صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
قل أوحي إلي أنه استمع نفرٌ من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجب.
يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا.
سورة الجن/ 1 - 2
مـدخل
لقد كثرت في الآونة الأخيرة الكتب التي تبحث وتتكلم عن عالم الجن والشيطان والسحر والروح والملائكة وغيرها من عوالم الغيب التي أخبرنا الله سبحانه عنها في كتابه العزيز وفصل في شرح مفرداتها الهدي النبوي الشريف.
ولعل هذا الكتاب الذي حاول أن يقدم للقارئ الكريم مفردات العالم الروحاني وصلته بالسحر والعين والروح والأبراج والجان يكون في مقدمة هذه البحوث الجادة، من خلال إجابة العالم الروحاني على أسئلة الناشر التي اختارها جامعة كاملة لتوضيح معالم هذا العالم الغيبي وتسليط الضوء على مفرداته وأقسامه وصلته بالإنسان معالجاً ومصاباً. عسى أن نضيف بهذا البحث الموجز شيئاً مفيداً عن عالم الجن والشيطان ومسه للإنسان وكيفية تمكين الممسوس للخلاص من مسه وفك الجان من ضحيته ووقاية الإنسان السليم من أتون النفث السقيم وقطع الطريق على إبليس وجنوده أن يعثوا في الأرض مفسدين وفي صدر المؤمن موسوسين، وكشف اللثام عن تلك العداوة الأبدية بينه وبين بني الإنسان كما قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً. ( ).
وقبل الدخول في مفردات هذا العالم العجيب من خلال أجوبة العالم الروحاني السيد أبو الحسن عبد الله الشامي.. لابد من الوقوف على التعريف بعالم الجن والشيطان ووجوده وصفاته ونشاطه وصلته بالإنسان من خلال ما ذكر عن هذا العالم في الكتاب والسنة والتراث الإسلامي عموماً، لكي يكون دخولنا مناسباً لنعيش مع باقي فصول الكتاب وهو يتكلم عن التفاصيل الدقيقة والموجزة عن ذلك العالم وسبل الوقاية من شروره وطرق العلاج من علله وأمراضه ومن مسه ولبسه بإذن الله.
الناشر
دار الرقيم/ بغداد
9/4/2008
صفحة 2
الجن والشيطان
لقد عرّف العلماء الجن والشياطين بأنهم أجسام هوائية وهبها الله تعالى قدرةً على التشكل بأشكال مختلفة، فهم يظهرون في صور حيوانات متنوعة ولهم عقول وأفهام ومقدرة على الأعمال الشاقة، وعرّفهم بعض العلماء بأنهم حيوان ناري شفاف الجرم.
ومن البديهيات الدينية وجود الجان على الأرض.. وإذا ما نظرنا إلى كتاب الله سبحانه نجده قد تحدث عن هذا العالم الخفي في ثماني عشرة سورة من سور القرآن.. ومن هذه الآيات التي تحدثت عن الجن والشيطان قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر( ).
وقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ( )
وقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( ).
وقوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ( ).
وقوله تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( ).
وقوله: قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِك( ).
وقوله: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ( ).
وقد أفرد الله سبحانه سورة كاملة في القرآن الكريم سميت بسورة الجن.
أما الحديث النبوي، فقد جاء ذكر الجن والشياطين على لسان النبي مرات كثيرة منها قوله : إن عفريتاً من الجن تفلت عليَّ البارحة ليقطع عليَّ الصلاة فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فتذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي( ).
وعن عائشة أن النبي قال: خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم( ).
وقال النبي : ما من أحد إلا قد وكّل به قرين من الجن، فقالوا: يا رسول الله وإياك، فقال رسول الله : وإياي لكن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بالخير( ).
صفحة 3
من تلك النصوص القرآنية والنبوية يتضح أنه من المعلوم من الدين بالضرورة وجود هذا العالم (أي عالم الجن) الذي يعيش معنا على هذا الكون. ويقول الإمام ابن تيمية: (لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن وجمهور الكفار (والملل الأخرى) لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواتراً معلوماً بالاضطرار يعرفه الخاصة والعامة ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهّال الفلاسفة ونحوهم)( ).
والجن أكبر قدرة من البشر على تحمل الأعمال الشاقة الصعبة وأقوى جسداً وربما أوسع علماً، ومنهم الصالحون ومنهم الفاسدون، ويأكلون ويشربون، ولهم قدرة خارقة على الإتيان بالخوارق والسفر إلى مسافات طويلة جداً في وقت قصير جداً، ويختلفون عن الإنس والملائكة بقدرتهم على التشكل بما يشاءون، وهم عالم غير مرئي محجوبون عن الأبصار، إلا أن الله سبحانه يختص برؤيتهم من يشاء، كما في حديث النبي عن العفريت المتفلت وجن سليمان ، فهم موجودون بلا ظل غير قابلين لرؤية البشر لهم، وقد يراهم الشخص الممسوس منهم، وهم فضلاً عن قابلية التشكل، يستطيعون أن يدخلون ويخرجون في أي جسم كما يشاءون إلا من عصمه الله وحفظه بالإيمان والصعود في مدارج الزهاد والصالحين قال تعالى: أنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم...( ).
خلق الجن من نار كما خلق الإنسان من طين، وهناك نصوص عديدة في القرآن والسنة تصف خلق الجن من نار.
قال تعالى على لسان إبليس:
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( ).
وقوله تعالى: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ( ).
والجان هو أبو الجن كآدم أبي البشر. والمارج هو اللهب الصافي من النار وطرفه.
وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ. وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ( ).
والسموم هي الريح الحارة والحر الشديد، وقد ورد أنها من لفح جهنم.
قال عبد الله بن مسعود: هذه النار جزء من سبعين جزءاً من السموم، وهناك قول لبعض العلماء أن نار السموم هي ناتجة من نار الشمس أو الصواعق.
والجن يطلق على عموم الجنس، وقد خلق من نار ثم تطور خلق الجن بطريقة التناسل، كما تطور خلق الإنسان من الطين الذي هو مزج التراب مع الماء، ثم ترك فصار لازباً ثم مسنوناً، ثم حمي فصار صلصال كالفخار، فكان خلق آدم من هذه الأطوار ثم تناسل بنيه، كذلك خلق الجن من نار، ثم تناسل بني الجان إلى قبائل وشعوب وألوان وأجناس وأقوام.
صفحة 4
الجن أقدم من الإنس
تؤكد الآية 27 من سورة الحجر أن خلق الجن والشياطين جاء قبل خلق الإنس.. وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ وقوله تعالى: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ( ). فيه دليل على وجود إبليس قبل خلق آدم وأمر الله له بالسجود لآدم.
يطلق اسم الجن على جميع الأنواع من عموم الجنس، ويطلق على الواحد جني، ومنهم المسلمون والنصارى واليهود والكفرة وعبدة النار وكذلك من المسلمين منهم السني والشيعي والمعتزلي والقدري مثلهم مثل مذاهب المسلمين، وكذلك بالنسبة لباقي الأديان..
وذكر القرآن الكريم عموم الجن في آيات عديدة، منها:
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( ).
يقول ابن عقيل: إنما سمي الجن جناً لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، وفيه يسمى الجنين جنيناً. وكل شيء استتر عنك قد جن عليك. وكان أهل الجاهلية يسمون الملائكة جناً لاستتارهم عن العيون، والجن والجنة واحد. والشياطين العصاة من الجن وهم ولد إبليس، والمردة أعتاهم وأغواهم وهم أعوان إبليس، وقد قيل أن كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان، والشيطان في اللغة هو من الشطن أي البعد عن الخير. وتشيطن الرجل إذا صار شيطان( ).
صفحة 5
أنواع الجن
وقد ذكر القرآن أنواع من الجن هي:
1. العفريت:
وقد ذكر العفريت في قصة النبي سليمان قال تعالى: قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ( ).
والعفريت هو من الجن إذا اشتد وكثر خبثه وأذاه وهو قوي، ولم يذكر هذا الاسم في القرآن إلا مرة واحدة. وقد روى البخاري حديث ملك سليمان والعفريت الذي تفلت على النبي الذي ذكر أعلاه.
2. الشيطان:
وهو إبليس لعنه الله، وقد ذكر في القرآن في مواضع عديدة، وأكد على عداوته لبني آدم منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة..
قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ( ).
وقوله: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( ).
وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ( ).
وقال: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً ( ).
وقال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ( ).
صفحة 6
3. العمار:
يطلق هذا الاسم على سكان المنازل من الجن مع الإنس، وقد يكونوا عمّار خير (العالم الروحاني العلوي) أو عمّار سوء (العالم السفلي) وهم من الشياطين فيعيشون كما يعيش أهل هذه الدور، وقد يسمع أصواتهم أو يراهم أهل هذه الديار في بعض الأحيان.
روى البيهقي عن أبي دجانة قال: شكوت إلى النبي فقلت: يا رسول الله بينما أنا مضطجع في فراش إذ سمعت في داري صريراً كصرير الرحا ودوياً كدوي النحل ولمعاً كلمع البرق فرفعت رأسي فزعاً مذعوراً، فإذا أنا بظل أسود مولى يعلو ويطول في صحن داري. فأهويت إليه ولمست جلده كأنه جلد قنفذ، فرمى في وجهي شرر النار، فظننت أنه قد أحرقني وأحرق داري، فقال النبي : عامرك عامر سوء يا أبا دجانة، ورب الكعبة ومثلك يؤذى يا أبا دجانة؟ ثم أمر علي أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من رسول الله رب العالمين إلى من طرق الدار من العمار والزوار إلا طارقاً يطرق بخير.
أما بعد: فإن لنا ولكم في الحق سعة، فإن تك عاشقاً مولعاً أو فاجراً مقتحماً أو داعياً مبطلاً، فهذا كتاب الله ينطق علينا وعليكم بالحق: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون اتركوا صاحب كتابي هذا وانطلقوا إلى عبدة الأصنام وإلى من يزعم أن مع الله إلهاً آخر وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (القصص/ 88). تفرق أعداء الله وبلغت حجة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
قال أبو دجانة: فأخذت الكتاب.. وجعلته تحت رأسي وبت ليلتي في داري، فما انتبهت إلا من صراخ صارخ يقول: يا أبا دجانة احترقنا واللاة والعزى هذه الكلمات بحق صاحبك لما رفعت هذا الكتاب فلا عود لنا في دارك...
قال أبو دجانة: فأخبرت النبي بما سمعته من الجن وما قلت لهم، فقال لي: يا أبا دجانة ارفع عن القوم فوالذي بعثني بالحق نبياً إنهم ليجدون ألم العذاب إلى يوم القيامة.
ويروي العلماء أن آية الكرسي كافية لطرد الجن والعفاريت من البيوت المعمورة (المسكونة) وإن آخرها ولا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ هي الرقية في ذلك، وقد جرّبها بعض الروحانيين والصالحين لطرد الجن.
4. المارد:
وهو اسم يطلق على الجن إذا زاد خبثه وعصيانه…
قال تعالى: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ( ). وقال: وَإنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً( ).
وقد صنف النبي الجن أصناف ثلاثة فقال: (خلق الله الجن ثلاثة أصناف، صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء وصنف كبني آدم عليه الحساب والعقاب)( ).
وقال النبي : الجن ثلاثة أنواع: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وصنف يحلّون ويظعنون( ).
صفحة 7
أبرز صفات الشيطان
إنه عدو لبني آدم، يريد غوايته وضلاله وفساده ودخوله النار.
بيته الحمّام، مجلسه الأسواق ومجامع الطرق، وطعامه ما لم يذكر اسم الله عليه وكل ميتة، وشرابه كل مسكر، وقرآنه الشعر، وكتابه الوشم، وعلمه السحر، وحديثه الكذب، ومؤذنه المزمار، ورسوله الكهانة، وعمله إضلال المؤمن، ومصائده النفاق، وبكائه على مؤمن مات دون أن يفتنه، ولعوقه الكذب ونشوقه الغضب وكحله النوم.
قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ( ).
وأبرز صفات إبليس اللعين والشيطان الرجيم، وصفات حزبه من الجن والإنس، إنه يتصف بالقياس الخاطئ والمقارنة الباطلة والحسد والحقد، كقياس إبليس أفضليته على آدم كونه خلق من نار وآدم خلق من طين، والنار أفضل من الطين لذلك امتنع عن السجود لآدم حسداً وحقداً عليه وعلى ذريته من بعده، وصفة الهمز وهمزات الشياطين، وهي الدفع والتحريك الشديد من الشياطين بالوسوسة، وكان النبي يفتتح صلاته بقوله: لا إله إلا الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفثه ونفخه، وهي الموتة والشعر والكبر. ومن صفات إبليس وحزبه الأمر بالفحشاء والمنكر، والنزغ، والوسوسة، والعداوة لبني آدم، وقرينة السوء، والمس.
قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ( ).
وقال: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ( ).
ومن صفات الشيطان أيضاً، الوعد الكاذب والأماني الباطلة وتزيين الأعمال. فيعمد الشيطان إلى الباطل فيزينه ويحسنه في نظر الناس حتى إذا رأوه ألفوه واعتادوا عليه كالغناء والمزامير والخمر والميسر والرشوة والتزوير والكذب والغيبة والنميمة وغيرها من الخصال الباطلة والسيئة.
مساكن الجن وطعامهم
يسكن الجن في الخرابات والخلوات ومواضع النجاسات والمراحيض والمقابر والمزابل والحمّامات، وفي الحديث الشريف أن النبي كان يقول عند دخوله إلى الخلاء: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث( ).
وعن قتادة قال: نهى رسول الله أن يبال في الجحر، إنها مساكن الجن.
ويروى عن النبي أنه أسكن الجن المسلمين الجلس (وهي القرى والجبال) وأسكن الجن المشركين الغور (ما بين الجبال والبحار). ومن مساكن الجن القرع من الأرض وهي البياض المتخلل بين الزرع كالقرع في الرأس.
أما طعام الجن والشياطين، فقد روي عن النبي قوله: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله( ).
وروي عن النبي وهو يرى رجل يأكل ولم يسم، ثم قال في آخر طعامه، بسم الله أوله وآخره، فقال: ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه( ).
وعن ابن مسعود قال: قال النبي : أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد، فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم. قال النبي : فلا تستنجوا بهما لأنهما طعام إخوانكم( ).
وقال : أتاني جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً( ).
وعن جابر قال: ما من أهل بيت من المسلمين إلا وفي سقف بيتهم من الجن من المسلمين إذا وضعوا غذاءهم نزلوا فتغذوا معهم وإذا وضعوا عشاءهم نزلوا فتعشوا معهم يدفع الله بهم عنهم. وأما ما يستحل به الجن والشياطين الطعام فهو الأكل بغير اليد اليمنى وعدم التسمية وترك اللقم التي تسقط على الأرض دون إماطة الأذى عنها وأكلها. قال النبي : إذا دخل أحدكم بيته فذكر اسم الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا لم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء( ).
صفحة 8
نكاح الجن وتناسلهم
لقد أكد القرآن الكريم أن الجن يتناكحون ويتناسلون في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ( ). وقوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ( ).
وقد فسر الطمث على أنه نكاح، كما أن الذرية لا تأتي إلا عن طريق النكاح والتناسل. وكذلك الكثرة ومعشر الجن والإنس، تدل على الجماعة، ولا تأتي الجماعة من فراغ وإنما تأتي عن طريق نكاح وتناسل.
وفي حديث حفظ الزكاة حيث وكل النبي أبا هريرة بحفظ زكاة رمضان فجاء من يأخذ منها ليلاً فشعر به فقبض عليه وقال: لأرفعنك إلى النبي فقال: إني محتاج ولي عيال فخلا سبيله، فسأله النبي : ما فعل أسيرك البارحة؟ فأخبره بما جرى فقال له: (أما أنه كذبك وسيعود) وتكررت هذه الحالة ثلاث مرات، وفي الثالثة قال السارق: دعني أعلمك كلمات ينفعك بهن الله فقال: ما هي. قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخلا سبيله، فسأل النبي أبا هريرة: ما فعل أسيرك البارحة؟ فذكر ما حدث بينهما فقال رسول الله : أما أنه صدقك وهو كذوب. أتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالي يا أبا هريرة. قال: لا قال: ذلك شيطان( ).
وقال النبي : ما منكم من أحد إلا قد وكل الله به قرينه من الجن( ).
وهذا يدل على الكثرة والزيادة المطردة في أعداد الجن بالزيادة التي تطرأ على بين آدم حتى يمكن أن يكون لكل واحد من بني آدم قرين من الجن وهذا عن نكاح الجن لأمثاله.
أما نكاح الجن للإنسية أو الإنس للجنية، فهو أمر اختلف العلماء فيه، وهل هو وارد الحدوث أم لا. ولكن يبدو أن الكثير من الروحانيين يؤكدون حدوثه، وهي ما تسمى حالات العشق بين الجن وأنثى الإنس أو العكس، وهي سبب مهم من أسباب مس الجن للإنس.
وقد ورد في القرآن ما يشير إلى ذلك في قوله تعالى: وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاد( ).
وقول النبي : إذا جامع الرجل زوجته ولم يسم الله انطوى الشيطان إلى إحليله( ).
وقوله : لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان ( ).
صفحة 9
هل الجن يموتون؟
قال الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( ). وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ ( ). وذلك يعني أن الموت هو مآل جميع الخلائق، فهل الجن بكل طوائفهم يموتون إذا جاء أجل كل واحد منهم شأنهم شأن البشر، أم منهم المنظرون وهم الشياطين. وقد ذكرنا أن عموم الجن يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتناسلون. وقد كتب الله عليهم الموت كبقية الخلائق أجمعين، ولكن يستثنى منهم طائفة الشياطين، حيث هذه الطائفة وعلى رأسها إبليس "لعنه الله" لما طرده الله عز وجل من الجنة مذموماً مدحوراً، طلب من الله سبحانه أن ينظره ويؤخر موته وذريته إلى يوم يبعثون، فقال الله تعالى: قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ . إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ( ). وقد فسر العلماء اليوم المعلوم أنه يوم النفخة الأولى.
وقال تعالى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ . قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ( ).
وفي الحديث الصحيح: إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فأذنوه ثلاثة أيام وإلا فاقتلوه فإنه كافر( ).
وفي الحديث دلالة على أن الجن الذي يتشكل بشكل قطة أو كلب أو حية إذا قتله إنسان بعد أن يخرج عليه فلا إثم عليه ودليل على أنهم يموتون.
وروى البخاري دعاء النبي بقوله: أعوذ بعزتك وجلالك الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون.
ويتميز الجن بطول العمر، كما في الحديث الذي رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب إن شيخاً في يده عصا جاء النبي وأصحابه وهم على جبل من جبال تهامة وإن اسمه هامة ابن الأهيل ابن الأقيس ابن إبليس. فإن صح ذلك يدل على طول عمر طائفة الشياطين من الجن. وإذا كان الجن والشياطين سيموتون كما في الإنس فهل يدخل مسلمهم الجنة ويدخل كافرهم وعاصيهم النار؟.. إن عاصي الجن وكافرهم يعذبون بالنار كما قال تعالى على لسان الجن: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً( ).
وكذلك قول الجن الذين أرسلهم الرسول لقومهم منذرين: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ( ).
وقد تغير خلق الجان (أبو الجن) من المارج من نار إلى شيء آخر كما تغير خلق آدم (أبو البشر) من الطين إلى اللحم والدم، وإن هذا التغيير والتطوير من أصل خلقتهم كما حدث لبني آدم تماماً، بدليل قول النبي : لا تدخلوا في المغيبات فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من اللحم( ). ولو أنه كان ما زال كأصل خلقته لأحرق ابن آدم الذي يجري في عروقه. وبدليل حديث العفريت من الجن الذي تفلت على النبي في صلاته ليفسدها عليه وأمسكه النبي فأحس ببرد لعابه كما في الحديث.