صفحة 1
اولاًُ:أصل كلمة تاريخ ومدلولها في اللغات
فما الأساس والاشتقاق الذي ربط معنى كلمة التاريخ، بالأحداث؟ والتاريخ بالعربية ترجمة للفظ Istoria بالإغريقية القديمة، ولفظ Historia باللاتينية لغة الرومان، وكذا History بالإنجليزية الحديثة، Histoire بالفرنسية الحديثة.أما عن Istoris فهو لفظ تاريخي هام، ظهر نتيجة نشاط الحركة الفكرية في الدويلات الأيونية، في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، ويقصد به البحث عن الأشياء الجديرة بالمعرفة التي تهم مواطنيهم، ألا وهي العادات والمؤسسات السياسية المعاصرة لهم والتي سبقتهم، ولقد وردت بهذا المعنى في مقدمة كتاب (هيرودوت دو هاليكالرناسوس (القرن الخامس قبل الميلاد) حيث قال:( هذا عرض للبحث الذي أجراه هيرودوت ليقف حائلاً دون أن تندثر الأعمال التي قام بها الناس خلال الزمن) وأصبحت الكلمة مقتصرة على معرفة الأحداث التي رافقت نمو هذه الظواهر، ولكن سرعان ما تطورت وولد عنها تعبير التاريخ بمعناه الواسع
وقد أخذ الرومان الكلمة بمبناها ومعناها، ونقلوها إلى اللغات الرومانية Historia، وصارت تعبيراً فنياً لم تتبدل، غير أن معناها في الاستعمال الشعبي أخذ يتدهور في اللاتينية، واتخذ فيما بعد أشكالاً مختلفة وفقاً لانتقالها الإقليمي، وخاصة في فرنسا، وطرأ عليها تحريفات، فاتخذت أشكال Historie,History.Histoire.
وأصبحت الكلمة بمرور الزمن ذات معنى جديد تماماً، فأصبحت كلمة تاريخ History تعني العملية التي بموجبها يصل شيء خاص معين إلى مستوى خاص في تطويره، وقد كان هذا الشيء الخاص بالنسبة إلى النظرة التقليدية للتاريخ هو الإنسان، وبصورة خاصة الفعاليات والمؤسسات السياسية الإنسانية، إلا أنها في القرن التاسع عشر صارت تطبق على كل شيء يمكن إدراكه سواء كان حياً أم جامداً، وأصبح التاريخ بهذا المعنى فكرة شاملة، يرى أن كل شيء وكل نشاطه،: موضوع لبحثه، وداخل ضمن نطاقه.
أما كلمة (تاريخ.. العربية) فلها أصول أيضاً في مجموعة اللغات السامية، ففي الأكدية (أرخو) وكذا في لغات العربية الجنوبية تحت أشكال (ورخ) وكلها تعني الشهر، ويمثل هذا الشكل وجدت في سائر اللغات السامية والعربية مع اختلاف طفيف في عدّ الحروف أو ترتيبها، حيث تبين تسجيلها على النصوص الأثرية.
ولقد عثر في النصوص العربية الجنوبية على (أرخ) وهي تعني (حكم) أو ما يشبه ذلك، واستخدمت مرة مقرونة بكلمة (سنة). وهذا ما دفع الباحثين إلى تفسيرها بمعنى (حقبة) وفسرها آخرون بأنها (عادة، أو سنة) في أول الأمر، ثم تطوّر معناها فيما بعد إلى أن صارت تعني (طريق معين للعم)، وجاء أيضاً في الآراء أن التعبير يفيد (تقرير) أو وثيقة، والأخيرة هي التي انتقلت إلى العربية ليشتق منها معنى التاريخ، على أي حال تعني، فإن الكلمات جميعاً مشتق من الجذر (أ،ر،خ) أو (أرخ) من اللغات العربية الجنوبية.
صفحة 2
ويرى أحد الباحثين العرب أنها تعني في اللغة العربية الجنوبية (القمر)، أو (الشهر) وذلك لاستخدام التوقيت الشهري، فتذكر النصوص أحياناً- عن طريق مشاهدة القمر- اليوم أو الليلة من الشهر (ورخ) أي أنها تعني الشهر القمري بالذات، حتى أنه الإله القمر في جنوب الجزيرة أطلق عليه (ورخ) .
ويحاول بعضهم أن يرجع لفظة (تاريخ) التي تستخدم في العربية إلى الفارسية، وأن أصلها الفارسي (ماه-روز) التي يراد بها تعيين بدء الشهر، لأن (ماه) بالفارسية ترجمة للقمر (وروز) ترجمة لليوم، الذي طرفاه النهار الليل إلا أن الردّ على ذلك يكون من خلال النصوص العربية الجنوبية، حيث أن التكوين القديم لها (توريخ) يرجع إلى لفظة (مؤرخ) وليس للفارسية أي دخل فيها. فضلاً عن ذلك فإن الروايات الإسلامية الأولى في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تروى أن رجلاً قدم من اليمن فقال: رأيت شيئاً يسمونه التاريخ يكتبونه من عام وشهر، فأعجب عمر ذلك وقال: (هذا حسن فأرخوا) أي استخدموا هذا الأمر كتحديد الفترة السنوية، ومما يؤكد ذلك أيضاً أنه استعمل ورقة بردى يرجع تاريخها إلى 22هـ وهذا دليل على أن الكلمة صارت ثابتة ومتداولة.
ونرى أن تشابه شكل كلمات (توريخ) و(باريخ) و(ورخ) وغيرها راجع إلى أن هذه الكلمات وردت ضمن مجموعة اللغات السامية، وغالباً ما يكون جذر كلمات هذه المجموعة واحداً، يشتق منه ما يناسب كل لغة من الكلدانية أو الأشورية، أو العبرية، أو العربية الجنوبية، أو العربية الشمالية، إلى أن وصلت إلى العربية الموحدة الأخيرة.
وكما تطورت لفظة Istoria في معناها إلى أن وصلت إلى معنى تاريخ History، تطوّرت لفظة (ورخ.. أو توريخ) إلى (تاريخ) بالمعنى المقصود على مراحل.
إن كلمة تاريخ استعملت أول الأمر لتعني (الزمن) و(الحقبة) ثم اكتسبت معنى (الكتب التاريخية) وقد اكتسبت هذا المعنى باستعمالها للدلالة على كتب تحتوي على أزمنة، فالكتب التي لا تحتوي على أزمنة لم تكن تسمى في الأصل كتب تاريخ لأن الأحداث المتسلسلة لم تكن قد أخذت معنى (التاريخ) بعد، بل كانت الأحداث تسمى في العربية الأخبار وجذرها
(خ ب ر) وكانت الأخيرة أكثر شيوعاً حتى حقبة من التاريخ الإسلامي، ولكن الملاحظ أن أقدم الكتب- التي بين أيدينا- والتي أطلق عليها اسم تاريخ، كانت مجموعات تراجم لم تذكر السنتين فيها إلا بطريقة عرضية غير منتظمة، وهي سنوات الولادة والوفاة لبعض الشخصيات التي ترجمت لها.
ويحاول بعضهم أن يرجع لفظة (تاريخ) التي تستخدم في العربية إلى الفارسية، وأن أصلها الفارسي (ماه-روز) التي يراد بها تعيين بدء الشهر، لأن (ماه) بالفارسية ترجمة للقمر (وروز) ترجمة لليوم، الذي طرفاه النهار الليل إلا أن الردّ على ذلك يكون من خلال النصوص العربية الجنوبية، حيث أن التكوين القديم لها (توريخ) يرجع إلى لفظة (مؤرخ) وليس للفارسية أي دخل فيها. فضلاً عن ذلك فإن الروايات الإسلامية الأولى في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تروى أن رجلاً قدم من اليمن فقال: رأيت شيئاً يسمونه التاريخ يكتبونه من عام وشهر، فأعجب عمر ذلك وقال: (هذا حسن فأرخوا) أي استخدموا هذا الأمر كتحديد الفترة السنوية، ومما يؤكد ذلك أيضاً أنه استعمل ورقة بردى يرجع تاريخها إلى 22هـ وهذا دليل على أن الكلمة صارت ثابتة ومتداولة.
ونرى أن تشابه شكل كلمات (توريخ) و(باريخ) و(ورخ) وغيرها راجع إلى أن هذه الكلمات وردت ضمن مجموعة اللغات السامية، وغالباً ما يكون جذر كلمات هذه المجموعة واحداً، يشتق منه ما يناسب كل لغة من الكلدانية أو الأشورية، أو العبرية، أو العربية الجنوبية، أو العربية الشمالية، إلى أن وصلت إلى العربية الموحدة الأخيرة.
وكما تطورت لفظة Istoria في معناها إلى أن وصلت إلى معنى تاريخ History، تطوّرت لفظة (ورخ.. أو توريخ) إلى (تاريخ) بالمعنى المقصود على مراحل.
إن كلمة تاريخ استعملت أول الأمر لتعني (الزمن) و(الحقبة) ثم اكتسبت معنى (الكتب التاريخية) وقد اكتسبت هذا المعنى باستعمالها للدلالة على كتب تحتوي على أزمنة، فالكتب التي لا تحتوي على أزمنة لم تكن تسمى في الأصل كتب تاريخ لأن الأحداث المتسلسلة لم تكن قد أخذت معنى (التاريخ) بعد، بل كانت الأحداث تسمى في العربية الأخبار وجذرها
(خ ب ر) وكانت الأخيرة أكثر شيوعاً حتى حقبة من التاريخ الإسلامي، ولكن الملاحظ أن أقدم الكتب- التي بين أيدينا- والتي أطلق عليها اسم تاريخ، كانت مجموعات تراجم لم تذكر السنتين فيها إلا بطريقة عرضية غير منتظمة، وهي سنوات الولادة والوفاة لبعض الشخصيات التي ترجمت لها.
صفحة 3
معنى كلمة (التاريخ) في القواميس العربية:
يذكر الصولي أن (تاريخ الشيء) غايته ووقته الذي ينتهي إلى زمنه، وفي مشتق آخر يضرب مثلاً: فلان تاريخ قومه فإما أن ينتهي إليه شرف قومه بما يقدمه من الأمور الجليلية من كرم أو فخر أو نحوهما، أو لكونه ذاكراً للأخبار وما شاكلها.
وقال الجوهري: التاريخ تعريف الوقت، والتوريخ مثله: يقال أرخت وورخت، واشتقتقه من الأَرَخْ، وهي صغار الأنثى من بقر الوحشي، لأنه شيء حدث كما يحدث الولد.
أما الجواليقي في كتابه (المعرب من الكلام الأعجمي) يقول: (يقال إن التاريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، وإنما أخذه المسلمون عن أهل الكتاب).
وأوضح الأصمعي الفرق بين لفظتي (ورخ) و(أرخ) فيقول إن بني تميم كانت تستعمل (ورخت الكتاب توريخاً) وقيس كان يستخدم (أرخت الكتاب تأريخاً).
ومما سبق يتضح أن تفسيرات المصادر العربية والقواميس لم تخرج عما سبق، وما يمكن أن نلخصه:
أولاً: أن جذر كلمات (ورخ) و(أرخ) و(يرخ) هو جذر واحد أساسه مجموعه اللغات السامية، ولعل المقصود بأهل الكتاب عند الجواليقي هم اليهود أي أصجاب اللغة العبرية التي تستخدم لفظة (يرخ) وإذا كان هناك اختلاف في شكل اللفظ فإن هذا الاختلاف كان مستخدماً لدى القبائل العربية الجنوبية أو القبائل العربية الشمالية كما أوضحه الأصمعي.
ثانياً: ذكر الصولي عبارة لها مدلولها، وهي تعني أن التاريخ هو أخبار القوم إذ قال شرف قومه (لكونه ذاكراً للأخبار، وما شاكلها)
ثالثاً: ويرجع الجوهري التاريخ للأرخ، ويرى أن عملية التاريخ أشبه بالمخاض، والمخاض هذا يعني إعلان الحدث الذي سبق إحداثه عبر أوقات سابقة.
رابعاً: أن الأصمعي يؤكد أن لفظة (التاريخ) التي أطلقت على الكتب المؤرخة والتي أخذت شكل الطبقات في القرن الثاني الهجري، كانت قد ثبتت في معنى تداولها، وقد سبق ذكرها.
خامساً: إن ما يذكره الصولي في شرح فلان تاريخ قومه، أي حافظاً للأخبار وما شاكلها تؤدي بنا إلى معنى جديد استخدم في القرن الثالث الهجري، وهو أنه أطلق لفظة تاريخ على كتب الحوليات.
يذكر الصولي أن (تاريخ الشيء) غايته ووقته الذي ينتهي إلى زمنه، وفي مشتق آخر يضرب مثلاً: فلان تاريخ قومه فإما أن ينتهي إليه شرف قومه بما يقدمه من الأمور الجليلية من كرم أو فخر أو نحوهما، أو لكونه ذاكراً للأخبار وما شاكلها.
وقال الجوهري: التاريخ تعريف الوقت، والتوريخ مثله: يقال أرخت وورخت، واشتقتقه من الأَرَخْ، وهي صغار الأنثى من بقر الوحشي، لأنه شيء حدث كما يحدث الولد.
أما الجواليقي في كتابه (المعرب من الكلام الأعجمي) يقول: (يقال إن التاريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، وإنما أخذه المسلمون عن أهل الكتاب).
وأوضح الأصمعي الفرق بين لفظتي (ورخ) و(أرخ) فيقول إن بني تميم كانت تستعمل (ورخت الكتاب توريخاً) وقيس كان يستخدم (أرخت الكتاب تأريخاً).
ومما سبق يتضح أن تفسيرات المصادر العربية والقواميس لم تخرج عما سبق، وما يمكن أن نلخصه:
أولاً: أن جذر كلمات (ورخ) و(أرخ) و(يرخ) هو جذر واحد أساسه مجموعه اللغات السامية، ولعل المقصود بأهل الكتاب عند الجواليقي هم اليهود أي أصجاب اللغة العبرية التي تستخدم لفظة (يرخ) وإذا كان هناك اختلاف في شكل اللفظ فإن هذا الاختلاف كان مستخدماً لدى القبائل العربية الجنوبية أو القبائل العربية الشمالية كما أوضحه الأصمعي.
ثانياً: ذكر الصولي عبارة لها مدلولها، وهي تعني أن التاريخ هو أخبار القوم إذ قال شرف قومه (لكونه ذاكراً للأخبار، وما شاكلها)
ثالثاً: ويرجع الجوهري التاريخ للأرخ، ويرى أن عملية التاريخ أشبه بالمخاض، والمخاض هذا يعني إعلان الحدث الذي سبق إحداثه عبر أوقات سابقة.
رابعاً: أن الأصمعي يؤكد أن لفظة (التاريخ) التي أطلقت على الكتب المؤرخة والتي أخذت شكل الطبقات في القرن الثاني الهجري، كانت قد ثبتت في معنى تداولها، وقد سبق ذكرها.
خامساً: إن ما يذكره الصولي في شرح فلان تاريخ قومه، أي حافظاً للأخبار وما شاكلها تؤدي بنا إلى معنى جديد استخدم في القرن الثالث الهجري، وهو أنه أطلق لفظة تاريخ على كتب الحوليات.
صفحة 4
وعلى ذلك فإن كلمة التاريخ بدأت في العربية، كتعبير عن الزمن، والحقبة، ومقترنة بالحدث أو الوثيقة المسجلة للحوادث الهامة في تاريخ الشعوب العربية، ثم تطوّرت إلى حفظ الروايات والأخبار، وخطت خطوة نحو التسجيل بإطلاقها على الكتب التي تحتوي تواريخ، ولم يمض وقت طويل حتى صارت تطلق على الحوليات، ثم تناولها المؤرخون والكتاب ليضيفوا إليها ما ترمز إليه عبر العصور التاريخية المختلفة. ولقد توصل الكافييجي إلى معنى مطلق للتاريخ بقوله (علم يبحث عن الزمان وأحواله وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته) وإذا كان التاريخ لم يقصد الحوادث منذ بداية استخدامه، فلأنه كانت هناك كلمات أخرى تطلق عليها مثل كلمة (خبر) أو (سبيل وسنّّة).
وتطوّر معنى التاريخ في العصر الحديث، يلقى ضوءاً هاماً على النسيج التاريخي، والعلاقات التي تربطه.
وعلى ضوء نظريات التطور، وعلم الاجتماع الحديث بفروعه، أصبح معناه دراسة تطور الإنسان، وما أنتجه من منجزات حضارية، وما تركته هذه المنجزات من تأثيرات في تطور الحضارة المعاصرة، وبعبارة أخرى الوقوف على تطور الإنسان لمعرفة ما هو الإنسان، وما هي القوانين التي تسير تطور المجتمعات وتتحكم في سيرها التاريخي من نشوء ونمو وازدهار وتدهور وانحلال. ومن منطلق هذا الأمر كتب الروائي الاجتماعي المؤرخ هـ. ج. ولز كتابه(موجز تاريخ العالم)، فبدأ بدراسة نشأة الكون والأرض، وما ظهر على سطحها من مظاهر الحياة المختلفة، ثم تدرج في عرض تاريخ الأمم والشعوب والحضارات المختلفة منذ نشأتها حتى العصر الحديث معبراً في ذلك عن وحدة البشرية، على الرغم من جزئيات تواريخها وتفصيلاتها. ولذلك يرى بعض المفكرين الآخرين أن التاريخ لا يقتصر على كونه فن تسجيل الأحداث الماضية، بل هو رواية للأحداث المعاصرة، فكل تاريخ هو تاريخ معاصر.
والرأي الأخير يعني أن للتاريخ معنيين: أحدهما موضوعي، إذا انصرف إلى الأحداث التي جرت، والآخر ذاتي إذا قصد بالكلمة رواية تلك الأحداث.
ومن التعاريف الشاملة الحديثة [أن التاريخ بأوسع معانيه هو قصة ماضي الإنسان، أو هو عرض منظم مكتوب للأحداث، وخاصة التي تؤثر في أمة أو نظام، أو علم أو فن، وهو لا يسجل الأحداث باعتبارها خطوات في التقدم البشري فحسب، بل يسعى إلى إيضاح أسباب هذه الأحداث ودلالاتها، ويعرضها على نحو يدل على تشابكها في قصة واحدة. ويستعين في ذلك بالآثار، والروايات والمعاهدات، والمذكرات... الخ].
وتطوّر معنى التاريخ في العصر الحديث، يلقى ضوءاً هاماً على النسيج التاريخي، والعلاقات التي تربطه.
وعلى ضوء نظريات التطور، وعلم الاجتماع الحديث بفروعه، أصبح معناه دراسة تطور الإنسان، وما أنتجه من منجزات حضارية، وما تركته هذه المنجزات من تأثيرات في تطور الحضارة المعاصرة، وبعبارة أخرى الوقوف على تطور الإنسان لمعرفة ما هو الإنسان، وما هي القوانين التي تسير تطور المجتمعات وتتحكم في سيرها التاريخي من نشوء ونمو وازدهار وتدهور وانحلال. ومن منطلق هذا الأمر كتب الروائي الاجتماعي المؤرخ هـ. ج. ولز كتابه(موجز تاريخ العالم)، فبدأ بدراسة نشأة الكون والأرض، وما ظهر على سطحها من مظاهر الحياة المختلفة، ثم تدرج في عرض تاريخ الأمم والشعوب والحضارات المختلفة منذ نشأتها حتى العصر الحديث معبراً في ذلك عن وحدة البشرية، على الرغم من جزئيات تواريخها وتفصيلاتها. ولذلك يرى بعض المفكرين الآخرين أن التاريخ لا يقتصر على كونه فن تسجيل الأحداث الماضية، بل هو رواية للأحداث المعاصرة، فكل تاريخ هو تاريخ معاصر.
والرأي الأخير يعني أن للتاريخ معنيين: أحدهما موضوعي، إذا انصرف إلى الأحداث التي جرت، والآخر ذاتي إذا قصد بالكلمة رواية تلك الأحداث.
ومن التعاريف الشاملة الحديثة [أن التاريخ بأوسع معانيه هو قصة ماضي الإنسان، أو هو عرض منظم مكتوب للأحداث، وخاصة التي تؤثر في أمة أو نظام، أو علم أو فن، وهو لا يسجل الأحداث باعتبارها خطوات في التقدم البشري فحسب، بل يسعى إلى إيضاح أسباب هذه الأحداث ودلالاتها، ويعرضها على نحو يدل على تشابكها في قصة واحدة. ويستعين في ذلك بالآثار، والروايات والمعاهدات، والمذكرات... الخ].
صفحة 5
وكثرت الآراء في التعريفات الحديثة، منها ما تكرر في اللفظ واتفق في المعنى، ومنها ما أضاف أو أنقص، ولكل منها وجاهة حجته. واستطاع بعض المفكرين المؤرخين العرب أن يضع رأياً للتوفيق بين الكثير من المعاني، وهو أن التاريخ يحتوي على كل التعريفات السابق الإشارة إليها، فهو "رواية وتدوين كل ما حدث" وهو "فعالية علمية من فعاليات المعرفة البشرية، التي تتسع ساحتها لكل الشؤون إلا أنها تسعى بصفة خاصة لرسم تطور المجتمعات البشرية عبر الزمن وعبر منهجية خاصة، نشأت ونمت مع الزمن، وباحتكاكها المستمر في موضوعها. ويبدو هذا واضحاً في متابعة تطور التاريخ عبر العصور، مادة ومنهجاً، أو بتعبير أدق متابعة تاريخ التاريخ".
ووفقاً لهذه التعاريف جميعاً فالتاريخ يعني أمرين:
الأول: التاريخ العام، وهو الذي يسجل أهم حوادث الأمم أو الحوليات التي تدون الحوادث عاماً بعد عام وكذا الأخبار المرتبة حسب العصور.
الثاني: يعني تحديد بداية الأخبار الخاصة بعصر من العصور، وحساب الأزمان وحصرها، وتحديد زمن وقوع الحوادث تحديداً دقيقاً.
يعنى التاريخ بدراسة الزمن فيما يتعلق بالإنسان، أما بالنسبة لعلم تحديد الأحداث عبر الزمن انظر علم التأريخ.
التاريخ هو دراسة الماضي بالتركيز على الأنشطة الإنسانية وبالمضي حتى الوقت الحاضر، وكل ما يمكن تذكره من الماضي أو تم الحفاظ عليه بصورة ما يعد سجلا تاريخيا. ويدرس بعض المؤرخين التاريخ العالمي الذي يشمل كل ما جرى تسجيله من الماضي الإنساني والذي يمكن استنباطه من الآثار، فيما يركز بعضهم على طرق بعينها مثل علم التأريخ والدراسات الديموغرافية (السكانية) ودراسة كتابة التاريخ ودراسة الأنساب ودراسة الكتابات القديمة ودراسات التاريخ الاقتصادي أو دراسة تاريخ مناطق بعينها.
التاريخ اصطلاحا: جملة الأحوال والأحداث التي يمر بها كائن ما، على الفرد أو المجتمع,كما يصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية.
ووفقاً لهذه التعاريف جميعاً فالتاريخ يعني أمرين:
الأول: التاريخ العام، وهو الذي يسجل أهم حوادث الأمم أو الحوليات التي تدون الحوادث عاماً بعد عام وكذا الأخبار المرتبة حسب العصور.
الثاني: يعني تحديد بداية الأخبار الخاصة بعصر من العصور، وحساب الأزمان وحصرها، وتحديد زمن وقوع الحوادث تحديداً دقيقاً.
يعنى التاريخ بدراسة الزمن فيما يتعلق بالإنسان، أما بالنسبة لعلم تحديد الأحداث عبر الزمن انظر علم التأريخ.
التاريخ هو دراسة الماضي بالتركيز على الأنشطة الإنسانية وبالمضي حتى الوقت الحاضر، وكل ما يمكن تذكره من الماضي أو تم الحفاظ عليه بصورة ما يعد سجلا تاريخيا. ويدرس بعض المؤرخين التاريخ العالمي الذي يشمل كل ما جرى تسجيله من الماضي الإنساني والذي يمكن استنباطه من الآثار، فيما يركز بعضهم على طرق بعينها مثل علم التأريخ والدراسات الديموغرافية (السكانية) ودراسة كتابة التاريخ ودراسة الأنساب ودراسة الكتابات القديمة ودراسات التاريخ الاقتصادي أو دراسة تاريخ مناطق بعينها.
التاريخ اصطلاحا: جملة الأحوال والأحداث التي يمر بها كائن ما، على الفرد أو المجتمع,كما يصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية.
صفحة 6
واستعملت لفظة تاريخ في الاصطلاح على نحوين اثنين، فتارة تستعمل ويراد بها مضمون ومحتوى المادة التاريخية، وتارة أخرى تستعمل ويراد بها طريقة التعامل مع هذه المادة. وهذه الازدواجية في الاستعمال أدت إلى خلط في فهم معنى اللفظ، ويقول الدكتور قاسم عبده إن هناك تفريق شائع " بين كلمة التاريخ كتعبير دال على مسيرة الإنسان الحضارية على سطح كوكب الأرض منذ الأزل، وعبارة تدوين التاريخ كتعبير عن العملية الفكرية الإنشائية التي تحاول بإعادة تسجيل وبناء وتفسير الإنسان على كوكبه"
ويرتبط التاريخ بلفظة مؤرخ والمؤرخ:الشخص الذي يدرس التاريخ.
التاريخ لغة: يقول الرازي: ( "التاريخ" و"التوريخ"، تعريف الوقت. تقول: أرخ الكتاب بيوم كذا، و"ورخه" بمعنى واحد)، وترى بعض الآراء وجود أصول غير عربية، فارسية أو سريانية أو إثيوبية للكلمة.
وأما علم التاريخ فهو علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله، وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته.
يذهب سيد قطب إلى أن التاريخ ليس هو الحوادث وإنما هو تفسير هذه الحوادث، والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان.
وقد عرّف ابن خلدون التاريخ بأنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال: مثل التوجس، والتأنس، والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول، ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش، والعلم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعة الأحوال.
ويرتبط التاريخ بلفظة مؤرخ والمؤرخ:الشخص الذي يدرس التاريخ.
التاريخ لغة: يقول الرازي: ( "التاريخ" و"التوريخ"، تعريف الوقت. تقول: أرخ الكتاب بيوم كذا، و"ورخه" بمعنى واحد)، وترى بعض الآراء وجود أصول غير عربية، فارسية أو سريانية أو إثيوبية للكلمة.
وأما علم التاريخ فهو علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله، وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته.
يذهب سيد قطب إلى أن التاريخ ليس هو الحوادث وإنما هو تفسير هذه الحوادث، والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان.
وقد عرّف ابن خلدون التاريخ بأنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال: مثل التوجس، والتأنس، والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول، ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش، والعلم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعة الأحوال.
صفحة 7
ثانياً: تعريف علم التاريخ وأهدافه وفلسفته وفوائده
إن التاريخ هو " العلم الذي يعنى بالدرجة الأولى بدراسة الحوادث أو الوقائع التي حدثت في الماضي " أو " هو العلم الذي يسعى لإقامة تتابع للأحداث التي وقعت بالفعل " أو " العلم الذي يختص بترتيب وتضييق السلوك الإنساني عبر الزمن الماضي " وثمة من يرى أن التاريخ " سجل مكتوب للماضي أو الأحداث الماضية ".
ويعرف ابن خلدون التاريخ بقوله: " التاريخ فن يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يروقه في أحوال الدين والدنيا." فعلم التاريخ من هذا المنطلق علم اجتماعي باعتباره محاولة منظمة لمعرفة وتحقيق الحوادث الماضية عن طريق ربط كل واحدة منها بالأخرى والكشف عن مختلف تأثيراتها على تشكيل ومسيرة الحضارة الإنسانية. لذلك فعلم التاريخ لا يمكن فصله عن المنهج التاريخي. وذلك باعتبار أن البحث أو التقصي العلمي وسيلة موضوعية هدفها الوصول إلى نتيجة أو قانون أو قاعدة عامة فيما يسمى بالحقيقة التاريخية.
التاريخ يعدّ أول مسجل بشري، أو عمل بشري مسجل – بشكل أو بآخر- يجمع التجربة البشرية بمختلف أنواعها ومفاهيهما، وهو الإطار الذي ضم جميع الفكر البشرى بنشاطاته الدينية والوجدانية، والاجتماعية والمادية، وحفظ هذا كله من الأجيال السابقة ليقدمه للأجيال اللاحقة، وبذلك ساعدهم على عمليات مخاض سائر العلوم التي ظهرت فيها بعد، النظرية أو العملية.
ورغم ما حمله من معلومات مذهلة أسهمت في التطور، فقد تنكرت له جماعات من الأجيال اللاحقة، واعتبروا عمله عملاًغير جاد، محاولين الانتقاص من قدره، وهم لا يعلمون أن هذا الانتقاص لا يصيب التاريخ بقدر ما يصيب العلوم الأخرى والفكر الإنساني عامة. ولا يدركون أنهم يحجزون الأفق التصوري عن فكرهم، وأنهم يدللون بذلك على ضعف إدراكهم، وضحالة فهمهم عما يترتب عن ذلك على العلوم الأخرى. فهم بذلك يهدمون أساس العلم البشري كله، لتتحول العلوم إلى مبان فوق سطح الرمال، تهتز من رياح التغيير والتطور.
إن التاريخ هو " العلم الذي يعنى بالدرجة الأولى بدراسة الحوادث أو الوقائع التي حدثت في الماضي " أو " هو العلم الذي يسعى لإقامة تتابع للأحداث التي وقعت بالفعل " أو " العلم الذي يختص بترتيب وتضييق السلوك الإنساني عبر الزمن الماضي " وثمة من يرى أن التاريخ " سجل مكتوب للماضي أو الأحداث الماضية ".
ويعرف ابن خلدون التاريخ بقوله: " التاريخ فن يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يروقه في أحوال الدين والدنيا." فعلم التاريخ من هذا المنطلق علم اجتماعي باعتباره محاولة منظمة لمعرفة وتحقيق الحوادث الماضية عن طريق ربط كل واحدة منها بالأخرى والكشف عن مختلف تأثيراتها على تشكيل ومسيرة الحضارة الإنسانية. لذلك فعلم التاريخ لا يمكن فصله عن المنهج التاريخي. وذلك باعتبار أن البحث أو التقصي العلمي وسيلة موضوعية هدفها الوصول إلى نتيجة أو قانون أو قاعدة عامة فيما يسمى بالحقيقة التاريخية.
التاريخ يعدّ أول مسجل بشري، أو عمل بشري مسجل – بشكل أو بآخر- يجمع التجربة البشرية بمختلف أنواعها ومفاهيهما، وهو الإطار الذي ضم جميع الفكر البشرى بنشاطاته الدينية والوجدانية، والاجتماعية والمادية، وحفظ هذا كله من الأجيال السابقة ليقدمه للأجيال اللاحقة، وبذلك ساعدهم على عمليات مخاض سائر العلوم التي ظهرت فيها بعد، النظرية أو العملية.
ورغم ما حمله من معلومات مذهلة أسهمت في التطور، فقد تنكرت له جماعات من الأجيال اللاحقة، واعتبروا عمله عملاًغير جاد، محاولين الانتقاص من قدره، وهم لا يعلمون أن هذا الانتقاص لا يصيب التاريخ بقدر ما يصيب العلوم الأخرى والفكر الإنساني عامة. ولا يدركون أنهم يحجزون الأفق التصوري عن فكرهم، وأنهم يدللون بذلك على ضعف إدراكهم، وضحالة فهمهم عما يترتب عن ذلك على العلوم الأخرى. فهم بذلك يهدمون أساس العلم البشري كله، لتتحول العلوم إلى مبان فوق سطح الرمال، تهتز من رياح التغيير والتطور.
صفحة 8
إن التاريخ هو التجربة المدونة، والتي يستطيع الإنسان أن يستفيد منها كيف شاء، ووفقاً للميدان الذي يبحث فيه، ثم يضيف عليها الجديد الذي يمثل خطوات الارتقاء. فهو تجارب عملية، استخدمت، وظهرت نتائجها.
وأثبت التاريخ – على مدى العصور – أنه متجدد الحياة والحيوية، ملجأ العلماء حين يواجهون المعضلات – في بحوثهم النظرية والعملية – فيجدون عنده الطريق إلى الحلّ. وكثيراً ما وفر على العلماء مشقة خطوات من مراحل أبحاثهم سبق تجربتها.
وعلى الرغم من أن الاجتماعيين يرون أن التاريخ أحد العلوم الاجتماعية، الأصل فيه إدراك الإنسان لحقيقة وأصول وجوده ككائن اجتماعي. إلا أنه كان مجالاً لدراسات فكرية أخرى من علماء الدين والفلسفة وغيرهم لاحتوائه أعمالاً متباينة متعددة، يرى كل باحث فيها وجهة نظره، وكأن التاريخ يقول لهم جميعاً " لا أعتقد أن هناك شيئاً قط على وجه الأرض غريباً عنى".
وعظمة التاريخ أنه غير قاصر على دراسة المتخصصين، أو الباحثين أو الفلاسفة والاجتماعيين، ولكنه يخاطب كل من يطلع عليه، فيستهويه، يوجد فيه مجال توجيه قدرته العقلية. عبّر ابن خلدون عن ذلك بقوله: [إن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأجيال، وتشدّ إليه الركائب والرحال، وتسموا إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوم والآقال، وتتساوى فيه فهمه العلماء والجهال] ولذا فمجاله متسع اتساع المصالح البشرية، فليس هناك شئ مما يفعله الإنسان أو يقاسه أو يصنعه أو يدمره خارج نطاق الاستقصاء التاريخي بل والتسجيل التاريخي.
ولقد شهد بذلك أحد الذين أدركوا التجربة التاريخية عملياً في العصر الحديث، وهو بريطاني يعمل مراسلاً حربياً، وبعد أن عايش- كشاهد عيان- الكثير من المعارك الحربية، وقرأ في التاريخ خرج إلينا برأيه: [ هناك نزعة عامة لاعتبار التاريخ موضوعاً للمتخصصين، وهذا هو الخطأ الأول، لأن التاريخ- على نقيض من ذلك – هو المصحح الجوهري لكل لون من ألوان التخصص. وإذا نظرنا إليه نظرة صحيحة، فهو أوسع الدراسات مجالاً، فهو يشمل كل أوجه الحياة، ويضع أساس التربية، لأنه يرينا كيف يكرر البشر أخطاءه، ويكشف هذه الأخطاء].
ومنذ بدأ العرب يكتبون التاريخ وفقاً للترتيب الزمني، والتسلسل الحدثي كما فعل محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ / 922م)، وهم يتناولون تعريف التاريخ بأسلوب فلسفي واضح، فمحمد بن جرير الطبري يقول: [ فما يكن من كتابي هذا من خير يستنكره قارؤه من أجلأنه لم يعرف له وجه الصحة، ولا معنى في الحقيقة].
وأثبت التاريخ – على مدى العصور – أنه متجدد الحياة والحيوية، ملجأ العلماء حين يواجهون المعضلات – في بحوثهم النظرية والعملية – فيجدون عنده الطريق إلى الحلّ. وكثيراً ما وفر على العلماء مشقة خطوات من مراحل أبحاثهم سبق تجربتها.
وعلى الرغم من أن الاجتماعيين يرون أن التاريخ أحد العلوم الاجتماعية، الأصل فيه إدراك الإنسان لحقيقة وأصول وجوده ككائن اجتماعي. إلا أنه كان مجالاً لدراسات فكرية أخرى من علماء الدين والفلسفة وغيرهم لاحتوائه أعمالاً متباينة متعددة، يرى كل باحث فيها وجهة نظره، وكأن التاريخ يقول لهم جميعاً " لا أعتقد أن هناك شيئاً قط على وجه الأرض غريباً عنى".
وعظمة التاريخ أنه غير قاصر على دراسة المتخصصين، أو الباحثين أو الفلاسفة والاجتماعيين، ولكنه يخاطب كل من يطلع عليه، فيستهويه، يوجد فيه مجال توجيه قدرته العقلية. عبّر ابن خلدون عن ذلك بقوله: [إن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأجيال، وتشدّ إليه الركائب والرحال، وتسموا إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوم والآقال، وتتساوى فيه فهمه العلماء والجهال] ولذا فمجاله متسع اتساع المصالح البشرية، فليس هناك شئ مما يفعله الإنسان أو يقاسه أو يصنعه أو يدمره خارج نطاق الاستقصاء التاريخي بل والتسجيل التاريخي.
ولقد شهد بذلك أحد الذين أدركوا التجربة التاريخية عملياً في العصر الحديث، وهو بريطاني يعمل مراسلاً حربياً، وبعد أن عايش- كشاهد عيان- الكثير من المعارك الحربية، وقرأ في التاريخ خرج إلينا برأيه: [ هناك نزعة عامة لاعتبار التاريخ موضوعاً للمتخصصين، وهذا هو الخطأ الأول، لأن التاريخ- على نقيض من ذلك – هو المصحح الجوهري لكل لون من ألوان التخصص. وإذا نظرنا إليه نظرة صحيحة، فهو أوسع الدراسات مجالاً، فهو يشمل كل أوجه الحياة، ويضع أساس التربية، لأنه يرينا كيف يكرر البشر أخطاءه، ويكشف هذه الأخطاء].
ومنذ بدأ العرب يكتبون التاريخ وفقاً للترتيب الزمني، والتسلسل الحدثي كما فعل محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ / 922م)، وهم يتناولون تعريف التاريخ بأسلوب فلسفي واضح، فمحمد بن جرير الطبري يقول: [ فما يكن من كتابي هذا من خير يستنكره قارؤه من أجلأنه لم يعرف له وجه الصحة، ولا معنى في الحقيقة].
صفحة 9
وقلما أن تجد كتاباً من تاريخ العلماء المسلمين دون ذكر أهمية التاريخ وضروراته، سواء كان تاريخاً عاماً أو محلياً، أو طبقات وخطط. فيقول البيهقي عنه مثلاً في تاريخ بيهق: [غزير النفع، كثير الفائدة، بحيث يكون من عرفه كمن عاش الدهر كله، وجرب الأمور بأسرها، وباشر تلك الأحوال بنفسه، فيغزر عقله، ويصير مجرباً غير غر، ولا غمر].
ويظل الاهتمام يزداد بعرض فلسفة التاريخ وفوائده، والغرض من دراسته سواء في كتب التاريخ المتخصصة، أو التي تتناول موضوعاً آخر من العلوم الإسلامية، فيقول عنه أبو القاسم محمد بن يوسف المدني في كتاب عن فقه الحنفية يسمى " تاريخ بلخ": [ فيه إحياء ذكر الأولين والآخرين من علمائها والطارئين عليها، فإن ذكرها حياة جديدة، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً].
وسار المؤرخون على هذا المنوال، يكتبون مقدمة تواريخهم، بآرائهم عن التاريخ وفؤائده، ولعلنا ترى ذلك واضحا في الموسوعة التاريخية الكبرى التي كتبها أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالكريم بن الأثير (ت 630هـ) والذي يسمى " بالكامل "، فيقول ( إن فوائده كثيرة، ومنافعه الدنيوية والأخروية غزيرة) ثم عرض عرضاً شيقاً لهذين الأمرين، بدأهما بالأمر الدنيوي، الذي ذكر فيه فكراً فلسفياً اجتماعياً وإنسانياً فيقول: [ إن الإنسان لا خفاء به يحب البقاء، ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء، فياليت شعري أي فرق بين ما رآه أمس أو سمعه، وما قرأه في الكتب المتضمنة أخبار الماضين وحوادث المتقدمين، فإذا طالعها فكأنه عاصرهم، وإذا علمها فكأنه حاضر عنهم، ومنها أن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان، ورأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس غيرويها خلف عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر وقبح الأحدوثة، وخراب البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال، استقبحوها، وأعرضوا عنها، وطرحوها].. ثم استكمل مقدمته إلى أن وصل: [ ومنها ما يحصل للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه عواقبها، وأنه لا يحدث أمر إلا وقد تقدم هو أو نظيره فيزداد عقلاً، ويصبح لأن يقتدي به أهلاً].
أن فلسفة التاريخ، وفوائده بلغت نضوجها وتعدد الآراء في القرنين الثامن والتاسع الهجري (الرابع عشر، والخامس عشر الميلادي). فنقرأ آراء لكبار الكتاب المسلمين يستخدمها الغرب في صياغة أخرى بعدهم بقرون لا سنوات، ويكاد المرء الذي لم يسبق له دراسة التاريخ يرى أنها آراء حديثة وهي في واقع الأمر آراء وأفكار علماء المسلمين، سبق تناولها وتوضيحها وعرضها في كتبهم التي ما زالت حبيس الخزائن الشرقية والغربية، واستطاع بعض الغربيين والمستشرقيين الاستفادة منها وقدموها في صياغة جديدة، بعد أن شوهوا ما جاء بالمصادر، ومن الإنصاف أن تقول بعض، لأن البعض الآخر قدمها وفقاً للأمانة العلمية، وأعادها إلى أصحابها الأصليين.
ويظل الاهتمام يزداد بعرض فلسفة التاريخ وفوائده، والغرض من دراسته سواء في كتب التاريخ المتخصصة، أو التي تتناول موضوعاً آخر من العلوم الإسلامية، فيقول عنه أبو القاسم محمد بن يوسف المدني في كتاب عن فقه الحنفية يسمى " تاريخ بلخ": [ فيه إحياء ذكر الأولين والآخرين من علمائها والطارئين عليها، فإن ذكرها حياة جديدة، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً].
وسار المؤرخون على هذا المنوال، يكتبون مقدمة تواريخهم، بآرائهم عن التاريخ وفؤائده، ولعلنا ترى ذلك واضحا في الموسوعة التاريخية الكبرى التي كتبها أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالكريم بن الأثير (ت 630هـ) والذي يسمى " بالكامل "، فيقول ( إن فوائده كثيرة، ومنافعه الدنيوية والأخروية غزيرة) ثم عرض عرضاً شيقاً لهذين الأمرين، بدأهما بالأمر الدنيوي، الذي ذكر فيه فكراً فلسفياً اجتماعياً وإنسانياً فيقول: [ إن الإنسان لا خفاء به يحب البقاء، ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء، فياليت شعري أي فرق بين ما رآه أمس أو سمعه، وما قرأه في الكتب المتضمنة أخبار الماضين وحوادث المتقدمين، فإذا طالعها فكأنه عاصرهم، وإذا علمها فكأنه حاضر عنهم، ومنها أن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان، ورأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس غيرويها خلف عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر وقبح الأحدوثة، وخراب البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال، استقبحوها، وأعرضوا عنها، وطرحوها].. ثم استكمل مقدمته إلى أن وصل: [ ومنها ما يحصل للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه عواقبها، وأنه لا يحدث أمر إلا وقد تقدم هو أو نظيره فيزداد عقلاً، ويصبح لأن يقتدي به أهلاً].
أن فلسفة التاريخ، وفوائده بلغت نضوجها وتعدد الآراء في القرنين الثامن والتاسع الهجري (الرابع عشر، والخامس عشر الميلادي). فنقرأ آراء لكبار الكتاب المسلمين يستخدمها الغرب في صياغة أخرى بعدهم بقرون لا سنوات، ويكاد المرء الذي لم يسبق له دراسة التاريخ يرى أنها آراء حديثة وهي في واقع الأمر آراء وأفكار علماء المسلمين، سبق تناولها وتوضيحها وعرضها في كتبهم التي ما زالت حبيس الخزائن الشرقية والغربية، واستطاع بعض الغربيين والمستشرقيين الاستفادة منها وقدموها في صياغة جديدة، بعد أن شوهوا ما جاء بالمصادر، ومن الإنصاف أن تقول بعض، لأن البعض الآخر قدمها وفقاً للأمانة العلمية، وأعادها إلى أصحابها الأصليين.