سورية النقية
اشتقت إليك
كفاك غياباً..
حلب
أيتها الحبيبة رغم الهجر
أيتها القريبة رغم المسافات
يا من غرست في ذاكرتي طفولة ما تزال تورق وتزهر
يا من أرضعت روحي كبرياء تعانق النجوم
يا من أسكنت في خيالي حلماً بسعة الكون
حين عزّ الوفاء
لم أتقاسم معك غدر الخائنين.. ولا ألم الصابرين
أتسامحينني.. أم لا تسامحينني؟
فأنا لست إلا واحداً من أبنائك الذين أدمنوا صياغة الكلمات المنمقة
ومن جيل لا يجيد سوى لغة الغائبين
(1 - قرار)
عندما فرغت من كتابتها كان الوقت يشير إلى ساعة متأخّرة من الليل.. في اليوم التالي قرأتها لزوجتي وأولادي.. ما إن انتهيتُ من عرضها حتى هتفتْ زوجتي:
- هذه القصة غير ملائمة لعصرنا هذا.
لا شك في أن ردة فعلها كانت مباغتةً رابحة.. فابتسمت في سري.
غير أن إصرارها وتوسّلات أبنائي وضعاني في مواجهة حرجة مع نفسي.. وعلى الرغم من قسوة القرار.. أودعتها في قرص مرن.. وجعلتها تغفو على سطحه.. ثم قذفتُ بها عبر مسافات الزمن.. لعلها تستيقظ يوماً ما.. في عصر أكثر شفافية.
(2 - قرار آخر)
في وقت متأخر من الليلة الفائتة أنجزتً نصاً - بدا عصياً - بعد عراك عسير ومرح مع كائنات لطيفة كادت تطوق أفكاري.. لم أتحرر منها إلا عندما انسلخ جسدي من غرفة مكتبـي، وآوى إلى فراشي الذي غمره بدفء حنانه.
في هذا الصباح استيقظت مذعوراً كما لو أن هذا النص قد مرق في خاطري على صورة كابوس.
بددت الصدمةً هدأة روحي حين رأيته قابعاً فوق سطح مكتبـي.. تأملته ملياً.. وإذ به يتصفح عينيّ ببريق لا يخلو من غضب وعتاب.. غير أنه تملكني إحساسٌ جريء يشي أن لا عيب في أن يتحلى المرءُ في لحظة ما بقدر من التمرد والاعتزاز.
إزاء هذه المشاعر وجدتُ أنه لا داعي على الإطلاق أن أجعل من نصي هذا هدفاً لنصائح وتوسّلات زوجتي وأولادي وأصدقائي المقربين.. فآثرت على الفور أن أقذف به إلى المستقبل.. لعله يستنشق هواءً نظيفاً في زمن لا تعكره حرية ولا يلوثه رأي.
إلا أن شدّة عناده رفضت أن يسترخي بجوار أقرانه على سطح القرص المرن.. حينئذ وإشفاقاً على كبريائه استللتُ خنجراً من بين ضلوعي.. انحنيتُ نحوه برفق.. ورحتُ أطعنه على نحو خادع.
وعلى الرغم من أنه مخلوق أعزل إلا أنني أمعنت في غرز الخنجر في الجروح الوادعة التي بدت أنها أدمنتْ الهزيمة.. ثم مشيتُ بساقين دامعتين فوق الدم الأزرق الذي راح يسيل منها.
وبينما أخذ نحيبُ شهقات مكبوتة يتردد في الأرجاء هامساً "من شاء الخلود فليتخذ من فضيلة الصمت سبيلا".. راحت إيقاعات صدى نبض شجي تتصاعد من أعماق الجروح على نحو آسر ومشرق.
(3 - قرار أخير)
في زمن غدت فيه الأفكار لا تضاجع إلا نفسها.. وأصبحت الآمال لا تتسلق إلا جذوع الأشجار المقفرة والأغصان الجدباء.. وأمست فيه الأمطار الربيعية لا تغسل سوى الأحلام الورديّة.. آنذاك قررتُ أن أتحرر من أقلامي البيضاء وأوراقي السوداء وأعتنق الجاذبية الحرة وأمضي دون أدنى شعور بالندم إلى..
(1 - الطابق العلوي)
دأب آدم على ارتياد الطابق العلوي دون أن يخطر بباله مرة زيارة الطابق السفلي.. فقد كان منشغلاً في متابعة حلمه على ضفاف المواقع العلمية.. على نحو غدا فيه غير آبه على الإطلاق للنداءات المتواترة من القاعة السفلية.. التي ما فتئت تغريه باختبار متعة التسكع على أرصفة مواقع التواصل الاجتماعي.. فهو ما زال موقناً بأن السباحة في مياه المعرفة ليس لها إلا أن تهديه يوماً ما لاكتشاف شاطئ قادر على تقليص عدد مدمني التعاسة في بلده.
في يوم غائم.. وتحت إلحاح رفاقه.. انضم إليهم ليصرف جزءاً من وقت راحته معهم.. معتقداً أن النبيه بوسعه اقتناص وردة من جباه الأشواك.
(2 - الطابق السفلي)
حين استقر في سفينتهم.. غاص في موقعهم المفضل "طرائف من بلدي".. أمسك الدفة متباهياً.. فشاهد رياضيين مرموقين يزهون بأجسادهم المفتونة بحب الوطن وقد أعفيت من الجيش صحياً.
شاهد رجالاً أتقياء يتفننون في التلاعب باللوحات والأجهزة التي تغذي قصورهم الفارهة بالنور والحياة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
شاهد المعسل كيف غدا اختراعاً مذهلاً واستطاع بشجاعة أن يغزو العولمة في عقر دارها.
شاهد شوارع تئن تحت جور عجلات سيارات لئيمة وهي تنتهك حفرها وإسفلتها العريق.
شاهد سيدات محترمات يسعين إلى عيادات محترمة يتوسلن فيها استرجاع عذريتهن.. وقد امتلأن بالإيمان بأن الدهشة ليس لها إلا أن ترد المتعة القصوى إلى أرواح أزواجهن رغم أنف الزمن.
شاهد أثرياء دهاة ينتعلون ميزانيات خاسرة.
شاهد ثياب العوالم التقليديّة كيف أصبحت صديقة للبيئة.. فهيمنت على أجساد العولمة في أرضها وبين جمهورها.
شاهد فتيات يتفاخرن بأجسادهن الغضة التي بلغت سن الرشد.
شاهد أقدام أطفال حافية تدهس سيارات أنيقة بجشعها.
شاهد صفحات كتب ماكرة تسعى إلى خدش شرفات أبصار وادعة تحدق إلى الفراغ.
شاهد وروداً نضرة تحرق عبيرها بحماسة فوق أرصفة المقاهي.
شاهد شموعاً داكنة لا ينحسر لهيبها ولا يضيء.
شاهد آذاناً تدمع وعيوناً لا تسمع.
شاهد هواتف تبيع المتعة.
شاهد أشجاراً تُحتضر.
شاهد الروح الخوانة.
شاهد كائنات تركع على نحو مثير بعيداً عن مساجدها.
شاهد دماءً تسيل دون أن يرى جروحاً.
حين تكاثرت أوقات راحة آدم على قارعة موقع "طرائف من بلدي" المترعة بالصخب والإلهام.. وجدت نفسه أن العودة إلى القاعة العلوية الملفعة بالصبر والسكينة.. لا تعدو سوى ضرب من السباحة في بحر لا رواج له.
منذ تلك الزيارة إلى الطابق السفلي.. ازداد عدد المتعسين في بلدي.
(3 - نهاية قصة)
لا شك في أن نهاية القصة بدت وكأنها مفتوحة على شرفة كبيرة تزخر بأحواض كثيرة متشابهة لا يجنى منها إلا الشوك.. ولا ريب في أن الحزن كان يظللها على نحو قاتم وبائس.. إلى الحد الذي أحست فيه الشرفة بغضب شديد.. ولئلا تشعر نهاية القصة بمزيد من الحرج والندم.. آثرت الانـزياح تجاه ركن صامت منـزو.. يطل على شرفة صغيرة.. تزهو ببضع أحواض ملونة.. تتفتح فيها براعم فتية.. وتخيم فوقها ظلال شفيفة.
(4 - المصعد)
حين تكاثرت أوقات راحة آدم على قارعة موقع "طرائف من بلدي".. انتابته مشاعر خانقة.. لم يَسَعْه إزاءها الاستمرار.. فانسحب من القاعة السفلية وقد فاض ذهنه بهواجس مقلقة وموجعة.. واستوى أمام باب المصعد حائراً واجماً.. واستقر قبالته زمناً مديداً.. واستسلم لغفوة مباغتة.. فرأى رجلاً يرتدي ثياباً غلب عليها اللون الرمادي.. يتقدم صوب المصعد بساقين واهنتين مرتجفتين وقد غزا الشيب رأسه.. ثم ما لبث أن عبر الرجل بابه بخطوات متثاقلة.. وما إن انطلق المصعد نحو الأعلى في رحلة مجنونة حتى انفجر بعد أن ارتطم بنيزك تائه.. فانقسم جسد الكهل إلى شطرين متنافرين.. أحدهما انحدر مهرولاً على نحو مرح إلى الطابق السفلي مستجدياً رؤوساً قُدّ جوفها من خواء.. بينما اندفع الشطر الآخر بأفكاره اللاهثة نحو الطابق العلوي متسلقاً سلالم لا نهاية لها ولا قرار.. في حين ظل آدم قابعاً قبالة باب المصعد محدقاً فيه بعينين شاخصتين شاردتين.. مثل نافذة هرمة متجهمة تنعى كل مساء شمساً ناصعة وهي تجنح للأفول خلف صفحة مياه بحر داكنة.