eKtab
EN ع
مكاتيب النارنج
اقرأ عينة مجانية

مكاتيب النارنج

بقلم محمود عيسى موسى

صفحة 1
-1-
 
بالأمس··كأنه الأمس الآن وكأن الآن قبل آلاف السنين باب من حديد الصمت يغلق عليّ، يخطفه فيفصلنا، يأخذه، يتركني ويغير مجراه كنهر على غير ما عادة الأنهار، فما أشد حزني اليوم وما أصعب مهجتي وما أقسى ريقي كأن الدنيا بعده حطب·
 
فالذي يكون له أن يجلس على كرسيه، كرسي العقرب، لا تأخذه سنة ولا يأخذه نوم·
 
يأخذ من عمون القلق وموت الملح من الغور السحيق، يمر في أرابيلا ويرى أم قيس والبحيرة والهضبة في أحلامه حين ينام كالحور في الشام، يقضي في صور خمسة أيام لا غفوة في لياليها، يوقظ الربوة في أول الشام ويندس فيها إلى يوم يدخل فيه الأردن فيغسل قدميه بماء الشريعة ويعمد جسده من دافق الجبل بماء الثلج المنساب من لحية الجبل البيضاء في عز دين تموز·
 
بالأمس كأنه الآن كان يحس بوطأة أزيز الحديد، كأنه الآن كان يعرف ويدرك أنه سيغلق الباب إغلاقته الأخيرة والأبدية·
 
بالأمس كنت أجلس معه هنا حول طاولته الصغيرة الموضوعة وسط غرفته الضيقة المكتظة بالكراسي والطرابيزات والكتب وأشرطة الموسيقي واللوحات والفراشي وأنابيب الألوان وقطع الأنتيكا النادرة الغريبة العجيبة التي اختارها وانتقاها وجمعها في أزمنة وأمكنة مختلفة وكبرت معه واعتراها كما اعتراه صدأ السنين·
 
اللوحات احتلت غرفته وجدرانها احتلالاً عسكرياً غاشماً وأغلقت المعابر وحولت المكان إلى ترسانة فنية فتاكة وتمترست فيه باستثناء مساحة ضيقة وصغيرة، لم تجرؤ عليها يكاد زيتها لا ينضب، ظلت عصية حرة محتفظة بوطنيتها واستقلالها وحق الدفاع عن حدودها التي تضم صورة فوتوغرافية وحيدة بين اللوحات لامرأة مسنة ووحيدة تصل درجة التشابه في الملامح بينه وبينها حداً يمكن معه تصديق الكذب·
 
هل يمكن أن يتشابه الرجل والمرأة هذا التشابه المستحيل؟! يمكن، لم لا، لكن في حالة واحدة فقط هي حالتهما، اللغز· تلك المرأة لم تكن أمه أوجدته ولا حتى أخته كما أعرف أما ما كنت لا أعرفه وأجهل خفاياه أنها كانت تعني له أسمى الآيات وأعمق المعاني، تحتل لديه المكانة والمنزلة العليا، يتعامل معها بصفة من الإجلال والاحترام والإخلاص إلى محياها بمرتبة من مراتب القداسة، لا ينقطع عنها ولا يهمل النظر إليها والتأمل الرهيف بالهالة التي تحيط بها أثناء تبادل الأحاديث والحوارات·
صفحة 2
يمعن النظر فيها، يستمد الشحنة والشرارة والقوة، يرق وتزداد جاذبيته ويتحول بكله وكليله إلى روح، إلى نور وتسبح عيناه بماء يخطف البصر، ماء كالزجاج السائل لا تخاله الدمع ولا تحسبه البكاء، ماء ينذرف ولا ينسكب على الخدين، يظل حبيس المحجرين ولا يغرق العينين·
 
يثبت نظراته إلى صورتها ويطلق عبارته الشهيرة الممزوجة برشفة العرق من الكأس والآه من الصدر وبحة الصوت من الحبال··
 
يا أيتها المرأة الأهم يا أيتها التاريخ·
 
كانت الصورة تتغير تماماً بعد هذه العبارة وتَدُّبُ فيها الحياة وتتحول من مجرد صورة صماء، التقطتها العدسة في لحظة لن تعود وتتكرر، لامرأة من لحم ودم لا تخفي اهتمامها به وملاحقتها له حيثما تكلم أو تحرك، امرأة لا تكتم فرحتها ولا تخفي بهجتها به وهي ترسم الابتسامة على شفتيها، ابتسامة الفخر والاعتزاز، ابتسامة الإصغاء إلى بوحه عن علاقته بامرأة بعيدة بكل ما في البعد من معنى ومغنى، عن علاقة أقرب ماتكون إلى الكذب منها إلى الحقيقة والتصديق، امرأة بعيدة أبعد من المسافات والجبال والأنهار والمحيطات ونقاط الحدود، كأنما يُقدّر البعد ويقاس بالمسافة بين مشرق الدنيا ومغربها·
 
الله ! ما أبعدها المسافات وما أصغر الدنيا، كأن الدنيا خيط من حرير السنوات يمر من خرم إبرة وخز القلب الواقفة في منتصف البحر العظيم كي يرتق لحظة من لحظات العمر مَزَعَها الدهر·
 
الدهر كلمة من أصعب الكلمات التي تعلمها في الصغر وصارت الحجر الذي لا نقش فيه·
 
الدَّهر، الزمان الطويل، الأمَدُ المَمْدود، ألفُ سنةٍ، ألف سنة تمزع لحظة، إذاً فالأدهر والدهور آلاف من السنوات تمزع كل اللحظات التي يتألف منها العمر فكيف إذا استفرد بها دهرٌ دهيرٌ وداهرٌ، كان الله في عون الممزوعين فقد دهرَهم أمرٌ أي نزل بهم المكروه فهم مدهورٌ بهم ومدهورون·
 
أليس منها المتدهور·
 
لقد تدهورت يا صديقي، أدبرت أنت وحجرك·
 
هل يمكن أن يكون الحجر، حجرك بحجم الدهر: لا لا ·· إنها الدَبْشة··· لا ·· لا إنها الصخرة·
 
هل يمكن القول بأنه يجثم فوق الصدر كصخرة ؟!
صفحة 3
لعلك اقتربت، حل معضلتك العصية أن تستعيض عنهما بكلمة واحدة منحوته من كلمتين·· الصخدهر·
 
لاحظ ما أجملها من منحوته، ما أجمل لفظها ووقعها، كأنها نوع من الحجارة الكريمة النادرة·
 
يا الله لو كانت الدنيا مجرد كلام في كلام·
 
لاحظ كيف فقدت الكلمتان معناهما بجرة قلم ومزحة ساذجة هيبة الدهر وصلابة الصخر، هكذا هي الحياة·
 
بالأمس وضع القصة على الطاولة، وضعها على بلاطة، بكلها وكليلها، بتفاصيلها ولا تفاصيلها، بمشاعرها وحواشيها، بخيالاتها وواقعيتها التي راحت تكبر وتتضخم لتوطد علاقة عجيبة عمرها الحقيقي أقصر من عمر الأجنة التي تموت في أول لقاء لها مع الهواء، وعمرها غير الحقيقي أطول مما تعدون، علاقة اتكأت وكوَّعت على لقاء وحيد ساعدتهم به الحياة حتى صار الحلم المنشود، أما ما نسجاه حوله وعليه من خيالات وامنيات وتنهدات وخيوط من مياه الحياة المستحيلة التي جرت في مسيلها لتوصل الغرب بالشرق فقد بات مجرد واقع مرير لوقائع لا يمكن أن يخامرنا الشك بعدم وقوعها·
 
وقعت القصة على الطاولة وسمع وقعها على البلاطة·
 
المكاتيب والمكالمات السلكلية واللاسلكية أوصلتهما إلى الإمعان في إزاحة هذا اللقاء المنفرد إلى أقصى نقطة في بعد البعد، إلى أقصى نقطة غلفاها بالقداسة وأحاطاها بسياج سرابي كلما حاولت الاقتراب منه يبتعد عنك وحرما على حالهما الذهاب إليها والإمساك بها والخوض فيها أو مس هالتها·
 
حَرّما دون اتفاق مسبق مناقشة شرعية اللقاء، اختياره جبريته، صدفته، سلامته أو خطورته، نجاحه أو فشله، صحته أو خطأه، فائدته أو أذاه، رقة الحسام أو حد الرائحة القاطع وإذا كان من فعل الطبيعة وأسرارها أو من وسوسة خناس وهل جاء في المكان والزمان الصحيحين، هل جاء في السياق أم خارجه، أهو لقاء دنيوي أم في الحياة الآخرة، أهو في صالحهما أم ضدهما أم ضد أحدهما دون الآخر؟ هل حصل بمحض الصدفة أم بترتيب من أسرار الكون ليعيد بنائهما من جديد أو ليهدمهما كما هُدما في مرات سابقة؟ لقد حرّما كل ذلك·
 
أهو مثل كل اللقاءات العابرة السرية منها والعلنية بين بني البشر؟ هل يكتمان أنفاسه ويئدانه أم يفصحان عنه ويعلنانه للآخرين في مشرق الدنيا ومغربها أم يحتفظان به كسر أبديّ سرمدي يموت بموتهما·
صفحة 4
لقد اتفقا دون إذن مسبق على سريته وما عادا يقتربان منه حتى ظل يتوارى ويختبئ ويبتعد يوماً بعد يوم وتوالت عليه الشهور والسنوات التي حُسبت عليهما وضاعت من عمرهما مثلما تضيع الفرص الحلوة ولا تُغتنم كأنهما لم يسمعا بالخيام وهو ينشد وأغنم من الحاضر لذّاته
 
حاضرهما ظل يبتعد ويصم السمع عن الخيام حتى تناهى اللقاء والحاضر إلى نقطة غايةٍ في البعد والصغر·
 
السر هو أعلى مرتبة من مراتب البعد والاختباء في أقاصي البني آدم، السر هو في سر منح لقائهما هذه الأبهة والمرتبة وفي تتويجه على عرش القداسة والسحر وكذبة الحياة الصادقة·
 
بالأمس وضع اللقاء على بلاطة وقال يا صديقي حجان لقد جاءت مع الإفرنج من بلاد الغال مع من جاءوا من وفود الانسكلوبيديا الذين أوكلت إليهم مهمة تعداد الأعمدة الحجرية وتيجانها واحتساب ما دمره الزلزال على أنها خسائر ناجمة عن الجهل والتخلف مع التجاهل التام والمقصود للأقواس التي تدل علينا وعلى ما شيدناه في زمن العِزّ وهدمه الفرنجة في زمن الرز·
 
سيلتقطون الصور اللئيمة ويحتسون الشراب المثلج أمامنا وهم يتفيؤون أشجار الزيتون والسنديان ويتجاهلون ما قطعه الانكشاريون من غاباتنا ويرفعون نخب الموسوعات الموسعة في سمائنا ويضحكون ويطيبون خاطرنا بجملة عربية صرفة··
 
ناهيك عن أسباب التخلف وسوء استغلال الثروات·
 
في المقبل من الأيام يا صاحبي بعد أن تطبع موسوعاتهم ستلتهم دودة الكتب أول حرفين من الكلام النون والألف مما يفسح المجال أمامك لأن تشتم على كيفك·
 
هيك هيك لأم الموسوعات·
 
تفحصت أعضاء الوفود الموفودة من أصقاع المعمورة فرداً فرداً فما رأيت غير عينيها تحت العدسات الزجاجية· لم تر غيرهما كأن الوفود بلا عيون·
صفحة 5
هل رأت ما رأيت؟ ما بدر منها بعد ذلك يؤكد لك أنها رأت·
 
اقترب منكما أكثر الأعضاء رقة وتهذيباً، قدمها لك وقدمك لها وكان كالحسام في خطف بريق العيون، ذكر اسمها وذكر اسمك· لم تنتبه للاسم، كنت مأخوذاً بما وراء زجاجات الكوزلك· دارت الدنيا ودرت معها، مشت الشام نحوك خطوة، هَبَّتْ رائحة مشيتها فاقتنصت انشغال الحسام المهند بزوجته، اقتنصت الفرصة التاريخية ومشيت نحوها الخطوة المقابلة·
 
قلت من أي عائلة أنتِ؟
 
ردت، من أرض الديار·
 
قلت لا تؤاخذينني·· كأنك شجرة نارنج من نارنج الشام·
 
قالت مزهوة بتواضعها، كيف أكون شجرة وأنا بشر مثلك ومثل الآخرين·· لكن كيف عرفت أنها شجرتي المفضلة·· هل تعمل في السحر·· كلامك فيه سحر··· أكثر من السحر·
 
تماديت معها، بل أنت شجرة النارنج المقلوعة من أرض الديار لا بد أن يكون مجيئك مع الوفود نتيجة خطأ ما ارتكبه أحدهم أو أن هذا الخطأ هوبيت القصيد الذي لا يعرفه غيرهم·
 
ابتسمت بعذوبة نبع مجهول بين الجبال ومالت برأسها خجلاً وسال صوتها إلى مسامعك بندرة بين الأصوات··
 
اسمك حلو··
 
عمّر صوتها الشامي ثقتك في الوصول إلى اللب، وشجعك البريق الآمن في عينيها فبادرتها مباغتاً·
 
-تِيجي آخذك إلى أم قيس·
 
خذني قالت، تعرفت على جرش وزرت البتراء المدينة الوردية ومشيت كالجمال في وادي رم وهبطت إلى صرة الملح في البحر الميت بقيت أم قيس··· خذني·
 
قالتها فأخذتني معها قبل أن آخذها معي·
 
قلت سأحكي لك قصة التيجي هذه عن أم قيس·
 
وقلت لي وابتدأ اللقاء يا صاحبي كأنه آخر يوم لنا في هذه الدنيا·
صفحة 6
-2-
 
كان الحارس يبوح وهو يجلس معي، كأنها الاستراحة من الحراسة، عن علاقته بالمرأة البعيدة والكلمات تنساب من بين شفتيه كالمناديل الشفافة الملفوحة برشفات الكأس وعطر اليانسون، من بين القلب واللسان، يبوح ويفوح منها روائح عذبة وعطر عوالم كاذبة وحالمة وأجواء معشقة بدخان الشعير والمريمية المحروقة·
 
كأنما يتكلم من غرفة النوم ومن سرير الصفاء ويتلقى الرضى والطمأنينة من بريق خاطف في عينيها المشعتين داخل الإطار المعلق بالأمس كنت أجلس معه، نشرب العرق، نتحدث عما يجول في خاطرينا، عما يجول في خاطره، هو الذي كان يتحدث، وندق كأساً بكأس ويغرينا الدق·
 
بالأمس بالتحديد، لم ألحظ أي تغيير أو اختلاف لديه عنه في مرات سابقة·
 
رغم اتساع مساحة البوح وضيق الطاولة لم يفض بحزنه الشديد الذي كان يعتريه كالفصول والمواسم في حقبات متباعدة فيجيش كالحصاد مرة واحدة ويُقطّع سنابل القلب ويهُدّ بيدر الصدر المؤقت، لم يفض ولم يفعلها·
 
توازنه المعهود كان سيد الطاولة، لم ينزلق ولم تفلت منه إيماءة تشي أو توحي بالتوقف عند الدهر أو إيقاف الزمن أو ضرب الحياة بالحجر المنقوش·
 
ما الذي جرى ولم أدركه، ما الذي حصل أجهله ولا أعرفه؟
 
شيء يشبه صعقة الكهرباء·
 
شيء يشبه النقطة السوداء في الظلمة الحالكة·
 
-حالك صعب كالدهر·
 
لا والله، على غير ما عادتنا، لم نشرب كثيراً تلك الليلة، لم ننس نفسينا ولم تحمر عيوننا ولم يثقل اللسان ولم تتورم شفاهنا وتتعثر ببعضها أثناء البوح والكلام والمكاشفات·
 
هل خطط سراً بدقة وبصمت وغلف لحظات آخر العمر بإطار رصين من الابتسامة الفاخرة، وبمجالستي الوداعية الشفافة، من طرف واحد، وبالبوح المستفيض عن المرأة البعيدة التي لم يلتقها سوى مرة واحدة لقاءً يشبه ذاك الذي يحدث في القصص والروايات، فجّر بينهما كل هذه العلاقة السكلية واللاسلكية عبر آلاف الأميال، أحدهما شرق البحر المتوسط والآخر غربه·
صفحة 7
لا مجال للشك في دقته المتناهية وصمته البعيد، فهو لا يقدم على أمر ما قبل أن يفككه ويحلله ويناقشه من حيث يحتاج ذلك، ثم أنه لا يحاول أن يخفي هواجسه عني فأجمل صفاته، وهي كثيرة، صوته الرخيم وهو يتفكر بأحاسيسه ويناقش مشاعره أمامي في الخلوة الخاصة التي شدتني إليه وحببتني به ومكنتني من الدخول إلى المساحة العزيزة الآمنة كصديق حميم·
 
الله··· لقد منحني الثقة الخالصة بفهمي العميق للحياة وهمومها ومشاكلها في الوقت الذي لم أرَ فيه من هو أكثر منه هماً وحزناً وعمقاً· كان يضعني في جيبه الصغيرة، فهو الذي كان يفهم ويفسر ويحلل···
 
هو معلمي·
 
لكنه لم يقل أنت المستمع الأهم في التاريخ يا حجان··
 
كنت أتساءل مع نفسي دائماً، من أين له بكل هذا البهاء والذكاء والحساسية المفرطة، كيف استطاع أن يجمعها كلها في شخصه، حتى أني قلت أن أمه قد ولدته هكذا·
 
هل يمكن لشخص في الدنيا أن يولد هكذا ؟!
 
حيرني ···
 
لخمني وازددت إعجاباً ومحبة وتعلقاً به·
 
كان يشرع صدره أمامي ببساطة مطمئنة لثقة مطلقة كثقة الأمهات· كان يُشرعه كمن يفك أزرار قميصه كي يستحم فينبعث نور المشكاة من بين الحشا والضلوع·
 
متى وكيف رسم لهذا التوقف ؟
 
من أين واتته الشجاعة الخائنة، كيف كبرت الحالة أو صغرت في جمجمته واجتاحته كإعصار لم يره أو يشعر به غيره أو كنقطة سوداء في مكان ما سدت المكان·
 
كيف تخلى ببساطة لئيمة بلا مقدمات أو مبررات عن حراسته للشرق الذي أحبه وعاش من أجله وأخلص له وربط عنقه ككلب في جنزير حلقته المعدنية المدندشة ربطاً لا يقدر عليه وعلى تحمله سواه·
 
كيف تخلى عنه وهو الذي نصّب نفسه بل اختار هذه الوظيفة بلا مقابل ولا منّة لأنه لا يفهم ويعي أن الحراسة مسألة أكثر من روحانية وأكثر من جسدية، وهو الذي كان يترفع ويتعفف بأنه لن يأخذ شيئاً معه من هذه الدنيا ولكن بعد أن يكون قد استنفد آخر قطرة من العمر لا أن يُستنفد عمره من أول قطره·
صفحة 8
ليلة الأمس كانت طويلة ليس كمثلها ليل بين الليالي، كانت بحراً من البوح الأخاذ الموج، يَمًّا من العواطف، لجيناً عامراً بالمرايا التي تعكس صور رقرقة الأنفاس بين الضلوع·
 
كيف يمكن أن تكون الليلة والجلسة والبحر واليم واللجين مجرد قطرة؟!
 
ما الذي حصل، كالخطف، أيها الصديق الخائن، أيها الشجاع الخائن، أيها المجنون الخائن، أيها العاشق الخائن، أيها الحارس الخائن·
 
سألصق كلمة الخائن، منذ توقف التك، بأي صفة من صفاتك، صفاتك الخائنة··
 
خائن الدهر الصعب·
 
خائن الدبشة
 
خائن الصخر
 
خائن الصخدهر··
 
أنت الخائن الأهم في التاريخ، هكذا ستنطق صورة المرأة المسنة المعلقة في غرفتك الرطبة المعششة برائحة الدخان والمشروب والسجادة التي تمتص كل ما يندلق فوقها، ستنطق المرأة لمرة واحدة بحزن فاخر ثم تصمت بفخر إلى الأبد، وستكون أنت الخائن الوحيد في هذه الدنيا الذي يجبر الصور على الصمت الغباري، الصور التي تحكي عنا وتخفي ما لديها، تحاورنا، تعاتبنا، تفرح معنا وتبكي بلا دموع حتى لا تتلف الورق تحت الزجاج·
 
أنت الخائن الوحيد القادر على اضطهاد الصور المعلقة·· أنت معلق الصور الخائن، أنت معذبها·
 
كيف فاتني وكيف انطلت عليّ الحكاية، لقد علقتها على جدارك المهجور في غرفتك المهجورة التي لا يدخلها إنس ولا جان، غرفة عُملت لشيطان شارد من مزرعة الشياطين، كي تكويها بنار عذاباتك وتحرقها بلهيب حزنك الذي لا ينضب حطبه·
 
أظن أنه من حقي الآن أن أخاطبك بالشيطان الخائن، لست أدري وربما لم تكن تدري وإلا لما فعلت معها فعلتك تلك، لكنك كنت دائماً تدري، تعاملك الدقيق مع نفسك يقول إنك تدري والآن أصبحت خائناً في كل شيء· ها أنذا أقسو عليك يا حارسنا، يا أُمنا، يا ثقتنا بأنفسنا وأنا أحكي باسمي ونيابة عن بقية العصابة·
 
أقسو عليك، كذلك كنت معي ولم أكن أزعل، كنت أحاول الفهم وأعلل النفس، ذاك هو الناموس العظيم للصداقة، لم يخطر ببالي ولم يخامرني الشك للحظة أنك ستكون أقسى القساة وأضعفهم وأنت تلطم عقارب ساعة القلب وتوقف تك القلب·
 
قلبك كان كالساعة لا يتأفف ولا يمل ولا يزهق من تك التك، يداك كانتا تحركان الزمن كعرقبين متبارزين في تناوب الأصابع وتخلقان لساعات العمر معنى ومغنى وللدقائق وقتاً كافياً أطول من وقتها وللثواني··
 
يا الله ! ما أجمل الثواني بين يديك·
 
أعترف بحنقي لمجرد التفكير بإلصاق كلمة الخائنتين بهما، اعذرني حتى وإن هسترت، إذا لم أر طهارتهما عند أحد ولا رقتهما ونعومتهما النحيلة، كانتا للعزف نعم العزف، فكيف قبلت أن تقدمهما أُضحية وهدية للوقت، أم أنك كنت تدرك وأنت المدرك الخائن أن الوقت مثله مثل العزف تماماً·
صفحة 9
-3-
 
فاحت رائحة عطر النارنج في غرفتك، هَبّتْ، ليلة أمس، حسبت أننا في مستودع متروس بالصناديق المحشورة حشراً بحيث ضاق بها المكان وضاقت بنا فحشرتنا بينها وهي تتدافع وتلزُّ علينا إلى أن حدث الانفجار·
 
انفجرت الصناديق بحباتها الخشنة وتطايرت شظايا عصيرها في الأرجاء وسالت المياه فأغرقتنا للرُكب·
 
مياه عطرية··· رائحتها تدفع الطاعون وفساد الهواء من غرفتك·
 
الرائحة لها نكهة والنكهة لها مذاق، والمذاق له حلاوة وحموضة ومرارة··
 
هذا هو سر النارنج·
 
البيوت أسرار·
 
إذا ما هدمت أو سقطت جدرانها بفعل فاعل أو انفجار فضح أمرها·
 
وللنارنج سر لا يفضحه العصير·
 
المياه تفوح وأنت تبوح شعراً ونثراً وكلاماً··· لا أدري وموسيقى لها طعم·
 
هل يمكن أن يكون للموسيقى طعم كالفاكهة مثلاً ؟!
 
كنت تخاطبها عن بعد وأنت لا تنظر إلى المرأة المسنة، كأنك تقرأ من كتاب مفتوح وتلفظ اسمها لفظاً له رائحته أيضاً وتقول··
 
نارنج
 
ما أجملها النون والجيم من فمك يا زلمه·
 
تقول···
 
نارنج
 
ما الذي حملك إلى هناك، بعد اليابسة والبحر، ما الذي جرجرك إلى قوس النصر ونسي الدغش عند باب المحطة·
 
- قِلّة أقواس في بلادنا !
 
حَملتِ السر معك والعلن وما أبقيت شيئاً·
صفحة 10
ما الذي فعله بك الأثير البعيد فسلب منك اللب والحشا ووافقت منصاعة صاغرة كعروس الهودج التي لا ترى من طريقها إلى الدنيا الأخرى غير زركشة قماش الهودج ولا تعرف أكثر من ما يعرفه الأطرش في الزَفّة·
 
رحلتِ وما قلت حتى مرحبا·
 
حملت الصور وخواتم الحور واسوارة البسبس نَوّ وطوق الياسمين والملابس كلها وما نسيته في الخزانة العتيقة المصدفة خطفه بلحظة ضعف أمام صحون القيشاني بياع العُتق· من لهفة أوقعك بها الانصياع ولوثة السفر نسيت خلخال الشرق والخرز المدندش ومن لهفة الشراء والمبادلة سقط من كيسه وهو يسير ويصيح عُتق··· عُتق·
 
التقطه الحارس وهو يمر مروره اليومي في السوق العتيق، ضمه في يده وضم يده إلى كتفه الأيسر، تلفت يمنة ويسرة ثم خبأه في زعل أم قيس على أم شام يوم الجمعة·
 
كنت تقرأ فانفجرت ولم تكن خشناً وما تناثرت منك شظايا العصير·
 
قلت لا صمت بعد اليوم· اليوم الخمر والكلام وغداً الأمر، قد حَشَرتْني وعَذَبتْني باتهاماتها لصمتي· كأن صمتي ليس هو الكلام·
 
ولدت بصمت وعشت في أعماقه وها أنا أخونه بالكلام الذي هو مجرد كلام· الحق معها طبعاً لأنها لم تتلق مني أي رد على مكاتيبها كل هذه السنوات·
 
الحق معها في هذا الجانب فقط، أما فيما يتعلق بصمتي وبرودي فهي مخطئة بل مجرمة، مجرمة بحقي وحقها، كيف وأنا دائم الفوران كمياه الينابيع المعدنية، دائم الغليان وسريع الاشتعال· سأرد على كل رسائلها دفعة واحدة برسائل مفعمة بالكلام الصامت، حتى ولو توقفت وفقدت الأمل وأقول لها كل ما عندي من سكوت ذهبي وسأضع الشيطان الأخرس بين يديها لعلها ترتدع، هل تتوقع أن لدي الشيء الكثير؟
 
عندي أو ما عندي، لقد سكتُّه وكتبتُه في هذه الأوراق وسأطلعك عليها لأنه لا يحق لي أن أكتم صمتي عنك أنت أيضاً لأني لا أحب أن أخسر صديقي لمجرد تهمة لدنة من هذا النوع، سأكشف لك المُخبّأ لأنك مخبئي وملجئي يا حجان· قلت لا صمت بعد اليوم ورحت تقرأ علي من الأوراق التي تركتها بعدك فوق الطاولة·
 
أوراقك في حوزتي الآن، أوراق كالعقارب لا تتوقف عن اللسع·