صفحة 1
عن حسن بلاسم وقصصه
يمثل حسن بلاسم- قاصاً وشاعراً، وكاتب سيناريو- تياراً متميزاً في الأدب العربي· ذلك أن (واقعية) بلاسم مغايرة للسائد تماماً· قد تكون شبيهة بمشرط جرّاح يقوم بحزّ الجلد، والأنسجة الحيّة، وقطع أوعية الدم· إنها واقعية الاجتياز الفظ للحياة، وحجب كل الأضواء الزائفة المسلطة على الإنسان ودراماه الرئيسية: الوجود في الزمكان·
منجزه (بلاسم) صار معروفاً ومقدَّراً بفضل قدراته السردية وخصوبة مخيلته الفنية· ولا يصعب إدراك مكانة قصصه كنتاج تعامل خاص يمارسه الاثنان- القاص والسينمائي رغم أن الأول تكون أداته اللغة، والثاني الكاميرا·
أخذ بلاسم بأكثر من صيغة جاءت بها فتوحات الأدب الحديث من قبل جيمس جويس وبعده، مما أثرى موقعه كقاص عربي، يملك مساره المتميز الذي يتعامل مع فن السرد كنسيج مدمّى، بل جسد لا ينقطع عن الإعلان التراجيدي بأنه الضحية الدائمة لعبثيات الزمكان البشري·
وفي خلقه الكتاب ذي البيولوجية المتفجرة لا يتجنب بلاسم صدم القارئ بالحقائق العارية· واضح أن سكينه التي يشق بها دمامل الواقع العراقي وغيره تبدو ذات جمال آخر غير الذي اعتادت أجيال عربية على التعايش معه· وتذكّر قصصه بأن للجمال أكثر من تعريف واحد، وقد يأتي من أكثر من (قعر) بشري ووجودي· إنه جمال مستل من قبح وشراسة الحياة وسفالات التأريخ· وهاجس هذا الكاتب هو تجنب كل خداع للنفس والآخر· فمحن وإشكاليات الوجود، وكل هذا الظلام الذي يلف العقل حين يواجه ألغاز العالم لا يريد بلاسم تهميشها من أجل التمركز التقليدي في ممارسات الواقع المألوف· من ناحية أخرى يكون بلاسم ممثلاً نموذجياً لجيله الذي ألقوه في جبّ أشرس واقع عرفه العراق المعاصر - عراق تلك الدكتاتورية الدموية· وحين يلتصق هذا الكاتب، حسّياً، بالواقع (المباشر) لا يعني هذا إلا إعادة اكتشاف مثل هذا الواقع، لكن من خلال المسك بواقع آخر - واقع الأنا التي دخلت تلك التجارب·
لحسن بلاسم أكثر من رباط وثيق بالجيل الحاضر، جيل فتوحات الألكترونكا الانقلابية والعنيفة· ومن هنا وعيه بأن الأدب القديم فقد زخمه، ولا تصلح هويته لواقع اليوم·
وتبقى الكتابة عند بلاسم عملاً انفجارياً بسبب الحمى والرغبة العارمة في (تسوية الحساب) مع كل ما يشوّه الإنسان والحياة· ويستعين، هنا، بكل حوّاسه الخمس التي تمهد الطريق لمخيلة توقظها الدهشة والصدمة، عند التعامل مع واقع ملموس ضاغط بل ساحق· وتكشف قصص بلاسم عن أن (كاميراه) القصصية لا تفعل شيئاً سوى انتقاء صور وتداعيات وتيارات وعي تحدث (هنا والآن)· أكيد أن هناك عراكاً آخر يخوضه هذا الكاتب: إذا كان سارتر قد وقف طويلاً عند الشرخ القائم بين الوجود والعدم، فهناك من اكتشف شرخاً آخر- القائم بين اللغة والواقع· وبلاسم يصارع الأولى والثاني إلا أنه يدير ظهره لشتى صنوف الرومانسية والغنائية، وتلك العاطفية التي صارت لغة راسخة في أكثر من قطاع من قطاعات الأدب العربي· أما لغة بلاسم فهي تناطح الأخرى المعجمية التي يخشى دائماً من أن تقوم بلجم ما يريد التعبير عنه في قصصه·
ولا يرى حسن بلاسم في مآسي بلاده فصلاً مستقلاً عن مآسي الوجود الأخرى· فالتأريخ الأحدث للعراق بأنظمته وحروبه العبثية، يمضي مع المآسي الأخرى في المجرى ذاته لأحد أنهار هاديس الميثولوجية·
عدنان المبارك
صفحة 2
الأرشيف والواقع
لكل نزيل في محطة استقبال اللاجئين حكايتان: واحدة واقعية وأخرى أرشيفية· الحكايات الأرشيفية هي الحكايات التي يرويها اللاجئون الجدد من أجل الحصول على حق اللجوء الإنساني· وتُدوّن هذه الحكايات في دائرة الهجرة وتحفظ في ملفات خاصة· أما الحكايات الواقعية فتبقى حبيسة في صدور اللاجئين ليعتاشوا على ذكراها بسرية تامة· لكن هذا لا يعني أنه يمكن التمييز بسهولة بين حدود الحكايتين، فقد تختلطان ويصبح التمييز بينهما مجرد محاولة عبثية· قبل يومين وصل لاجئ عراقي جديد إلى مدينة مالمو جنوب السويد· رجل نحيل في نهاية الثلاثين من العمر· أُدخل إلى محطة الاستقبال وأُجريت له بعض الفحوصات الطبية· ثم أعطوه غرفة وسريراً ومنشفةً وشرشفاً وصابونةً وملعقةً وشوكةً وسكيناً وقدراً لطبخ الطعام· يجلس الرجل اليوم أمام موظف دائرة الهجرة يروي حكايته بسرعة غريبة، بينما موظف الهجرة يطلب منه أن يبطئ السرد قدر المستطاع:
أخبروني أنهم باعوني إلى جماعة أخرى· كانوا فرحين جداً· ظلوا طوال الليل يشربون الويسكي ويضحكون· حتى إنهم دعوني لمشاركتهم الشرب· اعتذرت أنا وأخبرتهم بأنني رجل ملتزم بدينه· اشتروا لي ملابس جديدة وطبخوا لي في تلك الليلة دجاجة، وقدموا لي الفواكه والحلويات· يبدو أن ثمني كان جيداً· حتى إن قائد المجموعة سكب دموعاً حقيقية عند توديعي· عانقني مثل أخ: أنت رجل طيب للغاية··· أتمنى لك كل الخير والموفقية في حياتك، قال الرجل الأعور·
أظنني بقيت مع الجماعة الأولى ثلاثة أشهر فقط· وكانوا قد اختطفوني في تلك الليلة الباردة والمشئومة· حدث ذلك في بداية شتاء 2006· تلقينا التعليمات بالتوجه إلى نهر دجلة· كانت هي المرة الأولى التي نتلقى فيها الأوامر مباشرة من مدير قسم الطوارئ في المستشفى· عند ضفة النهر كان رجال الشرطة يحيطون بست جثث من دون رؤوس، وكانت الرؤوس قد وضعت في شوال طحين فارغ أمام الجثث· خمن رجال الشرطة بأنها جثث رجال دين· كنا قد تأخرنا في الوصول بسبب الأمطار الشديدة· كدس رجال الشرطة الجثث في سيارة الإسعاف التي يقودها زميلي أبو سالم وحملت أنا إلى سيارتي شوال الرؤوس· كانت الشوارع خالية ولم يكن يخرق سكون ليل بغداد الموحش سوى أصوات رصاص في البعيد، وصوت طائرة مروحية أمريكية تدور فوق المنطقة الخضراء·
صفحة 3
انطلقنا عبر شارع أبي نؤاس باتجاه شارع الرشيد، سرنا بسرعة متوسطة بسبب الأمطار، فـ(عند حمل جريح أو مريض يحتضر، تصبح سرعة سيارة الإسعاف الدليل على المسؤولية الإنسانية· أما حمل الرؤوس المقطوعة في سيارة إسعاف فلا يحتاج إلا إلى سرعة عربة موتى تجرها البغال في غابة مظلمة من القرون الوسطى) هذا ما كان يردده علينا مدير شعبة الطوارئ في المستشفى· وهو رجل كان يعتبر نفسه فيلسوفاً وفناناً، لكنه (ولد في البلد الخطأ) على حد قوله· مع ذلك كان يحترم عمله ويعتبره من الواجبات المقدسة· فإدارة قسم سيارات الإسعاف في شعبة الطوارئ تعني إدارة الخط الفاصل بين الحياة والموت نسبة له· ومن جانبنا كنا نطلق عليه ـ الأستاذ ـ أما الآخرون فكانوا يمقتونه وينعتونه بالمجنون· وأنا عرفت سبب المقت· فكلامه الغامض والعدائي جعله رجلاً معقداً في نظر الآخرين· غير أني كنت أكنّ له الكثير من الاحترام والمحبة بسبب حديثه الجميل والشيق· قال لي مرة:
إن الدم المسفوك والخرافة هما أصل العالم· أما الإنسان فهو ليس الكائن الوحيد الذي يقتل من أجل الخبز أو الحب أو السلطة، فالحيوانات في الغابة تفعل ذلك بشتى السبل، لكنه الوحيد الذي يقتل بسبب الإيمان· وغالباً ما كان يختم حديثه بجملة مسرحية وهو يشير بيده إلى السماء: لا يمكن حل قضية الإنسان إلا بالرعب المتواصل· كان زميلي أبو سالم يأخذه الظن بأن الأستاذ على علاقة بالجماعات الإرهابية بسبب عنف كلامه· لكني كنت أدافع بإخلاص عن الرجل الذي يجهلون أنه فيلسوف يأبى أن يطلق المزح السخيفة كما يفعل طوال النهار سائقو سيارات الإسعاف الحمقى· كنت أحفظ كل جملة وكلمة يقولها· فأنا كنت أسير محبته والإعجاب به·
أعود إلى تلك الليلة الملعونة عندما انعطفنا باتجاه جسر الشهداء· انتبهت إلى اختفاء سيارة الإسعاف التي يقودها أبو سالم، ثم لمحت في المرآة الجانبية سيارة شرطة مسرعة تلحق بي· ركنت السيارة بدوري على جانب الطريق وسط الجسر· ترجل من سيارة الشرطة أربعة شبان ملثمين يرتدون زي قوات الشرطة الخاصة· أمرني قائد المجموعة بالترجل من السيارة وهو يوجه مسدسه في وجهي· بينما اخذ رفاقه الآخرون بإنزال شوال الرؤوس من سيارة الإسعاف·
(لقد اختطفتُ وهم سيقطعون رأسي···)· كان هذا أول ما فكرت به حين كبلوني وحشروني في صندوق سيارة الشرطة· احتجت إلى عشر دقائق فقط لإدراك حقيقة ما ينتظرني···
صفحة 4
قرأت آية الكرسي ثلاث مرات في ظلام الصندوق· شعرت بأن جلدي أخذ يتشقق· لا أدري لم فكرت في تلك اللحظات المظلمة في وزن جسمي· ربما 70 كيلو· كان رعبي يزداد كلما أبطأت سيارتهم أو عطفت· وحين تعاود الانطلاق بسرعة، كان ينبض فيّ إحساس غامض هو مزيج من الطمأنينة والقلق· ربما فكرت حينها بحديث الأستاذ عن علاقة السرعة بالاحتضار· لم أفهم ما الذي كان يعنيه بالتحديد· كان يقول إن من يحتضر في غابة يشعر برعب أشد من الذي يحتضر داخل سيارة إسعاف مسرعة؛ لأن الأول يشعر بأن الزمن قد انفرد به، بينما يخيل للثاني بأن هناك من يتضامن معه· أكيد أنه وهم الهروب بعكس الاتجاه· أذكر أيضاً أنه أعلن مبتسماً: أتمنى احتضاراً داخل مركبة فضائية تسير بسرعة الضوء·
خيل إلي أن جميع الجثث المجهولة والمشوهة التي حملتها في سيارة الإسعاف منذ سقوط بغداد، كانت أمامي· ثم شاهدت الأستاذ في الظلام الذي يلفني حاملاً رأسي المقطوع من كومة نفايات، بينما يطلق زملائي مزحة داعرة عن حبي للأستاذ· أظن إن سيارة الشرطة لم تقطع مسافة طويلة قبل أن تتوقف عن السير· في كل الأحوال هم لم يخرجوا من المدينة· حاولت أن أتذكر سورة الرحمن، لكنهم أنزلوني وقادوني داخل بيت كانت تفوح منه رائحة السمك المشوي، ووصلني بكاء طفل· فكوا الرباط عن عينيّ ووجدت نفسي في غرفة باردة وخالية من الأثاث· ثم انهال عليّ بالضرب المبرح ثلاثة أشخاص مجانين· وبعدها ساد الظلام من جديد·
خيل إلي أنني سمعت صياح ديك أول الأمر· أغمضت عيني لكنني لم أتمكن من النوم· كنت أشعر بألم حاد في أذني اليسرى· انقلبت بصعوبة على ظهري وزحفت باتجاه الشباك الذي كان قد سد بالطابوق حديثاً· كنت أشعر بعطش شديد· كان من السهل التكهن من أنني داخل أحد بيوت الأحياء البغدادية القديمة· كان الأمر واضحاً من طراز بناء الغرفة، خاصة من باب الخشب القديم· في الحقيقة لا أعرف ما الذي يهمكم بالتحديد من تفاصيل قصتي كي أحصل على حق اللجوء في بلدكم· أنا أشعر بصعوبة بالغة في وصف أيام الرعب تلك· لكنني أريد أن أذكر بعض الأمور التي تهمني أيضاً· كنت أتصور أن الله ومن بعده الأستاذ لم يتخليا أبداً عني طوال محنتي· كان الله حاضراً بقوة في قلبي، يروي طمأنينتي ويدعوني إلى الصبر· وكان الأستاذ يشغل ذهني ويخفف عني وحشة الأسر·
صفحة 5
كان عزائي وسلوتي· كنت أفكر طوال تلك الأشهر العصيبة بما قاله الأستاذ عن صديقه المهندس داود· ما الذي كان يعنيه بأن العالم موصول بعضه ببعض· وأين قدرة الله ومشيئته في مثل هذه الأمور ؟ شربنا الشاي في باب المستشفى عندما قال الأستاذ: حين كان صديقي داود يقود سيارة العائلة في شوارع بغداد، كان هنالك شاعر عراقي يكتب في لندن مقالاً نارياً في مديح المقاومة وعلى طاولته، زجاجة ويسكي تعينه على قسوة القلب· ولأن العالم موصول بعضه ببعض: بالأحاسيس، والكلمات، والكوابيس، وبواسطة شرايين سرية أخرى، فقد خرج من مقال الشاعر ثلاثة رجال ملثمين، وأوقفوا سيارة العائلة· قتلوا داود وزوجته وطفله وأباه· أما الأم فكانت بانتظارهم في البيت· أم داود لا تعرف الشاعر العراقي ولا الرجال الملثمين· أم داود تعرف طبخ السمك الذي كان ينتظرهم· نام الشاعر من شدة السكر فوق الكنبة في لندن· بينما برد سمك أم داود، وغابت الشمس في بغداد·
فتح باب الغرفة الخشبي، ودخل شاب طويل شاحب الوجه، يحمل وجبة الفطور· ابتسم لي وهو يضع الطعام أمامي· ترددت أول الأمر بما يمكنني قوله أو فعله· ارتميت عند قدميه وتوسلت باكياً (أنا أب لثلاثة أطفال··· أنا رجل متدين، وأخشى الله···لا علاقة لي بالسياسة ولا بالمذاهب··· الله يستر عليكم··· أنا مجرد سائق سيارة إسعاف··· قبل السقوط··· وبعد السقوط··· أقسم بالله ونبيه الكريم) وضع الشاب إصبعه على شفتيه، وخرج منصرفاً· لقد شعرت أن نهايتي قد حلت· شربت قدح الشاي وقمت للصلاة عسى أن يغفر الله لي ذنوبي· في السجدة الثانية شعرت بطبقة من الجليد تكتسح جسدي، وكدت أطلق صرخة جزع، غير أن الشاب فتح الباب· كان يحمل جهاز إضاءة صغير محمول على مسند، وبرفقته صبي يحمل الكلاشنكوف· وقف المراهق إلى جانبي، وهو يصوب السلاح إلى رأسي، ولم يتحرك بعد ذلك من مكانه· دخل رجل بدين في الأربعين من العمر· لم يلتفت لي· علق على الحائط لافتة قماش سوداء كتبت فيها آية قرآنية تحث المسلمين على الجهاد· ثم دخل شخص آخر ملثم يحمل كاميرا فيديو وجهاز كمبيوتر صغير· دخل بعد ذلك صبي وهو يحمل طاولة خشبية صغيرة· داعبه الرجل الملثم عاركاً أنفه وشكره، ثم وضع جهاز الكمبيوتر على الطاولة، وانشغل بتثبيت كاميراته بمواجهة اللافتة السوداء· جرب الشاب النحيل تشغيل جهاز الإضاءة ثلاث مرات ثم انصرف·
صاح الرجل البدين: أبو جهاد··· أبو جهاد·
صفحة 6
أتى صوت الشاب من خارح الغرفة: فد دقيقة·· عيني أبو أركان···
عاد الشاب هذه المرة وهو يحمل شوال الرؤوس الذي أخذوه من سيارة الإسعاف· سد الجميع أنوفهم بسبب عفونة الكيس· طلب الرجل البدين مني أن اجلس أمام اللافتة السوداء، أحسست أن ساقيّ قد شلتا· لكن الرجل البدين سحبني من ياقة قميصي بعنف· عندها دخل رجل أعور آخر، ضخم الجثة، وأمر البدين بأن يتركني لحالي، وكان هذا يحمل في يده بذلة عسكرية· جلس الأعور قربي وهو يضع ذراعه حول كتفي مثل صديق، وطلب مني أن أهدأ· أخبرني بأنهم لن يذبحوني إذا تعاونت معهم، وصرت طيب القلب· لم أفهم جيداً معنى (طيب القلب) هذه· أكد لي بأن الأمر لن يستغرق سوى بضع دقائق· أخرج الأعور من جيبه ورقة صغيرة وطلب مني أن أقرأها· بينما قام الرجل البدين بإخراج الرؤوس المتعفنة وقام بصفها أمامي· كان مكتوباً في الورقة بأنني ضابط في الجيش العراقي، وأن هذه الرؤوس هي لضباط آخرين، وكنت قد قمت برفقة زملائي الضباط بمداهمة البيوت واغتصاب النساء وتعذيب المواطنين الأبرياء، وكنا نتلقى الأوامر بالقتل من ضابط كبير في الجيش الأمريكي، مقابل مكافآت مالية كبيرة· طلب مني الأعور أن أرتدي البذلة العسكرية· أمر المصور الجميع أن ينسحبوا إلى خلف الكاميرا· ثم تقدم مني وأخذ يعدل رأسي مثلما يفعل الحلاق· بعدها عدّل صف الرؤوس· ثم عاد خلف كاميراته وصاح:
تفضل!!
كان صوت المصور من أكثر الأصوات ألفة على أذني· ربما كان يشبه صوت ممثل شهير· أو كأنه صوت الأستاذ حين يجهد نفسه في التحدث بهدوء مصطنع· بعد تصوير شريط الفيديو، لم ألتق بأفراد الجماعة أبداً، عدا الشاب الذي كان يجلب لي الطعام· وكان هذا يمنعني من طرح أي سؤال· وفي كل مرة يأتي لي بالطعام يلقي علي مزحة جديدة عن الساسة ورجال الدين· كانت أمنيتي الوحيدة أن يسمحوا لي بالاتصال بزوجتي· كنت أخبىء بعض النقود لليوم الأسود في مكان لا يخطر على بال الجن نفسه· لكنهم رفضوا ذلك بشدة· أخبرني قائد المجموعة الأعور أن كل شيء يتوقف على نجاح شريط الفيديو· وقد تحقق ذلك فعلاً بسرعة كبيرة أدهشت الجميع· لقد عرضت قناة الجزيرة شريط الفيديو· سمحوا لي بمشاهدة التلفزيون، وكانوا ينطون يومها من الفرح· حتى إن الرجل البدين قبلني من رأسي، وقال إنني ممثل عظيم· وقد أثار غضبي مقدم الأخبار في قناة الجزيرة الذي أكد للمشاهدين بأن القناة تأكدت عبر مصادرها الموثوقة من صحة الشريط، وبأن وزارة الدفاع اعترفت باختفاء الضباط· بعد نجاح عرض الشريط، أخذوا يعاملونني بطريقة كانت أكثر من جيدة· اعتنوا بطعامي وفراش نومي، وسمحوا لي بالاستحمام، حتى توج تكريمي في الليلة التي باعوني فيها للجماعة الثانية· دخل الغرفة ثلاثة رجال ملثمين من تلك الجماعة، وبعد أن ودعني الأعور بحرارة، انهال علي الرجال الجدد بالضرب ثم كبلوني وكمموا فمي، وحشروني داخل صندوق سيارة، انطلقت بسرعة مرعبة·
صفحة 7
قطعت سيارة الجماعة الثانية مسافة طويلة هذه المرة· ربما وصلنا أطراف بغداد· فقد أنزلوني في قرية موحشة تسرح فيها الكلاب وتعوي في كل مكان· حبسوني في زريبة أبقار· وكان هناك رجلان يتبادلان حراسة الزريبة ليل نهار· لا أعرف لم عمدوا إلى تجويعي وإذلالي· كانوا يختلفون تماماً عن الجماعة الأولى· وكانوا ملثمين طوال الوقت، ولم يتكلموا معي البتة· وكانوا يتفاهمون فيما بينهم بالإشارات· بل لم يكن هناك أي صوت بشري يسمع من القرية سوى نباح الكلاب طوال الشهر الذي قضيته في الزريبة· كانت الساعات تمر ثقيلة ومضجرة· كنت أتمنى أن يحدث أي شيء، بدل هذا السجن المؤبد مع ثلاث بقرات· توقفت عن التفكير بهؤلاء الناس، وإلى أي طائفة أو حزب ينتمون، ولم أعد أندب حظي· كنت أشعر بأنني قد عشت ما يحدث لي في زمن ما، وأن هذا الزمن مجرد برهة لن تدوم طويلاً· لكن الإحساس بهذا الزمن هو الذي يصطنع البطء والدوار· لم يعد يخطر ببالي محاولة الهرب، أو سؤالهم عما يريدون مني· لقد شعرت أنني أقوم بمهمة ما· واجب قسري علي أن أؤديه حتى النفس الأخير· ربما هناك قوة خفية تكاتفت مع قوة بشرية للقيام بلعبة سرية أهدافها أكبر من أن يتخيلها رجل بسيط مثلي (لكل إنسان واجب شعري وآخر إنساني) كان الأستاذ يقول· لكن إن كان ذلك صحيحاً كيف لي أن أميز، وهكذا بسهولة، بين حدود الواجب الإنساني والآخر الشعري؟ فأنا أفهم مثلاً أن العناية بزوجتي وأطفالي هي من الواجبات الإنسانية، وأن رفض الكراهية هي من الواجبات الشعرية· لكن لم كان الأستاذ يقول إننا نخلط بين الواجبين ولا نعترف بالشق الشيطاني الذي يوجه كلا الواجبين· فالواجبات الشيطانية هي القدرة على الوقوف في وجه الإنسان حين يوّجه إنسانيته، أو حتى الشعر المتطرف، صوب الهاوية· وكان هذا كثيراً جداً على عقل رجل بسيط مثلي، أكمل دراسته المتوسطة بمشقة كبيرة· على كل حال، أظن إن ما أقوله لا علاقة له بطلب اللجوء· فما يهمكم هو الفزع· ولو كان الأستاذ حاضراً، لقال بأن الفزع يكمن في أبسط الألغاز التي تلمع في نجمة باردة من سماء هذه المدينة· أخيراً دخلوا الزريبة بعد منتصف الليل· قام أحد الملثمين بفرش زاوية من الزريبة بالسجاد الفاخر· ثم قام زميله بتعليق لافتة سوداء مكتوب عليها: جماعة الجهاد الإسلامي فرع العراق· بعد ذلك دخل المصور مع كاميرته، وقد بدا لي أنه مصور الجماعة الأولى نفسه· كانت حركات يديه شبيهة بحركات المصور الأول· الفارق الوحيد أنه يتفاهم الآن مثل الآخرين بالإشارات· طلبوا مني أن أرتدي دشداشة بيضاء، وأجلس أمام اللافتة السوداء· قدموا لي ورقة، وأمروني أن أقرأ ما فيها، أي أنني أنتمي إلى جيش المهدي، وأنني ذباح شهير، وقمت بفصل مئات الرؤوس من رجال السنة، وبأننا نتلقى المساعدات من إيران· وقبل أن أنهي القراءة، صدر عن إحدى البقرات خوار عال، طلب المصور إثره أن أعيد القراءة· أخرج أحد الرجال، البقرات الثلاث، كي نكمل تصوير مشهد الزريبة·
صفحة 8
أدركت فيما بعد أن جميع الذين اشتروني، كانوا ينقلونني عبر الجسر نفسه· ولا أعرف السبب· جماعة تعبر بي من جسر الشهداء صوب الكرخ، ثم الجماعة التالية تعود بي عبر الجسر نفسه إلى الرصافة· أظن أن قصتي لن تنتهي بهذه الطريقة· وأخشى أن تقولوا كما قال الآخرون عن حكايتي· يبدو لي من الأفضل أن اختزل لكم الحكاية بدلاً من أن تتهموني باختلاقها: باعوني إلى جماعة ثالثة· عبرت السيارة بسرعة جسر الشهداء مرة أخرى· نقلت إلى بيت فاحش الثراء· فقد كان سجني هذه المرة في غرفة نوم مزودة بسرير مريح، وجميل، من تلك التي نشاهد أبطال الأفلام يمارسون الجنس فيها··· وتبخر الخوف من نفسي، وصرت أفقه فكرة الواجب الخفي الذي اختاروني له، و أنا قمت به لئلا أخسر رأسي· لكني فكرت أيضاً بأن اختبر رد فعلهم في بعض الأمور· فبعد تصوير فيديو جديد أتحدث فيه عن انتمائي إلى الجماعات الإسلامية السنية، وعن عملي في تفجير مساجد الشيعة وأسواقهم الشعبية، طالبتهم ببعض النقود لقاء تصوير الشريط هذا· كان جوابهم الحاسم، ضرباً لن أنساه· طوال عام ونصف من رحلة اختطافي، تنقلت من وكر إلى آخر· صوروا لي أشرطة فيديو أتحدث فيها عن انتمائي إلى الأكراد الخونة، والمسيحيين الكفار، و إرهابي السعودية، والمخابرات السورية البعثية، وإلى حرس ثورة إيران المجوسية· في هذه الأشرطة قتلت، واغتصبت، وأحرقت، وفجرت، وقمت بجرائم لا يتصورها عاقل· جميع أشرطة الفيديو هذه عرضتها فضائيات العالم، وجلس خبراء وصحفيون وساسة ينقاشون ما قلته وفعلته· أما الحظ السيئ الوحيد الذي صادفنا، كان عند تصوير الفيديو الذي أظهر فيه كجندي أسباني يسلط أحد رجال المقاومة سكيناً على رأسه، ويطلب من القوات الأسبانية الانسحاب من العراق· لقد رفضت جميع المحطات الفضائية بث الشريط· فالقوات الاسبانية كانت قد غادرت البلاد قبلها بعام· وكدت أدفع ثمناً باهظاً على هذه الغلطة، فتلك الجماعة أرادت ذبحي انتقاماً لما حدث· لكن من أنقذني كان المصور الذي اقترح عليهم فكرة رائعة أخرى، كانت النهاية لأدواري الفيديوية:
ألبسوني زياً للمقاتلين الأفغان، وشذبوا لحيتي، ثم وضعوا على رأسي عمامة سوداء· وقف خلفي خمسة· وجاءوا بستة رجال يصرخون ويستغيثون بالله، ونبيه، وآل بيته، ذبحوهم أمامي مثل الخراف، وأنا أعلن بأني الزعيم الجديد لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، كما هددت الجميع من دون استثناء·
في ساعة متأخرة من الليل· جلب لي المصور ثيابي القديمة ثم قادني إلى سيارة الإسعاف الواقفة أمام الباب· وضعوا تلك الرؤوس الستة في شوال ألقوه في السيارة· في تلك اللحظات راقبت حركات مصور الفيديو، وأيقنت من أنه مصور الجماعات كلها، وقد يكون الرأس المدبر لهذه اللعبة الرهيبة· جلست خلف مقود سيارة الإسعاف بيدين مرتجفتين· ثم أصدر المصور الأمر من خلف لثامه:
أنت تعرف الطريق··· عبر جسر الشهداء··· إلى المستشفى···
صفحة 9
شاحنة برلين
هذه القصة حدثت في الظلام· ولو قدر لي أن أكتبها مرة أخرى، لكتبت ما أطلقت حينها من صيحات فزع فقط، وما أطلقته من تلك الأصوات الأخرى الغامضة التي رافقت المجزرة· يصلح قسم مهم من هذه القصة لعمل إذاعي تجريبي· ومن المؤكد أن غالبية القراء ترى القصة مجرد تلفيق قام به كاتب قصصي، أو قد تكون مجازاً متواضعاً عن الرعب· لكنني لا أجد نفسي بحاجة إلى أن أقسم لكم كي تصدقوا غرابة هذا العالم· إن حاجتي هي كتابة هذه القصة، كلطخة خراء في قمصان النوم، وربما لطخة على شكل زهرة برية·
في صيف العام 2000، كنت أعمل في بار وسط اسطنبول· أعانتني هناك لغتي الانكليزية الركيكة، فزبائن البار كانوا من السياح، وأغلبهم من الألمان الذين كانوا يتحدثون إنكليزية مضحكة أيضاً· كنت هارباً حينها من جحيم سنوات الحصار الاقتصادي· لا خوفا من الجوع، ولا من الديكتاتور، بل كنت هارباً من نفسي· ومن وحوش أخرى· كان الخوف من المجهول في تلك السنوات القاسية يضاعف من طمس هوية الانتماء إلى الواقع المألوف، ويدفع إلى السطح بوحشية كانت مطمورة تحت حاجات الإنسان اليومية البسيطة· في تلك السنوات شاعت قسوة حيوانية دنيئة، سببها الخوف من الموت جوعاً· كنت أشعر بأنني مهدد بالتحول إلى فأر·
جمعت نقوداً من ذلك العمل، ودفعتها لمهربي مواشي الشرق البشرية، إلى مزارع الغرب· كانت هناك طرق للتهريب تختلف أسعارها: سفر جوي بجواز مزور، إلا أنها تكلف كثيراً· هناك المشي مع المهرب عبر غابات وأنهار الحدود، وهذه أرخصها· هناك طريق البحر، وطريق الشاحنات الذي كنت قد فكرت فيه· رغم أنني كنت قلقاً بسبب حكاية الجهاز الذي تستخدمه الشرطة في قياس ثاني أوكسيد الكربون في الشاحنات، لكشف أنفاس من يختبئون فيها· لكن ليس هذا الجهاز قد دفعني إلى التخلي عن فكرة العبور بالشاحنة، بل حكاية علي الأفغاني، ومجزرة شاحنة برلين· كان الأفغاني كنزاً من كنوز حكايات التهريب· سكن عشر سنوات في اسطنبول بصورة غير قانونية· عمل في التزوير، وبيع المخدرات، لينفق ما يجمعه على العاهرات الروسيات، ورشوة الشرطة· بعضهم سخر مني لتصديقي حكاية شاحنة برلين· في الحقيقة لدي أكثر من دافع إلى تصديق مثل هذه الحكايات· فالعالم بالنسبة لي هش جداً، ومخيف ولا إنساني، وهو لا يحتاج إلا إلى رجة صغيرة ليخرج فظاعاته، وأنيابه البدائية· بالطبع، أنتم تعرفون قصصاً تراجيدية كثيرة، عن مثل هذه الهجرة، ورعبها من وسائل الإعلام التي تركز قبل كل شيء على غرق المهاجرين· وأنا أجد أن مثل هذا الغرق الجماعي هو مشهد سينمائي ممتع، شبيه بتايتانيك جديدة لدى الجمهور·
صفحة 10
مثلاً لا ينقل الإعلام أخبار قصص الكوميديا السوداء، ومثلما لا تصلكم أخبار ما تفعله الجيوش الأوربية الديمقراطية حين تمسك ليلاً، في غابة عملاقة، مجموعة من البشر المذعورين، والمنقوعين بالمطر والجوع والبرد· شاهدت كيف ضرب جنود بلغار شاباً باكستانيا بالمسحاة حتى فقد وعيه· ثم طلبوا منا جميعاً أن ننزل في ذاك الزمهرير إلى نهر شبه منجمد· حصل هذا قبل أن يسلمونا إلى الجيش التركي·
يقول علي الأفغاني إنهم كانوا خمسة وثلاثين شاباً عراقياً· شبان حالمون اتفقوا مع مهرب تركي لنقلهم بشاحنة مغلقة لتصدير الفواكه المعلبة من اسطنبول حتى برلين· كان الاتفاق بهذه الصورة: يدفع كل واحد أربعة آلاف دولار، على رحلة أمدها سبعة أيام فقط· والشاحنة تسير في الليل، وتتوقف في النهار عند مدن حدودية صغيرة· وكل من يريد أن يتغوط عليه أن يفعل ذلك في النهار، أما التبول فمسموح به أثناء الليل داخل الشاحنة في قناني الماء الفارغة· ممنوع حمل أي هاتف خلوي أثناء الرحلة· على الجميع أن يلتزم الهدوء، وأن يكتم أنفاسه أثناء التوقف في نقطة حدودية، أو إشارة مرورية، وأن لا يحصل أبداً أي شجار· لكن ما كان يقلق مجموعة شاحنة برلين الحكاية التي نشرتها قبل أيام، الصحف التركية، حول مجموعة من الأفغان الذين دفعوا لمهرب إيراني، مبالغ كبيرة لنقلهم في شاحنة، إلى اليونان· سارت الشاحنة بهم ليلة بكاملها· وقبل بزوغ الفجر توقفت الشاحنة، وأمرهم المهرب بالنزول بهدوء، وأعلمهم أنهم قد وصلوا إلى مدينة يونانية حدودية· نزل الأفغان وهم يحضنون حقائبهم بأحاسيس هي مزيج من الفرح والخوف، وجلسوا تحت شجرة عملاقة· قال المهرب إنها غابة يونانية صغيرة، وكل ما عليهم الانتظار حتى الصباح، وحين تصل الشرطة اليونانية، عليهم أن يتقدموا فوراً بطلب اللجوء· في الصباح نشرت الصحف صورة الأفغان الجالسين في حديقة عامة وسط اسطنبول· لقد دارت بهم الشاحنة طوال الليل في شوارع اسطنبول، ولم تخرج حتى إلى ضواحي المدينة· ومثل جميع قصص النصب والاحتيال، اختفى المهرب وشاحنته، وزُجّ الأفغان في سجن الترحيل·
لكن جماعة شاحنة برلين، لم يكن أمامها خيار آخر سوى المغامرة· فالخوف من حكايات النصب، يعني الشلل، وضياع الأمل، والعودة إلى بلد يخنقه الجوع والظلم· ثم إنهم اعتمدوا على سمعة المهرب الشهير· قالوا لهم إنه أفضل المهربين في تركيا كلها، وأشدهم نزاهة· و لغايتها لم يلق الفشل كما لم يخدع أحداً· إنه رجل ملتزم بدينه، وحج ثلاث مرات، لهذا كانوا يلقبونه بالحاج إبراهيم·