صفحة 1
لكل حكاية بداية فما هي بداية الحكاية
عندما بلغ الدكتور حسن الشيخ حسن الثمانين من العمر في 26/2/2011، والدكتور حسن هذا هو ابن خال صاحبنا، سارد موضوع هذه المذكرات، وأخو زوجته أسماء (أم كريم)، قرر كل من ابني الدكتور حسن، باسل ومنى، أن يقيما حفلة عيد ميلاد مفاجئة تليق بهذه المناسبة، ودون أن يعرف والدهما شيئا عن تفاصيل هذه الحفلة، كما أشار عليهم عمهم الدكتور زهير والفري بدأ الحملة·بدأ الاخوان، باسل ومنى بالاتصال بكل من له علاقة بالدكتور حسن من بعيد أو قريب، في كل بقعة من بقاع هذا العالم، وطلبوا منه الحضور إلى ولاية كارولينا الأمريكية، حيث يقيم الدكتور حسن، إن كان بامكانه ذلك· وفي يوم عيد ميلاده تجمع عدد كبير من الأقارب والأصدقاء في فندق بمدينة (رالي) عاصمة ولاية كارولينا الشمالية، وجلسوا في ردهات وصالات الفندق بانتظار صاحب المناسبة·
مساء ذلك اليوم، دعت منى والدها الدكتور حسن لتناول فنجان من القهوة في مكان قريب من البيت، بحجة انها في غاية الاشتياق إليه، خاصة أنها تعيش في ولاية اخرى بعيدة عن أبيها· ولم يكن أمام الأب سوى تلبية دعوة الابنة الحبيبة، وما هي الا لحظات حتى وجد الدكتور حسن نفسه ينزل في الفندق الذي ينزل فيه الأقارب والأحباب والأصحاب·
لم يصدق الدكتور حسن عينيه، هل هو في حلم أم في علم، هل ما يراه حقيقة أم مجرد خيال عابر، كانت الوجوه التي تطل عليه من ردهات الفندق وجوها معروفة ومألوفة، إنها وجوه إخوته وأخواته وأقربائه وأنسبائه وأبنائهم، إضافة إلى عدد آخر من معارفه وأصدقائه·
كانت المفاجأة مذهلة ومفرحة في آن واحد، اذ عرف ما كان يخبأ له· لكن ما لم يدر بخلد الدكتور حسن، هو المفاجأة الأخرى التي فجرها ابنه البكر باسل، فبعد تناول العشاء، وقف الدكتور باسل ليلقي كلمة بهذه المناسبة، كانت الكلمة مختصرة، ولكنها كانت جامعة مانعة·
قال الدكتور باسل: أبي، نحن لا نعرفك، كل ما نعرفه عنك انك استاذ كبير في جامعة كبيرة، لكننا لا نعرف من أنت ولا كيف نشأت ولا أين تربيت، وما هي سبل الحياة التي مررت من خلالها· أبي نحن بحاجة لأن نعرف من أنت؟
كان ضمن الحاضرين زوجة صاحبنا سارد هذه المذكرات (اسماء) وابنته الوحيدة (أماني) التي مالت نحو امها قائلة: نحن أيضا لا نعرف شيئا عن والدي· وما أن وصلت أماني مع أمها إلى البيت الذي تقيم فيه، حتى بعثت برسالة الكترونية تقول: أبي، نحن لا نعرف من أنت· وطالبته فيها بالقيام على الفور بكتابة مذكراته·
بدأ صاحبنا يفكر في تنفيذ ما طلبته منه ابنته الوحيدة، لكنه وجد نفسه مترددا يقدم رجلا ويؤخر أخرى· وتشاء الظروف أن يصاب صاحبنا بمرض سرطان القولون، فأجريت له عملية تكللت بالنجاح، ليصاب بعدها في الكبد، ويجري عملية أخرى تكللت هي الأخرى بالنجاح، لكنها تركته مصابا بهزال شديد، نتيجة للعلاج الكيماوي الذي خضع له، وشعر أن الحياة جد قصيرة ستنتهي بلحظة، فاستعان بأحد الأصدقاء ليملي عليه مذكراته، آملا ان تخرج للناس بصيغة مقبولة قريبة من وجدانهم·
صفحة 2
عائلة عريقة الأصل والحسب وتحولات في الاسم والنسب
تعود أصول عائلة صاحبنا إلى الحمدانيين الذين هربوا من حلب بعد هزيمة الدولة الحمدانية ولجأوا إلى فلسطين متخذين من سفوح الجبال مكان إقامة لهم، يمكنهم من الاختفاء ومن الدفاع عن أنفسهم في حال تعرضهم لهجوم ما·ويعود أصل العائلة إلى الأخوين حمدان ومحمود اللذين وصلا إلى (بلعا) في فلسطين ليكونا نواة سكان هذه البلدة، فقد اسس الأول حارة حمدان، وأسس الثاني حارة محمود، وهما مميزان في الخلقة، ويقال إنهما كانا يعاملان الناس بطيبة، كما يقال إنهما غيَّرا مذهبهما أيضا، إذ كان الحمدانيون ينتمون إلى المذهب الشيعي·
كان والد جد صاحبنا لأبيه ويدعى ابراهيم، أول من خرج من عباءة آل حمدان التي كان يحملها جدهم الأول (محمود) ليحمل لقبا آخر بعيدا عن أصول العائلة، وهو لقب (أبو دَبَسة)، والدبسة هي العصا الغليظة التي تستخدم في العراك، وقد كان ابراهيم هذا رجلا قوي البنية شديد البأس، وحدث أن كان هناك ضبع يهاجم القرية بين الفينة والأخرى فيأكل حيواناتها الأليفة أو يقتل أحدا من سكانها، وصدف أن التقى ابراهيم الحمداني هذا بالضبع في إحدى الليالي وكانت معه (دَبَسة) فتصارع مع الضبع وصرعه وعاد به إلى القرية والدبسة في يده، فلقبه أهل البلدة بأبي دبسة، وحملت العائلة منذ ذلك الوقت اسم عائلة (ابو دَبَسة)·
أما التحول الثاني فكان عن طريق جده لوالده الحاج محمود، الذي كان رجلا جهما أبيض البشرة أشقر الشعر، أطلق عليه لقب (ابو شقرة)، فنسي الناس اللقب القديم للعائلة وهو (أبو دَبَسة) وأصبحت العائلة تعرف باسم عائلة (أبو شقرة)·
صفحة 3
لم يعط الحاج محمود العائلة لقبها الجديد فحسب، وانما أعطاها هالة من القداسة جعلت منها عائلة مباركة في أعين أهل القرية، فقد مرض مرضا شديدا أقعده في الفراش ولم يعد يستطيع الحركة، وبدأ جسده يهزل إلى أن وصل إلى درجة عدم القدرة على تحريك أطرافه، فنقلته العائلة إلى العقدة الصغيرة وأناموه على فرشة تطل على الباب مما يسهل على الناس زيارته ويمنحه شيئا من الترويح عن نفسه كمشاهدة المارين من الشارع·
وفي أحد أيام الجُمَع، اشتد به المرض، وظن أهل القرية أنه ميت لا محالة، وانتظروا ليصلوا على جنازته في ذلك اليوم، وأذن المؤذن لصلاة الجمعة والحاج محمود ما يزال حيا، فاضطر أهل البلدة إلى الذهاب للمسجد الذي يقع في نهاية الشارع أمام البيت لأداء صلاة الجمعة·
بعد مغادرة الرجال البيت بقليل، رأى الحاج محمود رجلا يركب حمارا ويلبس ثوبا أبيض يقترب من البيت، توقف الرجل أمام البيت، والقى تحية السلام على الحاج محمود، وقال له: شفاك الله يا حاج·
فلما سمع الحاج محمود هذا الكلام قال له: أنت غريب، لست من أهل هذه البلدة؟ فأجاب الرجل : أجل، أنا عابر سبيل، فأقسم عليه الحاج محمود أن ينزل في ضيافته ليتناول الطعام ويقضي ليلة يستريح فيها من تعب السفر، إلا أن الرجل شكر له دعوته واخبره أنه لا يستطيع تلبيتها وأعاد له الدعاء بالشفاء، وانطلق في حال سبيله·
نهض الحاج محمود من فراشه وأسرع إلى الباب، ونظر يمنة ويسرة فلم يجد اثرا للرجل· وبعد دقائق خرج المصلون من المسجد وعادوا للاطمئنان على الحاج محمود وفوجئوا به يصرخ في وجوههم: كيف تركتكم هذا الرجل الغريب دون أن تدعوه لضيافتكم؟ استغرب الرجال هذا الكلام، فهم لم يروا أبدا رجلا يركب حمارا ويسير في الشارع، فقال لهم: بل كان هناك رجل، ودعوته فاعتذر·
حينها فطن الرجال إلى أن الحاج محمود واقف امامهم على قدميه مع أنه قبل ذهابهم إلى المسجد لم يكن يستطيع تحريك أطرافه· ومنذ هذه الحادثة عاش الحاج محمود سليما معافى اكثر من عشر سنوات·
وفي أحد أيام الجُمَع، اشتد به المرض، وظن أهل القرية أنه ميت لا محالة، وانتظروا ليصلوا على جنازته في ذلك اليوم، وأذن المؤذن لصلاة الجمعة والحاج محمود ما يزال حيا، فاضطر أهل البلدة إلى الذهاب للمسجد الذي يقع في نهاية الشارع أمام البيت لأداء صلاة الجمعة·
بعد مغادرة الرجال البيت بقليل، رأى الحاج محمود رجلا يركب حمارا ويلبس ثوبا أبيض يقترب من البيت، توقف الرجل أمام البيت، والقى تحية السلام على الحاج محمود، وقال له: شفاك الله يا حاج·
فلما سمع الحاج محمود هذا الكلام قال له: أنت غريب، لست من أهل هذه البلدة؟ فأجاب الرجل : أجل، أنا عابر سبيل، فأقسم عليه الحاج محمود أن ينزل في ضيافته ليتناول الطعام ويقضي ليلة يستريح فيها من تعب السفر، إلا أن الرجل شكر له دعوته واخبره أنه لا يستطيع تلبيتها وأعاد له الدعاء بالشفاء، وانطلق في حال سبيله·
نهض الحاج محمود من فراشه وأسرع إلى الباب، ونظر يمنة ويسرة فلم يجد اثرا للرجل· وبعد دقائق خرج المصلون من المسجد وعادوا للاطمئنان على الحاج محمود وفوجئوا به يصرخ في وجوههم: كيف تركتكم هذا الرجل الغريب دون أن تدعوه لضيافتكم؟ استغرب الرجال هذا الكلام، فهم لم يروا أبدا رجلا يركب حمارا ويسير في الشارع، فقال لهم: بل كان هناك رجل، ودعوته فاعتذر·
حينها فطن الرجال إلى أن الحاج محمود واقف امامهم على قدميه مع أنه قبل ذهابهم إلى المسجد لم يكن يستطيع تحريك أطرافه· ومنذ هذه الحادثة عاش الحاج محمود سليما معافى اكثر من عشر سنوات·
صفحة 4
الولادة كالعادة على يد الولاّدة
كان والد صاحبنا يعمل مديرا لمدرسة زيتا- قضاء طولكرم، إلا أن القرار العائلي كان أن تكون قيسارية هي مسقط رأسه، وإذا كان لكل أمر مسبباته، فالسبب الرئيسي للولادة في قيسارية كان لأن جدته لأمه المقيمة في تلك المدينة كانت هي التي ستقوم بتلك المهمة، ولذلك كان لا بد لأمه من أن تشد الرحال إلى قيسارية كي تكون ولادتها على يد أمها، في بيت جده الشيخ حسن، الذي تعودت عائلات ثلاث على قضاء الاجازات فيه، وهذه العائلات الثلاث هي: أسرته، وأسرة زوج خالته، واسرة خاله وهو الابن الكبير للشيخ حسن المتزوج من (نحف) من أعمال عكا·تمت الولادة في ليلة كانونية باردة وماطرة في التاسع من كانون الأول عام 1934، وفي اليوم التالي زفوا الخبر السعيد لوالده عن طريق مكتوب أرسلوا به مع أحد المسافرين، فطلب من مختار زيتا أن يسجله في دفتر ولادات زيتا، لذلك فهو مسجل في جواز السفر على أنه من مواليد زيتا، مع أنه ولد بالفعل على شاطىء بحر قيسارية·
ومع أن فلسطين لم تكن تخلو من آيات الجمال في الخلق، خاصة مواطنوها من الشركس والبشناق الذين قدموا اليها بعد الأحداث التي شهدتها بلادهم في اوائل القرن المنصرم، إلا أن والدته كانت ترى أنه أجمل طفل رأته في حياتها·
عندما تناهى إلى مسامع الشركس والبشناق، أن فاطمة بنت الشيخ حسن أنجبت ولدا، قدموا إلى البيت زرافات ووحدانا ليقدموا التهاني· فقد كان جده الشيخ حسن الذي درس في الأزهر الشريف، قاضي حيفا، يحظى بالاحترام من قبلهم· فبعد أن ترك جده حيفا واستقر في قيسارية، اشترى بيتا هناك، وعندما قدم الشركس والبشناق إلى قيسارية قام بتفقيههم في أمور دينهم، لذلك نراهم وحتى يومنا هذا يُجِلّون ويقدرون أي إنسان من سلالة الشيخ حسن وحسب رواية الوالدة فإنهم أخبروها عندما رأوا صاحبنا، أنه ليس عربيا، وأن وجهه وجه بشناقي لوسامته·
صفحة 5
ممارسات طفولية على الشواطىء القيسارية
لقيسارية ذكريات لا تنسى ما تزال عالقة في وجدان صاحبنا، فقد كان يقضي فيها الاجازة السنوية مع أبناء أخواله وأبناء خالته، يلعبون ويلهون على تلك الشواطىء التي كان للحياة فيها طعم آخر· كانت الاجازة بالنسبة له ولرفاق طفولته خالية من القيود، فقد كانوا يمتلكون حرية اللعب والنوم واللهو والاستيقاظ طوال شهور العطلة الثلاثة، ولم تكن تلك الشهور تخلو من المقالب، مما جعل لكل يوم من تلك الايام نكهته الخاصة ومتعته المختلفة·ولا ينسى صاحبنا أيام الملوخية، فقد كان مع صغار العائلة يغرقون في صحون الملوخية يأكلونها بشراهة ومتعة، وحين يرون آثار الملوخية على وجوههم وملابسهم، كانوا ينطلقون على الفور إلى مياه البحر لتخليص تلك الثياب مما علق بها من آثار الملوخية·
اما البطيخ، فله قصة أخرى، فقد كان الكبار (والده وخاله وزوج خالته) يتـبعون نظاما معينا، حيث كان المصروف الاسبوعي من نصيب واحد منهم، وكانوا عندما يشترون البطيخ، يشترونه بالأحمال، أي يشترون الحمل كاملا، ثم يضعونه في غرفة شبابيكها من حديد حتى لا تتمكن أيدي الصغار من الوصول اليه، لكن ذلك لم يحل بين الصغار وبين البطيخ، فقد كانوا يختارون أكثرهم نحافة ليدخل من بين قضبان الحديد ثم يبدأ بمناولتهم البطيخ الصغير الذي يمكن ادخاله من خلال القضبان· وبعد أن يجمعوا ما تيسر لهم من بطيخ كانوا يحملونه وينزلون به إلى البحر، فيستخدمونه للعب بدل الكرات التي لم تكن متوفرة لهم في ذلك الحين، وحين يسأمون من اللعب يكسرون البطيخ ويأكلون ما بداخله ويغسلون أيديهم ويعودون إلى البيت فرحين·
ورغم هذه المغامرات اليومية الصعبة في الحصول على البطيخ، إلا أن صاحبنا ما يزال على يقين أن طعم ذلك البطيخ هو ألذ طعم عرفه في حياته، وأن تلك الأيام كانت من أجمل ايام حياته التي شعر فيها بجمال الحياة من خلال معانقته للطبيعة الجميلة، ومن خلال إحساسه بطعم الحرية الحقيقية في ذلك المكان·
صفحة 6
المليم الصغير ولوح الشوكولاتة الكبير
دخل صاحبنا المدرسة، وهو في الثالثة حين التحق بروضة مدرسة كان يطلق عليها اسم كُتّاب الشيخ هاشم في يافا، فقد كانت اسرته تقطن آنذاك في منشية يافا، وكان سبب دخوله ذلك الكتاب كي يتسلى، وكان يتسلم مليما واحدا يوميا كمصروف، وإن لم يأخذ المليم يوما ما، كان يصرخ ويبكي كثيرا، فقد كانت للمليم قيمة في تلك الأيام فكيف يمكن التنازل عنه بسهولة·كان يشتري بذلك المليم لوح شوكولاتة من مدير المدرسة بحجم الكف· لذلك كان يبكي على الشوكولاتة إن لم يأخذ المليم· أما الشيخ فكان يدرسهم حروف اللغة العربية·
صفحة 7
متعة السفر بالقطار في أجمل الديار
كانت الحكومة البريطانية تمنح موظفيها تذاكر سفر تمكنهم من ركوب القطار خلال عودتهم من أماكن عملهم إلى ديارهم· ولما كان والد صاحبنا من هؤلاء الموظفين، فقد كان يحصل على تلك التذاكر كل عام، وكان صاحبنا ينتظر تلك اللحظة على أحر من الجمر· كان يركب القطار مع اسرته إلى حيفا، وكانوا ينزلون في محطة بنيامين، ومن هناك يستقلون الجمال أو الخيول أو الحمير، متجهين غربا نحو قيسارية، ويعودون بنفس الطريقة التي جاؤوا بها·
صفحة 8
حيلة الطهور المشهورة في النظر إلى العصفورة
لا يزال صاحبنا يذكر يوم طهوره، حدث ذلك في بلعا، وكان في الخامسة من العمر، لم يكن يعرف ماذا سيفعلون به، عندما قالوا إن المطهر قد جاء، وكان له ابن عم اسمه زياد، أراد أهله تطهيره معه بنفس الحفلة·أخبروهما أن أحدهم يريد أن يفحصهما فأدخلوهما الغرفة، وخلعا ملابسهما وطلب المطهر من صاحبنا، أن ينظر إلى العصفورة، مشيرا إلى السقف، فنظر إلى السقف، وإذا به يقول أنه أنهى عمله دون أن يشعر بألم، واستمرت الأفراح أسبوعا في البيت· فقد كانت حفلات الطهور تشبه حفلات الأعراس من حيث العزائم والولائم والأفراح·
صفحة 9
الشيخ الرهيب والبوهيمي العجيب والفران الغريب
في قيسارية ويافا تعرف صاحبنا الطفل إلى ثلاث شخصيات تعتبر من معالمها الهامة، الشخصية الاولى هي شيخ البحر، (يافا) وهو شيخ كبير ذو شعر ابيض ولحية كثة بيضاء، وكان يجلس على صخرة على الشاطىء مثل لغز رهيب· وهذه الرهبة هي التي جعلت العائلات تخيف اولادها به، كي لا ينزلوا إلى البحر· أما أسرة صاحبنا فلم تكن تتعامل معه بهذه الطريقة، لذلك لم يشعر بالخوف من شيخ البحر·كان بيت صاحبنا يقع على البحر، وكان الشيخ الكهل يجلس هناك على الحجر الروماني الكبير، تماما كالشخصيات التي نراها في الأفلام، لذلك كان الكل يطلق عليه لقب شيخ البحر· فكان يذهب اليه ويجلس إلى جانبه فيجده رجلا في غاية اللطف والرقة والطيبة· وكان الشيخ معجبا بشجاعته، فكان يسرد على مسمعيه قصصا عن مغامرات الصيد والبحر تلك المغامرات والقصص التي كان يتساءل بينه وبين نفسه عن مغزاها ومعناها، مع أنه لم يكن له من العمر سوى ثلاث سنوات فقط·
لقد حدثه كثيرا عن قصص البحر، وصيد الأسماك، وكيف أنه كان صيادا ولديه مراكب لصيد السمك، وعن كميات السمك التي كانوا يصطادونها، لكنه لم يحدثه ابدا عن السياسة نظرا لصغر عمره، علما أن يافا كانت مسرحا واسعا للأحداث السياسية·
بعد أن دارت الأيام وضاعت البلاد رجعت العائلة إلى منطقة طولكرم، ليكتشف صاحبنا أن شيخ البحر كان من عائلة الصّدر في طولكرم وهو معروف في المنطقة كلها·
والشخصية الثانية هي شخصية الخواجة جورج، وكان جورج هذا يعيش حياة بوهيمية، فقد كان يلبس برنيطة استرالية عفـَّى عليها الزمن، ويلبس شورت القوات البريطانية، ويربط في وسطه حبلا تتدلى منه ركوة·
كان جورج هذا يعمل دليلا سياحيا للزوار الذين يأتون لزيارة الآثار في قيساريا، وكان يأخذ الزوار إلى البوابة وهي الجزء المتبقي من السور الروماني القديم· وعندما يتعب من المشي، يجلس على حجر مربع كبير بجانب الباب ليستريح، فيسأله السياح عن سر اهتمامه بذلك الحجر، فيجيبهم: على هذا الحجر كان يجلس يوليوس قيصر وملكة مصر كليوبترا يتبادلان القبل· ثم ينهض عن الحجر، فيتسابق السياح بالتقاط الصور لذلك الحجر·
صفحة 10
ذات مرة سأله صاحبنا: لماذا تكذب على السياح؟ فأجاب: لأنني أريد أن أستريح· أجلس لأرتاح وأبقيهم مشغولين بتصوير الحجر·
لم يكن الخواجة جورج غريبا على أسرة صاحبنا، فقد كان يحضر إلى بيتهم ويدخل الحديقة الخلفية للبيت، تلك الحديقة التي يحدها السور الروماني القديم من الشرق· وكانت هنا شجرة توت ضخمة يتسلقها صاحبنا مع رفاقه الصغار لأكل التوت الكبير الاحمر الذي تميل حمرته إلى السواد· وكان جورج يأتي لطلب التوت، فيقولون له إنه لا يوجد لديهم وعاء يقدمون له التوت فيه· فكان يخلع برنيطته ويقدمها لهم ليضعوا له التوت فيها· فكانوا ينظرون إلى البرنيطة، فيجدون الدود معششا فيها، فيمسحونها ببعض حبات التوت، ثم يملأونها بالتوت فيأخذها شاكرا وينصرف·
كان الخواجة جورج يعرف أكثر من أربع لغات لكنه كان يعيش حياة بوهيمية: فقيرا، مقطوعا من شجرة، لكنه لم يؤذ أحدا أبدا·
أما الشخصية الثالثة فهي شخصية ابي العبد الفران· كان خباز المنطقة، وكان يلوك التنباك ويبصقه على الأرض وهو منهمك في عمله· وكان صاحبنا مع افراد الأسرة الصغار يحملون أطباق العجين الكبيرة ويذهبون بها إلى فرنه ليخبزها لهم·
ولما كانت أسرة صاحبنا من الأسر الممتدة الكثيرة العدد، فلم تكن تمر ساعة إلا ويأتي أحد اولادها حاملا العجين أو الصواني للفرن، فيشعر أبو العبد بالضيق ويصرخ: يقطعكم يا دار الشيخ شو بتوكلو
وكان اكثر ما يضايق أبا العبد أن تسأله: ماذا تعلك؟ فيبصق ما في فمه ويقول: اعلك (······)·
لم يكن الخواجة جورج غريبا على أسرة صاحبنا، فقد كان يحضر إلى بيتهم ويدخل الحديقة الخلفية للبيت، تلك الحديقة التي يحدها السور الروماني القديم من الشرق· وكانت هنا شجرة توت ضخمة يتسلقها صاحبنا مع رفاقه الصغار لأكل التوت الكبير الاحمر الذي تميل حمرته إلى السواد· وكان جورج يأتي لطلب التوت، فيقولون له إنه لا يوجد لديهم وعاء يقدمون له التوت فيه· فكان يخلع برنيطته ويقدمها لهم ليضعوا له التوت فيها· فكانوا ينظرون إلى البرنيطة، فيجدون الدود معششا فيها، فيمسحونها ببعض حبات التوت، ثم يملأونها بالتوت فيأخذها شاكرا وينصرف·
كان الخواجة جورج يعرف أكثر من أربع لغات لكنه كان يعيش حياة بوهيمية: فقيرا، مقطوعا من شجرة، لكنه لم يؤذ أحدا أبدا·
أما الشخصية الثالثة فهي شخصية ابي العبد الفران· كان خباز المنطقة، وكان يلوك التنباك ويبصقه على الأرض وهو منهمك في عمله· وكان صاحبنا مع افراد الأسرة الصغار يحملون أطباق العجين الكبيرة ويذهبون بها إلى فرنه ليخبزها لهم·
ولما كانت أسرة صاحبنا من الأسر الممتدة الكثيرة العدد، فلم تكن تمر ساعة إلا ويأتي أحد اولادها حاملا العجين أو الصواني للفرن، فيشعر أبو العبد بالضيق ويصرخ: يقطعكم يا دار الشيخ شو بتوكلو
وكان اكثر ما يضايق أبا العبد أن تسأله: ماذا تعلك؟ فيبصق ما في فمه ويقول: اعلك (······)·