ـ وقف الراهب يصرخ في السوق قائلا: أيها الناس.
ـ(همسات بين الناس)، ماذا حدث؟
ـ وتقدم رجل نحو الراهب، قائلاً:
ـ لم تصرخ؟
ـ الراهب: قد طلع نجم محمد.
ـ الناس ( في دهشة ) يتهامسون: محمد! محمد!
ـ الراهب: نعم، الليلة سوف يولد نبي أخر الزمان.
ـ نترك الراهب، وننتقل إلى عبد المطلب سيد قريش ورؤيته العجيبة.
ـ ( فقد رأى كأن سلسلة من فضة تخرج من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة فيها نور، وإذا بأهل المشرق والمغرب يتعلقون بها...)
ـ أدهشت الرؤيا عبد المطلب، فذهب إلى معبر أحلام. وقص عليه الرؤيا، فقال له
المعبر: أبشر فسوف يولد لك مولود يتبعه أهل المشرق والمغرب.
ـ فخرج عبد المطلب مسرورا، وأسرع إلى الكعبة يشكر ربه.
كان من عادة العرب، أن يرسلوا أطفالهم إلى البادية كي يرضعوا. وكانت المرضعات يأخذن هدايا من والد الطفل، ولذلك كن لا يأخذن الطفل اليتيم الفقير.
وها هو الحارث مع زوجته حليمة قد خرجا من ديار" بني سعد"، قاصدين مكة، لكي تأخذ حليمة طفلا ترضعه، وكان حمارهما ضعيفا لا يقدر على السير، لذا وصلا متأخرين.
وكانت المرضعات قد أخذن الأطفال، ولم يبق سوى "محمد"، ففضلت حليمة أن تأخذه على الرجوع دون طفل، راجية من الله أن يبارك لهما فيه.
حديث حليمة عن أخذها" محمدا صلى الله عليه وسلم"
قالت: قدمت برسول الله إلى منازلنا في بلاد "بني سعد"، وما أعلم أرضا من أرض العرب أجدب منها.
فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا، فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان
قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون يقولون لرعيانهم: ويلكم. اسرحوا حيث يسرح راعي حليمة. فتروح أغنامهم جياعا ما تفيض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا.
تقول حليمة: فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتيه، وصار غلاما شديدا، فقدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على أن يظل معنا، لما رأينا من بركته. فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت محمدا عندي، حتى يشتد فإني أخشى عليه وباء مكة. فلم نزل بها حتى رضيت، وعدنا بمحمد معنا إلى بلادنا.
رأى نفر من نصارى الحبشة " محمدا " مع مرضعته " حليمة"، فنظروا إليه وسألوها عنه، ثم قالوا لها: لنأخذنّ هذا الغلام، ولنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا
فإن هذا الغلام له شأن، نحن نعرف أمره.
" فتظاهرت حليمة بالموافقة وطلبت منهم أن يعطوها فرصة إلى الغد لمشاورة والده، ثم انصرفت عنهم"
قالت حليمة: جاء أخوه من الرضاعة إلينا فزعا وقال: ذاك أخي القرشي، قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه. فخرجت حليمة وزوجها نحوه، وقالت حليمة: فوجدناه نائما. فالتزمته والتزمه زوجي، فقلنا له: مالك يا بني؟
قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني وشقا بطني، فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو؟
" فرجعنا به إلى خبائنا، وقال زوجي: يا حليمة، أخشى أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله، قبل أن يظهر ذلك به.
قالت حليمة: أخذنا محمدا، وقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك يا حليمة؟ وقد كنت حريصة عليه وعلى بقائه عندك، فقلت: نعم. قد بلغ محمدا، ووفيت الذي علي، وأخاف أن يصيبه مكروه، فجئت به إليك، كما تحبين.
قالت آمنة: ما هذا شأنك، فأصدقيني خبرك، فلم تدعني، حتى أخبرتها بما حدث له، من شق الصدر.
فقالت آمنة: أتخوفت عليه أن يصيبه الشيطان بسوء؟
قلت: نعم.
قالت آمنة: كلا والله. ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبنيَّ لشأن، أفلا أخبرك به. قلت: بلى.
قالت: رأيت حين حملت به، أنه خرج مني نور أضاء لي به قصور" بُصرى" من أرض الشام، ثم حملت به فو الله ما رأيت من حمل قط أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يده بالأرض، رافع رأسه إلى السماء.
وقالت لي: اتركيه، وانطلقي راشدة.
كان رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، مع أمه "آمنة بنت وهب"، وجده عبد المطلب ابن هاشم في معية الله وحفظه، ينبته نباتا حسنا، لما يريد به من الكرامة. فلما بلغ رسول الله ست سنين، توفيت أمه، وكانت قد ذهبت إلى أخواله من( بني عدي ) بني النجار لزيارتهم ومعها محمد، فماتت وهي راجعة به إلى مكة.
كان عبد المطلب يحب محمدا حبا شديدا، ويجلسه معه على فراشه في ظل الكعبة، ويقول: والله أن لمحمد لشأنا.
فلما توفي "عبد المطلب" ومحمد ابن ثماني سنين، أوصى عبد المطلب به عمه أبا طالب، وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله، وأبا طالب أخوان لأب وأم .
خرج( أبو طالب)، ذات مرة بتجارته إلى الشام، فأخذ "محمدا" معه فلما نزل الركب "بُصرى" من أرض الشام، كان بها راهب يقال له" بحيرا" في صومعة له، فرأى "بحيرا" غمامة تظل "محمدا"، دون القوم، ، فجعل بحيرا ينظر إلى محمد، حتى رأى خاتم النبوة بين كتفيه، فسأل من هذا؟ فأجابه أبو طالب: إنه ابني.
فقال بحيرا: ما ينبغي لهذا الغلام، أن يكون أبوه حيا.
فقال أبو طالب: فإنه ابن أخي، وقد مات وأمه حامل فيه.
قال بحيرا: صدقت، فارجع به، واحذر عليه اليهود، فإن له شأنا عظيما، فخرج به أبو طالب سريعا حتى عاد به إلى مكة، حين فرغ من تجارته بالشام.
كانت السيدة" خديجة بنت خويلد" من أشرف نساء قريش، تبحث عن رجل أمين يتاجر لها في مالها، فسمعت عن محمد وأخلاقه العظيمة، فأرسلت إليه وعرضت عليه أن يخرج بتجارتها إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة، فوافق محمد، وخرج بالتجارة حتى قدم الشام.
وهناك نزل محمد في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فنظر الراهب إلى ميسرة، فقال له: من هذا؟
قال ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم.
قال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي.
* ميسرة يخبر خديجة عما رأى من محمد
باع محمد سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل راجعا إلى مكة، وقد حققت القافلة ربحا وفيرا، وأخبر ميسرة سيدته خديجة بما رأى من عظمة محمد وسمو أخلاقه، وما أخبره الراهب بشأنه، فأرسلت خديجة إلى محمد تعرض عليه الزواج.
تقول السيدة نفسية بنت منبه: أرسلتني خديجة خفية إلى محمد، بعد أن رجع من تجارته من الشام، فقلت له يا محمد: ما يمنعك أن تتزوج. فقال: ما بيدي ما أتزوج به، فقلت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاية ألا تجيب. قال: فمن هي؟ قلت: خديجة. قال: وكيف ذلك، قلت: علي وأنا أفعل، ثم ذهبت السيدة نفيسة إلى خديجة فأخبرتها. وتم الزواج المبارك.