صفحة 1
تقديم
كلمة مركز الأمّة
بقيةٌ من السلف، دمث الخلق، جميل الطلعة، هادئ متواضع، منخفض الصوت إذا نظرت إليه يذكرك بالله، نشأ في أسرةٍ متدينة في جبل عجلون، نمت وترعرعت في قرية (عين جنّة) المشهورة بغزارة ينابيعها وكثرة أشجارها، ونقاء هوائها، وجمال منظرها، وهي مشهورةٌ بكثرة كفاءاتها، فقد خرج من هذه القرية عدد كبير من الشباب الذين يحملون الشهادات العلمية العليا في مختلف التخصصات التي أسهمت في بناء الأردنّ الحديث.
الشاب خالد القضاة أكبر أشقائه، شق طريقه نحو تركيا في وقتٍ مبكر من القرن العشرين المنصرم لإكمال الدراسة فيها، فقد دلف الحدود التركية عبر سوريا عام 1958م، مستقلاً القطار بصحبة مجموعة شباب إربد المتنورين الذين كان لهم صلة مبكرة بجماعة الإخوان المسلمين، التي كان لها الفضل في إفساح أفق الطموح الواسع للانتقال إلى عالم الدراسة والسفر إلى الخارج، يمثل نموذج الشاب الريفي الطموح الذي استعصى على بيئة الفقر والحرمان والأميّة وقلة ذات اليد؛ ليصبح علماً من أعلام الحركة الإسلامية الأردنية وأحد رجالات جبل عجلون الأشمّ.
يسجل المهندس أبو المعتصم أسطراً من حياته، وبعض المفردات من ذكرياته، التي تصلح أن تكون لمحة تاريخية مهمّة من تاريخ الأردن الحديث، وصفحة من صفحات تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، التي ستكون بين أيدي القراء من الشباب، لتكون محلاً للدراسة والاعتبار ونافذة للإطّلاع من خلالها على حقبة تاريخية مهمّة من تاريخ أمّتنا مليئة بالدروس والنظرات والعبرات، التي تشكّل منهلاً عذباً ومصدراً من مصادر صنع الذاكرة المكتملة للأجيال المتواصلة، التي تصنع التاريخ وتصنع معالم المرحلة الحاضرة، وتنتقل بالأردن والإقليم من مرحلة إلى مرحلة، ومن عصرٍ إلى عصر، ومن محطة إلى محطة في تاريخ الأمّة المعاصر.
جيل (أبي المعتصم) شق طريقه بصعوبة بالغة، لا مقارنة بين الأحوال التي نشأت فيها تلك الأجيال في أسر زراعية بدائية، لا تكاد تجد إلاّ ‘‘الحمار’’ وسيلة للنقل والحمل، ورعاية ‘‘البقرات’’ التي تمد العائلة بالغذاء الأساسي، بالإضافة إلى الكد في حقول الأرض من أجل الحصول على بقية قوت العائلة من القمح والعدس والشعير والبقوليات،
صفحة 2
وبعض الخضراوات التي يتمّ بيعها بطريقة بالغة الصعوبة؛ من أجل تحصيل بعض الدراهم التي كانوا يحصلون بها على بعض الملابس والأحذية من المدينة القريبة، في ظل هذه البيئة القاسية، خرج علينا من يحمل شهادة الدكتوراة من باكستان وشهادة الهندسة من تركيا أو مصر أو العراق، ليصبحوا فيما بعد قادة مجتمع متحضر يسابق الزمن في توفير الحياة الكريمة للأجيال الحاضرة.
ينتقل المهندس أبو المعتصم إلى دول الخليج من أجل استكمال مشوار طلب الرزق، وتحسين الأحوال المعيشية لأهله وإخوانه، هذا الانتقال الذي كان جزءاً مهماً من حياة معظم الشباب الأردنيين، الذين أسهموا في نهضة البلدان المجاورة أيضاً، ويخوضون من خلالها تجربة جديدة تكمل بناء الخبرة العملية والتنظيمية لهذه الطليعة، التي نقلت أفكار الدعوة الإسلامية، وأفكار جماعة الإخوان المسلمين من خلال بذر بذور الحريّة في شباب الأمّة من أجل الإسهام في معركة إعادة بناء الأمّة وتحررها من الطغيان والاستبداد، الذي يهدر مقدرات الأمّة ويضيع مستقبلها على أهواء الفاسدين، فكان هؤلاء الشباب أينما ذهبوا وأينما حلّوا بذروا بذور الحريّة والكرامة، والفكر العملي التطبيقي من أجل الإعداد لثورة سلمية شعبية عربية، قادرة على تصحيح الاعوجاج، وتصويب المسيرة.
الشباب الطامح نحو قيادة الأمّة في معركتها الحضارية، لا بدّ أن يسهموا في بناء المشروع الحضاري الإسلامي الكبير، القادر على إصلاح السكة؛ من أجل مواصلة مشوار الإنجاز الحضاري على مستوى العالم، ومن أجل الإسهام في تسجيل صفحة عربية ناصعة في التاريخ الحضاري الإنساني.
يسر مركز الأمة للدراسات والأبحاث أن يقدم مذكرات الأستاذ المهندس خالد القضاة إلى شباب الأمّة الواعي، من أجل زيادة خبرتهم في الحياة وزيادة منسوب الوعي الجمعي الفاعل القادر على استخلاص الدروس وأخذ العبر، من صفحات تاريخية صادقة، تنبض بالحياة، وتعج بالمواقف التي تستحق النظر والفحص والتحليل.
وفي الختام، أدعو الله عزّ وجلّ أن يرحم أخانا أبا المعتصم رحمة واسعة، وأن يغفر له ذنوبه، وأن يثقّل ميزانه، وأن يدخله الجنّة مع الصالحين والصدّيقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، ونرجو الله عزّ وجلّ أن تكون مذكراته إحدى روافد الأجر الدائم الذي لا ينقطع، وتسارع بالطلب من كلّ من قرأ هذه المذكرات أن يدعو لكاتبها بواسع المغفرة والرحمة.
مدير مركز الأمة
د. رحيّل غرايبة
صفحة 3
مقدمة
بقلم معالي الدكتور عبداللطيف عربيات
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الكريم محمد ابن عبدالله عليه أفضل الصلاة والتسليم.
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وأنت في جنان الخلد بإذن الله يا أبا المعتصم، وصلتنا رسالتك المميزة والشاهد العدل على سيرتك النقية الواضحة والمبينة، التي نرى فيها صدق الإيمان والانتماء لدين الله والأمة والأهل الطيبين. لقد كنت شاهد عدل عن نفسك وأهلك وبلدتك ووطنك وأمتك.
قرأت ما كتبت كلمة كلمة، واستمتعت بهذه المحطات والمواقف التي تصف سِفراً خالداً، من حياة رجل أعده نموذجاً صادقاً لحياة مجاهد وهب نفسه لله، وخط طريقه الخاصة والعامة وفق معتقده وإيمانه بعقيدته وأمته.
كنت شاهد عدل عن حياتك وحياة المواطن في عجلون وعين جنة، من خلال وصفك الدقيق لحياة الطالب وما يعانيه، وكيف أن العزيمة والإيمان تتخطيان كل العقبات والمعيقات الاجتماعية، كنت شفافاً وصادقاً في وصف حياة الطالب والمعلم والتوظيف في التربية ولو لمرحلة بسيطة.
وصفت حياتك الجامعية بأدق الكلمات وأصدقها، حالة الجامعات والتغريب في التعليم، حياة الناس ومكونات المجتمع التركي، والنماذج التي صادفتها من جيران عسكريين متقاعدين، أساتذة مشرقين ومغربين وزملاء، حرصت أن يكونوا عوناً لك في أداء رسالتك.
وصفت لنا عملك الوظيفي في نجد ومختلف المناطق القريبة والبعيدة، حيث عرفنا الأصدقاء وبعض المسؤولين، وكيف تُدار مؤسسات الدولة وما فيها من هنات وإيجابيات، وصفت لنا الحلو والمر في العمل الميداني، وحرصك أن تكون نموذجاً جمع بين الإيمان والإخلاص والرجولة والصدق والأمانة.
لقد كنت باراً بنفسك وأهلك وأمتك، ولا أصدق ولا أوضح من كلمات أخيك الدكتور عبد الحميد، الذي سطر حقائق تنفح بالإيمان والشكر لك على ما كنت عليه بن أهلك وذويك.
عرفتك يا أبا المعتصم في مناسبات كثيرة في العمل العام، وكنت الرجل الرمز الذي تنضح فيه معاني الصدق والرجولة وبكل شفافية وجلاء.
وكنت أتصورك أمامي وأنا أقرأ ما كتبت في محطات ومواقف حياتك، فأرى الصورة المشرقة لأخ كريم عزيز، وأثمن عالياً دقة كلماتك وتوجيهاتك.
فسلام الله عليك في الخالدين
صفحة 4
ملامح الحياة في الريف
في أربعينيات القرن الماضي
كل الناس يعملون في أراضيهم الزراعية، الأسرة صغيرها وكبيرها، ذكورها وإناثها، كلٌ يعمل قدر استطاعته، لا يكاد يخلو بيت من رأس من البقر أو رأسين (فدان) للحراثة والحليب، وعدد من الدجاج للحم والبيض، ودابة للتنقلات (حمار واحد) وعدد من الماعز، يجمعها الراعي في الصباح الباكر من عند أصحابها-مقابل أجرة متفق عليها– ويتجه بها إلى الغابات المحيطة بالقرية حيث كان الرعي مسموحاً به فيها، ويعود قبل المساء، وهكـذا.
تعتمد كل أسرة في تأمين حاجاتها اليومية والسنوية على نفسها؛ تزرع القمح والعدس والحمص والشعير بالقدر الذي يسد تلك الحاجة، وتحصل على الزيت في موسمه، وكذلك تستخلص الجميد والسمن وغيره, لم تكن النقود متيسرة، فأجرة العامل بالقروش، كما لم تكن هناك حاجة كبيرة للنقود، فكل ما يحتاجه البيت متوفر فيه فلا فواتير كهرباء، ولا ماء، ولا هاتف، ولا....الخ.
ونسبة الأمية تقترب من النسب التي يحصل عليها الزعماء العرب عندما يرشحون أنفسهم للرئاسة، ولم يكن في عجلون سوى مدرسة واحدة للصف الثالث الابتدائي حكومية، (بينما كانت مدرسة خاصة مسيحية للصف السادس والدراسة فيها تحتاج إلى مصروف أكثر فلم يكن يرتادها أبناء المسلمين).
أما الخدمات الصحية فكانت مقتصرة على تسجيل الولادات والوفيات، مع وجود طبيب واحد للمنطقة بكاملها، وكان في عجلون المستشفى المعمداني التابع لجمعية تبشيرية غربية، – وقد أصبح (مستشفى الإيمان) بعد أن اشترته وزارة الصحة بنصف مليون دينار أردني أي ما يعادل 5,1 مليون دولار في حينه- لا يزوره المرضى إلا عند الضرورة القصوى نظراً لارتفاع التكلفة نظراً لفقرهم الشديد، ولدوره في التبشير، حيث أن على كل مريض في المستشفى أن يستمع إلى موعظة المبشر الأسبوعية كل يوم أحد مع الاحتفاظ بنسخة من الإنجيل تعطى له.