلة اجترار الأحلام العذبة· تتقاطع هذه الرغبة العارمة مباشرة مع عبارات والدي هادرة منذرة بشر مستطير، ويل لمن تخلف عن الصلاة مع الجماعة، لا مفر من مجابهة غواية التلذذ بدفء وثير، إلى حيث وجهان قانطان يحملان صوتاً مشحوذاً بالوعيد، ماء متجمد و شارع متجهم من شدة البرد· ووجهان آخران يلفهما خوف كانا يرسمان ملامح شخوصنا الطفولية·· خوف من الظلمة الراقدة في رحم الكون يلدها الليل وتحتفي بها الريح الصافرة· وخوف من الله كنت عندما أخافه أتبتل إليه بالذكر، أتحفز إليه بكل جوارحي، وسرعان ما يتلاشى الخوف أمام تقاطيع وملامح وجه أبي الصارمة تضيق ساعة فيحتل الخوف من أبي المساحة الكبرى من نفسي· أقتحم قلبي الراجف بسيل من الأسئلة لماذا أخاف أبي؟ هل لأني أحبه ؟ ولماذا أحب الله هل لأني أخافه؟ وعند سماعي تراتيل إمام المسجد الندية وهو يقرأ كعادته أجزاء من سورة يوسف تهدأ روحي وتطمئن، لا أدري هل هي طمأنينة من عقاب أبي لو تخلفت عن الصلاة، أم لأن هذه السورة كانت تناجي عقلي الصغير، بما تحمله من مضامين إنسانية تصورها قصة طفل فقده أبواه بمؤامرة من إخوته؟!·· شيء ما يسقط كحجر صغير في ماء راكد فيحركه على شكل دوائر متناغمة· كانت تلاوة القرآن بصوت الإمام العذب تملأ رأسي الصغيرة بما يفيض به من أسئلة كانت شائكة بقدر خطورة البوح، تشعل داخلي حرائق تومض بألسنة لهبها، تتغذى من أثداء الجحيم وسقر الملعونة·· أرتد هارباً أخفق بروحي هائماً إلى أقصى مسافة تضعني على أجنحة الأمن بعيداً من لعنات الأسئلة المقيتة، كي تزيح عن دماغي الصغير المنفتل على حجارة مشذبة سوادية دنف الولوج في دهاليزها، فقد تعلمت الدرس باكراً· تجاذبتني صور حية حفرت معالمها في ذاكرتي، مثلما انطبعت بالمقاس نفسه آثار كفٍّ غليظة تورم منها وجه زميلي في الصف،كان إلى قبيل تلك اللحظة الحاسمة يرسم صوراً حالمة لفضاء تعشقه الطيور، يكتحل زرقة تمخرها سحابات مراوغة· كان يتعطش دائما، في محاولات دائبة لإيقاظ التفاصيل الغافية بين جوانحه· فقط إلى قبيل اللحظة الحاسمة في حياته، عندما هوت يد أبيه الثقيلة على وجهه الصغير، كان سؤاله صغيراً سقط من لسانه سهواً (من خلق الله؟) جرف معه بقايا الأسئلة وغسل عاره لم يكد يصدق، حيث استدار إلى جهات الأرض الأربع· اختلطت ألوانها وسحقت بين عينيه وسقط (أنا أكرهه)، ثم يستدرك، (لا أحبه) لم يكن الخوف والمقت حليفين يهادنان قلبه الراجف· زاد وجيبه لحظة، كشر أستاذ الفصل عن أسنان تومض بلاهة وتشفياً·· تمنيت وقتئذ لو انتفخ حجمي الصغير وتورم المارد داخلي فأجرد هذا المعتوه المتعجرف من أسلحة الفتك والتهديد، ثم أوسعه لكماً وضرباً؛ لم يكن يرانا سوى كلاب تستحق السحق بمواد سامة حقيرة، بمباركة تامة من إدارة المدرسة وغياب كامل وتخل مطلق من أهالي الطلبة !· شيء ما يعزى للتربية والتقويم لا يصلح بمعزل عن العنف·تداعى إلى ذاكرتي مشهد آخر ضحيته أخي الأكبر، عاد من المدرسة يجر قدما ويعرج بأخرى من آلام مبرحة في كلتا قدميه نتيجة عقاب شديد وعصا ملهوف تؤز بين قدميه·· تلك اللحظة موجعة، إلى حد القهر، استطار فيها عقل أمي وقلبها صارت تخفق كحمامة مصوبة بصوت محشرج مبحوح سكنته غصة:
صفحة 4
- ما بك يا ولدي ؟
 
- علقني الأستاذ بالفلكة·
 
- لماذا يا ولدي ؟
 
تبعثرت ذراتها بين قدميه تلملم آلامه كحبات عقد منثور تعضدله وتحمل آهة الألم عنه وترعف باكية· والدي لا يحرك ساكنا·· الأمر حتماً لا يحرك له جفناً لا يعنيه، بل اكتفى معلقا·
 
- لعله أحدث شيئاً مستنكراً، فنال عليه جزاءه واسترسل :
 
لا تشغلي بالك كثيراً، دعيه وشأنه تعالي لتضعي لنا لقمة نأكلها·
 
المسكينة لم تعبأ بأمر والدي الذي طالما رأته مقدساً، فمصابها جلل أفقدها وعيها إلا من أخي··وجهه الممتقع يوغل حريقا في دمائها· نقلته إلى إحدى غرف المنزل الداخلية تجتر صمتها المفجوع تقذف به إلى كبد السماء·
 
أمام هذا المشهد قال أبي بصوت خفيض :
 
- جنّت أمك ؟!·
 
أضمرت في نفسي ألماً وحسرة وصراخاً تهدر به أوردتي·· كدت أتميز·· أبي وحده وقف متجلداً كصخرة قديمة· أَحَبَّ أن يرانا رجالاً يعتمد عليهم، لا يقبلنا بهذا الخور ؛ لذلك آثرت لزوم الصمت كي لا أبدو أمامه ضعيفاً خائراً·· خشيت أن يبدد نحيب أمي المسكينة سكينتي فلم أكن أسمع نحيباً قط مثلما جادت به حنجرتها، وعيناها تفيضان من الدمع· لا أريد أن يحس ذلك مني، كانت تراوده رغبة في أن أصبح ذات يوم شيخاً يتباهى به أمام الناس، فمنذ أن ألهمتني ذاكرتي بآية من سورة الملك نسيها الإمام في الصلاة وأنا لا أستطيع الفكاك من إسار تلك الثقة·· كانت منحته المباركة لي وكان حافزه إمام المسجد الذي أبدى رغبة أكيدة في تبني موهبة الحفظ لديَ موصياً أبي بضرورة إلحاقي في صفوف حلقة تحفيظ القرآن· لم أكن بمنجاة من قراره الحاسم لركوب الصعب ولزوم حلقة التحفيظ، حيث كانت تعقد في المسجد عصر كل يوم، فلطالما كرهت الانتساب إليها، فهي تعيد صياغة وجه المدرسة القميء بلغة مختلفة وأسلوب يعتمد على العصا (الخيزران) في شحذ همة الطلاب ؛ على اعتبار أنه أمر مسلم به، يؤمن به الشيخ ويطبقه عملياً لحمل أعباء الأمانة وهو على حد تفسيره للقرآن الذي لو أنزل على جبل لتهدم وتصدع ؛ إذاً لابد من أن تتحمل أجسادنا الصغيرة لهيب سياط (النقش) لقب أطلق على الشيخ معلم القرآن لكثرة الندوب على وجهه من آثار مرض الجدري· النقش لا يحبذ أدنى صوت يصدر منا وكان يردد عبارته المشهورة (بلا نفس) كانت وجوهنا الشاحبة بأعين شاخصة تلعنه، أي نفس أيها القميء، اخرس أيها الصوت المنقوش كوشم قديم، آه لو أبصق في وجهه تعبيراً عن كرهي له، لولا ذلك الخوف من والدي الذي يكبلني، وثقة إمام المسجد بي لما ترددت لحظة واحدة·· وفي ريعان هذا الكره المستفز بين جموع المتحلقين نصف دائرة، حيث ترتمي الأعين على الأعين والأنفاس تشدها الأنفاس يصرخ (النقش) اسمعوني صوتكم، اقرأوا فنستطير هلعاً تعلو أصواتنا كطنين النحل، ليسجل بذلك انتصاراً يرتسم بين شفتيه الغليظتين تحرقهما أحيانا تصرفاتنا التي تنم إما عن هلع أو تحد له، فيضرط أحد الطلبة فيستطير الشرر من عينيه الحانقتين، نسجل علامات انتصار غير آ بهين بما سيحدث فيما بعد، فيصيح غاضباً من فعلها ينهض، لا مجيب، يخيم الصمت وتحلق الرائحة كدليل انتصار، وضحكاتنا تتسلل متدافعة تحرضنا على مواصلة لعبة التحدي ؛ قتلاً للوقت وعناداً له ثم يصرخ :
صفحة 5
إن لم يعترف الفاعل فستنالون العقاب بلا استثناء، فنقبل التحدي ونحن نعلم يقيناً أن لغة العصا ستحل إشكالا لنا وله، وقتئذ سيفك أسرنا ويتركنا نرحل مادام من أحدث في المسجد من الطلبة مجهولاً، مما يؤكد انتصارنا للمرة الثانية على التوالي· تتشكل كل هذه الصور والمشاهد أمام عيني وتحتضنها رأسي الصغيرة·· تفككها ثم تعيد تركيبها بعيداً عن الأعين المتطفلة، أحتفي بها كأجزاء ترتبط بالخوف الذي يسكنني، فهي محفوفة بالأسئلة الشائكة ويزداد وميضها مع ساعات الصباح الناعمة، حيث يتوقد الذهن وتستعمرني النشوة· وأنا أشق طريقي بعناد إلى المدرسة، كنت أسأل نفسي سراً لماذا نحفظ القرآن ونعاقب عقابا شديداً على أي تقصير ؟ يرتد صوتي اخرس أيها الصوت اللعين، أراه يتدلى برأسه يتمطى بين عيني أعرفه هو الشيطان الرجيم·
 
- ألا تكفي مقررات المدرسة الثقيلة، يأخذني الصوت اللعين يخاتلني بهذه الأسئلة الخبيثة المواربة كزورق يتأهب لشق عباب موج هادر، ولا يدري إلى أي عمق سيأخذه أو ساحل سيودعه ؛ لكنه لا يلبث أن يتسلل مع جلجلة قرع جرس المدرسة، الذي يكاد يهز جدران منازل الحي المتآكلة، وينتزع الأسلاك المعلقة· أقبض بأنفاسي وأصعد السلالم المؤدية إلى الفصل المحشور كالمغارة بين الفصول، أستنشق رائحة فاسدة تكونت من معجون مقرف خلفه الزمن الراقد في وجوه الأساتذة وحيطان المدرسة·· لنعاود اجترار ساعات خمس؛ معلقين بين جرس المدرسة وحركات الأساتذة المتصنعة مدعومة بالعصا، فمتى أرادوا تدليلها أرسلوها في نزهة شبقة إلى حياض أجسادنا الملونة بتموجات آثار العرق أو علامات الضرب· نظل أبداً بين الخوف والرجاء· العذاب والمتعة· ومتعة الفناء الفسيح ؛ مجنحين منعتقين من ساعات مملة ضجرة كانت تشكم أنفاسنا داخل مكعب محشور برائحة معتقة بأغبرة الطباشير المتطاير ورائحة اللوحات المائية والزيتية والبيض المسلوق وأنفاس كريهة· تظل أحلام شامخة تراودنا· ننتظر الساعات ولا نحسبها تطول وتقصر، تتمدد داخلنا فينمو المقت والكره كطحالب بحرية· علمتنا المدرسة كيف نكره، ثم كيف ننتقم· لم نكن نعرف قط قلوباً تعرف الرحمة أوالمغفرة، يطول الانتظار إلى أن تحل قرقعات الجرس منقذة أنفاسنا الطافرة، تسابقنا إلى حيث وهج الشمس ودفؤها، ترمي لنا أشعتها كطوق نجاة فنهوي بأقدامنا الصغيرة فوق الكراسي قفزاً وركلاً لكل شيء يقابلنا· لا نلوي على شيء· نهرب مخلفين وراءنا حطاًما لا يعبر عن حاله بأكثر من مقاعد وأوراق مبعثرة تعلوها أكوام نفايات وبقايا أكل ومعلبات· ساعات أخرى مشحونة بالمتعة والعذاب نصافح وجه الخالة منيرة أو أم عزوز كما يحلو للبعض أن يناديها نلقف ما تطوله أيدينا من بسطتها الحافلة بالمأكولات والمشروبات، في نزق وتدافع وتعبئة لمشاهدة ننتظرها بفارغ صبر، نقف متحلقين لاقتناص فرصة المشاهدة الكاملة لمعركة ساخنة محمومة بالتشفي والانتقام خلفتها ساعات المدرسة النابضة بالكراهية، ولا نرحل حتى تكتحل أعيننا الصغيرة بمشاهدة كاملة مدعومة بالهتاف والتصفيق، فلا تنتهي إلا بعلقة يأكلها أحد الطرفين تظل وصمة عار معلقة في جبينه لا تزول حتى يتقمص دور المنتقم في تصفية لاحقة·في هذه الأجواء المشحونة بالقهر والتشفي أحاول تبديد حومة الكدر، أتذكر وجه أمي الذي امتقع لونه عندما رأت أخي يتضور ألماً، ووجه زميلي بالصف والخطوط الزرقاء والحمراء تعلم على وجهه، فتنهض في داخلي همة التحدي في تلافي الطرق الوعرة المؤدية إلى مالا تحمد عقباه· آتي مبكراً· أقوم بواجباتي بعناية وحرص، أنصت للمعلم جيداً لكي لا أبدو أمامه شارد الذهن فاغر الفم أحاول أن أصانعه بشيء من الاهتمام، أشاطره الإحساس بأهميته بالإيحاء تارة وبالإيماء تارات أخرى، وفي داخلي صوت يلعنه و أطارده دائماً كي لا تبعث به أنفاسي المتهالكة، ولكي أبدد علامات احتقاري له أمد يدي طلباً للسؤال معرضاً عن محاولات الصفوف الخلفية للإيقاع بي في شراك مشاغباتهم التي كانت تستهويني، أجد فيها شفاء غليلي، انتقاماً من الأستاذ البهلوان الذي يعيد إلى ذاكرتي صورة النقش·· أرقب ما يحدث بحذر من ممارسات الصغار الكبار، تلك الثعالب الصغيرة النامية باستمرار تتحرك من الأبواب الخلفية، وبعيداً عن عين الرقيب تحت وطأة الأجواء المحمومة بلوعة البلوغ ونفير الشهوة للإيقاع بالصغار في رحلة مطاردة لا تنتهي·· هذه وحدها قصة أخرى وموال يصم الآذان· لم تستطع الإدارة المدرسية احتواء ظاهرة التحرش الجنسي بين الطلبة، كما أثبت المدرسون فشلهم في الحد من لهاث بعض المارقين والمتمردين من الطلبة، كانت تحوم حول كثير منهم شبهة التورط بالإيقاع بزملائهم الآخرين، على الرغم من اللجوء الدائم لاستخدام صنوف من وسائل الردع والتعنيف ؛ في محاولة لكبح جماحهم، وربما تواطأ بعضهم مع بعض وغض الطرف عنهم لأسباب لم نكن نفهمها· من بين الأساتذة الجدد الأستاذ سليمان، فقد راعه هول ما يحدث مستفزاً مما يرى ويسمع، لم تكن تستعمره خيبة الأمل كبقية الأساتذة الآخرين·· لقد انتصب متوعداً ومجلجلاً باتخاذ كل وسائل الإصلاح من ترغيب وترهيب بمعاناة مشوبة بمرارة·· كانت أولى محاولات الإصلاح تبني مجموعة من الطلاب كمراقبين ومخبرين عن أي تجاوز يحدث، وهو بدوره وحده يقوم باللازم بطرقه الخاصة· لم نكن نعي جيداً كيف يمكن له وحده حل مشكلات كانت تستعصي على غيره، فقد كان أنموذجاً متفرداً بين الأساتذة، كأنه يحتكم على عصا سحرية ليست للضرب أو التهديد، بل لتحقيق حالة من الرضا والطمأنينة، ليزيل عن أرواحنا أشياء مما خلفته مشاكسات تلك العصا المتهورة· صرنا نتسابق لحصته لم يخف المشاغبون ابتهاجهم به مع ما يلاقونه من جزاءات متعددة تظل من الأستاذ سليمان مقبولة ومبررة وعادلة· كان أكثر ما يثير حنقه تدافع الطلاب وتلاصقهم عند نافذة المقصف أثناء الفسحة لقد أدرك المغزى الحقيقي·· إنها الغواية نفسها التي تدفع بالبعض لاقتناص فرصة طابور الفسحة للنيل من الصغار·· هو في ترقب دائم لحركات الطلاب وسكناتهم، يحرم نفسه فرصة الاستراحة بين الحصص لمراقبة الساحة· لقد بدد لدينا صورة مستقرة لوجه الأستاذ المتجهم· حالة استثنائية لم تدم طويلا·· حيث راحت في صمت، تتسلل مؤامرة تنحدر في هدوء كالمياه المتسربة بين أكوام قش· تهمة تضعه في قفص الإدانة· تنسج الحكاية بكل براعة بما لا يدع مجالاً للشك تقول الحكاية :
صفحة 6
- ذات يوم·· وبينما الأستاذ يجوب فناء المدرسة بحثاً و ترقباً كعادته عن طلاب متخلفين عن الذهاب إلى منازلهم رأى طالباً تخلف عن اللحاق بزملائه· استوقفه سائلاً :عن اسمه، وفي أي الصفوف يدرس ؟ سجل ملحوظاته الأولى، ثم راح يسأله بعد أن أجلسه إلى جانبه عن سر تخلفه وأشياء أخرى عن عمره وترتيبه بين إخوته وهواياته، استأنس التلميذ، فلم يجد بداً من الامتثال لأستاذه الذي يمنحه الآن فرصة الحديث معه بأريحية غير معهودة بين أستاذ وطالب، دلفا معاً في حديث ابتهج له التلميذ لا يشاركهما فيه أحد و بعيداً عن الأعين والأسماع بما يسمح بمسح غشاوة الكلفة بينهما· أصبحا منقادين إلى لغة يحددها الموقف وحده، تعرت نزواته وانهمرت تكنس كل الآمال المعقودة بالعودة··انطلق متنقلاً بحرية بيديه الراعشتين بين مواقع مختلفة من جسد التلميذ في رحلة قياسات المسافات القصيرة والطويلة بحركات وئيدة من الأسفل إلى الأعلى، تتلاشى الكلمات وتستشري الدماء النافرة في عروقه بخطوات غير محسوبة، تتمدد الأفعى في روع التلميذ وتتمطى حمى الغواية متراقصة أمام عيني الأستاذ···
 
بدت الحكاية ملفقة في نظر محبي الأستاذ، صاغتها ألسن مشحونة بالكره والتشفي، لمعت بها أعين الطلاب الشانئين متسربة بين بقية الطلاب، ولم يعر لها الأستاذ سليمان أي اهتمام مبدداً شكوك الإدارة بممارساته المعهودة دون أدنى تراجع، ولم تتورم الحكاية بين طلاب المدرسة إلا حينما تقدم ولي أمر الطالب بورقة صغيرة كاستفسار عما يتناقله الطلاب، مما أضر بنفسية ابنه·· تحمل بين طياتها مفاتيح أبواب الجحيم التي ستفتح على مصراعيها في وجه الأستاذ· أمام هذا الاستفسار لامناص من فتح محضر للتحقيق· خضع الأستاذ سليمان للتحدي وقبل المثول أمام اللجنة المخولة بالتحقيق· بدأت تداعيات الحكاية وتبعاتها تستشري ملقية بظلالها على أجواء المدرسة والأحياء القريبة· أصبحت التهمة ورطة جرّت معها أسماء أخرى من الأساتذة والطلاب للمثول أمام اللجنة للإدلاء بالشهادة، فكانت نبراتهم أقرب للتشفي، وكأن تفاصيل الحكاية وحكايات أخرى عبرت مسلسلة بين أعينهم مثل شهود عيان، وهم يجسدون نزق الفتيان في اختراع قصص بطولية تشهد على رجولتهم· كشفت هذه الحكاية عن تبعات وذيول كادت تودي بالمدرسة وإدارتها إلى نفق مظلم، لولا تدخل مدير المدرسة ململماً أجزاء الفضيحة المبعثرة في أجزاء من حكايات لم تكتمل، جلبت معها حكايات أخرى طالت في بعضها شخص المدير الخرافي، الذي كنا نراه وكأنه صيغ من عوالم أخرى تبعث فينا الخوف·· وكنت أختلسه بنظرات شانئة فأرتد إلى أقصى مغارة داخلي أرتمي بها هرباً من عينيه، اللتين لا تفتآن تقذفان بحمم بركانية· في لحظة محسوبة استحال إلى كائن أليف أقرب منه إلي قرد بهلوان· بات طيلة تلك الأيام يستجدينا ومراتٍ أخرى يتهددنا بكلام لا نفهمه على وجه التفصيل، كل ما احتفظت به عقولنا التي تكابد لالتقاط كل ما يمليه علينا أساتذتنا كان يحاول، جاهداً أن يضع يده الغليظة أمام أعيننا الشاردة فزعا مستثيرا كوامن الخوف فينا، للحد من مسلسل الفضائح التي جلبتها تباعاً فضيحة الأستاذ سليمان، وأن يطوي بذلك صفحة أضرت بسمعة المدرسة·
صفحة 7
شيء من لغة الفصول
 
انهمرت في تلك الليالي الشاتية أمطار غزيرة، انقبضت لها أنفاس الحي، وارتعدت منها فرائص الرجال وقلوب النسوة ؛ خوفاً وهلعاً على أطفالهم·· يضيء الكون باشتعال البرق فيعلو هدير الحناجر بالتسبيح والدعاء·· تشققت السماء بمياه لا يسعها جوف الأرض· هياج الرعد وصرير الأبواب على زئير الرياح العاتية جردنا من كل شيء سوى الآمال المعلقة في منحة الله بالنجاة·· وفي ظل سطوة السماء وسلطانها انفلت صوت مرتعد يندب الرجال للصلاة، للوقوف في محراب الله تضرعاً وخيفة ؛حتماً لن يستجيب إلا من سيدفعه إيمانه لتجاوز قبضة الخوف وقشعريرة البرد ورائحة الطين اللازب·· كنت أرقب خرير المياه وهي تتسلل عبر شقوق الأبواب والنوافذ والجدر، وعيني على أبي حاملاً عباءة مبطنة بالفرو فوق رأسه متأهباً ؛ لخوض مغامرة ليل يلهج بلغة نزقة مهتاجاً ضارباً بأقدامه باطن الأرض، يومئ مشتعلا كساحرة تلمع عيناها في عراك لاينتهي مع عفريت الجن الأكبر·· لا أدري كيف ارتسمت هذه الصورة المخيفة في لحظات راعفة بالرهبة·· ربما حكاية سمعتها أو قرأتها لا أدري·· تلتصق أعيننا بالسقف المتهالك فنتكور على أنفسنا، وتستمر أمي في مناجاتها، فنضمر سكينة ينازعنا عليها اضطرام البرق يعقبه صوت تعانق السحب واضطرابها، إلى أن عاد أبي متأبطاً وهدة لذيذة وسكينة عذبة نثرها من عباءته فوق أعيننا الوسنى، خامرتنا سنة ناعمة وشفافة كالسحر ؛ رحنا معها في سبات عميق· في الصباح الباكر نبتت أرواحنا من أديم الرجاء وبذرة الأمل، بفرح وابتهاج يدفعنا إلى التماس ساعات الفرج ترسلها أشعة الشمس الندية· كانت دافئة وحميمة على غير عادتها· خرجنا بأقدامنا العارية إلى فوهات البرك· كانت ساعات ليل احتفالية غيرت وجه الأرض من حولنا، كأن أديم السماء يلتصق بأجسادنا·· نمثل روح الأرض فيها، ونلتف متحلقين كغمامات بيضاء تبارك انتشاء الأرض وارتعاشاتها· نركض، نقفز فوق فوهات المياه· يحلو لبعضنا استعراض همة اللامبالاة تعبيراً عن الفرح فيسحب شيأه ويبول·· يحرك المستنقع· يرسم دوائر يحقق انتصاره مفسحاً الفرصة للآخرين، تعلو القهقهات ممتزجة بالصراخ، وتنكشف اللعبة حينما تستيقظ روح التحدي الكامنة في (علي) مثار السخرية ولغط الصغار· كان كبيراً في جسده صغيراً في غُفْلِهِ، لايرى إلا من شق عينه اليمنى، يمشي بنصف جسده كي يبصر الطريق وكثيراً ما يسقط متعثراً بحجر أو حفرة نتنة· يعبث به الصغار كدمية، يخضع لمغرياتهم بقطعة حلوى· وقف لحظات أمام دائرة المستنقع الكبير ومد يده متلمساً شيأه والصغار يحدقون كيف يقف ذو الجسد الكبير مستلا شيئاً صغيراً·· لم يكن بحجم ترقبهم فارتعبوا منه وهربوا· حدجته عيوش إحدى نساء الحي المتأمرات فيه· تضبط إيقاع النسوة وتؤلف بين رؤوس الناس بالحلال، ركضت إلينا زاعقة في وجه علي· خف وأطلق قدميه للريح ولا يزال شيؤه معلقاً بين ثوبه وسرواله يحاول جاهداً أن يبصر طريقه، لعله يظفر بمخبأ يقيه حجارة عيوش·· وبعد عناء أبصر طريقه حيث كان أحد الأبواب موارباً فولج فيه، بلا تردد· كان من عاداته أن يختفي لساعات محسوبة، ولأنه مثار عطف نساء الحي وشفقتهن، فقد اعتادت خطواته الولوج إليهن، حيث لا يقدر أحدنا على اقتراف هذه المغامرة إلا لقضاء بعض حاجياتهن·· حينما يغيب نقدر أنه في ضيافة إحداهن، وحينما يتجلى بعد ترقب تكون جيوبه مترعة بالحلوى، فلا نفارقه حتى ننال نصيباً منها· ذات يوم سمعنا جلبة وضرباً مبرحاً يتلوه بكاء واستجداء صوت من الداخل وآخر من حافات الشارع، يا ملعون يا خبل، هرعنا إلى موقع الجلبة كانت المفاجأة أن (علي) كان محشوراً تحت أقدام أحد قاطني الحي وهو يرغي كبعير ينحر، يتطاير الزبد من بين شدقيه·حاول بعضهم تخليصه من براثن الرجل المستأسد، وبصعوبة وبعد لأي خلص علي ونُقل إلى بيته وجبينه ينضح دماً، وعيناه الواجفتان أبداً مأخوذتان شاردتان تغرقهما دموع تسح بقدر الأسئلة التي تتطاير من بين شفاه الناس·· كنا وحدنا ندرك السبب فقد صور لنا (علي) أكثر من مرة كيف كانت بعض النسوة يداعبن قضيبه ويجردنه من ملابسه·يروي لنا حكايته معللا ذلك بأنهن كن يبحثن عن جيوبه كي يضعن فيها الحلوى، إحداهن بركت فوقه وهو يترنح تحتها خوفاً وهلعاً محاولا الفكاك منها، ونادراً ما يتمكن من الهرب والنجاة من أنفاسهن الخانقة·
صفحة 8
تمسي أيام الشتاء مكفهرة حانقة· تمتطي الرياح صهوة الليل الحالك· ينثر مكنوناته من البرد والصقيع في انتظار ساعات الصباح الأولى· لم يعد الناس راغبين في الخروج من فرشهم، لولا صوت المؤذن المرتعش الذي يمشط الأرض مخترماً أحلامهم، ينتزعهم منها انتزاعاً· تنقضي الصلاة، تبدأ أولى ساعات النكاية، حيث المدرسة، يختفي صوت الشارع وتتلاشى الأصوات الصغيرة والكبيرة إلا من طنين الذباب والبعوض المحلق باحتفاء حول المستنقعات الآسنة، التي تتوسط مفرق الشوارع·· وفي ساعات الظهيرة نلج أفواه بيوتنا· نلتهم ما تقذف به يد الجوع·· حفنة أرز مطعمة بقطعة لحم لاتكاد تسد جوعنا أو تكسو هياكلنا العظمية، ثم ننبعث كرة أخرى منتشرين بين الأزقة غير عابئين بفوهات البيارات أو مكترثين بما تبعث به من روائح تمتزج برائحة كريهة أخرى، تتنفس بها الخرائب الممتدة بين أجزاء كثيرة من الحي والأحياء الأخرى المجاورة· أصبحت بتقادم الزمن واحدة من علاماتها المميزة· تأوي إليها الكلاب الليلية الضالة، كما أنها مائدة للذباب ومسكن للدود يأكل من عمق الأرض أمتاراً·· وبين أكوام الزبالة ترقد الماشية· يجوب الزبالون الأحياء بحميرهم ومقشاتهم يمارسون كل شيء، عدا مهمتهم الرسمية·· يمتعوننا بألعابهم البهلوانية الغرائبية مقابل حصولهم على لقمة تبلعها حلوقهم البائسة، كانوا يمتعون أعيننا بألعابهم السحرية بمالا تستحمله عقولنا، ويكفون فور قدوم رجل كبير، وينتابهم خوف شديد مخافة افتضاح أمرهم· كنا بعقولنا المشبعة أوهاما وأرواحنا المغتسلة بالخوف ندرك أنهم يقومون بأعمال سحرية· وعلينا أن نكتم عن الكبار سرهم إذا ما أردنا المتعة والاستئناس بهم·· ومع أولى نسمات برد آخر النهار التي تنفث بها رياح الشمال يلملم الزبالون شعثهم ويوقظون حميرهم من سباتها العميق ؛ منطلقين إلى حيث لا ندري·
 
وما بين ساعات الشروق الأولى وساعات الغروب، تنسج ألف حكاية وحكاية، تغزل من ساعات الناس الخاملة·· وتبقى تلك الحركات السحرية تخيم على أحاديثنا· نشاهدها يومياً ولا ننفك معلقين في محاولات فاشلة لفهمها أو فك رموزها·· وعندما تزحف جحافل الظلام وتضرب أطنابها على أكتاف الكون، تتسلل أصابع الخوف فتعبث بجدائل السكينة وتحل إسارها، فيستشري الخوف داخلي منتزعاً صمام الأمان المستقر بين جنبات المكان وما توحي به الوجوه الملتحفة بفضاء الأحلام·· ألوذ هرباً من استعادة الصور المخيفة المرتبطة بمعجم لا أفهم محتواه، لكنني أراه يتشظى داخلي ويتحرك بيننا·· يحكون عن الجن، فتنتابني قشعريرة، يشخصون السحر ؛ فترتسم أمامي صورة الزبال إلى أن يتمكن مني التعب·
صفحة 9
وجوه لاتغيب عن الذاكرة
 
ذات يوم قائظ عاد أبو صغير بسيارته الأجرة يحمل دنفه اليومي وهماً يجتويه· تقف السيارة بلا اكتراث حيث الزقاق الضيق· تتدلى قدماه منها إلى أن تلامسا الأرض فيرفع بهما جسده المنهك، تقودانه إلى حيث أعدت له أم صغير غداءه في آنية معدنية محكمة الغلق، تضعها كعادتها بمحاذاة الفراش· جلس منتصباً والتهم ما تناله يداه ثم مسح يديه بأطراف الفراش وهوى مستسلماً لنوم يغالب الضجر، سرى به إلى نفق الكوابيس·· وقبيل أن يسترد أنفاسه مستغرقاً كلياً في النوم انسكب في أذنيه صوت مفجوع، مخترقاً رأسه كمسمار يتلظى· قفز من فراشه المتعطن يلعن الشيطان ؛ مخمناً أنه كابوس فض أرق منامه· هم أن يلقي بجسده إلى جهته اليمنى متمتماً بآيات قرآنية، لكن الصوت لا يزال يجتر الويلات، صوت ينازع صدى الموت·· استقرت الفاجعة مزيحة عن عينيه غشاوة النوم· صوت لازال يندب يستغيث، وبلا هوادة حمل جسده المنهك مندفعاً حيث مصدر الصوت، كنا اقتربنا إلى ذات الصوت لكنه توارى داخل بيت (أبو صغير)· خرج إلينا حيث كنا نشنف سمعنا في ترقب وتحسب لهول فاجعة منتظرة· حدجنا بنظراته· أغرقناه بعيوننا الشاحبة، انتفضت أوصاله· انحسرت في لحظات حرارة الظهيرة بين أنفاسه، وحشرجات الهلع تنبعث من صوت سحقه اليأس، عاد أدراجه في الاتجاه المعاكس الصوت ينحدر من عل، وينطلق صعوداً إلى سطح المنزل ثم يختفي· كنا نرهف أسماعنا ونقلب أبصارنا في كل اتجاه، انتظاراً وترقباً لما ستسفر عنه الفاجعة· اختفى الصوت المفجوع رويداً رويداً، أخيراً خرج أبو صغير يحمل بين يديه كتلة بشرية غارقة بدم وطين· لم نكد نميزها ؛ وخلفه أم صغير يتفطر وجهها عبوساً وهلعاً وقد انحسر الدم عنها حتى خلناها قد شاخت من هول الفاجعة· ركض أبو صغير لا يلوي على شيء إلى الشارع المعربد بلهفة الفضول المعلقة بين أعين الناس، لم يكن ثمة وقت كاف· سبقه بعض الرجال مستنجدين بأقرب سيارة قادمة·نسي سيارته الجاثمة بعد نصب يوم عوت فيه بين كل الأزقة و(حواري) تعرفها وأخرى تكتشفها· في دقائق قدمت السيارة المرتجاة واستقلها إلى أقرب مستوصف· وقفنا في حيرة غير عابئين بالوقت أو لهيب الشمس الكاوي· انصرف الرجال إلى شؤونهم وظللنا نحملق في كل سيارة منبعثة في كل اتجاه· غاب أبو صغير ساعات ثم عاد حاملاً ولده بلفافات بيضاء، وحنق تومض به عيناه على (مطلب) صاحب الدار الملاصقة لبيته، فقد طالبه مراراً أن يعيد بناء جدار بيته المتهالك خوفاً من أن يهوي على رؤوس أبنائه·· ذهبت توسلاته تسفها الرياح·· لم يعبأ (مطلب) بالأطفال الذين يقضون أجزاءً طويلة من أوقاتهم في اللعب فوق الأسطح مخترقين المسافات الفاصلة إلى الدور المتراصفة· لكنه أهمل نداءات (أبو صغير) وتحذيراته رافضاً كل العروض التي حاول (أبو صغير) استمالته بها· عرض عليه دفع تكاليف تقويم الجدار فلم يقابله إلا بكل عناد وإصرار أن يبقى الحال على حاله ؛ متذرعاً بأن إزالة الجدار أو مجرد تحريكه سيأتي على البيت كله قائلا :
 
عليكم أن تمنعوا أولادكم من صعود السطح ؛ لم يهبه الله ذرية ولم يستشعر معنى الرأفة أو الحنان تجاه الأطفال ؛ لذا لم يكن يحتمل نزقهم، فكانت المشاعر متبادلة، حيث كانوا يقابلونه بالمثل·· ومما زاد من حنق (أبو صغير) نبرة التحدي في كلمات (مطلب) المتعجرفة، فعندما أسكن ابنه النازف في البيت وخرج مندفعاً باحثا عن خصمه، ركل باب بيته الصدي بقدمه صارخاً به :
صفحة 10
- اطلع طلعت روحك، أرني وجهك ياشايب الشوم·
 
خرجت زوجته تبادله تراشق الأصوات··
 
- ماذا تريد أعوذ بالله منك ومن عيالك، أشغلتونا الله يشغلكم·
 
لم يعبأ بهياجها ؛ فقد اعتدنا ألا تقابلنا إلا بهدير صوت يسبقها·
 
- أين هو ؟
 
دفعها فسقطت متكورة على الأرض، وولج مندفعاً إلى أعماق المنزل· بحث عنه في حجراته الصغيرة فلم يجده··
 
المرأة تصيح به وتلعن بالألفاظ التي تعلمناها من قاموسها الخاص وهي لا تزال طريحة الأرض، قفزها وخرج· أخبره أحد الأولاد مشيراً إلى الشارع المقابل : تجده عند (أبو عزيز)· نحن نعرف (أبو عزيز) منذ أن دبت خطواتنا الأولى على قارعة الطريق، في دكانه الصغير مزروعاً فوق فرشة خوص، لم تكن تهتز منه سوى أطرافه العليا، ولم نره قط يزحف·· ربما لأنه لم يكن يود إثارة بوادر الشفقة أو الانتقاص من هيبته· كانت له حساباته الخاصة ويحسب له ألف حساب· فمنذ ساعات الصباح الأولى يشرق هو من فتحة دكانه الصغير فيلتف الرجال حولـه متحلقين، يحيونه ويسمعون منه· كان يضع إلى جانبه الأيمن بعض الكتب، يقرأ منها ساعة ينفضُّ الرجال من حولـه· كان بمثابة الميزان وضابط إيقاع حياة الناس· يستنير بآرائه الرجال والنساء، لا يتورَّعن عن مكاشفته في مكنونات خواطرهن بأدق التفاصيل· كان إلى جانب ذلك مؤرخاً وضابطاً للأحداث كبيرها وصغيرها· يعرف دقائق حياة الناس وتفاصيلها· كانت مشورته حكماً نافذاً· يبسط ذاته للصغير والكبير للمرأة والرجل· نعرف مكاننا بين يديه· نستأنس بتعليقاته ونضحك لمزحاته· يثير مشاغباتنا ونزقنا ويضحك كثيراً لمنافراتنا· كان ينثر فوق رؤوسنا نفحات الطمأنينة وألق السكينة· تلجأ إليه النسوة في أمورهن الخاصة ويهرول إليه الرجال عندما تكتنفهم أزمة ويستبد بهم الكرب·
 
في ذلك اليوم الملتهب لجأ (مطلب) إلى (أبو عزيز) هرباً من وجه (أبو صغير) وانتقامه المنتظر فآواه إلى أن قدم (أبو صغير) يقوده حنقه، يعتصر قبضتيه المتورمتين بالدماء النافرة غضباً رآه (مطلب) عن كثب استشار (أبو عزيز) ماذا عساه أن يفعل ؛ أدرك أن ثمة مصيبة تقدح كالشرر من عيني (أبو صغير)، أحس (أبو عزيز) التوتر الذي خالج صاحبه، فأوعز إليه أن يتسلل من باب بيته تلافياً لمصيبة يسوقها أبو صغير بين يديه كمن يرعى قطيعاً· أدرك (أبو صغير) الحيلة وحسب حساباته، فكان الأسبق حيث انقض على (مطلب) كالصقر على طريدته· كانت لحظات راعشة محمومة ترتشف من قلوبنا نكهة التشفي والانتقام، فكل لكمة أو رفسة ناجزة تحدد معالمها على وجه (مطلب) هي بالمعنى الصحيح تنطلق من أقدامنا وأيدينا، كانت ليلة انتقام مشهورة·