صفحة 1
تقديم
لست ممن يفخرون بما كتبوا، ولست ممن يهوون اعادة قراءة كتاباتهم. هي بمثابة عملية تعذيب ان يضطر الكاتب يوما إلى مراجعة نصوصه السابقة، والى اختيار بعضها لكي تصبح كتابا، أو شهادة على أخطاء مضت لا هو انكرها ولا اعتذر عنها.
لست نادما على ما كتبت، ولا اعتبر ان اخطائي كانت اكبر من الجرائم التي ارتكبت على مدى السنوات الخمس الماضية، أو من الحالات الهستيرية التي اعقبتها ولا تزال. وكانت المحطة اليومية الاخيرة مجرد شاهد عليها، وبرهان على أن الوطن الصغير لن يشفى من عاهات توارثها منذ لحظة التأسيس الاولى، ودليلاً على أن اللبنانيين ليس لهم علاج.
اختيار البداية لهذه المختارات، الثانية من نوعها لم يكن صعبا. كان لا بد من الانطلاق من لحظة وقوع الزلزال الاعنف في مطلع هذا القرن ، والمضي قُدُماً في تتبع هزاته الارتدادية المتلاحقة، التي لم تتوقف حتى اللحظة ، وهي تنذر بفصل جديد من الحروب الاهلية التي كانت عنوان لبنان وهويته الثانية وشهرته الدائمة.
قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع من شباط العام 2005 ، لم تكن الارض صلبة، لكنه لم يكن هناك رمال متحركة. لم تكن فسيحة ايضا، لكنها لم تكن ضيقة إلى الحد الذي بات معه التنقل بين المحافظات، والتجول في المدن والقرى اشبه بمغامرة، أو هجرة اصعب من الاغتراب خارج الحدود. لم يكن التعايش بين الطوائف والمذاهب سهلا ، لكن المخاطرة كانت ممكنة ، وكذلك العودة منها بسلام .
كانت تلك اللحظة إيذاناً بأن لبنان الذي حاول عبثا ان ينأى بنفسه عن موجات الاصولية الإسلامية الرهيبة، وعن تداعيات الغزو الأميركي للعراق، وعن ترديات المشروع الوطني الفلسطيني بعد اغتيال قائده ياسر عرفات، وعن تصدعات الصراع مع العدو الاسرائيلي. استعاد سيرته الاولى باعتباره الجبهة الامامية لمختلف الحروب والصراعات والازمات.. والتي كان اللبنانيون وما زالوا يقرأونها بشكل مغلوط ويفسرونها على طريقتهم الخاصة التي لم تتورع يوما عن اللعب بالسلم الاهلي الهش.
ولكي لا يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ابتكرت المخيلة اللبنانية فكرة الفتنة المذهبية، واستلهمت التجربة العراقية المروِّعة.. ومضت تبحث عن محطات يومية للقتال، حتى في ذروة الاشتباك مع العدو الاسرائيلي، الذي تحول إلى مادة خلافية عميقة، زادتها حدة حرب العام 2006 المدمرة.. وفاقمتها تدخلات خارجية لم تنظر يوما إلى لبنان واللبنانيين بعين الاحترام أو التقدير.
ليس ثمة محطة اخيرة. ثمة محطات تدعي انها خارج هذا السياق، وتقع في الخطأ.
ساطع نورالدين
لست ممن يفخرون بما كتبوا، ولست ممن يهوون اعادة قراءة كتاباتهم. هي بمثابة عملية تعذيب ان يضطر الكاتب يوما إلى مراجعة نصوصه السابقة، والى اختيار بعضها لكي تصبح كتابا، أو شهادة على أخطاء مضت لا هو انكرها ولا اعتذر عنها.
لست نادما على ما كتبت، ولا اعتبر ان اخطائي كانت اكبر من الجرائم التي ارتكبت على مدى السنوات الخمس الماضية، أو من الحالات الهستيرية التي اعقبتها ولا تزال. وكانت المحطة اليومية الاخيرة مجرد شاهد عليها، وبرهان على أن الوطن الصغير لن يشفى من عاهات توارثها منذ لحظة التأسيس الاولى، ودليلاً على أن اللبنانيين ليس لهم علاج.
اختيار البداية لهذه المختارات، الثانية من نوعها لم يكن صعبا. كان لا بد من الانطلاق من لحظة وقوع الزلزال الاعنف في مطلع هذا القرن ، والمضي قُدُماً في تتبع هزاته الارتدادية المتلاحقة، التي لم تتوقف حتى اللحظة ، وهي تنذر بفصل جديد من الحروب الاهلية التي كانت عنوان لبنان وهويته الثانية وشهرته الدائمة.
قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع من شباط العام 2005 ، لم تكن الارض صلبة، لكنه لم يكن هناك رمال متحركة. لم تكن فسيحة ايضا، لكنها لم تكن ضيقة إلى الحد الذي بات معه التنقل بين المحافظات، والتجول في المدن والقرى اشبه بمغامرة، أو هجرة اصعب من الاغتراب خارج الحدود. لم يكن التعايش بين الطوائف والمذاهب سهلا ، لكن المخاطرة كانت ممكنة ، وكذلك العودة منها بسلام .
كانت تلك اللحظة إيذاناً بأن لبنان الذي حاول عبثا ان ينأى بنفسه عن موجات الاصولية الإسلامية الرهيبة، وعن تداعيات الغزو الأميركي للعراق، وعن ترديات المشروع الوطني الفلسطيني بعد اغتيال قائده ياسر عرفات، وعن تصدعات الصراع مع العدو الاسرائيلي. استعاد سيرته الاولى باعتباره الجبهة الامامية لمختلف الحروب والصراعات والازمات.. والتي كان اللبنانيون وما زالوا يقرأونها بشكل مغلوط ويفسرونها على طريقتهم الخاصة التي لم تتورع يوما عن اللعب بالسلم الاهلي الهش.
ولكي لا يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ابتكرت المخيلة اللبنانية فكرة الفتنة المذهبية، واستلهمت التجربة العراقية المروِّعة.. ومضت تبحث عن محطات يومية للقتال، حتى في ذروة الاشتباك مع العدو الاسرائيلي، الذي تحول إلى مادة خلافية عميقة، زادتها حدة حرب العام 2006 المدمرة.. وفاقمتها تدخلات خارجية لم تنظر يوما إلى لبنان واللبنانيين بعين الاحترام أو التقدير.
ليس ثمة محطة اخيرة. ثمة محطات تدعي انها خارج هذا السياق، وتقع في الخطأ.
ساطع نورالدين
صفحة 2
ضياع المستقبل
كأن لبنان فقد قطعة عزيزة من ارضه، جزءا من سيادته، جزءا من استقلاله، جزءا من هويته الوطنية، جزءا من شخصيته الحيوية، والكثير الكثير من مستقبله، ومن حلمه الدائم في ان يصبح دولة مستقرة، مزدهرة، قادرة على البقاء.
كأن لبنان عاد مرة أخرى سنوات عديدة إلى الوراء، ليبدأ من جديد السير نحو المجهول، لكن هذه المرة من دون رجل الدولة الوحيد الذي انتجته الحياة السياسية اللبنانية بصعوبة شديدة، في مرحلة ما بعد الحرب الاهلية، وارتقت به وحده إلى مستويات عربية ودولية لم يسبق لها مثيل.
فجأة ضاع كل شيء تقريبا: الامل في أنّ رفيق الحريري سيعود بعد اشهر إلى السلطة ليكمل أو ليحاول ان يكمل المشروع الذي حمله على الدوام بتحويل لبنان إلى جنة تشبه دبي وتنافسها، وجعله ضرورة مركزا ومرجعا للخريطة الاقتصادية في منطقة الشرق الاوسط.
فجأة ضاع كل شيء تقريبا: لم يعد هناك من نكهة لأي من المعارك السياسية التي كانت دائرة بين الموالاة والمعارضة، لم يعد هناك اي معنى للجدل حول قانون الانتخابات، وربما ايضا لم يعد هناك مبرر لاجراء الانتخابات في موعدها المحدد.
فجأة عاد اسوأ ما في الذاكرة اللبنانية والعربية: البلد الذي كان ولا يزال وسيبقى ساحة مغطاة بالدماء، بدماء ابنائها الابرز الذين طالما شكلوا علامات فارقة في التاريخ اللبناني الذي بدا بالامس قصيرا جدا، خاطفا جدا ، يمكن استعادته واختزاله ببضع صور مماثلة لتلك التي تناقلتها محطات التلفزيون العربية والعالمية من واجهة بيروت البحرية الشهيرة ..
لكن الصورة الاهم التي عادت لتترسخ في الاذهان هي عن البلد الوحشي البربري الذي لا يمكن أن تقوم له قيامة بعد اليوم، والذي لا يستحق ان يلتفت له احد، والذي يفترض ان يخضع وشعبه للحجر وللعلاج حتى يشفى من عيوب وتشوهات جينية، تحتاج إلى اجيال.
وبعد ان تستقر هذه الصورة سيبدأ الحساب العسير من المجتمع الدولي الذي سبق ان ارسل اشارات واضحة عن ضيقه واستيائه من كل ما يتصل بلبنان الذي طال بقاؤه في مرحلة اعادة التأسيس: اعتبارا من اليوم سيكتسب قرار مجلس الامن الرقم 1559 زخما جديدا، ووظيفة جديدة، وقد يؤدي ايضا إلى تدخل دولي مختلف..
كان القرار تحذيرا، وهو سيتحول على الارجح إلى انذار يعيد ترتيب جدول الاعمال الدولي في لبنان، الذي حدده القرار 1559 على عجل، وبناء على واقعة محددة، تبدو اليوم وكأنها نقطة تحول لبنانية واقليمية كبرى.
كان يمكن لرفيق الحريري ان يساهم في درء الكثير من مخاطر القرار 1559، التي كانت افتراضية أو مؤجلة، ومن آثار الكثير من الزلازل الاقليمية الكبرى، ومن عواقب الكثير من الحملات الدولية: غيابه يفقد لبنان الكثير من عناصر مناعته وحصانته وربما ايضا شرعيته.
15/2/2005
كأن لبنان فقد قطعة عزيزة من ارضه، جزءا من سيادته، جزءا من استقلاله، جزءا من هويته الوطنية، جزءا من شخصيته الحيوية، والكثير الكثير من مستقبله، ومن حلمه الدائم في ان يصبح دولة مستقرة، مزدهرة، قادرة على البقاء.
كأن لبنان عاد مرة أخرى سنوات عديدة إلى الوراء، ليبدأ من جديد السير نحو المجهول، لكن هذه المرة من دون رجل الدولة الوحيد الذي انتجته الحياة السياسية اللبنانية بصعوبة شديدة، في مرحلة ما بعد الحرب الاهلية، وارتقت به وحده إلى مستويات عربية ودولية لم يسبق لها مثيل.
فجأة ضاع كل شيء تقريبا: الامل في أنّ رفيق الحريري سيعود بعد اشهر إلى السلطة ليكمل أو ليحاول ان يكمل المشروع الذي حمله على الدوام بتحويل لبنان إلى جنة تشبه دبي وتنافسها، وجعله ضرورة مركزا ومرجعا للخريطة الاقتصادية في منطقة الشرق الاوسط.
فجأة ضاع كل شيء تقريبا: لم يعد هناك من نكهة لأي من المعارك السياسية التي كانت دائرة بين الموالاة والمعارضة، لم يعد هناك اي معنى للجدل حول قانون الانتخابات، وربما ايضا لم يعد هناك مبرر لاجراء الانتخابات في موعدها المحدد.
فجأة عاد اسوأ ما في الذاكرة اللبنانية والعربية: البلد الذي كان ولا يزال وسيبقى ساحة مغطاة بالدماء، بدماء ابنائها الابرز الذين طالما شكلوا علامات فارقة في التاريخ اللبناني الذي بدا بالامس قصيرا جدا، خاطفا جدا ، يمكن استعادته واختزاله ببضع صور مماثلة لتلك التي تناقلتها محطات التلفزيون العربية والعالمية من واجهة بيروت البحرية الشهيرة ..
لكن الصورة الاهم التي عادت لتترسخ في الاذهان هي عن البلد الوحشي البربري الذي لا يمكن أن تقوم له قيامة بعد اليوم، والذي لا يستحق ان يلتفت له احد، والذي يفترض ان يخضع وشعبه للحجر وللعلاج حتى يشفى من عيوب وتشوهات جينية، تحتاج إلى اجيال.
وبعد ان تستقر هذه الصورة سيبدأ الحساب العسير من المجتمع الدولي الذي سبق ان ارسل اشارات واضحة عن ضيقه واستيائه من كل ما يتصل بلبنان الذي طال بقاؤه في مرحلة اعادة التأسيس: اعتبارا من اليوم سيكتسب قرار مجلس الامن الرقم 1559 زخما جديدا، ووظيفة جديدة، وقد يؤدي ايضا إلى تدخل دولي مختلف..
كان القرار تحذيرا، وهو سيتحول على الارجح إلى انذار يعيد ترتيب جدول الاعمال الدولي في لبنان، الذي حدده القرار 1559 على عجل، وبناء على واقعة محددة، تبدو اليوم وكأنها نقطة تحول لبنانية واقليمية كبرى.
كان يمكن لرفيق الحريري ان يساهم في درء الكثير من مخاطر القرار 1559، التي كانت افتراضية أو مؤجلة، ومن آثار الكثير من الزلازل الاقليمية الكبرى، ومن عواقب الكثير من الحملات الدولية: غيابه يفقد لبنان الكثير من عناصر مناعته وحصانته وربما ايضا شرعيته.
15/2/2005
صفحة 3
تظاهرة معارضة
حفرت الجنازة الشعبية الضخمة، التي سارت في تشييع الراحل رفيق الحريري في شوارع بيروت لنفسها مكانا عميقا في الذاكرة الوطنية اللبنانية، التي تأسست في الماضي على فكرة الانفصال عن سوريا، وهي الان تترسخ على هوة سحيقة في العلاقات بين البلدين، وحتى بين الشعبين، لن يكون من السهل ردمها في المستقبل المنظور.
لم يسبق لبيروت ان شهدت في تاريخها جنازة تظاهرة بهذا الحجم، وايضا بهذا الكم من الشعارات والهتافات المعادية لسوريا، التي لم تكن تنتظم في سياق محدد، ولا كانت وليدة تخطيط مسبق، بل كانت عفوية وتلقائية، إلى حد أنّه عندما كانت الكلمات تضيع من ألسِنة المشيعين، كانوا يسدون الفراغ في الشتائم المباشرة !
كانت محصلة مرعبة لِــــ29 عاما من التدخل السوري في لبنان، تنذر بقطيعة نهائية أو على الاقل باصدار حكم قاطع على سوريا، لا يحتمل الرد أو الاستئناف، ويمهد لاسوأ واخطر ما سُجِّل في ملف العلاقات المعقدة والملتَبسة بين الدولتين والشعبين عبر التاريخ.
لم يكن احد يسمع في بيروت أو بالاحرى لم يكن احد يريد ان يسمع ما جرى في دمشق منذ اغتيال الشهيد الحريري: صدر بيان الادانة الاول من قصر الرئاسة السورية، في خطوة غير مألوفة في مثل هذه الحالات، ثم اتُّخذ قرار سوري نفِّذ على الفور وما زال ساري المفعول بان يخرج عدد من كبار المسؤولين السوريين على الاعلام العربي والاجنبي للرد والاستنكار والتوضيح أنّ سوريا متضررة من الجريمة أكثر من أي بلد آخر في العالم. وورد في السياق كلام لا يليق بالحدث ولا يفسره.
لكن هذه الاصوات ضاعت وسط الاتهامات المباشرة التي كان ينقلها أو يوجهها الاعلام إلى دمشق. ولم يكن لها اي اثر أو صدى في الجنازة المعادية بلا تردد وبلا خوف، التي استعادت الكثير من الذكريات المريرة، لكي تبني عصبية وتُرْسي موقفا لم تكن بَلْوَرته تحتاج إلى جهد كبير.. ولم تكن له اي وجهة لبنانية داخلية، خصوصا في ظل الفراغ الرهيب في موقعي رئاسة الجمهورية والحكومة في لبنان.
ولولا اللغة والوظيفة الوطنية للجنازة لكان يمكن اعتبارها تظاهرة معارضة تسير في شوارع دمشق، اول تظاهرة من هذا النوع تشهدها العاصمة السورية، والعاصمة اللبنانية على حد سواء: هي بهذا المعنى اختبار فريد للحكم في سوريا، ولرد فعله على هذا الحشد الاستثنائي، والمطالب المحددة التي رفعها المتظاهرون، والتي تحظى بما يشبه الاجماع اللبناني.. والتي لم يرد ذكرها في قرار مجلس الامن الرقم 1559!
حتى الان كان الرد على هذه المطالب بالرفض المطلق، والاكتفاء بالموافقة على التحقيق الدولي أو على الاستعانة بخبراء أجانب لخدمة التحقيق المحلي، أو بالسماح للرئيس اميل لحود ان يمازح المفجوعين بالدعوة إلى مؤتمر حوار وطني.. وهو ما يضمن بان جنازة رجل التوازن والاعتدال الإسلامي والوطني لن يستولد سوى المزيد من التشدد، والتطرف الذي لم يعرف له علاج بعد!
17/2/2005
حفرت الجنازة الشعبية الضخمة، التي سارت في تشييع الراحل رفيق الحريري في شوارع بيروت لنفسها مكانا عميقا في الذاكرة الوطنية اللبنانية، التي تأسست في الماضي على فكرة الانفصال عن سوريا، وهي الان تترسخ على هوة سحيقة في العلاقات بين البلدين، وحتى بين الشعبين، لن يكون من السهل ردمها في المستقبل المنظور.
لم يسبق لبيروت ان شهدت في تاريخها جنازة تظاهرة بهذا الحجم، وايضا بهذا الكم من الشعارات والهتافات المعادية لسوريا، التي لم تكن تنتظم في سياق محدد، ولا كانت وليدة تخطيط مسبق، بل كانت عفوية وتلقائية، إلى حد أنّه عندما كانت الكلمات تضيع من ألسِنة المشيعين، كانوا يسدون الفراغ في الشتائم المباشرة !
كانت محصلة مرعبة لِــــ29 عاما من التدخل السوري في لبنان، تنذر بقطيعة نهائية أو على الاقل باصدار حكم قاطع على سوريا، لا يحتمل الرد أو الاستئناف، ويمهد لاسوأ واخطر ما سُجِّل في ملف العلاقات المعقدة والملتَبسة بين الدولتين والشعبين عبر التاريخ.
لم يكن احد يسمع في بيروت أو بالاحرى لم يكن احد يريد ان يسمع ما جرى في دمشق منذ اغتيال الشهيد الحريري: صدر بيان الادانة الاول من قصر الرئاسة السورية، في خطوة غير مألوفة في مثل هذه الحالات، ثم اتُّخذ قرار سوري نفِّذ على الفور وما زال ساري المفعول بان يخرج عدد من كبار المسؤولين السوريين على الاعلام العربي والاجنبي للرد والاستنكار والتوضيح أنّ سوريا متضررة من الجريمة أكثر من أي بلد آخر في العالم. وورد في السياق كلام لا يليق بالحدث ولا يفسره.
لكن هذه الاصوات ضاعت وسط الاتهامات المباشرة التي كان ينقلها أو يوجهها الاعلام إلى دمشق. ولم يكن لها اي اثر أو صدى في الجنازة المعادية بلا تردد وبلا خوف، التي استعادت الكثير من الذكريات المريرة، لكي تبني عصبية وتُرْسي موقفا لم تكن بَلْوَرته تحتاج إلى جهد كبير.. ولم تكن له اي وجهة لبنانية داخلية، خصوصا في ظل الفراغ الرهيب في موقعي رئاسة الجمهورية والحكومة في لبنان.
ولولا اللغة والوظيفة الوطنية للجنازة لكان يمكن اعتبارها تظاهرة معارضة تسير في شوارع دمشق، اول تظاهرة من هذا النوع تشهدها العاصمة السورية، والعاصمة اللبنانية على حد سواء: هي بهذا المعنى اختبار فريد للحكم في سوريا، ولرد فعله على هذا الحشد الاستثنائي، والمطالب المحددة التي رفعها المتظاهرون، والتي تحظى بما يشبه الاجماع اللبناني.. والتي لم يرد ذكرها في قرار مجلس الامن الرقم 1559!
حتى الان كان الرد على هذه المطالب بالرفض المطلق، والاكتفاء بالموافقة على التحقيق الدولي أو على الاستعانة بخبراء أجانب لخدمة التحقيق المحلي، أو بالسماح للرئيس اميل لحود ان يمازح المفجوعين بالدعوة إلى مؤتمر حوار وطني.. وهو ما يضمن بان جنازة رجل التوازن والاعتدال الإسلامي والوطني لن يستولد سوى المزيد من التشدد، والتطرف الذي لم يعرف له علاج بعد!
17/2/2005
صفحة 4
اضطراب السنة
الفراغ الرهيب الذي خلفه اغتيال الرئيس رفيق الحريري سيتسبب بقائمة لا تحصى من المخاطر، أقربها وأكبرها هو الضياع الذي تشعر به الطائفة السنية، التي تمثل الاكثرية العددية وتختزل الهوية الوطنية وتختصر الانتماء القومي، وتحمل فكرة الدولة اللبنانية وبنيتها المدينية ومؤسساتها.
المؤكد أنه لم تتم تصفية الحريري فقط لانه زعيم سني، أو لانه الزعيم الاقوى والأهم لسنّة لبنان. لكن هذا الهدف كان في الحسبان حتما، برغم أنّ النتيجة لا تقتصر على الطائفة التي يتعمق إحساسها بأنها تفقد الارض الصلبة التي كانت تقف عليها في لبنان وفي المنطقة العربية كلها.
ليس هناك بديل للحريري اليوم ولا غداً. وعملية البحث عن وريث لا تنحصر بدارته المفجوعة في قريطم، وهي ستستغرق وقتا أطول بكثير مما هو مفترض، وستكون معقدة وشائكة أكثر بكثير مما هو مفترض. وقد لا تنتهي بالضرورة إلى ظهور حريري آخر من كنف العائلة أو الطائفة أو ربما من خارج الوطن..
فالاغتيال يجيء في لحظة سنية حرجة جدا: الطائفة تزداد عددا وبالتالي فقرا، وبالتالي تديناً.. برغم أنّ طابعها الغالب لا يزال يتسم حتى الآن بالاعتدال والانفتاح الذي تفتقر اليه جميع الطوائف الأخرى من دون استثناء، ذات الهويات الريفية الراسخة.
على هذا الاساس، ليست الطائفة محايدة أو معزولة عن الحرب العالمية التي تدور منذ أربع سنوات بين أميركا والغرب عموما وبين أبنائها الموزعين في مواقع السلطة أو المعارضة في مختلف انحاء العالمين العربي والإسلامي، أو المختبئين في كهوف أفغانستان. هي طرف مباشر في تلك الحرب، تدفع الثمن الباهظ في فلسطين والعراق والسعودية، وتخشى ان تفقد مراكز الحكم أو مواقع المعارضة، والاهم من ذلك أنها لا تملك مشروعا سياسيا يساعدها في ان تدرك أميركا أو في ان تلتحق بأسامة بن لادن.
الانتخابات النيابية المقبلة، التي ينوي الحكم المضي قُدُماً فيها بتوصية من دمشق ونصيحة من أميركا وأوروبا، يمكن أن تساهم في توجيه بعض الغضب الشعبي العارم على مصرع الحريري نحو بعض صناديق الاقتراع في بيروت وصيدا وطرابلس... لكنها لن تساهم في حل معضلة التمثيل السني الحقيقي في التركيبة اللبنانية الصغرى، وفي المعادلة الاقليمية الاكبر.
التيار الإسلامي السني سيكون على الارجح اول من يتقدم لملء فراغ الحريري المباشر، ولاستيعاب الشارع التائه الذي لا يستطيع أن يبدد شكه في أنّ ثمة مؤامرة كبرى تستهدفه وحده، ولن يتردد في رفع سقف مطالبه التي كان الراحل الكبير يحاول على الدوام ان يهدئها أو يؤجلها أو يضعها في سياق وطني عام، جرى تفجيره بشكل مرعب.
أما بقاء هذا التيار في موقع الممثل الشرعي والوحيد للسنّة في لبنان، فهو لا يعتمد فقط على الآليات الداخلية للطائفة، بقدر ما يعتمد ايضا على رد فعل الطوائف الأخرى... كما على نتائج الحرب العالمية الدائرة في المحيط العربي والإسلامي.
18/2/2005
الفراغ الرهيب الذي خلفه اغتيال الرئيس رفيق الحريري سيتسبب بقائمة لا تحصى من المخاطر، أقربها وأكبرها هو الضياع الذي تشعر به الطائفة السنية، التي تمثل الاكثرية العددية وتختزل الهوية الوطنية وتختصر الانتماء القومي، وتحمل فكرة الدولة اللبنانية وبنيتها المدينية ومؤسساتها.
المؤكد أنه لم تتم تصفية الحريري فقط لانه زعيم سني، أو لانه الزعيم الاقوى والأهم لسنّة لبنان. لكن هذا الهدف كان في الحسبان حتما، برغم أنّ النتيجة لا تقتصر على الطائفة التي يتعمق إحساسها بأنها تفقد الارض الصلبة التي كانت تقف عليها في لبنان وفي المنطقة العربية كلها.
ليس هناك بديل للحريري اليوم ولا غداً. وعملية البحث عن وريث لا تنحصر بدارته المفجوعة في قريطم، وهي ستستغرق وقتا أطول بكثير مما هو مفترض، وستكون معقدة وشائكة أكثر بكثير مما هو مفترض. وقد لا تنتهي بالضرورة إلى ظهور حريري آخر من كنف العائلة أو الطائفة أو ربما من خارج الوطن..
فالاغتيال يجيء في لحظة سنية حرجة جدا: الطائفة تزداد عددا وبالتالي فقرا، وبالتالي تديناً.. برغم أنّ طابعها الغالب لا يزال يتسم حتى الآن بالاعتدال والانفتاح الذي تفتقر اليه جميع الطوائف الأخرى من دون استثناء، ذات الهويات الريفية الراسخة.
على هذا الاساس، ليست الطائفة محايدة أو معزولة عن الحرب العالمية التي تدور منذ أربع سنوات بين أميركا والغرب عموما وبين أبنائها الموزعين في مواقع السلطة أو المعارضة في مختلف انحاء العالمين العربي والإسلامي، أو المختبئين في كهوف أفغانستان. هي طرف مباشر في تلك الحرب، تدفع الثمن الباهظ في فلسطين والعراق والسعودية، وتخشى ان تفقد مراكز الحكم أو مواقع المعارضة، والاهم من ذلك أنها لا تملك مشروعا سياسيا يساعدها في ان تدرك أميركا أو في ان تلتحق بأسامة بن لادن.
الانتخابات النيابية المقبلة، التي ينوي الحكم المضي قُدُماً فيها بتوصية من دمشق ونصيحة من أميركا وأوروبا، يمكن أن تساهم في توجيه بعض الغضب الشعبي العارم على مصرع الحريري نحو بعض صناديق الاقتراع في بيروت وصيدا وطرابلس... لكنها لن تساهم في حل معضلة التمثيل السني الحقيقي في التركيبة اللبنانية الصغرى، وفي المعادلة الاقليمية الاكبر.
التيار الإسلامي السني سيكون على الارجح اول من يتقدم لملء فراغ الحريري المباشر، ولاستيعاب الشارع التائه الذي لا يستطيع أن يبدد شكه في أنّ ثمة مؤامرة كبرى تستهدفه وحده، ولن يتردد في رفع سقف مطالبه التي كان الراحل الكبير يحاول على الدوام ان يهدئها أو يؤجلها أو يضعها في سياق وطني عام، جرى تفجيره بشكل مرعب.
أما بقاء هذا التيار في موقع الممثل الشرعي والوحيد للسنّة في لبنان، فهو لا يعتمد فقط على الآليات الداخلية للطائفة، بقدر ما يعتمد ايضا على رد فعل الطوائف الأخرى... كما على نتائج الحرب العالمية الدائرة في المحيط العربي والإسلامي.
18/2/2005
صفحة 5
تحوّل أميركي
هي المرة الاولى على الاطلاق التي تصدر فيها عن الرئيس الأميركي جورج بوش شخصيا، أو اي رئيس أميركي سابق منذ العام 1976، دعوة صريحة ومباشرة إلى انهاء «الاحتلال السوري» للبنان، مقرونة بنية واضحة لوضع لبنان في محور يمتد من افغانستان إلى العراق ليصل إلى فلسطين، ويشهد عملية اعادة بناء أميركية..
هي نقطة تحوّل تاريخية حاسمة في الموقف الأميركي من لبنان بحد ذاته، وبمعزل عن معطيات وآليات الصراع العربي الاسرائيلي، أو بتعبير ادق عن موازين القوى بين سوريا واسرائيل، التي طالما كانت واشنطن تأخذها بالاعتبار لدى مقاربتها للشأن اللبناني، حتى في ذروة الاحتلال الاسرائيلي للبنان في العام 1982، وتحرص على عدم التسبب باي خلل جوهري يؤدي إلى حرب اقليمية كبرى، انطلاقا من لبنان أو على ارضه.
في خطابه امام الاوروبيين في بروكسل امس، حسم الرئيس بوش، أنّ لبنان حالة مستجدة لم يعد لها اي وظيفة اقليمية خاصة بالصراع العربي الاسرائيلي، بل هي باتت تندرج اعتبارا من اليوم في سياق الموجة الديموقراطية التي يبشر بها الرئيس الأميركي ويعمل من اجلها في الشرق الاوسط الكبير، وتشكل احد النماذج أو ربما احد الاختبارات الرئيسية للمشروع الأميركي للاصلاح والتغيير الذي يمضي قدما في افغانستان والعراق وفلسطين.
ولعل هذا التصنيف الجديد للبنان في سياق المشروع الأميركي هو الفارق الوحيد الذي ميَّز خطاب بوش الاوروبي بالامس، عن خطابه السنوي امام الكونغرس عن حالة الاتحاد مطلع الشهر الحالي، الذي استعاد الكثير من فقراته بشكل حرفي تقريبا، لاسيما تلك الخاصة بفلسطين ومصر والسعودية والعراق وايران والحرية والديموقراطية في العالم.
ولا حاجة إلى الاستنتاج أنّ اغتيال الرئيس رفيق الحريري هو الذي ساهم في ادراج لبنان المتأخر في المشروع الأميركي، بعد طول تردد ونقاش داخلي أميركي، وفي تخطي نص وروح قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559، الذي لم يعتمده الرئيس بوش في خطابه الاوروبي، مرجعا للمقاربة الجديدة للوضع اللبناني.
وبهذا المعنى يمكن القول إنّ بوش طلب للمرة الاولى من اوروبا ومن المجتمع الدولي إنّ يلغي المهلة الزمنية الضمنية المحددة وفق القرار 1559 من اجل فك الارتباط بين لبنان وسوريا، والتي كانت تقدر بنحو عامين، وتبدأ بالانتخابات النيابية اللبنانية في الربيع المقبل وتنتهي بالانسحاب السوري من لبنان، والتي كانت تعتبر بمثابة فترة سماح اخيرة لدمشق، أو على الاقل بمثابة اختبار حاسم لسلوكها اللبناني الذي اثار استياءً دولياً عارماً في الاشهر القليلة الماضية.
..لم يسبق لأميركا ان استخدمت مثل هذه اللغة في مخاطبة سوريا ولبنان. سبق لها ان استخدمت قواتها مباشرة في التعامل معهما، لكنها اضطرت في النهاية إلى الانسحاب وفرض الحجر على البلدين: الظروف الراهنة مختلفة كليا، لكنها ليست ضمانة كافية بان أميركا ستبلغ هدفها النهائي.
22/2/2005
هي المرة الاولى على الاطلاق التي تصدر فيها عن الرئيس الأميركي جورج بوش شخصيا، أو اي رئيس أميركي سابق منذ العام 1976، دعوة صريحة ومباشرة إلى انهاء «الاحتلال السوري» للبنان، مقرونة بنية واضحة لوضع لبنان في محور يمتد من افغانستان إلى العراق ليصل إلى فلسطين، ويشهد عملية اعادة بناء أميركية..
هي نقطة تحوّل تاريخية حاسمة في الموقف الأميركي من لبنان بحد ذاته، وبمعزل عن معطيات وآليات الصراع العربي الاسرائيلي، أو بتعبير ادق عن موازين القوى بين سوريا واسرائيل، التي طالما كانت واشنطن تأخذها بالاعتبار لدى مقاربتها للشأن اللبناني، حتى في ذروة الاحتلال الاسرائيلي للبنان في العام 1982، وتحرص على عدم التسبب باي خلل جوهري يؤدي إلى حرب اقليمية كبرى، انطلاقا من لبنان أو على ارضه.
في خطابه امام الاوروبيين في بروكسل امس، حسم الرئيس بوش، أنّ لبنان حالة مستجدة لم يعد لها اي وظيفة اقليمية خاصة بالصراع العربي الاسرائيلي، بل هي باتت تندرج اعتبارا من اليوم في سياق الموجة الديموقراطية التي يبشر بها الرئيس الأميركي ويعمل من اجلها في الشرق الاوسط الكبير، وتشكل احد النماذج أو ربما احد الاختبارات الرئيسية للمشروع الأميركي للاصلاح والتغيير الذي يمضي قدما في افغانستان والعراق وفلسطين.
ولعل هذا التصنيف الجديد للبنان في سياق المشروع الأميركي هو الفارق الوحيد الذي ميَّز خطاب بوش الاوروبي بالامس، عن خطابه السنوي امام الكونغرس عن حالة الاتحاد مطلع الشهر الحالي، الذي استعاد الكثير من فقراته بشكل حرفي تقريبا، لاسيما تلك الخاصة بفلسطين ومصر والسعودية والعراق وايران والحرية والديموقراطية في العالم.
ولا حاجة إلى الاستنتاج أنّ اغتيال الرئيس رفيق الحريري هو الذي ساهم في ادراج لبنان المتأخر في المشروع الأميركي، بعد طول تردد ونقاش داخلي أميركي، وفي تخطي نص وروح قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559، الذي لم يعتمده الرئيس بوش في خطابه الاوروبي، مرجعا للمقاربة الجديدة للوضع اللبناني.
وبهذا المعنى يمكن القول إنّ بوش طلب للمرة الاولى من اوروبا ومن المجتمع الدولي إنّ يلغي المهلة الزمنية الضمنية المحددة وفق القرار 1559 من اجل فك الارتباط بين لبنان وسوريا، والتي كانت تقدر بنحو عامين، وتبدأ بالانتخابات النيابية اللبنانية في الربيع المقبل وتنتهي بالانسحاب السوري من لبنان، والتي كانت تعتبر بمثابة فترة سماح اخيرة لدمشق، أو على الاقل بمثابة اختبار حاسم لسلوكها اللبناني الذي اثار استياءً دولياً عارماً في الاشهر القليلة الماضية.
..لم يسبق لأميركا ان استخدمت مثل هذه اللغة في مخاطبة سوريا ولبنان. سبق لها ان استخدمت قواتها مباشرة في التعامل معهما، لكنها اضطرت في النهاية إلى الانسحاب وفرض الحجر على البلدين: الظروف الراهنة مختلفة كليا، لكنها ليست ضمانة كافية بان أميركا ستبلغ هدفها النهائي.
22/2/2005
صفحة 6
إلى الانتخابات
اتخذ المجتمع الدولي بعد اغتيال الراحل رفيق الحريري، قرارا لا لَبْسَ فيه بأن على لبنان واللبنانيين المضي قدما في خيار الانتخابات النيابية. لم يدخل في التفاصيل: الالتزام بالموعد المحدد في أيار المقبل، التأجيل لبضعة اشهر، التمسك بمشروع الحكومة المقبول من معظم المعارضين باعتماد القضاء بدل المحافظة حسب ما نص اتفاق الطائف المستعاد هذه الايام.
ترك المجتمع الدولي للبنانيين أنفسهم حسم هذه التفاصيل، التي بات الشيطان يسكنها منذ رحيل الحريري، الذي قد يكون احد اهداف إزاحته هو السعي إلى الغاء الانتخابات النيابية والتمديد لمجلس النواب الحالي لثلاث سنوات... علما بأن بقاءه على قيد الحياة كان يمكن أن يساهم في درء مخاطر الانقلاب السياسي الذي تلوح بوادره في الأفق منذ الرابع عشر من شباط الحالي!
لا شك أنَّ الانتخابات التي تصرُّ واشنطن وباريس وغيرها من العواصم الاوروبية الغربية على عدم التهرب من إجرائها، صارت الآن اصعب وأشد تعقيدا وأكثر اهمية، خصوصا بعدما وضعها الرئيس الأميركي جورج بوش في سياق واحد مع العمليات الانتخابية التي تديرها أو تشرف عليها واشنطن في كل من أفغانستان والعراق وفلسطين، وتعتبرها رسالتها ومهمتها الاولى في العالمين العربي والإسلامي، وأداتها السياسية الوحيدة في الحرب على الارهاب.
ولأن الانتخابات العامة في لبنان اكتسبت في أعقاب تصفية الحريري زخما إضافيا، انطلق مع قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559، فإنه يصعب الافتراض ان المجتمع الدولي أو بالاحرى واشنطن وباريس ستظلان بمنأى عن توجيه العملية الانتخابية وربما ايضا اقتراح موعدها الانسب وتقدير حجم الكتل المرتقب تشكلها في صناديق الاقتراع، وبالتالي موازين القوى بين الاغلبية والاقلية، أو بكلمة أدق تحديد حصة سوريا وخصومها في البرلمان المقبل.
القرار الدولي الذي عكسه البيان المشترك للرئيسين الأميركي بوش والفرنسي جاك شيراك يؤكد ان الانتخابات النيابية اللبنانية هي إحدى جبهات المواجهة مع سوريا، أو ربما الجبهة الوحيدة المشتركة بين الأميركيين والفرنسيين، والتي يفترض ان تؤدي في النهاية إلى تقليص النفوذ السوري في لبنان إلى الحدود الدنيا... قبل ان يحسم الجدل أو الخلاف بين واشنطن وباريس حول الموقف النهائي من الحكم في دمشق!
لكن هذا القرار الدولي باللجوء إلى صناديق الاقتراع اللبنانية والاعتماد على عمليات فرز الاصوات من اجل تحقيق هدف الحد من الدور السوري وسواه من الاهداف المحددة في القرار 1559، يبدو خياليا لان الخلل واضح في موازين القوى بين سوريا وبين كل من واشنطن وباريس، وفي الادوات المتاحة لكل من الجانبين من اجل ضمان فوزه في معركة السيطرة على ساحة النجمة.
المؤكد أنَّ القرار الدولي يوفر فرصة للخروج السوري السلمي والهادئ والمشرِّف من لبنان. لكنه يشكل في المقابل تحديا استثنائيا لورثة الحريري من كل الالوان والاطياف الذين يتأهبون لاجتياح مبنى البرلمان أيا كان موعد الانتخابات ومهما كان تقسيم الدوائر.
23/2/2005
اتخذ المجتمع الدولي بعد اغتيال الراحل رفيق الحريري، قرارا لا لَبْسَ فيه بأن على لبنان واللبنانيين المضي قدما في خيار الانتخابات النيابية. لم يدخل في التفاصيل: الالتزام بالموعد المحدد في أيار المقبل، التأجيل لبضعة اشهر، التمسك بمشروع الحكومة المقبول من معظم المعارضين باعتماد القضاء بدل المحافظة حسب ما نص اتفاق الطائف المستعاد هذه الايام.
ترك المجتمع الدولي للبنانيين أنفسهم حسم هذه التفاصيل، التي بات الشيطان يسكنها منذ رحيل الحريري، الذي قد يكون احد اهداف إزاحته هو السعي إلى الغاء الانتخابات النيابية والتمديد لمجلس النواب الحالي لثلاث سنوات... علما بأن بقاءه على قيد الحياة كان يمكن أن يساهم في درء مخاطر الانقلاب السياسي الذي تلوح بوادره في الأفق منذ الرابع عشر من شباط الحالي!
لا شك أنَّ الانتخابات التي تصرُّ واشنطن وباريس وغيرها من العواصم الاوروبية الغربية على عدم التهرب من إجرائها، صارت الآن اصعب وأشد تعقيدا وأكثر اهمية، خصوصا بعدما وضعها الرئيس الأميركي جورج بوش في سياق واحد مع العمليات الانتخابية التي تديرها أو تشرف عليها واشنطن في كل من أفغانستان والعراق وفلسطين، وتعتبرها رسالتها ومهمتها الاولى في العالمين العربي والإسلامي، وأداتها السياسية الوحيدة في الحرب على الارهاب.
ولأن الانتخابات العامة في لبنان اكتسبت في أعقاب تصفية الحريري زخما إضافيا، انطلق مع قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559، فإنه يصعب الافتراض ان المجتمع الدولي أو بالاحرى واشنطن وباريس ستظلان بمنأى عن توجيه العملية الانتخابية وربما ايضا اقتراح موعدها الانسب وتقدير حجم الكتل المرتقب تشكلها في صناديق الاقتراع، وبالتالي موازين القوى بين الاغلبية والاقلية، أو بكلمة أدق تحديد حصة سوريا وخصومها في البرلمان المقبل.
القرار الدولي الذي عكسه البيان المشترك للرئيسين الأميركي بوش والفرنسي جاك شيراك يؤكد ان الانتخابات النيابية اللبنانية هي إحدى جبهات المواجهة مع سوريا، أو ربما الجبهة الوحيدة المشتركة بين الأميركيين والفرنسيين، والتي يفترض ان تؤدي في النهاية إلى تقليص النفوذ السوري في لبنان إلى الحدود الدنيا... قبل ان يحسم الجدل أو الخلاف بين واشنطن وباريس حول الموقف النهائي من الحكم في دمشق!
لكن هذا القرار الدولي باللجوء إلى صناديق الاقتراع اللبنانية والاعتماد على عمليات فرز الاصوات من اجل تحقيق هدف الحد من الدور السوري وسواه من الاهداف المحددة في القرار 1559، يبدو خياليا لان الخلل واضح في موازين القوى بين سوريا وبين كل من واشنطن وباريس، وفي الادوات المتاحة لكل من الجانبين من اجل ضمان فوزه في معركة السيطرة على ساحة النجمة.
المؤكد أنَّ القرار الدولي يوفر فرصة للخروج السوري السلمي والهادئ والمشرِّف من لبنان. لكنه يشكل في المقابل تحديا استثنائيا لورثة الحريري من كل الالوان والاطياف الذين يتأهبون لاجتياح مبنى البرلمان أيا كان موعد الانتخابات ومهما كان تقسيم الدوائر.
23/2/2005
صفحة 7
قطع الاتصال
تقطعت السبل بالكثير من المسؤولين اللبنانيين، وهام العديد من السياسيين اللبنانيين على وجوههم، منذ ان انقطع الارسال مع دمشق قبل ايام، مما افرغ الحياة السياسية اللبنانية من احد مضامينها ومفاتيحها طوال السنوات الثلاثين الماضية.
تحول الامر إلى مادة للتندُّر على اولئك الذين حاولوا من دون جدوى الاتصال بدمشق، من أجل إبلاغها باستقالة الرئيس عمر كرامي أو سؤالها عما إذا كانت الخطوة منسقة معها أو الاستفسار منها عما ينبغي عمله من اجل تجنب الفراغ الدستوري المفترض، وعما إذا كان لديها مرشح جاهز لسد هذا الفراغ أو اقتراح محدد لتفادي انعكاساته السلبية الممكنة.
لم يكن انقطاع الاتصالات ناجما عن خلل تقني، بدليل أنّه عندما كان الضياع والإرباك سائدا في بيروت، كان السفير السوري لدى واشنطن عماد مصطفى يتوجه إلى مبنى وزارة الخارجية الأميركية لإبلاغ المسؤولين الأميركيين تعهداً رسمياً من سوريا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية وبالحرص الشديد على أن يجري لبنان انتخابات نيابية حرة ونزيهة في الربيع المقبل.
ربما كان القرار متعمداً بإحداث الفراغ المفاجئ في بيروت، ولم يكن مجرد استجابة لضغوط أو مطالب المجتمع الدولي. لكن المهم انه حصل على الارجح منذ ان فكر الرئيس كرامي بالاستقالة من منصبه، ومر عليه ثلاثة ايام كاملة حتى الآن من دون ان يعرف إلى متى سيدوم، وما هو الشكل الذي سيتخذه عندما يعود الارسال إلى الاجهزة السلكية واللاسلكية.
المؤكد ان العودة إلى قنوات ومستويات الاتصال التي كانت سائدة في مرحلة ما قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أو بالتحديد إلى ما قبل اعلان الرئيسين الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك عن ضرورة انهاء «الاحتلال السوري للبنان»، صارت مستحيلة. يريد المجتمع الدولي شكلا آخر من التواصل بين البلدين اللذين لا يمكن الفصل بينهما ابدا.
لا يعني ذلك أنّ المجتمع الدولي سيلجأ من الآن فصاعدا إلى مراقبة الاتصالات بين بيروت ودمشق، مع ان هذا الاحتمال كان ولا يزال واردا...، كما لن يطالب بتبادل فتح السفارات بين البلدين، مع ان هذه الفكرة طُرِحت ولا تزال مطروحة. لكنه سيُخضِع العلاقات الثنائية اللبنانية السورية لاختبار جديد: هل يمكن تنظيم روابط طبيعية قائمة على الاحترام المتبادل بين الجارين، تتجاوز حساسيات الماضي وتصدعات الحاضر؟
الجواب المنتظر لا يقتصر على الجار القوي، حيث تتوجه الانظار والوفود والبيانات العربية والدولية سواء بدافع الحرص على بيروت أو الخوف على دمشق، لتطالب بالكف عن استخدام الساحة اللبنانية على النحو الذي كان سائدا طوال السنوات الثلاثين الماضية... ولتعترف حتى الآن على الأقل بحصة سورية طبيعية في لبنان.
ثمة رد لبناني يترقبه المجتمع الدولي على ذلك التعديل الجوهري في صيغة العلاقات الثنائية بين بيروت ودمشق، وهو يفترض قبل الإقدام على طلب الرقم 02، التفكير مرتين في شكل ومضمون الحوار مع الطرف الاخر من الخط... لا في مبدأ الحوار!
3/3/2005
تقطعت السبل بالكثير من المسؤولين اللبنانيين، وهام العديد من السياسيين اللبنانيين على وجوههم، منذ ان انقطع الارسال مع دمشق قبل ايام، مما افرغ الحياة السياسية اللبنانية من احد مضامينها ومفاتيحها طوال السنوات الثلاثين الماضية.
تحول الامر إلى مادة للتندُّر على اولئك الذين حاولوا من دون جدوى الاتصال بدمشق، من أجل إبلاغها باستقالة الرئيس عمر كرامي أو سؤالها عما إذا كانت الخطوة منسقة معها أو الاستفسار منها عما ينبغي عمله من اجل تجنب الفراغ الدستوري المفترض، وعما إذا كان لديها مرشح جاهز لسد هذا الفراغ أو اقتراح محدد لتفادي انعكاساته السلبية الممكنة.
لم يكن انقطاع الاتصالات ناجما عن خلل تقني، بدليل أنّه عندما كان الضياع والإرباك سائدا في بيروت، كان السفير السوري لدى واشنطن عماد مصطفى يتوجه إلى مبنى وزارة الخارجية الأميركية لإبلاغ المسؤولين الأميركيين تعهداً رسمياً من سوريا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية وبالحرص الشديد على أن يجري لبنان انتخابات نيابية حرة ونزيهة في الربيع المقبل.
ربما كان القرار متعمداً بإحداث الفراغ المفاجئ في بيروت، ولم يكن مجرد استجابة لضغوط أو مطالب المجتمع الدولي. لكن المهم انه حصل على الارجح منذ ان فكر الرئيس كرامي بالاستقالة من منصبه، ومر عليه ثلاثة ايام كاملة حتى الآن من دون ان يعرف إلى متى سيدوم، وما هو الشكل الذي سيتخذه عندما يعود الارسال إلى الاجهزة السلكية واللاسلكية.
المؤكد ان العودة إلى قنوات ومستويات الاتصال التي كانت سائدة في مرحلة ما قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أو بالتحديد إلى ما قبل اعلان الرئيسين الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك عن ضرورة انهاء «الاحتلال السوري للبنان»، صارت مستحيلة. يريد المجتمع الدولي شكلا آخر من التواصل بين البلدين اللذين لا يمكن الفصل بينهما ابدا.
لا يعني ذلك أنّ المجتمع الدولي سيلجأ من الآن فصاعدا إلى مراقبة الاتصالات بين بيروت ودمشق، مع ان هذا الاحتمال كان ولا يزال واردا...، كما لن يطالب بتبادل فتح السفارات بين البلدين، مع ان هذه الفكرة طُرِحت ولا تزال مطروحة. لكنه سيُخضِع العلاقات الثنائية اللبنانية السورية لاختبار جديد: هل يمكن تنظيم روابط طبيعية قائمة على الاحترام المتبادل بين الجارين، تتجاوز حساسيات الماضي وتصدعات الحاضر؟
الجواب المنتظر لا يقتصر على الجار القوي، حيث تتوجه الانظار والوفود والبيانات العربية والدولية سواء بدافع الحرص على بيروت أو الخوف على دمشق، لتطالب بالكف عن استخدام الساحة اللبنانية على النحو الذي كان سائدا طوال السنوات الثلاثين الماضية... ولتعترف حتى الآن على الأقل بحصة سورية طبيعية في لبنان.
ثمة رد لبناني يترقبه المجتمع الدولي على ذلك التعديل الجوهري في صيغة العلاقات الثنائية بين بيروت ودمشق، وهو يفترض قبل الإقدام على طلب الرقم 02، التفكير مرتين في شكل ومضمون الحوار مع الطرف الاخر من الخط... لا في مبدأ الحوار!
3/3/2005
صفحة 8
إنذار سعودي
الإنذار الذي وجهته السعودية إلى سوريا بالخروج الفوري من لبنان، سيدخل التاريخ من ابواب عديدة. فهو منعطف حاسم، سيتم الاستشهاد به والرجوع اليه لسنوات طويلة مقبلة.
لم يتَّضح حتى الآن لماذا التزمت السعودية منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري بموقفها التقليدي المتحفظ، الذي بلغ حد الاعتراض في اللحظات الاولى على مطلب عائلة الراحل بإجراء تحقيق دولي، ثم شرعت في الايام القليلة الماضية في التعبير عن غضبها العارم الذي بلغ ذروته بالأمس لدى استقبال الرئيس السوري بشار الاسد.
لعله الاسلوب السعودي الخاص في التروّي والتريّث قبل الإقدام على أي خطوة كبرى، أو لعله التجاوب المتأخر مع التفاعلات اللبنانية المدوية لاغتيال الرئيس الحريري، أو لعله ايضا التقاطع المتجدد مع قرار المجتمع الدولي الصريح والواضح بإخراج سوريا من لبنان بشكل نهائي.. وليس من المستبعد ان يكون لهذا التحول الجوهري في الموقف السعودي بُعْدٌ داخلي في الرياض نفسها، وربما أيضاً داخل العائلة المالكة.
الانطباع الاول الذي يتركه هذا التحول المثير هو ان الرياض استذكرت مجددا هوية الحريري السعودية، واعتبرت ان تصفيته هي تصفية لمواطن سعودي بارز، بل ربما المواطن السعودي الابرز خارج حدودها، والمثال النموذجي الذي كانت تَوَّد ان تقدمه إلى العالم الخارجي كله، وليس فقط إلى لبنان واللبنانيين.
اما الشكل الذي قُدِّم به الموقف السعودي الجديد فهو لا يدع مجالا للشك في أنّ الرياض تنتقل من الاشتباه إلى الاتهام لسوريا، أو هي على الاقل تحمِّلها المسؤولية السياسية والاخلاقية عن اغتيال الحريري، والاهم من ذلك عن التوتر في العلاقات السورية السعودية التي كانت على الدوام من اهم محاور النظام العربي ومرتكزاته التي صاغتها مصر قبل ستين عاما بالتحديد.
لكن اصداء هذا التحول السعودي لا تقتصر على تفكك الحلف الثلاثي القديم بين سوريا ومصر والسعودية، بل هي تشمل ايضا الاعتماد الضمني المتبادل بين الدول الثلاث في حفظ الاستقرار والاستمرار داخل كل منها، وفي تحديد علاقتها مع بقية البلدان العربية، وفي تنظيم صلتها مع العالم الخارجي الذي كان يأخذ في الحسبان حتى الآن على الاقل أنّ ثمة مظلة واحدة أو ربما لغة مشتركة تصدر عن القاهرة والرياض ودمشق في القضايا الاقليمية الكبرى.
يمكن الافتراض أنّ الرياض قررت التكامل مع الموقف الدولي الضاغط على سوريا من اجل الخروج الفوري من لبنان، من اجل ان تحمي البلدين من المخاطر الكبرى الداهمة.. برغم ان المسؤولين السعوديين لم يذكروا بالامس لا اتفاق الطائف ولا قرار مجلس الامن الرقم 1559، كما لم يوفروا اي غطاء ملموس لسوريا!
ثمة بُعْدٌ لبناني لهذا التحول السعودي: اغتيال الحريري ادى إلى حرمان المسلمين اللبنانيين، والسُّنة منهم بشكل خاص من زعيمهم الاهم وممثلهم الاقوى في الحياة السياسية اللبنانية، ما يوحي ان الرياض عادت لتشكل مرجعا وراعيا مباشرا لمسلمي لبنان، السنة على الاقل، بعدما ظلت طوال السنوات الثلاثين الماضية تعهد بهذه المهمة إلى دمشق وحدها.
5/3/2005
الإنذار الذي وجهته السعودية إلى سوريا بالخروج الفوري من لبنان، سيدخل التاريخ من ابواب عديدة. فهو منعطف حاسم، سيتم الاستشهاد به والرجوع اليه لسنوات طويلة مقبلة.
لم يتَّضح حتى الآن لماذا التزمت السعودية منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري بموقفها التقليدي المتحفظ، الذي بلغ حد الاعتراض في اللحظات الاولى على مطلب عائلة الراحل بإجراء تحقيق دولي، ثم شرعت في الايام القليلة الماضية في التعبير عن غضبها العارم الذي بلغ ذروته بالأمس لدى استقبال الرئيس السوري بشار الاسد.
لعله الاسلوب السعودي الخاص في التروّي والتريّث قبل الإقدام على أي خطوة كبرى، أو لعله التجاوب المتأخر مع التفاعلات اللبنانية المدوية لاغتيال الرئيس الحريري، أو لعله ايضا التقاطع المتجدد مع قرار المجتمع الدولي الصريح والواضح بإخراج سوريا من لبنان بشكل نهائي.. وليس من المستبعد ان يكون لهذا التحول الجوهري في الموقف السعودي بُعْدٌ داخلي في الرياض نفسها، وربما أيضاً داخل العائلة المالكة.
الانطباع الاول الذي يتركه هذا التحول المثير هو ان الرياض استذكرت مجددا هوية الحريري السعودية، واعتبرت ان تصفيته هي تصفية لمواطن سعودي بارز، بل ربما المواطن السعودي الابرز خارج حدودها، والمثال النموذجي الذي كانت تَوَّد ان تقدمه إلى العالم الخارجي كله، وليس فقط إلى لبنان واللبنانيين.
اما الشكل الذي قُدِّم به الموقف السعودي الجديد فهو لا يدع مجالا للشك في أنّ الرياض تنتقل من الاشتباه إلى الاتهام لسوريا، أو هي على الاقل تحمِّلها المسؤولية السياسية والاخلاقية عن اغتيال الحريري، والاهم من ذلك عن التوتر في العلاقات السورية السعودية التي كانت على الدوام من اهم محاور النظام العربي ومرتكزاته التي صاغتها مصر قبل ستين عاما بالتحديد.
لكن اصداء هذا التحول السعودي لا تقتصر على تفكك الحلف الثلاثي القديم بين سوريا ومصر والسعودية، بل هي تشمل ايضا الاعتماد الضمني المتبادل بين الدول الثلاث في حفظ الاستقرار والاستمرار داخل كل منها، وفي تحديد علاقتها مع بقية البلدان العربية، وفي تنظيم صلتها مع العالم الخارجي الذي كان يأخذ في الحسبان حتى الآن على الاقل أنّ ثمة مظلة واحدة أو ربما لغة مشتركة تصدر عن القاهرة والرياض ودمشق في القضايا الاقليمية الكبرى.
يمكن الافتراض أنّ الرياض قررت التكامل مع الموقف الدولي الضاغط على سوريا من اجل الخروج الفوري من لبنان، من اجل ان تحمي البلدين من المخاطر الكبرى الداهمة.. برغم ان المسؤولين السعوديين لم يذكروا بالامس لا اتفاق الطائف ولا قرار مجلس الامن الرقم 1559، كما لم يوفروا اي غطاء ملموس لسوريا!
ثمة بُعْدٌ لبناني لهذا التحول السعودي: اغتيال الحريري ادى إلى حرمان المسلمين اللبنانيين، والسُّنة منهم بشكل خاص من زعيمهم الاهم وممثلهم الاقوى في الحياة السياسية اللبنانية، ما يوحي ان الرياض عادت لتشكل مرجعا وراعيا مباشرا لمسلمي لبنان، السنة على الاقل، بعدما ظلت طوال السنوات الثلاثين الماضية تعهد بهذه المهمة إلى دمشق وحدها.
5/3/2005
صفحة 9
توتر داخلي
أخطر ما يمكن أن يحل على البلد هو ان يواصل المعتصمون في ساحة الشهداء الاعتقاد أنّهم هم الذين اخرجوا سوريا من لبنان، أو ان يفترض المتظاهرون الذين خرجوا إلى الشوارع ليل السبت أنّ بإمكانهم تعطيل أو تأجيل خروجها منه: الجانبان في لحظة انفعالية قصوى تمنعهما معا من رؤية الصورة الاكبر والأشمل والأدق.
الرئيس رفيق الحريري هو الطرف اللبناني الاهم الذي كان يريد ذلك: خروج سوريا من الحياة السياسية والاقتصادية والادارية والتربوية اللبنانية، لكنه كان مستعدا للقبول ببقاء اكثر من اربعين الف جندي سوري على الاراضي اللبنانية، مثلما هي الحال بالنسبة إلى بريطانيا أو المانيا أو ايطاليا التي تستضيف قواعد وقوات أميركية ليس لها اي اثر أو دور في الشؤون الداخلية البريطانية أو الالمانية أو الايطالية...
كانت هذه الرؤية خيالية بعض الشيء، لكنها كانت اكيدة وشبه علنية، يعرفها بلا شك كل من خاض في نقاش عميق حول هذا الموضوع مع الراحل الكبير. ولعله دفع حياته ثمنا لها، مما أدّى إلى تلك الانتفاضة العربية والدولية التي انتهت إلى قرار عربي ودولي حاسم ونهائي بالخروج العسكري والمخابراتي السوري من لبنان، على الفور وفي خلال مهلة زمنية لا تتعدى الشهرين.
صحيح ان الاعتصام المستمر منذ الرابع عشر من شباط الماضي في ساحة الشهداء، وكذلك مظاهر الوحدة الوطنية التي تجلت بين الطرفين اللبنانيين اللذين كانا الاشد صداما، المسيحيين والدروز، ساهمت في انضاج هذا القرار العربي والدولي وصدوره بالاجماع التام، ومن دون اي تحفظ، لكن اغتيال الحريري بحد ذاته، ثم الجنازة الإسلامية الكبرى التي سارت في شوارع بيروت، هما اللذان حسما الموقف الأميركي والفرنسي والسعودي والمصري، الذي كان يتسم بالتردد والتريث ويكتفي بالنص الملتبس لقرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559، الذي كان قبل 14 شباط مجرد اعلان نوايا وتحول بعد ذلك التاريخ إلى برنامج عمل جدي جدا.
في المقابل، يمكن الافتراض ان المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع بالأمس كانوا يودّون التعبير العفوي والمباشر عن الاحتجاج وربما الغضب ايضا من قرار الرئيس السوري بشار الاسد بالخروج من لبنان، لكنهم لن يصلوا إلى حد العمل على عرقلة الانسحاب السوري من لبنان والدخول في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي، والأهم من ذلك مع الاجماع العربي.
وما صدر عن اجتماع الرويس وقرأه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله شخصيا، يسير في اتجاه مغاير لرغبة المتظاهرين ويعبِّر عن واقعية وحكمة ووعي شديد للحظة السياسية الراهنة، وقراءة دقيقة للظرف العربي والدولي الحالي، ولا يهدف فقط إلى مساعدة سوريا في محنتها، بقدر ما يستهدف حفظ الاستقرار الداخلي اللبناني باعتباره احد الانجازات السياسية الكبرى في لبنان.
الانفعال المتبادل في الشارع اللبناني في ذروته هذه الايام، يجد تفسيره في التحول التاريخي للوضع اللبناني، لكنه يفقد مبرراته إذا ما طال كثيراً وإذا لم يجرِ وضعه في قنوات سياسية تعيد تأسيس الكيان اللبناني على قواعد جديدة، من دون تدخل خارجي من اي جهة أتى.
7/3/2005
أخطر ما يمكن أن يحل على البلد هو ان يواصل المعتصمون في ساحة الشهداء الاعتقاد أنّهم هم الذين اخرجوا سوريا من لبنان، أو ان يفترض المتظاهرون الذين خرجوا إلى الشوارع ليل السبت أنّ بإمكانهم تعطيل أو تأجيل خروجها منه: الجانبان في لحظة انفعالية قصوى تمنعهما معا من رؤية الصورة الاكبر والأشمل والأدق.
الرئيس رفيق الحريري هو الطرف اللبناني الاهم الذي كان يريد ذلك: خروج سوريا من الحياة السياسية والاقتصادية والادارية والتربوية اللبنانية، لكنه كان مستعدا للقبول ببقاء اكثر من اربعين الف جندي سوري على الاراضي اللبنانية، مثلما هي الحال بالنسبة إلى بريطانيا أو المانيا أو ايطاليا التي تستضيف قواعد وقوات أميركية ليس لها اي اثر أو دور في الشؤون الداخلية البريطانية أو الالمانية أو الايطالية...
كانت هذه الرؤية خيالية بعض الشيء، لكنها كانت اكيدة وشبه علنية، يعرفها بلا شك كل من خاض في نقاش عميق حول هذا الموضوع مع الراحل الكبير. ولعله دفع حياته ثمنا لها، مما أدّى إلى تلك الانتفاضة العربية والدولية التي انتهت إلى قرار عربي ودولي حاسم ونهائي بالخروج العسكري والمخابراتي السوري من لبنان، على الفور وفي خلال مهلة زمنية لا تتعدى الشهرين.
صحيح ان الاعتصام المستمر منذ الرابع عشر من شباط الماضي في ساحة الشهداء، وكذلك مظاهر الوحدة الوطنية التي تجلت بين الطرفين اللبنانيين اللذين كانا الاشد صداما، المسيحيين والدروز، ساهمت في انضاج هذا القرار العربي والدولي وصدوره بالاجماع التام، ومن دون اي تحفظ، لكن اغتيال الحريري بحد ذاته، ثم الجنازة الإسلامية الكبرى التي سارت في شوارع بيروت، هما اللذان حسما الموقف الأميركي والفرنسي والسعودي والمصري، الذي كان يتسم بالتردد والتريث ويكتفي بالنص الملتبس لقرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559، الذي كان قبل 14 شباط مجرد اعلان نوايا وتحول بعد ذلك التاريخ إلى برنامج عمل جدي جدا.
في المقابل، يمكن الافتراض ان المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع بالأمس كانوا يودّون التعبير العفوي والمباشر عن الاحتجاج وربما الغضب ايضا من قرار الرئيس السوري بشار الاسد بالخروج من لبنان، لكنهم لن يصلوا إلى حد العمل على عرقلة الانسحاب السوري من لبنان والدخول في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي، والأهم من ذلك مع الاجماع العربي.
وما صدر عن اجتماع الرويس وقرأه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله شخصيا، يسير في اتجاه مغاير لرغبة المتظاهرين ويعبِّر عن واقعية وحكمة ووعي شديد للحظة السياسية الراهنة، وقراءة دقيقة للظرف العربي والدولي الحالي، ولا يهدف فقط إلى مساعدة سوريا في محنتها، بقدر ما يستهدف حفظ الاستقرار الداخلي اللبناني باعتباره احد الانجازات السياسية الكبرى في لبنان.
الانفعال المتبادل في الشارع اللبناني في ذروته هذه الايام، يجد تفسيره في التحول التاريخي للوضع اللبناني، لكنه يفقد مبرراته إذا ما طال كثيراً وإذا لم يجرِ وضعه في قنوات سياسية تعيد تأسيس الكيان اللبناني على قواعد جديدة، من دون تدخل خارجي من اي جهة أتى.
7/3/2005
صفحة 10
من يحكم لبنان
يُرجى أن تكون تظاهرة الوداع لسوريا بالامس هي خاتمة التظاهرات والمسيرات البعيدة عن ضريح الراحل رفيق الحريري، وفاتحة أبواب الغرف المغلقة المخصصة للحوار الوطني الصعب حول مرحلة ما بعد التدخل العسكري والاستخباراتي السوري في لبنان.. مع أن هذا الرجاء لا يزال بعيد المنال.
كان الحشد هائلاً. لكنه لم يكن يقطع أو يعرقل طريق الانسحاب السوري الذي كان يمضي قدماً بخطوات متسارعة نحو البقاع، في اللحظة التي كان المتظاهرون يتجمعون في وسط بيروت للقول شكراً لسوريا، ووداعاً .. ولو إلى حين. وهي عبارة مؤثرة جداً في دمشق تساهم في حفظ كرامتها وتعبر عن العرفان لدورها، وربما ايضا تساهم في حمايتها من المخاطر والتهديدات المقبلة.
هذا الحشد، وذلك الموقف لم يكن يتطلب الكثير من الشجاعة كما لم يكن يعكس قدراً كبيراً من التحدي، لأنه لم يكن موجهاً ضد عدو أو خصم حقيقي. صحيح أن الفارق كبير بين أعداد المتظاهرين من الموالاة والمعارضة، لكنه لا يؤدي إلى الاستنتاج أو حتى الاشتباه بأن الموالين يودون بقاء سوريا ودورها السابق في لبنان، كما لا يحدد خطوط الفرز الوطني ويرسمها بدقة.
لم يكن الحشد يخاطب سوريا وحدها ويتضامن معها. كان المتظاهرون يفترضون أن ثمة تدخلاً أجنبياً، أميركياً وفرنسياً، أو أن ثمة تهديداً إسرائيلياً، وهو حتى اللحظة لا يزال وهمياً: إذا صح أن واشنطن وباريس تودّان الفصل بين لبنان وسوريا رداً على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن السؤال الاهم هو: إلى أين تودان أخذ لبنان واللبنانيين؟ إلى الفوضى والفراغ ثم الحرب الاهلية، ام إلى شكل من أشكال الاستقرار والاستمرار كدولة ومجتمع؟
ليست أميركا مؤسسة خيرية تنظم عمليات إغاثة للشعوب والدول المضطربة، كما لا يمكن لمصالح فرنسا الاقليمية أن تُخْتَزل بلبنان دون سواه. لكن الشك في أن البلدين أو في أن المجتمع الدولي بأسره ينوي أن يستخدم لبنان واللبنانيين لخدمة أغراض وخيارات خاصة بُنيَت فقط على جدول الاعمال الذي أطلقه الاحتلال الأميركي للعراق، يفتقر إلى الكثير من الدلائل والبراهين، كما يغفل حقيقة المواقف اللبنانية المتباعدة والمتنوعة من ذلك الاحتلال، ومن المشروع الأميركي الجديد للمنطقة كلها.
ثمة من يرجح أن المجتمع الدولي لم يحسم خياراته اللبنانية. ما زال الجميع في مرحلة الغضب والانفعال جراء اغتيال الرئيس الحريري، وهو يبدي حذراً شديداً في التدخل في الشأن الداخلي اللبناني ويعتمد البرنامج المحدد سابقاً لسد الفراغ في السلطة: تشكيل حكومة وحدة وطنية، والالتزام بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها .. من دون أن يرسل أي إشارة إلى أن لديه اعتراضاً أو تحفظاً أو حظراً على أي طرف لبناني، لا سيما حزب الله.
لن تترك التظاهرة أي أثر جدي في الخارج، لأنها ليست حالة انقلابية، وليست قابلة للاستثمار من أي طرف، وليست مؤهلة للرد على السؤال الاهم: من سيحكم لبنان غداً؟
9/3/2005
يُرجى أن تكون تظاهرة الوداع لسوريا بالامس هي خاتمة التظاهرات والمسيرات البعيدة عن ضريح الراحل رفيق الحريري، وفاتحة أبواب الغرف المغلقة المخصصة للحوار الوطني الصعب حول مرحلة ما بعد التدخل العسكري والاستخباراتي السوري في لبنان.. مع أن هذا الرجاء لا يزال بعيد المنال.
كان الحشد هائلاً. لكنه لم يكن يقطع أو يعرقل طريق الانسحاب السوري الذي كان يمضي قدماً بخطوات متسارعة نحو البقاع، في اللحظة التي كان المتظاهرون يتجمعون في وسط بيروت للقول شكراً لسوريا، ووداعاً .. ولو إلى حين. وهي عبارة مؤثرة جداً في دمشق تساهم في حفظ كرامتها وتعبر عن العرفان لدورها، وربما ايضا تساهم في حمايتها من المخاطر والتهديدات المقبلة.
هذا الحشد، وذلك الموقف لم يكن يتطلب الكثير من الشجاعة كما لم يكن يعكس قدراً كبيراً من التحدي، لأنه لم يكن موجهاً ضد عدو أو خصم حقيقي. صحيح أن الفارق كبير بين أعداد المتظاهرين من الموالاة والمعارضة، لكنه لا يؤدي إلى الاستنتاج أو حتى الاشتباه بأن الموالين يودون بقاء سوريا ودورها السابق في لبنان، كما لا يحدد خطوط الفرز الوطني ويرسمها بدقة.
لم يكن الحشد يخاطب سوريا وحدها ويتضامن معها. كان المتظاهرون يفترضون أن ثمة تدخلاً أجنبياً، أميركياً وفرنسياً، أو أن ثمة تهديداً إسرائيلياً، وهو حتى اللحظة لا يزال وهمياً: إذا صح أن واشنطن وباريس تودّان الفصل بين لبنان وسوريا رداً على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن السؤال الاهم هو: إلى أين تودان أخذ لبنان واللبنانيين؟ إلى الفوضى والفراغ ثم الحرب الاهلية، ام إلى شكل من أشكال الاستقرار والاستمرار كدولة ومجتمع؟
ليست أميركا مؤسسة خيرية تنظم عمليات إغاثة للشعوب والدول المضطربة، كما لا يمكن لمصالح فرنسا الاقليمية أن تُخْتَزل بلبنان دون سواه. لكن الشك في أن البلدين أو في أن المجتمع الدولي بأسره ينوي أن يستخدم لبنان واللبنانيين لخدمة أغراض وخيارات خاصة بُنيَت فقط على جدول الاعمال الذي أطلقه الاحتلال الأميركي للعراق، يفتقر إلى الكثير من الدلائل والبراهين، كما يغفل حقيقة المواقف اللبنانية المتباعدة والمتنوعة من ذلك الاحتلال، ومن المشروع الأميركي الجديد للمنطقة كلها.
ثمة من يرجح أن المجتمع الدولي لم يحسم خياراته اللبنانية. ما زال الجميع في مرحلة الغضب والانفعال جراء اغتيال الرئيس الحريري، وهو يبدي حذراً شديداً في التدخل في الشأن الداخلي اللبناني ويعتمد البرنامج المحدد سابقاً لسد الفراغ في السلطة: تشكيل حكومة وحدة وطنية، والالتزام بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها .. من دون أن يرسل أي إشارة إلى أن لديه اعتراضاً أو تحفظاً أو حظراً على أي طرف لبناني، لا سيما حزب الله.
لن تترك التظاهرة أي أثر جدي في الخارج، لأنها ليست حالة انقلابية، وليست قابلة للاستثمار من أي طرف، وليست مؤهلة للرد على السؤال الاهم: من سيحكم لبنان غداً؟
9/3/2005