صفحة 1
المقدمة
الحمد لله رب العالمين،
الوهم والمجهول حواجز خوف تتكون وتتعاظم في النفس البشرية بسبب كلمة أو موقف، وقد تكون مارداً يقف في طريق الإبداع والتفوق، ولكنها تتلاشى حينما تضيء بيدك شمعة أو تبدأ بأول خطوة.
مقالات كتبت مع نسائم الإصلاح والحرية في شباط/ فبراير عام 2001م حينما اختار أبناء الجزيرة الوادعة( البحرين) الديمقراطية كمنهج حياة جديدة، خصوصاً وأن المنطقة العربية كانت على موعد مع الثورة العربية التي انطلقت مع نهاية عام 2010م، لذا اختار أبناء البحرين طريق المشاركة الشعبية في صنع القرار فبدأوا قبل جيرانهم من الدول في عملية التغيير، فأقاموا الكثير من المؤسسات التشريعية، الجمعيات السياسية، والهيئات والنقابات العمالية، وتم تدشين الكثير من الصحف للتأكيد على مساحة الحرية التي يتمتع بها أبناء هذا الوطن مقارنة بدول الجوار.
مقالات الإصلاح السياسي هي محاولات لاستقراء المشهد السياسي المحلي والإقليمي بعيداً عن الطرح الطائفي البغيض أو الحزبي المؤدلج أو المصالح الذاتية، وهي بعد ذلك محاولات جادة لتجديد نمط الخطاب الإسلامي لمواجهة التطرف الديني الذي بدأت ملامحه في المنطقة العربية، لذا جاءت الحاجة اليوم إلى طرح الرؤى الوسطية والمعتدلة.
صلاح بن يوسف الجـودر
قضايا وطنية
الحمد لله رب العالمين،
الوهم والمجهول حواجز خوف تتكون وتتعاظم في النفس البشرية بسبب كلمة أو موقف، وقد تكون مارداً يقف في طريق الإبداع والتفوق، ولكنها تتلاشى حينما تضيء بيدك شمعة أو تبدأ بأول خطوة.
مقالات كتبت مع نسائم الإصلاح والحرية في شباط/ فبراير عام 2001م حينما اختار أبناء الجزيرة الوادعة( البحرين) الديمقراطية كمنهج حياة جديدة، خصوصاً وأن المنطقة العربية كانت على موعد مع الثورة العربية التي انطلقت مع نهاية عام 2010م، لذا اختار أبناء البحرين طريق المشاركة الشعبية في صنع القرار فبدأوا قبل جيرانهم من الدول في عملية التغيير، فأقاموا الكثير من المؤسسات التشريعية، الجمعيات السياسية، والهيئات والنقابات العمالية، وتم تدشين الكثير من الصحف للتأكيد على مساحة الحرية التي يتمتع بها أبناء هذا الوطن مقارنة بدول الجوار.
مقالات الإصلاح السياسي هي محاولات لاستقراء المشهد السياسي المحلي والإقليمي بعيداً عن الطرح الطائفي البغيض أو الحزبي المؤدلج أو المصالح الذاتية، وهي بعد ذلك محاولات جادة لتجديد نمط الخطاب الإسلامي لمواجهة التطرف الديني الذي بدأت ملامحه في المنطقة العربية، لذا جاءت الحاجة اليوم إلى طرح الرؤى الوسطية والمعتدلة.
صلاح بن يوسف الجـودر
قضايا وطنية
صفحة 2
بحر من الفساد، فأين المحارب؟
في أعمال الفصل التشريعي الأول (2002م) لمجلس النواب الذي كثرت فيه الأطروحات والنزاعات الطائفية التي أشغلت الرأي العام عن مطالبه الرئيسية، مثل السكن والوظيفة ورفع مستوى المعيشة، في تلك الفترة فُتح ملف من أخطر الملفات يتضمن أموال الشعب وتحويشة العمر، فتح ملف إفلاس صندوقي التأمينات والتقاعد، فأخذ أصحاب المعاشات التقاعدية في الاتصال بأصحاب السعادة النواب مستفسرين عن مصير اشتراكاتهم، وعن الباقي من أموالهم، هل هي في الحفظ والصون أم هي في مغارة الأربعين حرامي؟!، حينئذ ظهر رئيس مجلس النواب (السيد خليفة الظهراني) مطمئناً الجميع بأن: (التحقيق سيجري إلى نهاية الشوط)، وقال عن اللجنة المكلفة هذا الملف: (لن تتراجع عن القيام بواجبها).
وفعلاً قامت اللجنة بدراسة ملف التأمينات والتقاعد، ففتشت في الأوراق، ونقبت في المستندات، وراجعت الأرقام والحسابات، واستعانت بالخبراء الاكتوارين والمحاسبين، حتى ارتفعت التصريحات النارية لبعض النواب من على المنابر الدينية (لكونهم خطباء جمع ونواب شعب) وفي المجالس والمنتديات، بأن يد السارق ستقطع تطبيقاً للشريعة الإسلامية!!، وأكثر من ذلك خرج علينا أصحاب الأصوات العالية والأعصاب المنفلتة مهددين بحرق (بشوتهم)، أو بتقديم استقالاتهم، أو مقاطعين لجلسات المجلس النيابي، وفي النهاية هدأت العاصفة، واختفى المزايدون (كعادتهم)، وانتهى ذلك الضجيج الذي سمعناه ولم نر معه طحناً سياسياً!!.
واليوم ونحن نتصفح تقرير ديوان الرقابة المالية الثالث نكتشف بأن ملف صندوقي التأمينات والتقاعد لم يتغير، وبأن العجز حاصل لا محالة بعد خمس وعشرين سنة، وكأنك يا بو زيد ما غزيت، فأين أعمال اللجنة السابقة؟، وأين توصياتها؟، وأين تطميناتها؟، لقد كان ملفاً يحسبه الظمآن ماء، فالحقيقة المرة التي سنتجرعها يوماً ما ونحن نرى التقرير تلو التقرير هي زيادة نسبة الاشتراك من 18 إلى 21 وإما الإفلاس؟!.
مع مرارة التقرير، وأسى مما جاء فيه من سلبيات وممارسات خاطئة إلا أنه (التقرير) جاء بامتياز مع مرتبة الشرف، لقد كشف التقرير الكثير من السلبيات والأخطاء والممارسات في الوزارات والمؤسسات الحكومية التي هي سبب واضح (كما جاء في التقرير) للمحسوبية والرشى وشراء الذمم، فالتقرير الذي كشف أن قرابة الأربعين مؤسسة ووزارة حكومية بها هذا الكم الهائل من الأخطاء المالية والإدارية لهو تقرير في محاربة الفساد وإصلاح الوطن يساوي وزنه ذهباً.
لسنا من أصحاب النظارات السوداء حينما نبدأ بتحليل تلك التقارير، ولسنا من المتشائمين ونحن نتدارس تلك الأرقام والحسابات، وإن كانت قراءة ذلك التقرير بالذات لا تحتاج إلى كثير عناء أو تعب، أو تحليلات مدقق أو محاسب، فكل الأمور فيه أوضح من الشمس في كبد السماء، ولكنه في حاجة إلى شجاعة رجل لا يخاف في الله لومة لائم، فيوجه أسئلته إلى الوزير المعني، مباشرة وأمام الملأ، و من دون خوف أو تردد، وفق ما أعطاه إياه الدستور والقانون من صلاحيات، لا أن تكون الأسئلة بشكل استجداء أو ترجٍ في المجالس الخاصة والغرف المغلقة في الطابق الأول إلى اليمين من المصعد!!.
لن نبكي على اللبن المسكوب، ولن نلطم الخدود أو نشق الجيوب، فهذا ليس مسلكنا، ولكنا سنقف مع كل نائب ذي إرادة مستقلة يريد الخير لهذا الوطن، فيبدأ بنقد ذاته قبل شتم الآخرين، وتوجيه النقد إلى كتلته قبل النيل من رموز العمل الوطني بالسب والشتيمة، عليه أن يسأل نفسه أين ذهبت تلك الأموال التي تحدث عنها تقرير الرقابة المالية؟، ومن المستفيد منها؟، ومتى تعود إلى أماكنها الطبيعية؟، هذه كلها أسئلة مشروعة يوجهها نائب إلى وزير!!.
لقد نادينا جميعاً بالإصلاح حينما صوتنا على ميثاق العمل الوطني، وقلنا نعم مع جلالة الملك في مشروعه الإصلاحي، وقلنا إننا دعاة إصلاح وتقويم منذ اليوم الأول للميثاق، نعلم بأن الإصلاح الذي نادينا به قبل خمسة أعوام وصوتنا من أجله على ميثاق العمل الوطني الذي دشنه جلالة الملك لن تكون طرقه ممهدة، ولا العقليات متقبلة، لا، لكن أول طرق الإصلاح هو المكاشفة والمصارحة، وهذا التقرير كان قمة في المكاشفة والمصارحة، يؤلم، يزعج، يقلق، ولكنه في الوقت ذاته بداية الإصلاح، ونحن ندقق في التقرير لم تكن نظرتنا من أجل الشماتة أو التصفيات الشخصية لبعض المسؤولين، ولم نكن في الجهة الأخرى (موالين) لنبحث عن الأعذار والمبررات لهذا المسؤول أو ذلك، ولكن من أجل أن يكون الإصلاح صحيحاً لا بد أن نبدأ بالرقابة حتى وإن تأخرنا قليلاً عن التشريع.
فإذا كان تقرير الرقابة المالية بهذه الشفافية والمكاشفة فإن المسؤولية اليوم على نوابنا الأفاضل الذين ضمنوا برامج عملهم الانتخابي محاربة الفساد المالي والإداري، فهل نجد محارباً أم مقايضاً وبائعاً للملفات والتقارير؟؟.
في أعمال الفصل التشريعي الأول (2002م) لمجلس النواب الذي كثرت فيه الأطروحات والنزاعات الطائفية التي أشغلت الرأي العام عن مطالبه الرئيسية، مثل السكن والوظيفة ورفع مستوى المعيشة، في تلك الفترة فُتح ملف من أخطر الملفات يتضمن أموال الشعب وتحويشة العمر، فتح ملف إفلاس صندوقي التأمينات والتقاعد، فأخذ أصحاب المعاشات التقاعدية في الاتصال بأصحاب السعادة النواب مستفسرين عن مصير اشتراكاتهم، وعن الباقي من أموالهم، هل هي في الحفظ والصون أم هي في مغارة الأربعين حرامي؟!، حينئذ ظهر رئيس مجلس النواب (السيد خليفة الظهراني) مطمئناً الجميع بأن: (التحقيق سيجري إلى نهاية الشوط)، وقال عن اللجنة المكلفة هذا الملف: (لن تتراجع عن القيام بواجبها).
وفعلاً قامت اللجنة بدراسة ملف التأمينات والتقاعد، ففتشت في الأوراق، ونقبت في المستندات، وراجعت الأرقام والحسابات، واستعانت بالخبراء الاكتوارين والمحاسبين، حتى ارتفعت التصريحات النارية لبعض النواب من على المنابر الدينية (لكونهم خطباء جمع ونواب شعب) وفي المجالس والمنتديات، بأن يد السارق ستقطع تطبيقاً للشريعة الإسلامية!!، وأكثر من ذلك خرج علينا أصحاب الأصوات العالية والأعصاب المنفلتة مهددين بحرق (بشوتهم)، أو بتقديم استقالاتهم، أو مقاطعين لجلسات المجلس النيابي، وفي النهاية هدأت العاصفة، واختفى المزايدون (كعادتهم)، وانتهى ذلك الضجيج الذي سمعناه ولم نر معه طحناً سياسياً!!.
واليوم ونحن نتصفح تقرير ديوان الرقابة المالية الثالث نكتشف بأن ملف صندوقي التأمينات والتقاعد لم يتغير، وبأن العجز حاصل لا محالة بعد خمس وعشرين سنة، وكأنك يا بو زيد ما غزيت، فأين أعمال اللجنة السابقة؟، وأين توصياتها؟، وأين تطميناتها؟، لقد كان ملفاً يحسبه الظمآن ماء، فالحقيقة المرة التي سنتجرعها يوماً ما ونحن نرى التقرير تلو التقرير هي زيادة نسبة الاشتراك من 18 إلى 21 وإما الإفلاس؟!.
مع مرارة التقرير، وأسى مما جاء فيه من سلبيات وممارسات خاطئة إلا أنه (التقرير) جاء بامتياز مع مرتبة الشرف، لقد كشف التقرير الكثير من السلبيات والأخطاء والممارسات في الوزارات والمؤسسات الحكومية التي هي سبب واضح (كما جاء في التقرير) للمحسوبية والرشى وشراء الذمم، فالتقرير الذي كشف أن قرابة الأربعين مؤسسة ووزارة حكومية بها هذا الكم الهائل من الأخطاء المالية والإدارية لهو تقرير في محاربة الفساد وإصلاح الوطن يساوي وزنه ذهباً.
لسنا من أصحاب النظارات السوداء حينما نبدأ بتحليل تلك التقارير، ولسنا من المتشائمين ونحن نتدارس تلك الأرقام والحسابات، وإن كانت قراءة ذلك التقرير بالذات لا تحتاج إلى كثير عناء أو تعب، أو تحليلات مدقق أو محاسب، فكل الأمور فيه أوضح من الشمس في كبد السماء، ولكنه في حاجة إلى شجاعة رجل لا يخاف في الله لومة لائم، فيوجه أسئلته إلى الوزير المعني، مباشرة وأمام الملأ، و من دون خوف أو تردد، وفق ما أعطاه إياه الدستور والقانون من صلاحيات، لا أن تكون الأسئلة بشكل استجداء أو ترجٍ في المجالس الخاصة والغرف المغلقة في الطابق الأول إلى اليمين من المصعد!!.
لن نبكي على اللبن المسكوب، ولن نلطم الخدود أو نشق الجيوب، فهذا ليس مسلكنا، ولكنا سنقف مع كل نائب ذي إرادة مستقلة يريد الخير لهذا الوطن، فيبدأ بنقد ذاته قبل شتم الآخرين، وتوجيه النقد إلى كتلته قبل النيل من رموز العمل الوطني بالسب والشتيمة، عليه أن يسأل نفسه أين ذهبت تلك الأموال التي تحدث عنها تقرير الرقابة المالية؟، ومن المستفيد منها؟، ومتى تعود إلى أماكنها الطبيعية؟، هذه كلها أسئلة مشروعة يوجهها نائب إلى وزير!!.
لقد نادينا جميعاً بالإصلاح حينما صوتنا على ميثاق العمل الوطني، وقلنا نعم مع جلالة الملك في مشروعه الإصلاحي، وقلنا إننا دعاة إصلاح وتقويم منذ اليوم الأول للميثاق، نعلم بأن الإصلاح الذي نادينا به قبل خمسة أعوام وصوتنا من أجله على ميثاق العمل الوطني الذي دشنه جلالة الملك لن تكون طرقه ممهدة، ولا العقليات متقبلة، لا، لكن أول طرق الإصلاح هو المكاشفة والمصارحة، وهذا التقرير كان قمة في المكاشفة والمصارحة، يؤلم، يزعج، يقلق، ولكنه في الوقت ذاته بداية الإصلاح، ونحن ندقق في التقرير لم تكن نظرتنا من أجل الشماتة أو التصفيات الشخصية لبعض المسؤولين، ولم نكن في الجهة الأخرى (موالين) لنبحث عن الأعذار والمبررات لهذا المسؤول أو ذلك، ولكن من أجل أن يكون الإصلاح صحيحاً لا بد أن نبدأ بالرقابة حتى وإن تأخرنا قليلاً عن التشريع.
فإذا كان تقرير الرقابة المالية بهذه الشفافية والمكاشفة فإن المسؤولية اليوم على نوابنا الأفاضل الذين ضمنوا برامج عملهم الانتخابي محاربة الفساد المالي والإداري، فهل نجد محارباً أم مقايضاً وبائعاً للملفات والتقارير؟؟.
صفحة 3
بحور المحرق
شعارات وهتافات أهالي المحرق(عاصمة البحرين القديمة حتى عام1923م) في اعتصام الاستيلاء على الأراضي والسواحل بمحافظة المحرق، كانت هذه الشعارات هي الأولى في نوعها منذ ستينيات القرن الماضي حين كان النضال الوطني للمصلحة العليا سيد الموقف، ومع قسوة الشعارات التي رددت ومرارتها إلا أنه لم تمارس ضدها أساليب الضرب والتركيع والإذلال التي كانت في عصر القمع والاحتقان السياسي.
لقد كانت الاعتصامات التي قادها رجالات المحرق (الغيورون) أكبر دليل على أن هناك تحركاً شعبياً (وليس نخبوياً) يدعو إلى التمسك بالأرض والسواحل، في الوقت الذي انعدمت الزعامات الدينية التي كثيراً ما كانت تردد في زوايا المساجد (من رأى منكم منكراً فليغيره)، ويرجع البعض السبب في ذلك إلى أن زعامات الماضي بدأت تشعر بسحب البساط خفية من تحت أقدامها!.
من هنا فقد أصبحت التساؤلات عن الأراضي والسواحل كثيرة، فهل فعلاً قد تم الاستيلاء على (بحور) المحرق وسواحلها ومصادرتها وهي الآن في الطريق للبيع بالتجزئة؟!، وهل المشاريع الإسكانية الموعودة منذ القرن الماضي إنما هي مسكنات وقتية تعطى في إثر كل اعتصام أو مسيرة؟!، وهل فعلاً ستعيش أجيال المستقبل في شقق شبيهة بـ (ميادين الحمام)؟!، وإلا فما سر التهافت على (البحور) وسرعة دفنها بالليل والنهار حتى أصبحت أغلى من برميل البترول؟، ثم ما سر السكوت المطبق الذي نزل على المسؤولين فجأة في قضية (السكن)؟.
على الرغم من وضوح الصورة من أكثر من زاوية، إلا أن هذه الظاهرة تجعل الكثير من رموزنا الوطنية والدينية تدفن رأسها في التراب وتلتزم الصمت، لا لشيء إلا للمصالح الذاتية والأنانية المفرطة وكأن أحدهم موعود بـ(مقعد في البرلمان)!!.
والسبب في تشخيصنا لمشكلة الاستيلاء على السواحل والنظر إليها بأنها ظاهرة، هو أنها ليست قطعة أرض هبة والسلام، وليست مشكلة بسيطة (كما يتوهم المتوهمون والموعودون بالعطاء) لا، فلو كان الأمر كذلك لما استحق من المعتصمين كل هذا الجهد وذاك العناء، ولكنها (أراض تدفن بالهبل) حتى يخيل إليك بأنها من الربع الخالي.
وحتى لا نكون من المتشائمين كثيراً عند تحليل تلك القضايا، فإن من امتلك القوة والمكانة في بعض الجمعيات أصبح يرفض الاعتصام مع الناس أو حضور فعالياتهم، اعتقاداً منه بأن أسلوب المماحكات وعدم إغضاب أصحاب النفوذ هو أسلم وسيلة للأكل الأحادي من كعكة الأراضي، والسبب أنه يرى عيش اللحظة الراهنة من دون النظر إلى نهاية المطاف حينما تختفي كل السواحل، ويسكن الناس حينئذ في الأوهام والأحلام!!.
وعند دراسة الملف وخطورة الوضع فإننا لن نوجه خطابنا إلى أولئك الذين سقطت أقنعتهم وبدت سوءاتهم، وإنما سنوجهه إلى أولئك الذين يقدمون همّ الوطن والمواطن على كل شيء، سنوجهه إلى الذين يفترض بهم الحكمة وبعد النظر، وعدم الاغترار والتمترس خلف الكيانات السياسية أو الحزبية.
في إثر تلك الاعتصامات استاء الشارع من بعض القيادات الدينية التي أصابها الخور والضعف والاستسلام واليأس من تغير الواقع، أولئك الذين يضربون اليوم أسوأ الأمثلة على تبني المواقف الوطنية، فأين هم من مواقف الشيخ المجاهد عبدالوهاب الزياني وبن لاحج والشملان والباكر والعليوات وكمال الدين وغيرهم، هؤلاءِ الذين لا يزال التاريخ يفتخر بهم وبتضحياتهم.
إن مجتمعنا بأطيافه وألوانه وتياراته هو بحاجة إلى نماذج وطنية مخلصة غير تلك التي تملأ صورهم وأخبارهم المزورة أعمدة الصحف والنشرات، هذه الأخبار التي يغلب عليها التهور والطيش والاستعجال كل ذلك من أجل مكاسب وقتية تنتهي مع انتهاء الحملات الانتخابية.
إن على علماء الأمة وعقلائها الانتباه إلى المشاكل والقضايا التي تطرح على الساحة المحلية ومن ضمنها الاستيلاء على الأراضي، ومن ثم السعي إلى حسن التدبير والنظر إلى المستقبل والبعد عن التنطع الذي يمحق البركة، وعدم الالتفات إلى المشككين والطاعنين في الظهر الذين يسيرون دائماً ضد التيار من أجل الظهور والبروز تحت شعار (خالف تعرف)!، وهذا ليس تعريضاً أو تشهيراً ولكن هو أولى الخطوات التي يجب أن يقوم بها العلماء والعقلاء لاستنهاض الناس وتحريرهم من عبودية العمل السياسي وطيش المنتسبين إليه.
وحتى نكون أكثر صراحة لما يدور في المجالس والمنتديات فإن هناك الكثير من الناس يثيرون الشبهات العديدة حول بعض الرموز الإسلامية وكيفية تعاطيها مع القضايا المجتمعية وفي مقدمتها مراقبة المال العام، وأن تلك الرموز لا تتبنى القضايا المصيرية وإنما ترفع الشعارات فقط وإذا ما جاء الجد والعمل بدأت بالبحث عن المبررات والمسوغات ومن ثم التولي يوم الزحف.
مع تحول البلاد إلى مملكة دستورية بعد التصديق على ميثاق العمل الوطني في بداية القرن الجديد، ودخولها مرحلة جديدة سمتها الشفافية والمكاشفة وحرية التعبير فإننا نشهد الكثير من الملفات التي تتصل بحياة الناس وواقعهم الأمر الذي يوجب علينا دراسة تلك المشاكل.
لذا فإن الدعوة اليوم توجه إلى أولئك الذين يتصدرون الفعاليات من أجل مكاسب دنيوية، وقد وصفهم شيخ الإسلام ابن القيم بأصحاب العقل المعيشي، هؤلاء الذين لا يحملون سوى توجهات حزبية أو مناطقية أو طائفية ضيقة، ويروجون للمرجعية من أجل احتكار الحقيقة!.
فإذا كانت هذه هي حال المواطن (الغلبان) وتلك هي سواحله تباع أمام عينيه بالليل والنهار من دون أن يحظى ولو بحفنة تراب، فإن من الواجب على الدولة التحرك للمحافظة على تلك الأراضي وتنميتها، وعلى نواب الشعب أن يزيدوا من نشاطهم وحيويتهم من دون النظر إلى قرب انتهاء فترة البرلمان، فهل نرى حراكاً سياسياً للدفاع عن حقوق تلك الأراضي والسواحل أم نضطر إلى الاعتصام مجدداً؟!.
شعارات وهتافات أهالي المحرق(عاصمة البحرين القديمة حتى عام1923م) في اعتصام الاستيلاء على الأراضي والسواحل بمحافظة المحرق، كانت هذه الشعارات هي الأولى في نوعها منذ ستينيات القرن الماضي حين كان النضال الوطني للمصلحة العليا سيد الموقف، ومع قسوة الشعارات التي رددت ومرارتها إلا أنه لم تمارس ضدها أساليب الضرب والتركيع والإذلال التي كانت في عصر القمع والاحتقان السياسي.
لقد كانت الاعتصامات التي قادها رجالات المحرق (الغيورون) أكبر دليل على أن هناك تحركاً شعبياً (وليس نخبوياً) يدعو إلى التمسك بالأرض والسواحل، في الوقت الذي انعدمت الزعامات الدينية التي كثيراً ما كانت تردد في زوايا المساجد (من رأى منكم منكراً فليغيره)، ويرجع البعض السبب في ذلك إلى أن زعامات الماضي بدأت تشعر بسحب البساط خفية من تحت أقدامها!.
من هنا فقد أصبحت التساؤلات عن الأراضي والسواحل كثيرة، فهل فعلاً قد تم الاستيلاء على (بحور) المحرق وسواحلها ومصادرتها وهي الآن في الطريق للبيع بالتجزئة؟!، وهل المشاريع الإسكانية الموعودة منذ القرن الماضي إنما هي مسكنات وقتية تعطى في إثر كل اعتصام أو مسيرة؟!، وهل فعلاً ستعيش أجيال المستقبل في شقق شبيهة بـ (ميادين الحمام)؟!، وإلا فما سر التهافت على (البحور) وسرعة دفنها بالليل والنهار حتى أصبحت أغلى من برميل البترول؟، ثم ما سر السكوت المطبق الذي نزل على المسؤولين فجأة في قضية (السكن)؟.
على الرغم من وضوح الصورة من أكثر من زاوية، إلا أن هذه الظاهرة تجعل الكثير من رموزنا الوطنية والدينية تدفن رأسها في التراب وتلتزم الصمت، لا لشيء إلا للمصالح الذاتية والأنانية المفرطة وكأن أحدهم موعود بـ(مقعد في البرلمان)!!.
والسبب في تشخيصنا لمشكلة الاستيلاء على السواحل والنظر إليها بأنها ظاهرة، هو أنها ليست قطعة أرض هبة والسلام، وليست مشكلة بسيطة (كما يتوهم المتوهمون والموعودون بالعطاء) لا، فلو كان الأمر كذلك لما استحق من المعتصمين كل هذا الجهد وذاك العناء، ولكنها (أراض تدفن بالهبل) حتى يخيل إليك بأنها من الربع الخالي.
وحتى لا نكون من المتشائمين كثيراً عند تحليل تلك القضايا، فإن من امتلك القوة والمكانة في بعض الجمعيات أصبح يرفض الاعتصام مع الناس أو حضور فعالياتهم، اعتقاداً منه بأن أسلوب المماحكات وعدم إغضاب أصحاب النفوذ هو أسلم وسيلة للأكل الأحادي من كعكة الأراضي، والسبب أنه يرى عيش اللحظة الراهنة من دون النظر إلى نهاية المطاف حينما تختفي كل السواحل، ويسكن الناس حينئذ في الأوهام والأحلام!!.
وعند دراسة الملف وخطورة الوضع فإننا لن نوجه خطابنا إلى أولئك الذين سقطت أقنعتهم وبدت سوءاتهم، وإنما سنوجهه إلى أولئك الذين يقدمون همّ الوطن والمواطن على كل شيء، سنوجهه إلى الذين يفترض بهم الحكمة وبعد النظر، وعدم الاغترار والتمترس خلف الكيانات السياسية أو الحزبية.
في إثر تلك الاعتصامات استاء الشارع من بعض القيادات الدينية التي أصابها الخور والضعف والاستسلام واليأس من تغير الواقع، أولئك الذين يضربون اليوم أسوأ الأمثلة على تبني المواقف الوطنية، فأين هم من مواقف الشيخ المجاهد عبدالوهاب الزياني وبن لاحج والشملان والباكر والعليوات وكمال الدين وغيرهم، هؤلاءِ الذين لا يزال التاريخ يفتخر بهم وبتضحياتهم.
إن مجتمعنا بأطيافه وألوانه وتياراته هو بحاجة إلى نماذج وطنية مخلصة غير تلك التي تملأ صورهم وأخبارهم المزورة أعمدة الصحف والنشرات، هذه الأخبار التي يغلب عليها التهور والطيش والاستعجال كل ذلك من أجل مكاسب وقتية تنتهي مع انتهاء الحملات الانتخابية.
إن على علماء الأمة وعقلائها الانتباه إلى المشاكل والقضايا التي تطرح على الساحة المحلية ومن ضمنها الاستيلاء على الأراضي، ومن ثم السعي إلى حسن التدبير والنظر إلى المستقبل والبعد عن التنطع الذي يمحق البركة، وعدم الالتفات إلى المشككين والطاعنين في الظهر الذين يسيرون دائماً ضد التيار من أجل الظهور والبروز تحت شعار (خالف تعرف)!، وهذا ليس تعريضاً أو تشهيراً ولكن هو أولى الخطوات التي يجب أن يقوم بها العلماء والعقلاء لاستنهاض الناس وتحريرهم من عبودية العمل السياسي وطيش المنتسبين إليه.
وحتى نكون أكثر صراحة لما يدور في المجالس والمنتديات فإن هناك الكثير من الناس يثيرون الشبهات العديدة حول بعض الرموز الإسلامية وكيفية تعاطيها مع القضايا المجتمعية وفي مقدمتها مراقبة المال العام، وأن تلك الرموز لا تتبنى القضايا المصيرية وإنما ترفع الشعارات فقط وإذا ما جاء الجد والعمل بدأت بالبحث عن المبررات والمسوغات ومن ثم التولي يوم الزحف.
مع تحول البلاد إلى مملكة دستورية بعد التصديق على ميثاق العمل الوطني في بداية القرن الجديد، ودخولها مرحلة جديدة سمتها الشفافية والمكاشفة وحرية التعبير فإننا نشهد الكثير من الملفات التي تتصل بحياة الناس وواقعهم الأمر الذي يوجب علينا دراسة تلك المشاكل.
لذا فإن الدعوة اليوم توجه إلى أولئك الذين يتصدرون الفعاليات من أجل مكاسب دنيوية، وقد وصفهم شيخ الإسلام ابن القيم بأصحاب العقل المعيشي، هؤلاء الذين لا يحملون سوى توجهات حزبية أو مناطقية أو طائفية ضيقة، ويروجون للمرجعية من أجل احتكار الحقيقة!.
فإذا كانت هذه هي حال المواطن (الغلبان) وتلك هي سواحله تباع أمام عينيه بالليل والنهار من دون أن يحظى ولو بحفنة تراب، فإن من الواجب على الدولة التحرك للمحافظة على تلك الأراضي وتنميتها، وعلى نواب الشعب أن يزيدوا من نشاطهم وحيويتهم من دون النظر إلى قرب انتهاء فترة البرلمان، فهل نرى حراكاً سياسياً للدفاع عن حقوق تلك الأراضي والسواحل أم نضطر إلى الاعتصام مجدداً؟!.
صفحة 4
ماذا أحكي لك عن سور المحرق؟؟
لا شك أن اسم المحرق قد أصبح اسماً ذا دلالات كثيرة، فهو أصل الطيبة، والمحبة، والتعايش السلمي، فلا طبقية فيه ولا طائفية ولا استعلاء، فأبناء المحرق نموذج مصغر لأبناء هذا الوطن العزيز، ولكن يبقى اسم المحرق – لا تعصباً مناطقياً- جذاباً لكل من يسعى للعمل على الساحة المحلية، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الرياضية، فهو اسم يؤكد على تلاحم أبناء هذه الجزيرة وتماسكهم، حتى تحول هذا الاسم إلى ماركة مسجلة يبحث عنه كل من يريد إثبات الانتماء إلى هذه الجزيرة التي اشتهرت بالعلم والأخلاق والأدب والشعر، حتى أولئك الذين اضطرتهم ظروف الحياة إلى الخروج منها تجد أن الحنين يعيدهم إليها مرة تلو المرة.
فمع ضيق الطرقات في هذه المدينة وعدم توافر المواقف وكثرة البيوت القديمة والآيلة إلى السقوط إلا أنها لا تزال تحافظ على طبيعتها وتماسكها، فإذا ذكرت الكويت والرياض والبصرة ذكرت معها المحرق، فهي من أقدم مدن دول الخليج إن لم تكن الأقدم، لذا ترى الزائر لها ممن افتقد التراث والأصالة في دياره يستمتع بعبق الماضي وهو يسير في أزقتها الضيقة وطرقاتها الملتوية، بل إن دموع الحنين وذكريات الماضي تأخذه إلى صور أولئك الرجال الذين كانوا يرددون الهولو واليامال، وأولئك النساء وهن ينادين البحر: توب توب يا بحر، بل قد ترى صور الصبية الذين كان لهم دوي في تلك الفرجان القديمة.
جميل منا بعد أن قامت المجالس المنتخبة أن نضع الأهداف والاستراتيجيات التي تؤكد على مكانة مدينة المحرق التاريخية المسطرة في كتب الأدباء من أمثال العلامة النبهاني والرحالة أمين الريحاني والشيخ محمد رشيد رضا والمستشرقين وغيرهم، وجميل كذلك أن نفرح ونحن نرى الطفرة العمرانية في أطراف تلك المدينة، وهذا الأمر مفهوم لدينا، ولكن غير المفهوم هو اللهاث المسعور خلف الحداثة والعولمة- بعجرهما وبجرهما- دون التأكيد على القديم الأصيل!!.
نفرح حين نرى الأبراج وناطحات السحاب والمجمعات التجارية الكبيرة والحركة العمرانية الفريدة في نوعها في الوطن، ولكنا في الوقت ذاته نصاب بالكآبة حينما يهدم موقع تاريخي أو يدرس معلم من معالم هذه المدينة، لذا فإن بعض الدول قد سعت لأن تصنع لها تاريخاً مستنسخاً بعد أن أضاعت تاريخها وهدمت ما تبقى من ذلك التراث، فما بالنا ونحن نملك كل تلك المقومات، من بيوت تراثية وطرقات جميلة وأسواق شعبية ثم نفرط في كل ذلك سواء بنكران ذلك التاريخ أو بالتغافل عن تلك المواقع ولو بلوحة تؤكد على أهمية الموقع!!.
لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن سور المحرق القديم، وأخذ البعض يتساءل هل هو حقيقة أم من نسج الخيال، وإذا كان حقيقة فأين مكانه؟، ومن بناه؟، ولماذا ومتى تمت إزالته؟، وكم كان طوله؟، والسؤال الأهم هو: لماذا لا يعاد بناؤه أو أجزاء منه؟ كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات خاصة.
لقد نادينا في الكثير من الفعاليات والمناسبات بإعادة إحياء هذا السور التاريخي الذي يؤكد على ترابط أبناء هذا الوطن، سنيها وشيعيها، غنيها وفقيرها، رجالاً ونساءً، فشواهد التاريخ تؤكد بأنه كان للمحرق جدار عالي الأسوار وله عدة أبواب تسمى (دراويز)، تفتح صباحاً حال خروج الرجال إلى البحر ويغلق ليلاً حال دخولهم إلى المدينة، ومما يؤكد على وجود ذلك السور هي الأسواق التي درست وبقي بعضها شاهداً على تاريخ هذه المدينة، فالكثير من الكتابات والصور تؤكد على وجود أسواق قديمة مثل سوق الخارو ومحيش والطيارة والتجار، وقد تغيرت ملامح الكثير منها، ولكن بقيت سوق القيصرية التي تم بناؤها سنة 1810م بأمر من الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة وبقيت صامدة شامخة تؤكد على جمال تلك السوق وتاريخ تلك الأرض، وما هي إلا سنوات حتى تكمل سوق القصيرية المائتي عام على إنشائها.
لا شك أن اسم المحرق قد أصبح اسماً ذا دلالات كثيرة، فهو أصل الطيبة، والمحبة، والتعايش السلمي، فلا طبقية فيه ولا طائفية ولا استعلاء، فأبناء المحرق نموذج مصغر لأبناء هذا الوطن العزيز، ولكن يبقى اسم المحرق – لا تعصباً مناطقياً- جذاباً لكل من يسعى للعمل على الساحة المحلية، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الرياضية، فهو اسم يؤكد على تلاحم أبناء هذه الجزيرة وتماسكهم، حتى تحول هذا الاسم إلى ماركة مسجلة يبحث عنه كل من يريد إثبات الانتماء إلى هذه الجزيرة التي اشتهرت بالعلم والأخلاق والأدب والشعر، حتى أولئك الذين اضطرتهم ظروف الحياة إلى الخروج منها تجد أن الحنين يعيدهم إليها مرة تلو المرة.
فمع ضيق الطرقات في هذه المدينة وعدم توافر المواقف وكثرة البيوت القديمة والآيلة إلى السقوط إلا أنها لا تزال تحافظ على طبيعتها وتماسكها، فإذا ذكرت الكويت والرياض والبصرة ذكرت معها المحرق، فهي من أقدم مدن دول الخليج إن لم تكن الأقدم، لذا ترى الزائر لها ممن افتقد التراث والأصالة في دياره يستمتع بعبق الماضي وهو يسير في أزقتها الضيقة وطرقاتها الملتوية، بل إن دموع الحنين وذكريات الماضي تأخذه إلى صور أولئك الرجال الذين كانوا يرددون الهولو واليامال، وأولئك النساء وهن ينادين البحر: توب توب يا بحر، بل قد ترى صور الصبية الذين كان لهم دوي في تلك الفرجان القديمة.
جميل منا بعد أن قامت المجالس المنتخبة أن نضع الأهداف والاستراتيجيات التي تؤكد على مكانة مدينة المحرق التاريخية المسطرة في كتب الأدباء من أمثال العلامة النبهاني والرحالة أمين الريحاني والشيخ محمد رشيد رضا والمستشرقين وغيرهم، وجميل كذلك أن نفرح ونحن نرى الطفرة العمرانية في أطراف تلك المدينة، وهذا الأمر مفهوم لدينا، ولكن غير المفهوم هو اللهاث المسعور خلف الحداثة والعولمة- بعجرهما وبجرهما- دون التأكيد على القديم الأصيل!!.
نفرح حين نرى الأبراج وناطحات السحاب والمجمعات التجارية الكبيرة والحركة العمرانية الفريدة في نوعها في الوطن، ولكنا في الوقت ذاته نصاب بالكآبة حينما يهدم موقع تاريخي أو يدرس معلم من معالم هذه المدينة، لذا فإن بعض الدول قد سعت لأن تصنع لها تاريخاً مستنسخاً بعد أن أضاعت تاريخها وهدمت ما تبقى من ذلك التراث، فما بالنا ونحن نملك كل تلك المقومات، من بيوت تراثية وطرقات جميلة وأسواق شعبية ثم نفرط في كل ذلك سواء بنكران ذلك التاريخ أو بالتغافل عن تلك المواقع ولو بلوحة تؤكد على أهمية الموقع!!.
لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن سور المحرق القديم، وأخذ البعض يتساءل هل هو حقيقة أم من نسج الخيال، وإذا كان حقيقة فأين مكانه؟، ومن بناه؟، ولماذا ومتى تمت إزالته؟، وكم كان طوله؟، والسؤال الأهم هو: لماذا لا يعاد بناؤه أو أجزاء منه؟ كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات خاصة.
لقد نادينا في الكثير من الفعاليات والمناسبات بإعادة إحياء هذا السور التاريخي الذي يؤكد على ترابط أبناء هذا الوطن، سنيها وشيعيها، غنيها وفقيرها، رجالاً ونساءً، فشواهد التاريخ تؤكد بأنه كان للمحرق جدار عالي الأسوار وله عدة أبواب تسمى (دراويز)، تفتح صباحاً حال خروج الرجال إلى البحر ويغلق ليلاً حال دخولهم إلى المدينة، ومما يؤكد على وجود ذلك السور هي الأسواق التي درست وبقي بعضها شاهداً على تاريخ هذه المدينة، فالكثير من الكتابات والصور تؤكد على وجود أسواق قديمة مثل سوق الخارو ومحيش والطيارة والتجار، وقد تغيرت ملامح الكثير منها، ولكن بقيت سوق القيصرية التي تم بناؤها سنة 1810م بأمر من الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة وبقيت صامدة شامخة تؤكد على جمال تلك السوق وتاريخ تلك الأرض، وما هي إلا سنوات حتى تكمل سوق القصيرية المائتي عام على إنشائها.
صفحة 5
يذكر الأديب مبارك الخاطر في مجلة دلمون عدد 15 لسنة 91-92، والملا محمد علي الناصر( مجلة دلمون مسميات قرى البحرين ص 6) وعلي بن أحمد الجودر رحمه الله (بأنه كان للمحرق سور كبير يحيط بها أو ببعض جوانبها في الجهة الشمالية وقد محيت آثاره ما عدا أجزاءه السفلية) وقبل وفاة الأديب الخاطر بسنوات سألته شخصياً عن موقع تلك البقايا التي شاهدها لسور المحرق، فقال: إنه في حدود سوق القيصرية.
في نهاية القرن الماضي وصف الدكتور محمد جابر الأنصاري المحرق قائلاً: (في المحرق كان يلتقي ذلك الطرب الأصيل، باللؤلؤ الأصيل، بالخير الآتي على سواعد الرجال، بقيم الأصالة في السلوك الحي، فتنبثق تلك المدينة لتصبح عاصمة التراث العابق برائحة التاريخ ومذاق الوطنية ونكهة العروبة - يوم كانت العروبة أصيلة كلؤلؤ البحرين- ويكون اسم ذلك المزيج النادر المحرق)، فلا تزال بعض المهن القديمة التي اشتهرت بها سوق المحرق حينما كانت داخل السور موجودة مثل بيع الخشب ومواد البناء والبحر والحلوى وصناعة البشوت والدفوف والعطور والبخور، كلها صناعات قديمة لا يزال أهل المحرق متمسكين بها.
ومما يؤكد على تمسك أبناء هذه المدينة بتاريخها أن هناك حركة غير مسبوقة لإعادة إحياء القديم من تلك المواقع من خلال الاعتناء ببعض البيوت والأماكن التراثية التي كان لها في فترة من الفترات دورها الريادي في الحركة الثقافية والفكرية في البحرين.
لقد أدى انصراف باحثينا عن مثل هذه الأمور إلى إضاعتهم للأمانة التي حملوها، وأن الذين جاروا للبحث والتنقيب قد غاب عنهم أن تحت هذه الأرض كنوزاً من التاريخ المنسي، فتركوا التنقيب إلى الزخرفة، وتركوا البحث إلى التباهي بتلك المباني، لا شك أن بناءً واحداً قد يعيد تاريخ منطقة برمتها، ولكن الأجمل لو أنهم ربطوا الجديد بالقديم، لا من أجله ولكن من أجل الأجيال القادمة.
ألا يستحق سور المحرق القديم التفاتة ولو بسيطة؟، التفاتة تعيد رسمه وبناءه من أجل أن تعرف الأجيال أن المحرق قد بنيت على سواعد رجال؟، أم نكتفي بندب حظنا ثم نبكي كما بكى الشاعر علي عبدالله خليفة حينما قال:
يا حبيبي سوف أحكي لك عن ليل المحرق
حين يخلو من جموع تنزوي في كل مفرق
تقطع الوقت بأوهام وأحلام وتطرق
كل باب للدعابات وأشجان الحديث
سوف أحكي لك عن ليل المحرق
حينمايخلو من الناي المؤرق
في الليالي المقمرات يسكب اللحن العراقيّ الحزين
طارقاًكل الحواري والجهات وهو يبكي قلب عذراء سجين
تزرع الآه وأصداء الأنين في أعالي حصنها الداجي الحصين
سوف أحكي لك عن ليل المحرق
حين يغرق
في متاهات الظلام وطيور الليل حيرى لا تنام
ترصد الساحات قفراًمن زحام من ضجيج
يا أساطير الخليج
لي فيك عبرة عند الختام عن جزاء الصبر للقلب المحرق.
في نهاية القرن الماضي وصف الدكتور محمد جابر الأنصاري المحرق قائلاً: (في المحرق كان يلتقي ذلك الطرب الأصيل، باللؤلؤ الأصيل، بالخير الآتي على سواعد الرجال، بقيم الأصالة في السلوك الحي، فتنبثق تلك المدينة لتصبح عاصمة التراث العابق برائحة التاريخ ومذاق الوطنية ونكهة العروبة - يوم كانت العروبة أصيلة كلؤلؤ البحرين- ويكون اسم ذلك المزيج النادر المحرق)، فلا تزال بعض المهن القديمة التي اشتهرت بها سوق المحرق حينما كانت داخل السور موجودة مثل بيع الخشب ومواد البناء والبحر والحلوى وصناعة البشوت والدفوف والعطور والبخور، كلها صناعات قديمة لا يزال أهل المحرق متمسكين بها.
ومما يؤكد على تمسك أبناء هذه المدينة بتاريخها أن هناك حركة غير مسبوقة لإعادة إحياء القديم من تلك المواقع من خلال الاعتناء ببعض البيوت والأماكن التراثية التي كان لها في فترة من الفترات دورها الريادي في الحركة الثقافية والفكرية في البحرين.
لقد أدى انصراف باحثينا عن مثل هذه الأمور إلى إضاعتهم للأمانة التي حملوها، وأن الذين جاروا للبحث والتنقيب قد غاب عنهم أن تحت هذه الأرض كنوزاً من التاريخ المنسي، فتركوا التنقيب إلى الزخرفة، وتركوا البحث إلى التباهي بتلك المباني، لا شك أن بناءً واحداً قد يعيد تاريخ منطقة برمتها، ولكن الأجمل لو أنهم ربطوا الجديد بالقديم، لا من أجله ولكن من أجل الأجيال القادمة.
ألا يستحق سور المحرق القديم التفاتة ولو بسيطة؟، التفاتة تعيد رسمه وبناءه من أجل أن تعرف الأجيال أن المحرق قد بنيت على سواعد رجال؟، أم نكتفي بندب حظنا ثم نبكي كما بكى الشاعر علي عبدالله خليفة حينما قال:
يا حبيبي سوف أحكي لك عن ليل المحرق
حين يخلو من جموع تنزوي في كل مفرق
تقطع الوقت بأوهام وأحلام وتطرق
كل باب للدعابات وأشجان الحديث
سوف أحكي لك عن ليل المحرق
حينمايخلو من الناي المؤرق
في الليالي المقمرات يسكب اللحن العراقيّ الحزين
طارقاًكل الحواري والجهات وهو يبكي قلب عذراء سجين
تزرع الآه وأصداء الأنين في أعالي حصنها الداجي الحصين
سوف أحكي لك عن ليل المحرق
حين يغرق
في متاهات الظلام وطيور الليل حيرى لا تنام
ترصد الساحات قفراًمن زحام من ضجيج
يا أساطير الخليج
لي فيك عبرة عند الختام عن جزاء الصبر للقلب المحرق.
صفحة 6
النوخذة البحريني
الشاعر البحريني الكبير مبارك العماري الذي أفنى أكثر من نصف عمره يجمع أصنافاً من الشعر والقصيد والموال ووضعها في أسفار شتى لتزخر بها المكتبات، هذا الشاعر الذي تميز عن الكثيرين من شعراء عصره بأنه انتهج لنفسه خطاً جميلاً وهدفاً محدداً في مسيرته الأدبية، وما ذلك الجهد إلا للمحافظة على تراث الشعر والموال، جاء الشاعر العماري ليؤكد على مكانة البحرين الأدبية وعلو شأنها في الاهتمام بالشعر والشعراء، وإن من أصناف الشعر الذي به تميز الشاعر العماري بجمعه وحفظه والاعتناء به (الموال)، هذا الفن الذي أبدع فيه شعراء البحرين منذ القدم، فكان متنفسهم حال خروجهم في رحلات الغوص، فجاء (الموال) ليرفع من مكانة مهنة البحر وليخرج ما في قرائح البحارة، خصوصاً وأنهم أهل (الهولو واليامال).
ويأتي في مقدمة شعراء الموال في البحرين الذين اعتنى الشاعر العماري بأشعارهم حسين بورقبة، هذا الشاعر الذي تفوق على أقرانه لحسه المرهف في تصوير آلام أهل البحر وأحزانهم وإخراجها من بين جنبيه لتتناقلها الألسن، فكان الشاعر بورقبة يبكي لمعاناتهم ويبكيهم بمواويله، يخفف عنهم مصائبهم لتزداد بها أحزانه، لقد ذاع صيت الشاعر بورقبة في الخليج بسبب تصديه للقضايا الاجتماعية التي تهم المواطن (البسيط)، فكان يصور معاناتهم تصويراً دقيقاً في أشعاره ومواويله، حتى إضراب (التسقام) أو الغاصة كانت له صولات وجولات معه، فوقف مع البحارة ودافع عن حقوقهم في وجه نواخذة البحر، حتى قال:
نيران غدر الدهر توقد بقلبي بحر
وعلي سلت سيوف الماضيات وبحر
الناس في ظلهم وربعي بشمس وبحر
من حيث أهل الوفا ما عاد فيهم وصل
وانقص حبل الرجا منهم فلا له وصل
لو كان بالسيف قطعت الأعادي وصل
الشاعر البحريني الكبير مبارك العماري الذي أفنى أكثر من نصف عمره يجمع أصنافاً من الشعر والقصيد والموال ووضعها في أسفار شتى لتزخر بها المكتبات، هذا الشاعر الذي تميز عن الكثيرين من شعراء عصره بأنه انتهج لنفسه خطاً جميلاً وهدفاً محدداً في مسيرته الأدبية، وما ذلك الجهد إلا للمحافظة على تراث الشعر والموال، جاء الشاعر العماري ليؤكد على مكانة البحرين الأدبية وعلو شأنها في الاهتمام بالشعر والشعراء، وإن من أصناف الشعر الذي به تميز الشاعر العماري بجمعه وحفظه والاعتناء به (الموال)، هذا الفن الذي أبدع فيه شعراء البحرين منذ القدم، فكان متنفسهم حال خروجهم في رحلات الغوص، فجاء (الموال) ليرفع من مكانة مهنة البحر وليخرج ما في قرائح البحارة، خصوصاً وأنهم أهل (الهولو واليامال).
ويأتي في مقدمة شعراء الموال في البحرين الذين اعتنى الشاعر العماري بأشعارهم حسين بورقبة، هذا الشاعر الذي تفوق على أقرانه لحسه المرهف في تصوير آلام أهل البحر وأحزانهم وإخراجها من بين جنبيه لتتناقلها الألسن، فكان الشاعر بورقبة يبكي لمعاناتهم ويبكيهم بمواويله، يخفف عنهم مصائبهم لتزداد بها أحزانه، لقد ذاع صيت الشاعر بورقبة في الخليج بسبب تصديه للقضايا الاجتماعية التي تهم المواطن (البسيط)، فكان يصور معاناتهم تصويراً دقيقاً في أشعاره ومواويله، حتى إضراب (التسقام) أو الغاصة كانت له صولات وجولات معه، فوقف مع البحارة ودافع عن حقوقهم في وجه نواخذة البحر، حتى قال:
نيران غدر الدهر توقد بقلبي بحر
وعلي سلت سيوف الماضيات وبحر
الناس في ظلهم وربعي بشمس وبحر
من حيث أهل الوفا ما عاد فيهم وصل
وانقص حبل الرجا منهم فلا له وصل
لو كان بالسيف قطعت الأعادي وصل
صفحة 7
لكنني في جزيرة وحايط بي بحر
بهذه الأبيات دافع الشاعر بورقبة عن ربعه وناسه البحارة، فكانت أبياته أقوى من وسائل الإعلام الحديثة، هذه الأبيات التي حركت شجون البحارة بالمطالبة بحقوقهم المهنية ودفعتهم لتنظيم صفوفهم للحصول عليها، فقد كانت ثورة البحارة في العشرينيات من القرن الماضي أولى الحركات المطلبية في الخليج، وكانت النواة الأولى التي ساهمت في الحركة المهنية والنقابية التي حدثت في عام 1938م حين تم تسريح عمال شركة النفط، والتضييق عليهم في لقمة عيشهم.
وبعد التوافق الشعبي على الميثاق في شباط/ فبراير 2001م والدخول في ممارسة الشفافية والمكاشفة وإبداء الرأي وإعطاء كل ذي حق حقه، والسعي إلى إرجاع الحقوق ومعاملة الناس بالعدل والمساواة، فإن الأبواب الآن مفتوحة للدفاع عن تلك الحقوق، الحقوق التي كانت ولسنوات طويلة خلف ستار الطبقية والتمييز والاحتقار والتجاهل.
فإذا كان المجلس التشريعي والرقابي قد مارس دوره بكل اقتدار في محاسبة الحكومة من خلال ملفي التأمينات والتقاعد، وقيام أعضاء المجلس بإطلاق ألسنتهم وبـ(الفم المليان)، وتوجيه الأسئلة وضرب الأمثلة كـ(صابروف وعدلستان)(1) لأصحاب السعادة عن كل صغيرة وكبيرة، وإشعارهم بأن الفترة الحالية هي فترة التنقيب و(التنبيش) في الأدراج وبين الملفات، وأن هذا العهد ليس كسابقه فإن ملفات المعاناة والألم يجب أن تعالج بكل حكمة.
فالقضية المهمة والحساسة التي تتألم لها بطون كثيرة وتشاركها في الأحزان أفئدة قريبة، هي قضية النوخذة البحريني والتي طال حولها الحديث، وتناولتها الأقلام بين الإطالة والاختصار والشرح والتعديل، وسبب عرض هذه القضية هو أنها تتعلق بلقمة العيش وكما قيل (إذا أمن الإنسان لقمته استقرت حالته).
من هنا كان لقاء بعض البرلمانيين في الأسبوع الماضي بمجلس النائب عيسى أبو الفتح فرصة ليتم التداول بهذه القضية التي هي صراع قديم بين الشعري والشحذوذ، وذلك أن هناك بعض الغبش بدأ يلبس على كثير من الناس عن ماهية الموضوع؟، ومن المستفيد من تأخير قانون النوخذة البحريني؟، وإلى متى يظل القانون حبراً على ورق؟.
لقد كاد مجلس النائب أبو الفتح ينفجر عن آخره من سخونة القضية وارتفاع حرارتها وكثرة الألسن فيها والمداخلات الديمقراطية في معالجة القضية، حتى جاءت الحصيلة النهائية التي اتفق عليها الجميع هي أن لقمة العيش كانت السبب الرئيسي في (هدت البحارة) في العشرينيات من القرن الماضي، وهي نفسها (لقمة العيش) السبب في أحداث 1938م وهي كذلك السبب في 1965م وغيرها من الحوادث، لذا طالب الحضور أعضاء مجلس النواب بتبني القضية والسعي لحلها في إطار المؤسسة الدستورية.
فقضية البحارة أو ما يعرف بـ (النوخذة البحريني) هي من القضايا التي دار حولها الجدل ردحاً من الزمن، والمتتبع للقضية يجد أنها دخلت مجالها القانوني حين تم إصدار مرسوم بقانون رقم 20 لسنة 2002م الصادر في تموز/ يوليو 2002م هذا القانون الذي لا يمكن إلغاؤه أو تجاهله أو القفز من أعلاه، والسبب أنه جاء قبل قيام المجالس النيابية، حيث تنص المادة الثالثة من هذا المرسوم على أنه (يشترط عند ممارسة الصيد التجاري وجود ربان بحريني-نوخذة- على ظهر السفينة).
هنا مربط الفرس ومفصل القضية، وجود ربان بحريني على كل سفينة، لكن يا للأسف لا نرى سوى الأجنبي الذي ترك له الحبل على الغارب، فأخذ يستنزف من خيرات البحر، ويتلف الثروة السمكية بوسائل الصيد الممنوعة وغيرها كثير، فلماذا لم يفعل هذا القانون ولم يتم العمل به؟، ولماذا لم يفعل القرار رقم (1) لسنة 2003م (وقد جاء بعد المرسوم بستة أشهر) بشأن اشتراط وجود ربان بحريني على ظهر السفينة في القطاع التقليدي، وكان هذا القرار الصادر في 19 كانون الثاني/ يناير2003م ينص على أنه (يشترط عند الإبحار لصيد الأسماك والربيان في القطاع التقليدي وجود ربان بحريني- نوخذة- على ظهر السفينة – البانوش- وذلك ابتداء من الأول من شهر كانون الثاني/ يناير2004)، وتضيف المادة(3) بأن على المختصين تنفيذ هذا القرار، وها هي الأيام تمضي من دون تنفيذ أو متابعة!!.
وعند النظر في القضية نجد أن هناك مرسوماً بقانون قد صدر قبل فترة ثم تبعه قرار صادر عن الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية، وكلاهما لم ينفذا، علماً أننا نعيش في دولة القانون والمؤسسات!!.
إن أعذار المعترضين على المرسوم والقرار كثيرة ولكن في حقيقتها غير ممكنة، فاعتراضهم بأن كبار السن لا يستطيعون العمل فلذلك هم يستخدمون الأجانب، وبأن هناك قروض بنك التنمية فلا يستطيعون الإيفاء بها، وبأن القانون سيلحق الضرر بالأيتام والأرامل، وعدم وجود النوخذة البحريني المؤهل وغيرها من الأعذار لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون حائلاً دون تطبيق القانون.
والأغرب والمستغرب في قضية النوخذة البحريني هو حينما يأتي البحارة المساكين ويلجأون إلى المسؤولين وأصحاب القرار نجد أن هناك من يتحدى بأنه إذا ما طبق القانون فإنه سيعترض عليه ويتصدى له مهما كلف الأمر، وكأن ثمة حكومة داخل حكومة!!.
فإذا كان البحارة الفقراء مع ما يعانونه من مصاعب ومتاعب في مهنتهم ومهنة آبائهم، وسعيهم في الوقت نفسه للمحافظة على الثروة السمكية بتطبيق القانون فإنه يجب علينا جميعاً المحافظة على هذه المهنة التي هجرها الكثير من الناس لكثرة مشاكلها، ولا نريد أن نقول للبحارة بدل الوقوف معهم (شلكم بالبحر وأهواله ورزق الله على السيف)!!.
بهذه الأبيات دافع الشاعر بورقبة عن ربعه وناسه البحارة، فكانت أبياته أقوى من وسائل الإعلام الحديثة، هذه الأبيات التي حركت شجون البحارة بالمطالبة بحقوقهم المهنية ودفعتهم لتنظيم صفوفهم للحصول عليها، فقد كانت ثورة البحارة في العشرينيات من القرن الماضي أولى الحركات المطلبية في الخليج، وكانت النواة الأولى التي ساهمت في الحركة المهنية والنقابية التي حدثت في عام 1938م حين تم تسريح عمال شركة النفط، والتضييق عليهم في لقمة عيشهم.
وبعد التوافق الشعبي على الميثاق في شباط/ فبراير 2001م والدخول في ممارسة الشفافية والمكاشفة وإبداء الرأي وإعطاء كل ذي حق حقه، والسعي إلى إرجاع الحقوق ومعاملة الناس بالعدل والمساواة، فإن الأبواب الآن مفتوحة للدفاع عن تلك الحقوق، الحقوق التي كانت ولسنوات طويلة خلف ستار الطبقية والتمييز والاحتقار والتجاهل.
فإذا كان المجلس التشريعي والرقابي قد مارس دوره بكل اقتدار في محاسبة الحكومة من خلال ملفي التأمينات والتقاعد، وقيام أعضاء المجلس بإطلاق ألسنتهم وبـ(الفم المليان)، وتوجيه الأسئلة وضرب الأمثلة كـ(صابروف وعدلستان)(1) لأصحاب السعادة عن كل صغيرة وكبيرة، وإشعارهم بأن الفترة الحالية هي فترة التنقيب و(التنبيش) في الأدراج وبين الملفات، وأن هذا العهد ليس كسابقه فإن ملفات المعاناة والألم يجب أن تعالج بكل حكمة.
فالقضية المهمة والحساسة التي تتألم لها بطون كثيرة وتشاركها في الأحزان أفئدة قريبة، هي قضية النوخذة البحريني والتي طال حولها الحديث، وتناولتها الأقلام بين الإطالة والاختصار والشرح والتعديل، وسبب عرض هذه القضية هو أنها تتعلق بلقمة العيش وكما قيل (إذا أمن الإنسان لقمته استقرت حالته).
من هنا كان لقاء بعض البرلمانيين في الأسبوع الماضي بمجلس النائب عيسى أبو الفتح فرصة ليتم التداول بهذه القضية التي هي صراع قديم بين الشعري والشحذوذ، وذلك أن هناك بعض الغبش بدأ يلبس على كثير من الناس عن ماهية الموضوع؟، ومن المستفيد من تأخير قانون النوخذة البحريني؟، وإلى متى يظل القانون حبراً على ورق؟.
لقد كاد مجلس النائب أبو الفتح ينفجر عن آخره من سخونة القضية وارتفاع حرارتها وكثرة الألسن فيها والمداخلات الديمقراطية في معالجة القضية، حتى جاءت الحصيلة النهائية التي اتفق عليها الجميع هي أن لقمة العيش كانت السبب الرئيسي في (هدت البحارة) في العشرينيات من القرن الماضي، وهي نفسها (لقمة العيش) السبب في أحداث 1938م وهي كذلك السبب في 1965م وغيرها من الحوادث، لذا طالب الحضور أعضاء مجلس النواب بتبني القضية والسعي لحلها في إطار المؤسسة الدستورية.
فقضية البحارة أو ما يعرف بـ (النوخذة البحريني) هي من القضايا التي دار حولها الجدل ردحاً من الزمن، والمتتبع للقضية يجد أنها دخلت مجالها القانوني حين تم إصدار مرسوم بقانون رقم 20 لسنة 2002م الصادر في تموز/ يوليو 2002م هذا القانون الذي لا يمكن إلغاؤه أو تجاهله أو القفز من أعلاه، والسبب أنه جاء قبل قيام المجالس النيابية، حيث تنص المادة الثالثة من هذا المرسوم على أنه (يشترط عند ممارسة الصيد التجاري وجود ربان بحريني-نوخذة- على ظهر السفينة).
هنا مربط الفرس ومفصل القضية، وجود ربان بحريني على كل سفينة، لكن يا للأسف لا نرى سوى الأجنبي الذي ترك له الحبل على الغارب، فأخذ يستنزف من خيرات البحر، ويتلف الثروة السمكية بوسائل الصيد الممنوعة وغيرها كثير، فلماذا لم يفعل هذا القانون ولم يتم العمل به؟، ولماذا لم يفعل القرار رقم (1) لسنة 2003م (وقد جاء بعد المرسوم بستة أشهر) بشأن اشتراط وجود ربان بحريني على ظهر السفينة في القطاع التقليدي، وكان هذا القرار الصادر في 19 كانون الثاني/ يناير2003م ينص على أنه (يشترط عند الإبحار لصيد الأسماك والربيان في القطاع التقليدي وجود ربان بحريني- نوخذة- على ظهر السفينة – البانوش- وذلك ابتداء من الأول من شهر كانون الثاني/ يناير2004)، وتضيف المادة(3) بأن على المختصين تنفيذ هذا القرار، وها هي الأيام تمضي من دون تنفيذ أو متابعة!!.
وعند النظر في القضية نجد أن هناك مرسوماً بقانون قد صدر قبل فترة ثم تبعه قرار صادر عن الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية، وكلاهما لم ينفذا، علماً أننا نعيش في دولة القانون والمؤسسات!!.
إن أعذار المعترضين على المرسوم والقرار كثيرة ولكن في حقيقتها غير ممكنة، فاعتراضهم بأن كبار السن لا يستطيعون العمل فلذلك هم يستخدمون الأجانب، وبأن هناك قروض بنك التنمية فلا يستطيعون الإيفاء بها، وبأن القانون سيلحق الضرر بالأيتام والأرامل، وعدم وجود النوخذة البحريني المؤهل وغيرها من الأعذار لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون حائلاً دون تطبيق القانون.
والأغرب والمستغرب في قضية النوخذة البحريني هو حينما يأتي البحارة المساكين ويلجأون إلى المسؤولين وأصحاب القرار نجد أن هناك من يتحدى بأنه إذا ما طبق القانون فإنه سيعترض عليه ويتصدى له مهما كلف الأمر، وكأن ثمة حكومة داخل حكومة!!.
فإذا كان البحارة الفقراء مع ما يعانونه من مصاعب ومتاعب في مهنتهم ومهنة آبائهم، وسعيهم في الوقت نفسه للمحافظة على الثروة السمكية بتطبيق القانون فإنه يجب علينا جميعاً المحافظة على هذه المهنة التي هجرها الكثير من الناس لكثرة مشاكلها، ولا نريد أن نقول للبحارة بدل الوقوف معهم (شلكم بالبحر وأهواله ورزق الله على السيف)!!.
صفحة 8
الشويش عطية في البرلمان
لقد أثارت جلسة مجلس النواب الأخيرة الكثير من اللغط والاستياء حول سعي بعض النواب إلى ربط قانون الصحافة بقانون العقوبات تحت مسمى الإصلاح، والسعي لافتتاح سجون جديدة تعرف بسجون الصحافيين، ولربما يقضي الاقتراح برغبة إنشاء سجن لكل صحيفة وزنزانة لكل صحافي!!.
لقد برزت صور العهد الإصلاحي الذي وضع دعائمها جلالة الملك من خلال حرية الصحافة، فانطلقت الكثير من الصحف بتوجهات مختلفة وتيارات متعددة ومستويات فكرية متنوعة، حتى أصبح لكل طائفة وفئة جريدتها المفضلة، وأصبح التنافس بين الصحف في التي تقدم المادة الفكرية والمعرفية للناس.
إن الصحافة البحرينية المتمثلة في تسع جرائد يومية باللغتين العربية والإنجليزية، هي شاهد عصر على حرية الكلمة والرأي وعلى الكثير من القضايا التي كشفتها من فساد وتلاعب بالمال العام واستيلاء على السواحل والبحار والشواطئ التي مارسها المتنفذون، بل ووسيلة للتعبير للكثير من المسيرات والاعتصامات والتظاهرات، ففي الوقت الذي كان الناس يتلذذون بالأخبار مع قهوة الصباح كان الصحافيون في مواقع الحدث حتى ساعات متأخرة من الليل، فكم من صحافي أهين وتعرض للضرب وتم إتلاف آلاته؟، لقد نزعت الصحافة ورقة التوت عن الذين كانوا يتاجرون بالمبادئ والشعارات التي تدغدغ مشاعر البسطاء، وأحرجت من كان يتزعم الناس بدعوى الإصلاح.
إن الوقوف في وجه قانون الصحافة وتقييده وتصفيده بالعقوبات من حبس وإهانة للصحافيين لهو من أكبر الضربات الموجعة للتوجهات الإصلاحية التي ينشدها الناس، لذا نجد أن الصحافة كانت المنبر الأبرز في حرية التعبير وهذا ما يلاحظه المراقبون سواء في الداخل أو الخارج، ويكفي أن مجتمعاً بصغر حجم البحرين توجد فيه كل تلك التلاوين الإسلامية والليبرالية والقومية والنسوية ومنابرها الصحفية التي تعكس توجهاتها.
لا شك أن هناك أيدي خفية تريد عرقلة المسيرة الإصلاحية، وقد درست هذه الأيدي الساحة وقرأتها جيداً، وعلمت أن أولى الخطوات هي تكميم الصحافة من خلال إرهاب الصحافيين بالزنازين والسجون، فإذا ما خرج قانون بهذه الصورة الكئيبة فإن أصحاب المنافع الوقتية لا يضرهم بعد ذلك في أي مسار سارت الصحف ما دامت لا تكشف العور ولا تفضح المستور!!.
وعند قراءة قانون الصحافة وارتباطه بقانون العقوبات تتكشف لنا الحقائق بأن هناك تقاطعاً في المصالح، وهذه المصلحة لا يعتقدها إلا البراغماتيون من الناس، الذين يتمسكون بالذرائع حتى ولو خالفت المبادئ، ويسوغون الوسائل من أجل الوصول إلى الغايات من دون شريك أو منافس.
لقد كشفت لنا تجربة الأعوام الماضية أن هناك نواباً كانوا أكثر حكومية من الحكومة، وأكثر تطبيقاً للقوانين من القوانين أنفسها، فكم من ملف تم التفريط فيه من أجل صفقات ذاتية؟!، وكم من قضية تم تأجيلها بدعوى المصلحة العامة؟!، لم نتصور في يوم من الأيام أن يأتي نائب برلماني كان صاحب قلم، وزاوية نقد في جريدة، وأكثر المستفيدين من مساحة الحرية ليطالب بحبس من كان سبباً في تجاوب المسؤولين مع قضاياه!!.
لن تغفر الأجيال القادمة هذه الخطيئة إذا ما أصر عليها أصحاب السعادة النواب، ولن يقبل بعد اليوم أصحاب الثياب الملونة والآراء المتعددة، خصوصاً أولئك الذين يؤيدون ويعارضون في آن واحد، من له في المجلس النيابي رأي وعند الناس رأي آخر، إن هذا العمل لا ينبغي أن يتحلى به نائب، أو يمارسه مدافع عن حقوق الناس، إن هذا العمل هو من أساليب المهرجين ومن يمشون على حبال السيرك السياسي.
إن الدعوة اليوم تتجه إلى الصحافة الحرة النزيهة، لا الصحافة الصفراء التي ترفض الطرح التحليلي والتوعوي والنقدي وتكتفي بقضايا الاستقبال والحفلات ومناسبات التكريم فقط!!. فإذا كانت هذه هي حال الصحافة والصحافيين في البحرين وتهديد بعض النواب لهم فإن أخوف ما نخافه اليوم قبل الانتخابات النيابية القادمة أن يتحول بعض النواب إلى (الشويش عطية في البرلمان) فيضع الحديد في أيدي الصحافيين بدعوى الإصلاح!!.
لقد أثارت جلسة مجلس النواب الأخيرة الكثير من اللغط والاستياء حول سعي بعض النواب إلى ربط قانون الصحافة بقانون العقوبات تحت مسمى الإصلاح، والسعي لافتتاح سجون جديدة تعرف بسجون الصحافيين، ولربما يقضي الاقتراح برغبة إنشاء سجن لكل صحيفة وزنزانة لكل صحافي!!.
لقد برزت صور العهد الإصلاحي الذي وضع دعائمها جلالة الملك من خلال حرية الصحافة، فانطلقت الكثير من الصحف بتوجهات مختلفة وتيارات متعددة ومستويات فكرية متنوعة، حتى أصبح لكل طائفة وفئة جريدتها المفضلة، وأصبح التنافس بين الصحف في التي تقدم المادة الفكرية والمعرفية للناس.
إن الصحافة البحرينية المتمثلة في تسع جرائد يومية باللغتين العربية والإنجليزية، هي شاهد عصر على حرية الكلمة والرأي وعلى الكثير من القضايا التي كشفتها من فساد وتلاعب بالمال العام واستيلاء على السواحل والبحار والشواطئ التي مارسها المتنفذون، بل ووسيلة للتعبير للكثير من المسيرات والاعتصامات والتظاهرات، ففي الوقت الذي كان الناس يتلذذون بالأخبار مع قهوة الصباح كان الصحافيون في مواقع الحدث حتى ساعات متأخرة من الليل، فكم من صحافي أهين وتعرض للضرب وتم إتلاف آلاته؟، لقد نزعت الصحافة ورقة التوت عن الذين كانوا يتاجرون بالمبادئ والشعارات التي تدغدغ مشاعر البسطاء، وأحرجت من كان يتزعم الناس بدعوى الإصلاح.
إن الوقوف في وجه قانون الصحافة وتقييده وتصفيده بالعقوبات من حبس وإهانة للصحافيين لهو من أكبر الضربات الموجعة للتوجهات الإصلاحية التي ينشدها الناس، لذا نجد أن الصحافة كانت المنبر الأبرز في حرية التعبير وهذا ما يلاحظه المراقبون سواء في الداخل أو الخارج، ويكفي أن مجتمعاً بصغر حجم البحرين توجد فيه كل تلك التلاوين الإسلامية والليبرالية والقومية والنسوية ومنابرها الصحفية التي تعكس توجهاتها.
لا شك أن هناك أيدي خفية تريد عرقلة المسيرة الإصلاحية، وقد درست هذه الأيدي الساحة وقرأتها جيداً، وعلمت أن أولى الخطوات هي تكميم الصحافة من خلال إرهاب الصحافيين بالزنازين والسجون، فإذا ما خرج قانون بهذه الصورة الكئيبة فإن أصحاب المنافع الوقتية لا يضرهم بعد ذلك في أي مسار سارت الصحف ما دامت لا تكشف العور ولا تفضح المستور!!.
وعند قراءة قانون الصحافة وارتباطه بقانون العقوبات تتكشف لنا الحقائق بأن هناك تقاطعاً في المصالح، وهذه المصلحة لا يعتقدها إلا البراغماتيون من الناس، الذين يتمسكون بالذرائع حتى ولو خالفت المبادئ، ويسوغون الوسائل من أجل الوصول إلى الغايات من دون شريك أو منافس.
لقد كشفت لنا تجربة الأعوام الماضية أن هناك نواباً كانوا أكثر حكومية من الحكومة، وأكثر تطبيقاً للقوانين من القوانين أنفسها، فكم من ملف تم التفريط فيه من أجل صفقات ذاتية؟!، وكم من قضية تم تأجيلها بدعوى المصلحة العامة؟!، لم نتصور في يوم من الأيام أن يأتي نائب برلماني كان صاحب قلم، وزاوية نقد في جريدة، وأكثر المستفيدين من مساحة الحرية ليطالب بحبس من كان سبباً في تجاوب المسؤولين مع قضاياه!!.
لن تغفر الأجيال القادمة هذه الخطيئة إذا ما أصر عليها أصحاب السعادة النواب، ولن يقبل بعد اليوم أصحاب الثياب الملونة والآراء المتعددة، خصوصاً أولئك الذين يؤيدون ويعارضون في آن واحد، من له في المجلس النيابي رأي وعند الناس رأي آخر، إن هذا العمل لا ينبغي أن يتحلى به نائب، أو يمارسه مدافع عن حقوق الناس، إن هذا العمل هو من أساليب المهرجين ومن يمشون على حبال السيرك السياسي.
إن الدعوة اليوم تتجه إلى الصحافة الحرة النزيهة، لا الصحافة الصفراء التي ترفض الطرح التحليلي والتوعوي والنقدي وتكتفي بقضايا الاستقبال والحفلات ومناسبات التكريم فقط!!. فإذا كانت هذه هي حال الصحافة والصحافيين في البحرين وتهديد بعض النواب لهم فإن أخوف ما نخافه اليوم قبل الانتخابات النيابية القادمة أن يتحول بعض النواب إلى (الشويش عطية في البرلمان) فيضع الحديد في أيدي الصحافيين بدعوى الإصلاح!!.
صفحة 9
المحرق والتاريخ الشامخ
إن المتأمل في تاريخ المحرق وتركيبتها السكانية يعلم أنها تختلف اختلافاً كلياً عن بقية المناطق في البحرين، والمحرق بنسيجها وتلاوينها ومجالسها ومنتدياتها، ضمن نسق سني شيعي جميل، يعرف كل فرد فيها ما له وما عليه من حقوق وواجبات، والأجمل في ذلك النسق هو اختلاف أصول أبنائها منذ تأسيسها.
تلك الأصول الممتدة إلى خارج البحرين، السعودية وقطر وإيران واليمن والهند وباكستان والشام ومصر، فليس هناك سعوديون وإيرانيون، ولكن هناك بحرينيون من أصول سعودية أو إيرانية وهكذا مع البقية، لذا فإن المحرق لها خصوصية مختلفة عن بقية مناطق البحرين، هذه الخصوصية التي تكونت بحسب ترابط وتداخل وتعايش الأسر فيما بينها، وهذا ما يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم كما أكده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا بين أبيض ولا أسود إلا بالتقوى).
لقد كانت المحرق عبر تاريخها الطويل مقصداً للكثير من العلماء والأدباء والتجار والشعراء والحرفيين، ومكان رزق وأمان لكل الأسر التي جاءت إليها، فاختلطت فيها الأجناس والأعراق، وامتزجت فيها اللغات واللهجات، وتنوعت فيها المذاهب والطوائف، وتداخلت فيها الفرجان والأحياء، فأصبح الولاء لهذه الأرض وقيادتها الحكيمة، هذه هي المحرق بخصوصيتها التي تميزها، لذا فإن أهل المحرق هم أعلم بطرقها ودواعيسها وأسواقها وسواحلها، هم أهل الهولو واليامال، وأهل الفزعة، لذا يفرح أبناؤها ولو من الذين خرجوا منها لظروف السكن والعمل والدراسة بأن تناديهم (يا محرقي)!!.
لم يكن هذا التنوع وذلك الاختلاف في يوم من الأيام سبباً للتنافر والتباعد بين أبنائها، بل كان سبباً لمزيد من الترابط والتلاحم والتآلف والتواصل، حتى وإن حدث ما يعكر صفو الأمن فيها فإن رجالاتها والمخلصين فيها سرعان ما يقفون لوأد الفتنة فيها، فيتنادون لجلسة مصارحة، أو ندوة مكاشفة، دون فضل لأحد على أحد، لمعالجة تلك الإشكالية، بهذا الوعي تميز أهل المحرق – سنّة وشيعة- فهم إخوة على مقاعد الدراسة، وزملاء في الوظائف والأعمال، وأصدقاء في الفرجان والطرقات والأسواق، وهذا ما ورثه الأبناء من الأجداد، بل كان التفاعل بين أبنائها بعد أن دشن جلالة الملك مرحلة الإصلاح، فأخرج من في السجون حتى لم يبق سجين سياسي واحد، وأعاد المبعدين بكل ما لهم من حقوق- وإن بقي ملف المبعدين معلقاً على أمل معالجته قريباً- فلم يعكر صفو تلك العلاقة ولو حادثة واحدة رغم بعض المحاولات البائسة التي ينشرها بعض الطفيليين والطارئين على العمل السياسي!!.
من حق أهل المحرق أن يحافظوا على نسيجهم الاجتماعي، ومن حقهم كذلك التمسك بالسلم الأهلي، من حقهم أن يحصلوا على الخدمات المناسبة وإعادة التخطيط بما يكفل لهم العيش الكريم، لذا فقد فرح أهل المحرق بالخطوة المباركة التي اتخذها سمو رئيس الوزراء لوقف بيع العقار الذي هو من أجل مصلحة محققة أو متوقعة، وهذا ما أكده المحامي فريد غازي والشيخ ياسر المحميد حينما ذكرا في ندوة مجلس الدوى عن المصالح القانونية والشرعية لهذا القرار، ولكن قدرنا في المحرق أن هناك أناساً طفيليين وطارئين على العمل السياسي ينتظرون مثل هذه الفرص لزرع بذور الشك والريبة بين أبناء المحرق، وكأنهم يسعون لصورة مماثلة لما عليها الحال في العراق!!، وإلا ما السبب في التشكيك وإلصاق التهم بهم جزافاً؟، ولماذا نبني دائماً على سوء الظن من دون الجلوس والاستماع إلى الآخرين؟، ثم لماذا توزع المنشورات التي تتبعها منشورات مضادة حتى تكون الفتنة بعد ذلك؟، لماذا يسعى الطفيليون دائماً لزرع الفتن وإثارة القلاقل؟.
إن ما يؤلم النفس ويصيبها بشيء من الغثيان هو أن هناك من يزايد على حب الناس لهذه الأرض، ومن يريد أن يصرف الأنظار عن القضايا الكبرى إلى قضايا صغرى، وإلا فإن القضية في الأساس هي معاناة أهل المحرق لنقص الخدمات التي كنا نطالب بها المسؤولين كثيراً، فلا مواقف للسيارات، ولا ساحات شعبية للأبناء، ولا خدمات تصل إلى المنازل، فالطرقات ضيقة، والشوارع غير مرصوفة، والإنارة غير كافية، والخرائب والبيوت آيلة إلى السقوط، وسكن العمال الأجانب العزاب بكل مساوئهم تقض مضاجع الأهالي، هذه هي القضية الكبرى التي يسعى الطفيليون والطارئون لصرف الأنظار عنها!!.
لذا فإن المخلصين من أهل المحرق تنادوا في هذا الأسبوع في مجلس الدوي(2) من أجل وأد الطائفية وتأكيد اللحمة الوطنية وتعزيز الولاء لهذه الأرض والقيادة حتى وإن تنوعت الأصول واختلفت الأجناس، هكذا دائماً المحرق برجالها المخلصين، يتصدون لمخططات الفتنة الطائفية قبل مخططات تغيير الهوية!!.
إن المتأمل في تاريخ المحرق وتركيبتها السكانية يعلم أنها تختلف اختلافاً كلياً عن بقية المناطق في البحرين، والمحرق بنسيجها وتلاوينها ومجالسها ومنتدياتها، ضمن نسق سني شيعي جميل، يعرف كل فرد فيها ما له وما عليه من حقوق وواجبات، والأجمل في ذلك النسق هو اختلاف أصول أبنائها منذ تأسيسها.
تلك الأصول الممتدة إلى خارج البحرين، السعودية وقطر وإيران واليمن والهند وباكستان والشام ومصر، فليس هناك سعوديون وإيرانيون، ولكن هناك بحرينيون من أصول سعودية أو إيرانية وهكذا مع البقية، لذا فإن المحرق لها خصوصية مختلفة عن بقية مناطق البحرين، هذه الخصوصية التي تكونت بحسب ترابط وتداخل وتعايش الأسر فيما بينها، وهذا ما يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم كما أكده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا بين أبيض ولا أسود إلا بالتقوى).
لقد كانت المحرق عبر تاريخها الطويل مقصداً للكثير من العلماء والأدباء والتجار والشعراء والحرفيين، ومكان رزق وأمان لكل الأسر التي جاءت إليها، فاختلطت فيها الأجناس والأعراق، وامتزجت فيها اللغات واللهجات، وتنوعت فيها المذاهب والطوائف، وتداخلت فيها الفرجان والأحياء، فأصبح الولاء لهذه الأرض وقيادتها الحكيمة، هذه هي المحرق بخصوصيتها التي تميزها، لذا فإن أهل المحرق هم أعلم بطرقها ودواعيسها وأسواقها وسواحلها، هم أهل الهولو واليامال، وأهل الفزعة، لذا يفرح أبناؤها ولو من الذين خرجوا منها لظروف السكن والعمل والدراسة بأن تناديهم (يا محرقي)!!.
لم يكن هذا التنوع وذلك الاختلاف في يوم من الأيام سبباً للتنافر والتباعد بين أبنائها، بل كان سبباً لمزيد من الترابط والتلاحم والتآلف والتواصل، حتى وإن حدث ما يعكر صفو الأمن فيها فإن رجالاتها والمخلصين فيها سرعان ما يقفون لوأد الفتنة فيها، فيتنادون لجلسة مصارحة، أو ندوة مكاشفة، دون فضل لأحد على أحد، لمعالجة تلك الإشكالية، بهذا الوعي تميز أهل المحرق – سنّة وشيعة- فهم إخوة على مقاعد الدراسة، وزملاء في الوظائف والأعمال، وأصدقاء في الفرجان والطرقات والأسواق، وهذا ما ورثه الأبناء من الأجداد، بل كان التفاعل بين أبنائها بعد أن دشن جلالة الملك مرحلة الإصلاح، فأخرج من في السجون حتى لم يبق سجين سياسي واحد، وأعاد المبعدين بكل ما لهم من حقوق- وإن بقي ملف المبعدين معلقاً على أمل معالجته قريباً- فلم يعكر صفو تلك العلاقة ولو حادثة واحدة رغم بعض المحاولات البائسة التي ينشرها بعض الطفيليين والطارئين على العمل السياسي!!.
من حق أهل المحرق أن يحافظوا على نسيجهم الاجتماعي، ومن حقهم كذلك التمسك بالسلم الأهلي، من حقهم أن يحصلوا على الخدمات المناسبة وإعادة التخطيط بما يكفل لهم العيش الكريم، لذا فقد فرح أهل المحرق بالخطوة المباركة التي اتخذها سمو رئيس الوزراء لوقف بيع العقار الذي هو من أجل مصلحة محققة أو متوقعة، وهذا ما أكده المحامي فريد غازي والشيخ ياسر المحميد حينما ذكرا في ندوة مجلس الدوى عن المصالح القانونية والشرعية لهذا القرار، ولكن قدرنا في المحرق أن هناك أناساً طفيليين وطارئين على العمل السياسي ينتظرون مثل هذه الفرص لزرع بذور الشك والريبة بين أبناء المحرق، وكأنهم يسعون لصورة مماثلة لما عليها الحال في العراق!!، وإلا ما السبب في التشكيك وإلصاق التهم بهم جزافاً؟، ولماذا نبني دائماً على سوء الظن من دون الجلوس والاستماع إلى الآخرين؟، ثم لماذا توزع المنشورات التي تتبعها منشورات مضادة حتى تكون الفتنة بعد ذلك؟، لماذا يسعى الطفيليون دائماً لزرع الفتن وإثارة القلاقل؟.
إن ما يؤلم النفس ويصيبها بشيء من الغثيان هو أن هناك من يزايد على حب الناس لهذه الأرض، ومن يريد أن يصرف الأنظار عن القضايا الكبرى إلى قضايا صغرى، وإلا فإن القضية في الأساس هي معاناة أهل المحرق لنقص الخدمات التي كنا نطالب بها المسؤولين كثيراً، فلا مواقف للسيارات، ولا ساحات شعبية للأبناء، ولا خدمات تصل إلى المنازل، فالطرقات ضيقة، والشوارع غير مرصوفة، والإنارة غير كافية، والخرائب والبيوت آيلة إلى السقوط، وسكن العمال الأجانب العزاب بكل مساوئهم تقض مضاجع الأهالي، هذه هي القضية الكبرى التي يسعى الطفيليون والطارئون لصرف الأنظار عنها!!.
لذا فإن المخلصين من أهل المحرق تنادوا في هذا الأسبوع في مجلس الدوي(2) من أجل وأد الطائفية وتأكيد اللحمة الوطنية وتعزيز الولاء لهذه الأرض والقيادة حتى وإن تنوعت الأصول واختلفت الأجناس، هكذا دائماً المحرق برجالها المخلصين، يتصدون لمخططات الفتنة الطائفية قبل مخططات تغيير الهوية!!.
صفحة 10
جمعيات سياسية أم حصالات نقود؟!
بعد أن أقر مجلس النواب قانون الجمعيات ثارت حفيظة بعض الجمعيات السياسية والحقوقية من ذلك القانون والتزمت الأخرى (كالعادة) السكوت، لقد ثارت حفيظة تلك الجمعيات بعد الموافقة الماراثونية في مجلس النواب على مثل هذا القانون الذي اعتبر (لدى بعض الجمعيات) أسوأ من قانون أمن الدولة سىئ السمعة!!.
لقد رأت تلك الجمعيات أن قانوناً بمثل هذه الأهمية يجب أن يأخذ حقه من الدراسة والتحليل، وأن تعاد غربلة بعض مواده أو تحريرها من القيود، لقد رأت تلك الجمعيات أن القانون الجديد الذي رفع إلى مجلس الشورى فيه قيود تعيق تكوين تلك الجمعيات أو المساهمة في رقيها وتحسين أدائها.
ومن تلك القيود التي تتحفظ عليها تلك الجمعيات المادة التي تحدد الانضمام إلى الجمعيات بسـن الحادية والعشرين، الأمر الذي سيحرم شريحة كبيرة من الشباب الانخراط في تلك الجمعيات وتوظيف طاقاتهم، والمادة التي ستعطي الوزير المختص الصلاحية الكاملة للموافقة أو الرفض لتأسيس تلك الجمعيات، والمادة التي ترفض التمويل الأجنبي والدعم اللوجستي المتمثل في الورش والمؤتمرات التي تستفيد منها تلك الجمعيات، لذا قامت بعض الجمعيات بالتنسيق فيما بينها لمواجهة هذا القانون بالأساليب الدستورية سواء بمخاطبة مجلس الشورى أو باللجوء إلى جلالة الملك.
وعند إعادة النظر في قيام تلك المؤسسات والجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى نجد أنها من إفرازات المرحلة الجديدة التي دشنها جلالة الملك حينما وضع ميثاق العمل الوطني الذي توافق عليه الشعب بنسبة 98.4 %، هذه الجمعيات التي أقامت المهرجانات والأنشطة والفعاليات في سبيل دعم المجتمع والنهوض به، فبرزت تلك المؤسسات بتعاطيها الهادئ والمدروس من جهة، والغوغائية وعدم الالتزام بالقانون من جهة أخرى!!.
لقد عرف الأستاذ عبد الغفار شكر المجتمع المدني بتقسيماته وتنظيماته بأنه (مجموعة التنظيمات التطوعية المستقلة عن الدولة..، هذه التنظيمات التطوعية تنشأ لتحقيق مصالح أعضائها كالجمعيات الأهلية والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية، كما تنشأ لتقديم مساعدات أو خدمات اجتماعية للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة)، انظر كتاب اختراق المجتمع المدني في الوطن العربي.
فمع عهد الميثاق ازدهرت لدينا تجارة مؤسسات المجتمع المدني التي بدأت بأعداد لا تتجاوز أصابع اليد، حتى تفرعت وتشعبت بعد الانقسامات المعلنة داخلها سواء بين الصقور والحمائم، أو بين النخب والأتباع، أو بين أصحاب الولاءات الوطنية والولاءات الخارجية، لقد أصبح ظاهراً للعيان أن تلك المؤسسات والجمعيات تشهد انقسامات جديدة، معلنة ولادة جمعيات جديدة قبل انتخابات 2006م التي ستتحول بدورها إلى مراكز قوى في المجتمع بعد فشل الكثير من الجمعيات الحالية من تقديم حلول للقضايا المجتمعية الحالية.
لذا فإن الإشكالية الكبرى التي تتحسس منها الجمعيات السياسية والتي تعتبرها كالأكسجين للإنسان هي موضوع التمويل الخارجي، هذا التمويل الذي تعتمد عليه تلك الجمعيات في بناء مقارها وتنظيم مهرجاناتها وإرسال أعضائها إلى الخارج للمؤتمرات والمشاركات الخارجية، فالتمويل الخارجي من أبرز القضايا التي تسعى تلك الجمعيات للتمسك به والدفاع عنها، بل وتلهث وراءه لجمع الأموال وتكديسها وكأنها حصالات نقود!!.
ولو نظر الفرد منا إلى تلك الأموال المحصلة والموزعة على الكثير من الحسابات البنكية سواء باسم تلك الجمعيات أو بأسماء أعضائها (سراً) فإنه سيرى العجب العجاب، لأن الكثير من تلك الجمعيات التي تقوم بجباية الأموال من الخارج ما عليها سوى تقديم الكشوفات والتقارير لمموليها في الخارج، الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة لتلك الجمعيات من سقوط أعضائها في مستنقع التمويل الخارجي والتبعية المؤدلجة!!.
لذا يخشى المراقب والمتابع لنشاط قادة تلك الجمعيات أن يحققوا الثراء والغنى على أكتاف أتباعهم تحت بند التمويل الخارجي، كامتلاك البيوت الضخمة بعد تغيير عناوين سكنهم، والسيارات الفارهة التي يجوبون بها الطرقات ليلاً، والسفرات والمشاركات الخارجية، كل ذلك من خلال مقاعدهم الرئاسية في تلك الجمعيات، الأمر الذي سيغري الكثير من الناس بطلب تأسيس جمعيات جديدة ترفع شعار الوطنية والنضال والحقوق من أجل فتح حسابات بنكية لاستقبال التمويل الخارجي، فيكفي الفرد أن يجمع عدة توقيعات توافق عليها وزارة الشؤون الاجتماعية حتى تُفتح له أبواب التمويل الخارجي والمعونات الدولية!!.
وعند مراجعة سلبيات التمويل الخارجي بجميع صوره نجد أنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية الولاء للخارج، مما يكرس الانتماء إلى الخارج والخضوع للمنظمات الأجنبية، الأمر الذي سينشر التحزب في المجتمع، فالتمويل الخارجي هو المغارة التي اكتشفتها تلك الجمعيات التي كانت تنادي في السابق بتوزيع الثروات والعدالة الاجتماعية ومحاربة المستعمر!.
لذا فإن من مخاطر التمويل الخارجي أن الممول بعد فترة السماح المتعارف عليها لدى رؤساء الجمعيات سيسعى للسيطرة على تلك الكيانات والتنظيمات الأسيرة لديه من خلال الضغط عليها وتهديدها بتوقيف تلك المنح والعطايا والهبات التي اعتادتها، فترضخ تلك الجمعيات لكل الإملاءات سواء أكانت أميركية أم إسرائيلية أم إرهابية أم حتى من بقايا محور الشر!!.
بعد أن أقر مجلس النواب قانون الجمعيات ثارت حفيظة بعض الجمعيات السياسية والحقوقية من ذلك القانون والتزمت الأخرى (كالعادة) السكوت، لقد ثارت حفيظة تلك الجمعيات بعد الموافقة الماراثونية في مجلس النواب على مثل هذا القانون الذي اعتبر (لدى بعض الجمعيات) أسوأ من قانون أمن الدولة سىئ السمعة!!.
لقد رأت تلك الجمعيات أن قانوناً بمثل هذه الأهمية يجب أن يأخذ حقه من الدراسة والتحليل، وأن تعاد غربلة بعض مواده أو تحريرها من القيود، لقد رأت تلك الجمعيات أن القانون الجديد الذي رفع إلى مجلس الشورى فيه قيود تعيق تكوين تلك الجمعيات أو المساهمة في رقيها وتحسين أدائها.
ومن تلك القيود التي تتحفظ عليها تلك الجمعيات المادة التي تحدد الانضمام إلى الجمعيات بسـن الحادية والعشرين، الأمر الذي سيحرم شريحة كبيرة من الشباب الانخراط في تلك الجمعيات وتوظيف طاقاتهم، والمادة التي ستعطي الوزير المختص الصلاحية الكاملة للموافقة أو الرفض لتأسيس تلك الجمعيات، والمادة التي ترفض التمويل الأجنبي والدعم اللوجستي المتمثل في الورش والمؤتمرات التي تستفيد منها تلك الجمعيات، لذا قامت بعض الجمعيات بالتنسيق فيما بينها لمواجهة هذا القانون بالأساليب الدستورية سواء بمخاطبة مجلس الشورى أو باللجوء إلى جلالة الملك.
وعند إعادة النظر في قيام تلك المؤسسات والجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى نجد أنها من إفرازات المرحلة الجديدة التي دشنها جلالة الملك حينما وضع ميثاق العمل الوطني الذي توافق عليه الشعب بنسبة 98.4 %، هذه الجمعيات التي أقامت المهرجانات والأنشطة والفعاليات في سبيل دعم المجتمع والنهوض به، فبرزت تلك المؤسسات بتعاطيها الهادئ والمدروس من جهة، والغوغائية وعدم الالتزام بالقانون من جهة أخرى!!.
لقد عرف الأستاذ عبد الغفار شكر المجتمع المدني بتقسيماته وتنظيماته بأنه (مجموعة التنظيمات التطوعية المستقلة عن الدولة..، هذه التنظيمات التطوعية تنشأ لتحقيق مصالح أعضائها كالجمعيات الأهلية والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية، كما تنشأ لتقديم مساعدات أو خدمات اجتماعية للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة)، انظر كتاب اختراق المجتمع المدني في الوطن العربي.
فمع عهد الميثاق ازدهرت لدينا تجارة مؤسسات المجتمع المدني التي بدأت بأعداد لا تتجاوز أصابع اليد، حتى تفرعت وتشعبت بعد الانقسامات المعلنة داخلها سواء بين الصقور والحمائم، أو بين النخب والأتباع، أو بين أصحاب الولاءات الوطنية والولاءات الخارجية، لقد أصبح ظاهراً للعيان أن تلك المؤسسات والجمعيات تشهد انقسامات جديدة، معلنة ولادة جمعيات جديدة قبل انتخابات 2006م التي ستتحول بدورها إلى مراكز قوى في المجتمع بعد فشل الكثير من الجمعيات الحالية من تقديم حلول للقضايا المجتمعية الحالية.
لذا فإن الإشكالية الكبرى التي تتحسس منها الجمعيات السياسية والتي تعتبرها كالأكسجين للإنسان هي موضوع التمويل الخارجي، هذا التمويل الذي تعتمد عليه تلك الجمعيات في بناء مقارها وتنظيم مهرجاناتها وإرسال أعضائها إلى الخارج للمؤتمرات والمشاركات الخارجية، فالتمويل الخارجي من أبرز القضايا التي تسعى تلك الجمعيات للتمسك به والدفاع عنها، بل وتلهث وراءه لجمع الأموال وتكديسها وكأنها حصالات نقود!!.
ولو نظر الفرد منا إلى تلك الأموال المحصلة والموزعة على الكثير من الحسابات البنكية سواء باسم تلك الجمعيات أو بأسماء أعضائها (سراً) فإنه سيرى العجب العجاب، لأن الكثير من تلك الجمعيات التي تقوم بجباية الأموال من الخارج ما عليها سوى تقديم الكشوفات والتقارير لمموليها في الخارج، الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة لتلك الجمعيات من سقوط أعضائها في مستنقع التمويل الخارجي والتبعية المؤدلجة!!.
لذا يخشى المراقب والمتابع لنشاط قادة تلك الجمعيات أن يحققوا الثراء والغنى على أكتاف أتباعهم تحت بند التمويل الخارجي، كامتلاك البيوت الضخمة بعد تغيير عناوين سكنهم، والسيارات الفارهة التي يجوبون بها الطرقات ليلاً، والسفرات والمشاركات الخارجية، كل ذلك من خلال مقاعدهم الرئاسية في تلك الجمعيات، الأمر الذي سيغري الكثير من الناس بطلب تأسيس جمعيات جديدة ترفع شعار الوطنية والنضال والحقوق من أجل فتح حسابات بنكية لاستقبال التمويل الخارجي، فيكفي الفرد أن يجمع عدة توقيعات توافق عليها وزارة الشؤون الاجتماعية حتى تُفتح له أبواب التمويل الخارجي والمعونات الدولية!!.
وعند مراجعة سلبيات التمويل الخارجي بجميع صوره نجد أنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية الولاء للخارج، مما يكرس الانتماء إلى الخارج والخضوع للمنظمات الأجنبية، الأمر الذي سينشر التحزب في المجتمع، فالتمويل الخارجي هو المغارة التي اكتشفتها تلك الجمعيات التي كانت تنادي في السابق بتوزيع الثروات والعدالة الاجتماعية ومحاربة المستعمر!.
لذا فإن من مخاطر التمويل الخارجي أن الممول بعد فترة السماح المتعارف عليها لدى رؤساء الجمعيات سيسعى للسيطرة على تلك الكيانات والتنظيمات الأسيرة لديه من خلال الضغط عليها وتهديدها بتوقيف تلك المنح والعطايا والهبات التي اعتادتها، فترضخ تلك الجمعيات لكل الإملاءات سواء أكانت أميركية أم إسرائيلية أم إرهابية أم حتى من بقايا محور الشر!!.