eKtab
EN ع
مقدمة في علم النفس
اقرأ عينة مجانية

مقدمة في علم النفس

بقلم مجموعة مؤلفين

صفحة 1

الفصل الأول

مفاهيم أساسية في علم النفس ومناهجه البحثية

تمهيد

لم تبلغ البحوث ذروتها لولا إعتمادها على طرق علمية متعارف عليها للوصول بهذه البحوث الى ذروتها في إستقصاء الحقائق ، فليس هناك أي تقدم علمي إلا عن طريق البحث العلمي الذي يعتمد على منهجية علمية معينة اتفق عليها الباحثون . ويهمنا التطرق الى بعض المفاهيم الأساسية التي يحتاجها الباحث العلمي في بحثه .

مفاهيم أساسية في مناهج البحث العلمي

1- المعرفة

يجمع الانسان عبر تاريخه الطويل كماً هائلاً من المعارف والعلوم ، مرت بعدة مراحل منها :
أ ) المرحلة الحسية : وهي عبارة عن الملاحظة البسيطة غير المقصودة مثل ما تسمع أو تبصر أو تلمس من أمور كتغير الليل والنهار وظهور القمر ليلاً دون أن يتعرف أو يدرك الفرد العلاقات القائمة بين هذه الظواهر وأسبابها .
ب) المعرفة الفلسفية التأملية : وهي مرحلة التفكير الذي يتعذر حسمه بالتجربة كالتفكير فيما وراء الطبيعة أو ماذا يعني الموت والحياة وصفات وإثبات وجود الخالق ، وكل هذه الأفكار يتعذر حسمها بالتجربة . ( حسن ، 1970 : ص 19-29 )
3) مرحلة المعرفة العلمية التجريبية ، وهو ما يقوم على أساس :
• الملاحظة المنظمة المقصودة للظواهر .
• وضع الفروض الملائمة والتحقق منها بالتجربة وجمع البيانات وتحليلها .
• لا تحاول المعرفة العلمية أن تقف عند المفردات الجزئية التي يتعرض الانسان لبحثها .
• يحاول الباحث أن يصل الى القوانين والنظريات العامة التي تربط هذه المفردات بعضها ببعض .
• التمكن من التعميم والتنبؤ بما يحدث للظواهر المختلفة تحت ظروف معينة .
وهي مراحل لا تتناقض مع بعضها بل تتلازم وتتكامل فيما بينها.(الهجرسي ، 1973 : ص 15 - 18 ) .

العلم وتعريفه

مما سبق نجد أن المعرفة أوسع وأشمل من العلم وتتضمن معارف علمية أو غير علمية ويمكن حسم هذه القضية باتباع المنهج العلمي بتطبيق خطواته للتمييز بين ما هو علمي أو غير علمي ولابد أن نشير الى بعض تعاريف العلم .
1- العلم هو المعرفة المنسقة التي تنشأ عن الملاحظة والدراسة والتجربة .
2- العلم هو أحد فروع المعرفة أو الدراسة ، خاصة الفرع الذي يختص بتنسيق وتأكيد ( تثبيت ) الحقائق والمبادئ والمناهج بواسطة التجربة والفرض ( ويستر ، 1960 : ص 1622 ) .
3- العلم هو فرع من دراسة تتعلق بجسد مترابط من الحقائق الثابتة المصنفة ، والتي تحكمها قوانين عامة وتحتوي على طرق ومناهج موثوق بها لإكتشاف الحقائق الجديدة في نطاق هذه الدراسة ( أكسفورد : ص 1806 ).
 
صفحة 2

المنهج العلمي

Scientific Method
وقد يعرف المنهج العلمي بالطريقة العلمية أو النهج العلمي وهو ما يشير الى أن التفكير العلمي ليس هو جمع بيانات وحقائق ، ولكن تفسير هذه البيانات والمعلومات والحقائق من قبل الباحث وبيان معانيها ووضعها في اطار منطقي للدليل المؤيد لنتائج البحث دون تحيز ، ويتضمن المنهج العلمي التدليل العقلي الاستنباطي والاستقرائي ، فالبحث يستند الى الفكر بمعنى أن التفكير الذي يتضمنه البحث هو ما يسمى بالتفكير العلمي .

مميزات الطريقة العلمية

1. يعتمد المنهج العلمي على أن هناك تفسير طبيعي لجميع الظواهر التي نلاحظها وليس هناك نتيجة بدون سبب .
2. رفض الاعتماد على مصدر الثقة واعتمادها على النتائج الصحيحة المدعمة بدليل .
3. اعتمادها الملاحظة المباشرة .
4. النتائج التي يتم التوصل لها يجب أن تكون متمشية مع الدليل ومع الحقائق ومع التجربة داخل مجال الدراسة .

القانون

Law
وهو ما يعبر عن حالة الانتظام أو الاستمرار التي يكتشفها العالم ، فالقوانين ما هي الا عبارات تشرح النظام الموجود في هذا العالم فإن لم يكن هناك قانون ينظم سير الظواهر في العالم ، فإن هذا العالم يصبح غامضاً ومشوشاً وتعمه الفوضى ولاشك أن الحياة تصبح مستحيلة في عالم تسوده الفوضى وعدم النظام ، واذا انعدمت القوانين الضابطة فإننا نتوقع ان تحدث لنا أمور كثيرة كأن نغوص في الارض مثلاً ، أو أن المياه قد تغمر الجبال والتلال والهضاب ، ولكن لحسن الحظ أن العالم قانوني Law ful فالطبيعة تعتمد بعضها على بعض وهي مترابطة ومتماسكة ، وتشير الظواهر في هذا العلم تبعاً لقوانين معينة .
والسلوك أيضاً قانوني أو خاضع للنظام وللقانون ، فعالم النفس يستطيع أن يتنبأ مثلاً بما سيحدث في الانتخابات المقبلة ، وإذا لم يكن السلوك قانوني أي خاضع لقانون معين فإن تكوين المجتمع لابد وأن يصبح مستحيلاً ، فمثلاً الموظف ينفق ما معه من نقود إعتمادا على وجود مرتب ثابت ودائم سوف يأتيه في نهاية كل شهر ، وهكذا نرى أن السلوك يحدث تبعاً لنظام منتظم Regular ومن ثم يمكن التنبؤ به . ولكن قد يحدث في بعض الأحيان أن السلوك المنتظر أو المتوقع لا يحدث ، فقد يتأخر دفع راتب الموظف مثلاً ، ولكن هذه الحالات لا تعني أن السلوك لا يخضع للقانون والنظام وإنما يعني أننا لا نعرف كل قوانين السلوك أو أننا لا نعلم بعض الحقائق والمعلومات الأساسية المنظمة للسلوك .
وهذا يعني أن القانون هو عبارة عن وصف العلاقة بين ظاهرتين أو متغيرين أو أكثر ، ومن أمثلة هذه القوانين قانون العلاقة بين الحرارة وضغط الغاز الموجود في إناء مغلق وهذا من قوانين الفيزياء . وعلماء النفس يفعلون مثل ذلك فيما يختص بالسلوك الانساني ذلك لأن الأحداث التي تكون القانون تسمى بالمثيرات والاستجابات والعلاقة بين المثير Stimulus والاستجابة Response وهي التي يعبر عنها القانون ، فالمثير هو الذي يتكون أولاً وهو الذي يعبر عن السبب Cause أما الاستجابة فهي عبارة عن الحدث الذي يتبع ظهور المثير ، وهذه الاستجابة هي النتيجة Effect أو المعلول . وأبسط صور القوانين السيكولوجية هو القانون الذي يقول ( إذا وجدت A توجد B حيث تدل A على المثير ويدل B على الاستجابة ) ( عيسوي ، 1980 : ص 47) .

النظرية

( Theory )
وهو مبدأ عام يبنى على أساس أدلة أو ملاحظات - يقترح لتفسير لظاهرة معينة - فمثلاً أصحاب النظرية الارتباطية اهتموا بصفة خاصة بدراسة نمو الارتباطات أو الوصلات بين المثير والاستجابات ، وقد تضمنت اهتماماتهم تأثير التعزير والعقاب على هذه الارتباطات ، ومدة التدريب الضرورية لكي تتكون الارتباطات وعلاقة هذه الارتباطات بالخصائص الفسيولوجية للفرد ، وقد ساد الاعتقاد بأن هذه الارتباطات تمدنا بأساس لتفهم السلوك . إن هذه النظرية بنيت على أسس وأدلة وملاحظات كتفسير لهذه الظاهرة .
صفحة 3

الفصل الثاني

علم النفس: نشأته وتطوره ومفهومه وموضوعه وأهدافـــــه

نشأة وتطور علم النفس

حاولت البشرية منذ عصور موغلة في القدم تفسير السلوك الإنساني والتنبؤ به. وقد عرف الإنسان منذ القدم الأحلام التى ترمز الى نجاحه أو إخفاقه أثناء تفاعله مع الحياة . ولقد فتن الإغريق منذ آلاف السنين بفكرة تقسيم الوجود البشري الى جسم مادي وروح غير مادية . وظهرت في تاريخ البشرية الكثير من المهن التي بنيت على التنبؤ بسلوك الإنسان كالسحر والشعوذة والعرافة . ولقد لجأ الكثير من الناس الى أصحاب هذه المهن لأجل النصح والإرشاد .
يرفض علم النفس الحديث اليوم الاعتقاد بأن الكائن الحي تسكنه قوى لا يمكن البرهنة على وجودها . ولا يعتقد علم النفس بأن حياة الإنسان تتأثر بمواقع النجوم عند ولادته . وهو لا يرضى أيضاً بوصف الإنسان وفق الطريقة التي نظر بها الفلاسفة القدامى أليه رغم عظمتهم . لا يؤمن علم النفس بالحكم والأمثال الشعبية التي تصور الشخصية الإنسانية . يهتم علم النفس اليوم بدراسة السلوك البشري بنفس الطريقة التي يدرس بها الكيميائي نشاطات وحركة العناصر الكيميائية . تبني إذاً دراسة مواضيع علم النفس اليوم بشكل أساسي على التجربة المضبوطة وعلى الملاحظة الموضوعية والدقة . وعلى هذا النحو أصبح علم النفس يطبق الطريقة العلمية في دراسة سلوك الكائن الحي .
بذل الكثير من الفلاسفة والعلماء جهوداً مضنية حتى وصلوا بعلم النفس الى وضعه الحالي . فقد أسهم فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر في تطور علم النفس من خلال خلق اتجاه جديد في دراسة عقل الإنسان وسبر أغواره ، فضلاً عن إسهامات علماء الفيزيولوجية في القرن التاسع عشر المتعلقة بالجملة العصبية والدماغ. بيد أن بداية علم النفس الحقيقية كعلمٍ مستقل عن الفلسفة والفيزيولوجية ترجع الى سنة 1879 ، عندما أنشأ العالم الألماني " فيلهيلم فونت " أول مختبر لعلم النفس في مدينة " ليبزج " الألمانية . وبفضل " فونت " وضعت أسس الدراسة النظامية للسلوك البشري ، وأصبحت دراسة الخبرة الواعية للفرد الاهتمام الرئيسي لعلم النفس .
عرف " فونت " في أمريكا بأنه الأدب الروحي لعلم النفس . واعتبر " وليم جيمس " علم النفس العلم الذي يدرس الحياة العقلية . ولقد استخدم علماء النفس الأوائل طريقة الاستبطان أو التأمل الذاتي لدراسة الحياة العقلية للفرد . حيث يطلب من الفرد تحليل عملياته العقلية بموضوعية . ولذلك اهتم علم النفس في ذلك الوقت بدراسة مواضيع مثل : المشاعر ، الرغبات ، الأفكار ، المحاكمات العقلية ،...إلخ.
هاجم الكثير من علماء النفس طريقة الاستبطان في دراسة الظاهرة النفسية، واعتبروا هذه الطريقة ضرباً من ضروب الطرق الفلسفية المعتمدة أساساً على التقرير الذاتي للفرد . وكانت النتيجة ظهور عالم هو " جون واطسون " الذي قاد لواء حركة جديدة في علم النفس عرفت بالحركة السلوكية . وقد افترضت هذه الحركة أن الحياة العقلية لا يمكن ملاحظتها مباشرة وقياسها ، ومن تم لا يمكن دراستها دراسة علمية . ولذلك نادى أصحاب هذه الحركة بضرورة دراسة السلوك الظاهري للإنسان . وقد رفض " واطسون " فكرة الإرادة الحرة وفكرة أنه بإمكان أن يتحكم الإنسان بمصيره ، وأكد على أن كل ما يفعله الإنسان مرتبط بخبراته الماضية ، واعتبر السلوك البشري استجابة لمثير أو منبه ما . واعتبر المثير حدثا بيئيا واعتبر الاستجابة حركة عضلية مرئية أو رد فعل قيزيولوجي يمكن ملاحظته وقياسه . وقرر " واطسون " أن عملية التفكير هي نوع من الحديث الصامت بين المرء ونفسه .
أدت الحركة السلوكية الى بزوغ حركة سلوكية جديدة عرفت بسيكولوجية المثير والاستجابة . وركز أصحاب هذه المدرسة على دراسة المثيرات التي تؤدي الى الاستجابات السلوكية وعلى دراسة عمليتي الثواب والعقاب اللتين تعملان على المحافظة على هذه الاستجابات وتقويتها وتعديلها من خلال تغيير أنماطهما . وقد تأثرت أبحاث " سكنر " بنتائج أبحاث " تورندايك " الذي درس الارتباطات والمثيرات .
والاستجابات وكيفية تدعيمها . وفي الوقت الذي ظهرت فيه المدرسة السلوكية في أمريكا ، ظهرت مدرسة نفسية أخرى في أوروبا هي المدرسة الجشطالتية .
وقد دعا رواد هذه المدرسة أمثال " كوفكا " و " كهلر " وغيرهم الى ضرورة الانتباه الى النمط الكلي في المشكلة موضوع البحث . ودعا زعماء هذه المدرسة عند دراسة أي موضوع نفسي سواء كان ذلك العمليات الادراكية البسيطة أو الشخصية الإنسانية الى ضرورة توجيه الانتباه الى النمط الكلي ، لأن الكل أكبر من مجرد مجموع أجزائه . ولذلك اعتبر رواد هذه المدرسة أن دراسة الأجزاء لا تعطينا تصوراً جيداً للمشكلة موضوع الدرس . ولا تتفق المدرسة الجشطالتية مع آراء " فونت " التي تدرس الإحساس والمشاعر ، ولا تتفق مع المدرسة السلوكية التي تفتت السلوك الى مجموعة من المثيرات والاستجابات . وقد أسهمت هذه المدرسة في بزوغ مدرسة جديدة في علم النفس ، هي المدرسة المعرفية .
وأخيراً لا ننسى دور " فرويد " الذي أسس مدرسة التحليل النفسي في تطوير علم النفس . ولعل أكبر إسهامات " فرويد " في علم النفس هو اكتشافه كيفية تأثير العمليات اللاشعورية على الشخصية الإنسانية .
لقد اعتبر " فرويد أن سلوك الإنسان الظاهري تقوده قوى خفية كامنة في منطقة اللاشعور . كما ركز " فرويد " على دور الدوافع الجنسية في توجيه السلوك الإنساني حتى لدى الأطفال الصغار .
ويرجع الفضل الى " فرويد " عندما نبه إلى أهمية خبرات الطفولة في تقرير شخصية وسلوك الراشد ، وإلى أهمية العوامل البيولوجية في تطور شخصية الإنسان .

 
صفحة 4

إسهامات العرب والمسلمين في علم النفس

كان للعرب وللمسلمين فضل كبير في دراسة بعض الموضوعات النفسية بطريقة لم تبعد كثيراً عن المنهج العلمي الحديث المتبع في دراسة المواضيع النفسية. ومن بين أعلام العرب والمسلمين في علم النفس :-

1) الفارابي ( 873 - 951 م ) :

وصف " الفارابي " النفس بأنها جوهر روحي غير محسوس ، وأنها حبيسة الجسم ، ويجب أن تترفع عن شهوات الجسد ورغباته ، حتى تسمو فوق أدران المادة ويصفو جوهرها . وهي تصل بالمجاهدة إلى الكمال ، وحين يتم لها ذلك تسعد باتحادها مع الله . وللنفس قدرات تمكن صاحبها من المعرفة . وبعض القدرات مسئول عن الإدراك والفهم ، وبعضها مسئول عن الناحية العلمية . وقوى الإدراك صنفان : حيواني حسي ، وإنساني وجداني وعقلاني . وقال " الفارابي " بفطرية الميول الاجتماعية لدى الإنسان . وقال بتتابع حدوث قوى النفس : الغادية ، الحاسة ، المتخيلة، الناطقة . والنفس ترقى من المحسوس الى المعقول بواسطة القوة المتخيلة . ويقترن بالحاسة نزوع نحو المحسوس ، وبالمتخيلة نزوع نحو المتخيل ، ومثلها الناطقة، وبالقوة النزاعية تكون الإرادة (ماضي ، 1991 : 15).
ولقد وجد " الفارابي " أساسا فطريا للحياة الاجتماعية ، فقال إن الإنسان يعجز عن سد حاجاته الأساسية بنفسه .. وكل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج في قوامه وفي أن يبلغ كمالياته إلى أشياء كثيرة لا يمكن أن يقوم بها كلها وحده ، بل إلى قوم له كل واحد منهم بشئ مما يحتاج إليه . وتحدث " الفارابي " عن سمات الشخصية التي ينبغي أن يتصف بها زعيم الجماعة . كما تناول موضوع تماسك الجماعة ، واستعرض الأسس النفسية والاجتماعية لتماسك الجماعة . ( موسى ، 1994 : 29 - 30 ) .

2- ابن سينا ( 980 - 1037م ) :

أوضح " ابن سينا " الصلة بين الجسم والنفس ، وتكلم عن النفس الناطقة وأحوالها ، حيث شرح هبوطها إلى الجسم وحنينها إلى مصدرها الأول . وميز بين عمل الحواس وعمل الغريزة عندما تكلم عن الحواس الظاهرة والحواس الباطنة .
( ماضي ، 1991 : 15 )
وعني ابن سينا بالإدراك الحسي ، وأوضح لنا كيف يدرك العقل الكليات وأن الإدراك مراتب ، وأدنى مراتبه هو الإدراك الحسي الذي يعنى انتقال صورة
الشيء الخارجي الى الذهن ، ولكن الشيء الخارجي مركب من مادة ، فإذا انتقلت صورته المدركة عن طريق الحواس الى الذهن ، فهي غير مادية ، ولو أنها لم تتجرد تماماً من لواحق المادة . وأما الخيال فإنه يبرئ الصورة المنزوعة عن المادة تبرئة أشد ، لأنها موجودة فقط في صفحة الخيال دون وجود مادتها ماثلة أمام الحس . أي أن " ابن سينا " يستعين بالتخيل في انتزاع الكليات من الجزئيات المدركة بالحس .
وتحدث " ابن سينا " عن الانفعالات الموجودة لدى الإنسان والتي لا توجد عند الحيوانات مثل : الضحك ، التعجب ، البكاء والخجل ، وهذه الانفعالات أحوال نفسية ، وخصائصها موجودة فيه بسبب النفس التي له ، أدرك " ابن سينا " العلاقة بين الأمراض الجسمية وعلاقتها بالناحية النفسية . وقد عالج " ابن سينا " مريضاً كان يتوهم أنه بقرة ، واستخدم العشق في العلاج النفسي .

3- الغزالي ( 1058 - 1111م ) :-

تكلم " الغزالي " عن القوى النفسية ونشاط النفس واكتساب العادات الصالحة وترك العادات الطالحة ، وعن القدرات النفسية العاقلة مثل الإدراك والذاكرة والتخيل . وشرح الانعكاسات البسيطة وفرق بينها الأفعال المعقدة وبخاصة الإرادية منها . وتحدث عن الوقائع الفطرية والمكتسبة . ويرى أن الانفعالات مؤلمة وسارة ، وتكلم عن الفروق الفردية في مجالات الاستثارة ، والتحكم بردود الفعل الانفعالية وما يصاحبها من تغيرات ، مميزاً بين وجود الخبرة لدى الإنسان المنفعل وعدم وجودها ، والنفس هي الإنسان على الحقيقة بنفسه لا ببدنه . ( ماضي ، 1991 : 15 - 16 ) .
وقد تحدث " الغزالي " عن أنواع السلوك ودوافعه ، وأوضح كيف نسمو بالسلوك في ضوء نور اليقين والمعرفة بالله . والسلوك عند " الغزالي " ليس سلوكاً آلياً، بل حيوي يستهدف تحقيق هدف معين . وميز بين ثلاثة أنواع من السلوك : الفعل الطبيعي ، والفعل الضروري والسلوك العقلي الإرادي . وذهب إلى أن الأفعال الاضطرارية تصدر عن الإنسان دون سابق إرادة أو علم ودون قدرة على ردها . اما الأفعال الاختيارية هي : الإرادة ، القدرة ، العلم . ويرجع الفضل إلى " الغزالي " في نقل الكثير من قضايا علم النفس لأبن سينا إلى الفلاسفة اللاتينيين في العصور الوسطى. ( موسى ، 1994 : 27 - 31 )

4) ابن خلدون ( 1322 - 1406 ) :-

ذهب ابن خلدون إلي أن عالمنا النفسي كعالمنا الاجتماعي والمادي تحكمه قوانين خاصة ، وأن أحوالنا الاجتماعية والنفسية تظهر في نفس الظروف والمجالات والأحوال التي تكون فيها الٍباب لظهورها السابق أما مماثلة أو مشابهة . وفرق بين إدراك النفس عن طريق آلات الجسم ، وإدراكها في ذاتها .
وسعادة الفلاسفة هي السعادة التي تنتج من الإدراك الأول . وسعادة النفس الناشئة عن إدراكها من ذاتها أعظم وأشد . ( ماضي ، 1991 : 16 ) .
ولقد وضع ابن خلدون نظرية في التعلم ، وقال بوجود ميل فطري الى التجمع . وتناول بالتفصيل العوامل الرئيسية التي تحدد طراز الشخصية السائدة في المجتمع . وله آراء حول الصلة بين سمات الشخصية وبين احتمالات النجاح أو الفشل في مهنة معينة ، كما تدور حول ما يمكن أن يترتب على ممارسة الشخص لمهنة من آثار في سمات شخصيته . ( موسى ، 1994 : 30 ) .
وقد أسهم العرب في العلاج النفسي . حيث تضمن " فردوس الحكمة " لـ " الطبري " كتابات في علم النفس والحواس والأمزجة وبعض العلل العصبية والكابوس الليلي والتشنج العضلي والفالج والارتعاش وشلل الوجه وأمراض وإصابات الرأس والدماغ والصرع وأنواع الصداع المختلفة والدوار والنسيان . كما كتب " ابن سينا " في تفسير الأحلام وكتب في القوى والأفعال وفي وظائف الأعضاء وفي علم النفس ، واعتبر " ابن سينا " العشق من الأمراض العصبية والعقلية كألمانيا والمانخوليا والأرق والنسيان وغيرها من آفات الذهن . وذهب ألي أن من علامات العشق : غور العين ويبسها واختلال نبض العاشق ، حيث يتغير نبضه وحاله عند ذكر المعشوق وبخاصة عند لقائه بغتة ... وانه يمكن الاستدلال على المعشوق بذكر أسماء كثيرة تعاد مرارا وتكون اليد على نبضه ، فغن اختل نبضه اختلالا عظيماً وصار نبضه متقطعاً دل ذلك على عشقه على صاحب الاسم ... وقد أوصى " ابن سينا " بعلاج العاشق بالتنويم والتغذية الصالحة وبإيقاعهم في خصومات وأشغال ومنازعات ... الخ وقد أنشأ العرب " البيمارستان " لمعالجة الجنون . ( مليكة ، 1997 : 22 ) .
صفحة 5

مفهوم العلم

1) يعرف " الشيباني العلم بأنه " مجموعة من المعارف والحقائق والمفهومات المنظمة التي أمكن التوصل أليها والتحقق من مدى صحتها عن طريق أسلوب معين . ( الشيباني ، 1975 : 28 ) .
2) العلم هو المعرفة المنسقة التي تنشأ عن الملاحظة والدراسة والتجريب والتي تتم بغرض تحديد طبيعة أو أسس وأصول ما تتم دراسته .
3) العلم هو ذلك الفرع من الدراسة الذي يتعلق بجسد مترابط من الحقائق الثابتة المصنفة والتي تحكمها قوانين عامة وتحتوى على طرق ومناهج موثوق بها ، لاكتشاف الحقائق الجديدة في نطاق هذه الدراسة . ( بدر ، 1986 : 20 ) .
4) يعرف العلم بأنه ذلك الجهد الهادف إلي أيجاد صياغات نظرية تعبر عن الاطراد الحاصل في ظواهر العلم بشكل يفسر هذا الاطراد ، ويتنبأ بحدوثه حين لا يكون قائماً ويضبطه ويتحكم به كلما كان ذلك ميسوراً .
5) العلم تفكير منظم يستمد الحقائق من مصادرها ، فيرتبها ذهنياً ويربطها في نسق يضمها معاً ، بشكل يفسر ما تكون عليه أو ما تؤول أليه .
6) هو تجاوز الجزيئات إلي الكليات بربط الجزيئات مع بعضها بعلاقات يعبر عنها بلغة مجردة تفيد التعليم . ( عريفج وزميلاه ، 1986 : 11 ) .
7) أو هو الطريقة التي تستخدم بغية الحصول على المعرفة . أو هو تلك الدراسة المنظمة في مجال ما يهدف الوصول الى القوانين باتباع المنهج العلمي . أو هو بحث منهجي موضوعي عن المعرفة الممكن التحقق منها .

معنى النفس

يقصد بالنفس " ذلك الجوهر أو النظام النفسي الذي يميز الإنسان عن غيره فيجعله يعقل ويفكر ويدبر ، ويتخذ القرارات ، ويصدر الأحكام ، ويدرك المنبهات المحيطة به ثم يختار طريقة بإرادته الحرة . فالنفس التي نعيها هي نفس حرة ، تمتلك أرادتها ما يجعلها معرضة للصواب والخطأ في أحكامها تبعاً لعوامل طبيعية وأساليب استجابته للمنبهات البيئية وتوقعاته الذاتية لنتائج سلوكه . ( القذافي ، 1990 : 7 ) .
ولا توجد فلسفة قديمة أو حديثة ألا وتطرقت لموضوع النفس . وتعددت نظرة الفلاسفة والمفكرين للنفس . فقد نظر بعض الفلاسفة الإغريق الى النفس بأنها الروح أو العقل . واعتبرها أفلاطون " النصف الثاني للإنسان واسقط عليها بعض الصفات مثل : اللامادية ، الطهارة ن النقاء ، الانتماء الى عالم المثل ، فغدت شيئاً هائما غير محدد . واعتبر " أرسطو " النفس كمال أول لجسم طبيعي الى ذي حياة بالقوة . وهي مجموعة الوظائف الحيوية من نمو وتغذية وإحساس وحركة وتفكير وتترقى هذه النفس بترقي وظائفها الحيوية . وعليه فقد جعل للنبات نفساً وللحيوان نفساً وللإنسان نفساً هي أكمل النفوس وأقدرها على أداء كل الوظائف الحيوية . ( الريماوي،1993:31-32) .
وتحدث الفكر الإسلامي عن النفس . فهناك النفس الأمارة بالسوء واللوامة والمطمئنة ، والظالمة ، والزكية والمجاهدة . وبمرور الزمن وتطور المعرفة والفكر ، تغيرت النظرة للنفس . ففي عام 1890 اعتبر " وليم جيمس " النفس بأنها الحياة العقلية للإنسان بظواهرها وشروطها ، واعتبر الرغبات والمعارف والتعقل والقرارات الخ ... من أمثلة ظواهر الحياة العقلية . ووصف " ولهلم فونت " النفس بأنها الخبرة الداخلية للفرد المكونة من الأحاسيس والمشاعر والأفكار والإرادة وفي عام 1910 وصف " جيمس انجل " النفس بأنها الحالات الشعورية . ونظر " واطسون " 1919 الى علم النفس كمرادف للسلوك الإنساني . وفي عام 1951 أضاف " نورمان " من السلوك الداخلي لتصبح النفس تشمل السلوكين الخارجي الملاحظ والداخلي المتمثل في العمليات العقلية والفسيولوجية والتي نستدل عليها من آثارها ، والى مثل ذهب كل من " كلارك وميلر " عام 1970 . ( الريماوي ، 1993:32-33 ) .
صفحة 6

تعريف علم النفس

لقد عرف علم النفس بعدة تعريفات . ومن بين هذه التعريفات :-
1) يعرف علم النفس بأنه العلم الذي يدرس السلوك الإنساني والعمليات العقلية والانفعالية والشعورية والأنشطة الجسمية ذات العلاقة . أو هو التحليل العلمي للعمليات والأبنية العقلية الإنسانية لفهم السلوك الإنساني. (الريماوي،1993:33) .
2) وعرفه " جاريت " بأنه العلم الذي يدرس السلوك الإنساني ، كما تكشف عنه كلمة علم النفس . وللسلوك الإنساني مظاهر جسمية وأخرى عقلية ، وأن التمييز بين النشاطين غير مقبول .
3) وعرفه " مراد " بأنه العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو كائن حي يرغب ويحس ويدرك وينفعل ويتذكر ويتعلم ويتخيل ويفكر ويعبر ويريد ويفعل . وهو في كل ذلك يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه ويستعين به ولكنه قادر على أن يتخذه مادة لتفكيره وأن يؤثر فيه . وعرفه " نجاتي " بأنه الدراسة العلمية لسلوك الإنسان ولتوافقه مع البيئة.
4) وعرفه " موسى " بأنه العلم الذي يدرس السلوك بمعناه العام الواسع باعتباره نتاج تفاعل الإنسان مع البيئة كما يدرس عملية التوافق التي تتم بين الفرد والمجتمع ومدى هذا التوافق واستمراره . ( موسى ،18994: 37-38 ) .
5) وعرف علم النفس بأنه الدراسة العلمية لسلوك الكائنات الحية بما في ذلك الإنسان ، بهدف التوصل الى فهم هذا السلوك أو تفسيره ، أي التوصل الى المبادئ والقوانين العلمية التي تفسره والى التنبؤ به والتحكم فيه ، أي حسن التخطيط لتوجيهه . ( السيد وآخرون ، 1990 : 18 ) .
6) وعرفه " راجح " بأنه العلم الذي يدرس سلوك الإنسان ، أي يصف هذا السلوك ويحاول تفسيره . ( راجح ، 1977 : 20 ) .
7) وعرف " توق وعدس " علم النفس بأنه العلم الذي يدرس السلوك الظاهر دراسة نظامية ويحاول تفسير علاقته بالعمليات غير المرئية التي تحدث داخل العضوية سواء العقلية منها أو الجسدية من جهة ، وعلاقته بالحوادث الخارجية في البيئة من جهة ثانية. ( توق وعدس ، 1993 : 3 ) .8) ويورد " الشيباني " عدة تعريفات لعلم النفس . فقد عرفه " ديكارت " بأنه العلم الذي يبحث في الحياة الشعورية . وانه العلم الذي يدرس العقل أو النشاط العقلي . أو هو العلم الذي يدرس السلوك . أو هو العلم الذي يدرس السلوك بجميع أنواعه الظاهرية والداخلية . أو هو العلم الذي يدرس أوجه نشاط الإنسان وهو يتفاعل مع بيئته ويتكيف معها . أو هو العلم الذي يدرس السلوك بطريقة علمية . وعرفه " أبو العلا أحمد " بأنه العلم الذي يبحث دوافع السلوك ومظاهر الحياة العقلية الشعورية منها واللاشعورية ، دراسة إيجابية موضوعية تساعد على إفساح المجال للقوى والمواهب النفسية ، كي تنمو وتستغل فيما يساعد على حسن التكيف مع البيئة ، وما يؤدى الى تحسين الصحة النفسية للأفراد والجماعات . وأما " الشيباني " فقد عرفه بأنه العلم الذي يدرس السلوك بشتى أنواعه وضروبه الظاهرية والداخلية ويدرس الدوافع الشعورية واللاشعورية لهذا السلوك والعوامل الذاتية والبيئية المؤثرة فيه بطريقة علمية مناسبة . ( الشيباني ، 1996 : 18 - 24 ) .
9) وعرفه " أحمد عبد الخالق " بأنه العلم الذي يتخصص في دراسة النفس البشرية بهدف فهمها ومعرفة ما يعتمل بداخلها من قوى وتفاعلات . وما تتكون منه من جوانب وجزيئات ، وما تشتمل عليه من طاقات ورغبات ودوافع وآمال وانفعالات وتطلعات ، وما تحتويه بباطنها من أسرار وذكريات تكاد تخفي حتى على صاحبها أو تظهر للعيان. أو هو العلم الذي يدرس سلوك الكائنات العضوية . (عبدالخالق،1993:13 ).
10) وعرفه " العيسوي " بأنه العلم الذي يدرس السلوك الإنساني دراسة علمية ، أي مستخدماً الأدوات والمفاهيم والمقاييس والمناهج والطرق التي يستخدمه العلم . ( العيسوي ، 1987:10 ) .
صفحة 7

خصائص علم النفس في ضوء التعريفات السابقة

1) يدرس علم النفس السلوك الظاهري وغير الظاهري للإنسان .
2) يدرس علم النفس السلوك الإنساني دراسة كلية ، أي يدرس تلك المواضيع التي توضح لنا أن الإنسان يستجيب بكل مقومات شخصيته العقلية والاجتماعية والنفسية والجسمية الخ ... لمثيرات البيئة الخارجية ، وتوضح لنا أيضاً أن شخصية الإنسان ككل تستجيب لمثيرات داخلية يدركها الإنسان وحده عندما تخطر بباله مثلاً خبرة سارة أو مؤلمة الخ ...
4) يجمع علم النفس بين خصائص العلوم الطبيعية وبين خصائص العلوم الاجتماعية .
5) إن العلاقة بين الروح والجسم وثيقة وعضوية ومتبادلة . فالعمليات العقلية والنفسية كالإدراك والانتباه والإحساس والعواطف والانفعالات والميول والاتجاهات الخ ... شروط أساسية لتحريك الأعضاء الجسمية وتوجيه أعمالها ، كما أن الأعضاء الجسمية شرط أساسي لتنفيذ متطلبات العمليات العقلية والنفسية كالعواطف والانفعالات ونحوها الخ ...
6) إن سلوك الكائن الحي يتحدد بعوامل داخلية وخارجية .
7) يدرس علم النفس وسائل توافق الفرد مع بيئته الطبيعية والاجتماعية .
8) يستخدم علم النفس المنهج العلمي للوصول الى تلك المعارف والحقائق التي تفسر سلوك الكائن الحي وتتنبأ به وتضبطه وتمكننا من فهمه .
9) يدرس علم النفس تفاعل الكائن الحي مع نفسه ومع بيئته الخارجية في إطار كافة مكوناته الشخصية الجسمية والعقلية والنفسية والبيولوجية والاجتماعية .
10) علم النفس علم موضوعي ، لنه يدرس سلوك الكائن الحي كما هو كائن ولا يتأثر بالميول والأهواء الشخصية للباحث النفسي .
11) يستهدف علم النفس مساعدة الفرد على تحقيق توافقه النفسي والاجتماعي مع نفسه ومع بيئته بغية مساعدته على تحقيق سعادته وفق ما يمتلكه من مقومات شخصية .
12) مساعدة الفرد على تحقيق الصحة النفسية التي لا تقل أهمية عن الصحة البدنية.
13) يدرس علم النفس الدوافع الداخلية والخارجية المحركة لسلوك الكائن الحي ، كما يدرس العوامل الخاصة بالفرد والخاصة بالبيئة الفيزيقية والاجتماعية المؤثرة في سلوكه .
14) يستخدم علم النفس مناهج البحث العلمي المختلفة والمناسبة لموضوع السلوك النفسي أو الاجتماعي المدروس .
15) يدرس علم النفس البشرية دراسة كلية بغية الوقوف على العوامل الداخلية والخارجية الكامنة وراء توجيه سلوكها ، واستخدام الأساليب العلمية كالتحليل النفسي التي تمكننا من فهم الخبرات والمواقف التي يجهلها الفرد نفسه رغم مسئوليتها عن توجيه سلوكه ، ومعرفة تلك الحيل الدفاعية التي يستخدمها الفرد كي يبرر بها سلوكه الشاذ ، أو يحافظ بها على مكانته الاجتماعية .
صفحة 8

موضوع علم النفس

كان علم النفس فرعاً من فروع الفلسفة ثم انفصل عنها ، وتحرر من مناهجها ، فأصبح له موضوعه الخاص ومنهجه العلمي وطرقه الخاصة في البحث. ولقد تعددت مواضيع علم النفس عبر حقب التاريخ المختلفة وذلك لكثرة المراحل التي مر بها ، ولتعدد الباحثين فيه وتباين مدارسهم . لذلك ليس من السهل تحديد موضوع علم النفس. حظي علم النفس منذ استقلاله عن الفلسفة باهتمام الكثير من الباحثين ، وهو يلقى اليوم اهتماماً بالغا ، وتتسع مجالات الدراسة فيه كما وكيفا ، لا بل وقد أصبحت له صلة كبيرة بغيره من العلوم الاجتماعية وبعض فروع علم الأحياء التي تقاسم مواضيعها ، موضوع علم النفس ، فنجد اليوم فروعاً لعلم النفس مثل : علم النفس الاجتماعي ، علم النفس الفيزيولوجي ، علم النفس الجنائي ، علم النفس البيئي الخ ... وتلخص عبارة " وود ورث " الشهيرة التالية المراحل المختلفة التي مر بها موضوع علم النفس : " ان علم النفس قد زهقت نفسه ، وتلاشى عقله، وأمحي شعوره ، ولم يبق إلا مظهره الخارجي الذي يبدو في السلوك .
استهدف علم النفس عند الفلاسفة القدماء البحث في ماهية النفس أو في طبيعة العقل ، فاعتبر بعضهم مثل " دلتى " ان علوم الإنسان وأولها علم النفس ، هي علوم العقل . واعتبر " ديكارت " فيلسوف القرن السابع عشر أن الإنسان يمتاز عن الحيوانات بالعقل ، وأن وظيفة العقل هى التفكير والشعور ، فاعتبر البعض أن علم النفس هو علم الشعور . ثم ظهرت مدرسة " فرويد " التي تفسر السلوك الإنساني من خلال تفسير اللاشعور ، وبأن التأمل الباطني هو الطريق لدراسة الإنسان . وتقول بأن علم النفس هو السلوك ، منطلقة من أن سلوك الكائن الحي تحركه مثيرات فيزيقية . أي أن سلوك الكائن الحي هو استجابة لتلك المثيرات الفيزيقية ، وأن علم النفس هو الذي يدرس هذه الاستجابات الظاهرة .
وقد سبق السلوكيين علماء يعتبرون أن موضوع علم النفس هو السلوك .
فهذا " كاتل " يقول بأنه غير مقتنع بضرورة حصر علم النفس في دراسة الشعور في حد ذاته وبأنه لا يوجد تضارب بين التحليل الاستنباطي والتجريب الموضوعي، ويقول : أن القول بأن علم النفس غير ممكن الوجود بدون استبطان قولا تكذبه الحقائق . وعرف " ماكدوجل " علم النفس بأنه العلم الوضعي لدراسة سلوك الكائنات الحية . وهكذا يتضح لنا أننا لا نستطيع أن نحصر موضوع علم النفس في دراسة الشعور أو اللاشعور فقط دون النظر الى السلوك ، أو أننا نقصر دراستنا على السلوك أو النشاط الكلي الذي يصدر عن الإنسان كل والذي تحركه دوافع بيولوجية ونفسية واجتماعية .
تركز مباحث علم النفس أذن اليوم على الإجابة عن عدة تساؤلات مثل : ما هو التفكير ؟ وما هو الذكاء ؟ ما هو الإدراك ؟ ما هو الإبداع ؟ ما هو التعلم ؟ كيف نتعلم؟ كيف نتذكر وكيف ننسى ؟ كيف نفكر ؟ كيف نسمع ؟ لماذا ننسى ؟ لماذا ننفعل؟ لماذا نحب ونكره ؟ الى غير ذلك من المواضيع التي يهتم علم النفس بدراستها . وقد يحاول علم النفس الإجابة عن أسئلة مثل : لماذا زيد أسرع تعلماً من عمر ؟ لماذا بعض الطلاب في الامتحانات ؟ لماذا يسرق بعض الأفراد ؟ لماذا يتخلف بعض الطلاب دراسياً عن غيرهم ؟
يسعى علم النفس إذاً إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة هي :-
- ما هي السلوكيات التي تصدر عن الفرد ؟
- كيف يحدث سلوك الكائن العضوي ؟
- لماذا يحدث سلوك الكائن العضوي ؟
وهكذا يتضح أن علم النفس لا يشغل نفسه بماهية النفس أو نشأتها أو مصيرها. لأن ذلك من اختصاص الفلسفة . فعلم النفس لا يبحث في النفس وإنما يبحث في السلوك . لقد لصقت به تسميته بـ " علم النفس " من الماضي وحتى اليوم رغم أن هذه التسمية لا تمت إطلاقاً بصلة لموضوعه . لقد اهتم علم النفس قديماً بمحاولة فهم العقل الإنساني وتحليله وتريبه . أما علم النفس اليوم فانه يهتم بالكشف عن المبادئ والقوانين التي تفسر سلوك الإنسان في مختلف أحواله وأطواره ، كما يستهدف تحسين العلاقات الاجتماعية بين الأفراد ، وزيادة عطاء الإنسان والمحافظة على الصحة النفسية للفرد والجماعة ، وحل المشكلات المختلفة في ميدان التربية والتعليم . ونظرا لاختلاف اسم علم النفس عن المواضيع التي يدرسها ، يقترح بعض العلماء بان يستبدل اسمه باسم آخر ألا وهو علم السلوك أو علم الطبيعة البشرية .
وأذا كان علم النفس يدرس سلوك الإنسان في إطاره الكلي فما هي طبيعة السلوك الإنساني ؟ وما هي مميزاته وأهدافه ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في المناقشات التالية:
يتفاعل الإنسان مع بيئته لإشباع حاجاته المادية والمعنوية المختلفة ولتحقيق أهدافه التي حددها لنفسه . بيد ان الإنسان يواجه بالكثير من الصعوبات التي قد تعرقل تحقيق بعض أهدافه . لذلك نجده يحاول جاهداً التوفيق بين حاجاته وظروف بيئته ، أو يعدل سلوكه لكي يتوافق مع ظروفه الشخصية وظروف بيئته .
والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستخدم ذكاءه ولغته وسبل تفكيره ، وتطبيق ما تعلمه من معارف ، وما مر به من خبرات في حل المشكلات التي تجابهه . والإنسان يسعى لتحقيق أهدافه النفسية والاجتماعية في ظل القيم والمعايير السائدة في مجتمعه .
وفي أحيان أخرى نجده يغير من ظروف بيئته الفيزيقية والاجتماعية بشكل يمكنه من بلوغ أهدافه وتحقيق توافقه . النضال بين الإنسان وبين بيئته أزلي ومستمر ومتبادل . فالبيئة ترغم الإنسان على التوافق معها بشكل معين ، والإنسان يعدل بيئته لكي تتوافق معه بشكل معين أيضاً . لذلك كانت دائماً العلاقة بين الإنسان وبيئته علاقة أخذ وعطاء ، وفعل وانفعال ، وتأثير متبادل ، ونضال مستمر.
وعندما يتفاعل الإنسان مع مثير ما في بيئته النفسية أو الاجتماعية ، فأنه يتفاعل معه بفكره ومشاعره وجسمه . وأذ يستجيب الإنسان لمثير ما ، فأنه قد يستهدف إشباع دافع فطرى ، مثل إشباع دافع الجوع أو الأمن أو العطش أو الجنس ، أو حفظ النوع ، أو تكوين أسرة ، أو شغل منصب اجتماعي مرموق ، أو الانخراط في عضوية جماعة ما الخ ... وهذا يتضح أن الأوجه المختلفة من النشاط العقلي والانفعالي والجسمي والحركي التي يزاولها الإنسان أثناء تفاعله مع بيئته والتي تعكس تأثيره أو توافقه ... الخ. هي موضوع علم النفس .
صفحة 9

معنى السلوك :-

يقصد بالسلوك مجموع أفعال الكائن العضوي الداخلية والخارجية ، والتفاعل بين الكائن العضوي وبين بيئته المادية والاجتماعية . وهو مختلف النشطة التي يمارسها الإنسان والحيوان . ويتكون السلوك من مختلف العمليات الفيزيولوجية وبخاصة المرتبطة بالجهازين العصبي والغدى . وسلوك الإنسان على تحقيق أهدافه في الحياة . ويهتم علم الفزيولوجيا بدارسة دور ل عضو وتركيبه . أما هروب الإنسان من خطر ما ، فهو يمثل نشاطه العضوي ككل ، أنه سلوكه .
يهتم علم النفس المعاصر بدراسة السلوك الملاحظ وغير الملاحظ . ومن أمثلة السلوك الملاحظ : زيادة إفراز العرق ، وبلل السرير ، والأفعال القهرية مثل لمس أعمدة الكهرباء أثناء السير ، والعجز الجنسي ، والعنف والعدوان ، والانتحار والحركة والكلام والمشي والضحك الخ ... ويلاحظ ان هذه السلوكيات وغيرها قابلة للملاحظة والتسجيل والقياس وأنها استجابات لمثيرات معينة قد تكون داخلية أم خارجية .
كما يدرس علم النفس الظواهر التي تلاحظ بطريق غير مباشر ، أي التي لا يمكن رصدها من الخارج مثل ألم الأسنان والصداع والهموم والجوع والاكتئاب والقلق والخوف والحزن ، وعمليات التفكير والتذكر والتخيل الخ ... وتعبر هذه الاستجابات عن مثيرات داخلية يعيها الفرد نفسه ، ولا يدركها الآخرين المحيطين به . والفرد هو الوحيد الذي قد يخبرنا بها . قد يكون السلوك كلياً وقد يكون جزئياً. والسلوك الكلي هو وحدة كبيرة من السلوك لا تتساوى مع مجموع أجزائها . وهو سلوك غالباً ما يفسر بمصطلحات نفسية . ويهتم علم النفس بدراسة السلوك الكلي .
والسلوك الكلي هو الذي يصدر عن الإنسان بأسره من حيث هو وحدة وكل ، أثناء تفاعله مع بيئته " فالإنسان حين يكتب مثلاً لا يكتب بيده فقط بل يصاحب ذلك أنواعاً من النشاط العقلي كالانتباه والإدراك والنشاط الوجداني كالشعور بالارتياح أو الحزن . وعندما يفكر الإنسان في موضوع ما ، فأن هذا النشاط العقلي يصحبه في الوقت نفسه تغيرات جسمية وحالات وجدانية مختلفة ، وعندما يشعر بانفعال القلق أو الخوف أو الحزن أو الغضب يصاحب ذلك تغيرات جسمية واضطرابات فيزيولوجية وتقلبات عقلية . وفي هذه الأمثلة الثلاثة يصدر السلوك عن الإنسان من حيث هو كل وبوصفه وحدة جسمية نفسية ( عبد الخالق ،1993:15-16 ) .
وهناك السلوك الجزئي الذي يوصف في ضوء وحدات صغرى ، وهو موضوع علم الفزيولوجيا ، مثل وصف السلوك على مستوى النشطة العصبية العضلية أو الغددية . ومن أمثلة السلوك الجزئي توتر العضلات وإفرازات المعدة وانقباضاتها ، وتكيف إنسان العين الخ ... وعن طريق قياس السلوك الجزئي يمكننا الاستدلال على مؤشرات التغير في السلوك ، كأن نقيس التغيرات الانفعالية عن طريق أجهزة قياس التنفس والنبض وموجات المخ ورسم القلب وما الى ذلك .
ويعتبر الإنسان وحدة جسمية - نفسية . فقد تبين انه لا يوجد نشاط جسمي خالص أو نفسي خالص . أي ان الإنسان لا يستجيب لبيئته بجسمه فقط ، وإنما يستجيب بجسمه وعقله . فسلوك الإنسان نشاط كلي . وفي هذا يقول " ارسطو " ليس الذي ينفعل هو النفس أو الجسم بل الإنسان . والإنسان هو الذي يقرأ ويكتب ويحب ويكره ، وينجح ويخفق ويسعد ويشقى ، فالإنسان وحدة جسمية - نفسية متكاملة لا تتجزأ ، أن تأثر جانب منها واضطراب ، تأثرت له الوحدة كلها واضطرابات (راجح،1977:25-26).
ويستهدف سلوك الكائن الحي تحقيق دافع أو غاية معينة . ولذلك فوراء كل سلوك دافع ، فالطفل يسلك الكذب لرغبته في تفادى العقاب . والجماد قد يتحرك ولكنه يتوقف عند اصطدامه بحاجز ، وذلك لافتقاده دافع الحركة . لكن يستمر الكائن الحي في حركته حتى ولو جابهته عقبات ، لنه ثمة دوافع داخلية تدفعه لكي يسلك سلوكاً معيناً . لا يتوقف سلوك الكائن الحي أذن حتى يحقق غايته ، وهو يخضع لتأثير الدوافع الداخلية والخارجية . وغاية السلوك الإنساني قد تكون واضحة وشعورية وقد تكون غير واضحة ، وكل سلوك أنساني يستهدف تحقيق غاية معينة . وبدون فهمنا للغاية التي ينشدها الكائن الحي ، لا يمكننا فهم سلوكه وتفسيره . فالغاية هي التي تحدد السلوك وتوجهه وتفسيره . فالطير لا يهرب من القط بمجرد رؤيته فحسب ، ولكنه يلتمس الأمان أيضاً . وهدف استجابة الفرد لمثير ما ، هو تحقيق التوافق البيولوجي أو النفسي أو الاجتماعي . ولا يستجيب كل الأفراد لمثير ما بنفس الاستجابة . لذلك قد يتأثر فرد ما بمثير خارجي ، ولا يتأثر فرد آخر بنفس المثير . فالحديقة المزروعة بالزهور تمثل بيئة جدباء لكلب جائع ، لكنها تمثل بيئة مشبعة ومريحة لشخص عاشق . والطفل لا تجذبه المكتبة العامرة بالكتب ، ولكن تجذبه برامج المذياع والتلفزيون . وقاطن الريف وتزعجه حركة السير ، وقاطن المدينة يعتبر ذلك أمراً عادياً ومتوقعاً . والمعروضات المغرية في المدينة لا تجذب الشخص ألا إذا لقيت قبولاً وهوى من داخل الشخص نفسه .
ويتفاعل الفرد مع المنبه أو المثير وفق إدراكه له . وتتأثر استجابة الفرد للمثير بنوع جنسه وعمره وثقافته وخبراته وقدراته وميوله ووجهة نظره أو شخصيته كلها . والمحيط الاجتماعي الذي يحيط بالفرد قد يمثل مجالات نفسية مختلفة لأفراد مختلفين . فاللوحة الجميلة قد تنال إعجاب شخصاً ما ويقدرها وقد يدفع لشرائها ثمناً مغرياً . لكن لا تمثل نفس هذه اللوحة أي شيء بالنسبة لفرد آخر لا يقدر الفن ولا يهتم به فنحن نتفاعل مع المثيرات وفق تقديرنا لها ووفق تأثيرها في مجالنا النفسي . وقد يحتوى المحيط أشياء لا يحتويها المجال ، فالطعام لا يثير شهية الشبعان ، والأم النائمة لا يوقظها صرير الرياح ، ولكن توقظها أبسط حركات رضيعها . ومبتور الذراع يشعر بالألم ويتصور مرارته وعذابه رغم شفاء جروحه . وهكذا يتضح أن استجاباتنا تتأثر بكيفية إدراكنا لمحيطنا الفيزيقي والاجتماعي ، وليس ما يحتويه المحيط في حد ذاته . ولذلك يرى من عضه كلب يوماً ما أن كل الكلاب خطرة ، وحتى وان كان اللب الذي في مجاله الحسي الآن أليفاً ووديعاً .

معنى المنبه :-

يقصد بالمنبه كل عامل خارجي أو داخلي يثير نشاط الكائن الحي أو نشاط عضو من أعضائه ، أو يغير هذا النشاط أو يكفه ويعطله . وقد تكون المنبهات فيزيقية مثل تغير درجة الحرارة والروائح المختلفة . وقد تكون منبهات اجتماعية مثل مقابلة صديق أو صرخة استغاثة . وقد تكون منبهات داخلية فيزيولوجية مثل انخفاض مستوى السكر في الدم . وقد تكون منبهات نفسية كالأفكار والذكريات والتصورات الذهنية والمعتقدات . فالتفكير في الطعام يثير الجوع ، وتصور الخطر يدفعنا الى العمل على تجنبه .

معنى الاستجابة :-

هي كل نشاط أو فعل يصدر عن الكائن العضوي ويرد به على المنبه الذي مارس فعله عليه وأثر فيه . أو هي ناتج نشاط الكائن العضوي كعدد الكلمات التى يكتبها على الآلة الكاتبة في الدقيقة وعدد النقلات التي يقوم بها في اختبار المهارة اليدوية لمدة 15 ثانية . أو هي نوع التغير الذي يمكن ملاحظته على السلوك كتحسن الأداء على جهاز الرسم بالمرآة بعد التدريب ( عبد الخالق ،1993: 18 ).
والاستجابة هي الطريقة التي نستجيب بها لمثير ما . وتتنوع الاستجابة بتنوع المثير المسئول علي حدوثها . فلكل مثير معين في تقديرنا استجابة معينة .
والاستجابة قد تكون حركية مثل تحريك الذراع لرد التحية . وقد تكون لفظية مثل الإجابة عن سؤال يوجه أليك ، وقد تكون قيزيولوجية مثل ارتفاع ضغط الدم أو تقلص عضلات المعدة ، وقد تكون انفعالية كالغضب عند سماع كلمة معينة أو عند الحزن عن شئ ، وقد تكون معرفية مثل السعي الى كسب المعرفة عن طريق النظر والسمع والتفكير والتذكر ، وقد تكون بالكف عن ممارسة نشاط ما ، كالتوقف عن السير أو الأكل ( راجح ، 1977 : 21 ) .
صفحة 10

أهداف علم النفس

لعلم النفس عدة اهداف ومن بين هذه الأهداف :-
1) الوصف :- يستهدف علم النفس إعطاء تقرير عن الظواهر القابلة للقياس والملاحظة ومعرفة العلاقات التي تربطها ببعضها البعض . ويستخدم الباحثون وسائل جمع البيانات الاختبارات والمقابلات الشخصية والاستخبارات والملاحظة لرصد السلوك الإنساني بدقة . وثمة نماذج سلوكية يمكن للباحث النفسي رصدها وتدوين ملاحظات بصددها مثل ملاحظة السلوك العدواني لدى المراهقين وملاحظة سلوك الأخبار السارة كالنجاح ، ومظاهر الاكتئاب والقلق والخوف وما الى ذلك . ويستند الوصف الى التصنيف . لذلك نجد الباحث النفسي يقسم السلوك الى جوانب متشابهة ويضع لها أسماء . فيقول أن هذا سلوكا عصابيا أو ذهانيا ، وذلك سلوكا سويا . ويعتبر السلوك عصابياً متى ما تجاوز في تكرار حدوثه المعدل الطبيعي . فالأرق المتكرر والصداع العنيف ومشاعر القلق والخوف والضعف العصبي الشديدة ، مثلاً تصنف على أنها سلوكيات عصابية غير سوية أو مؤشراً على ذلك .
كما يصنف الناس الى أنماط . فتقول أن هذا الفرد ينتمي الى النمط البدين وذلك ينتمي الى النمط المزاجي أو العضلي الخ ... كما يصنف الأفراد وفق الأبعاد الأساسية لشخصياتهم . لذلل نحن نقول بالبعد الأنبساطي - العصابى ، وبعد السيطرة - الخضوع ، وبعد المرح - الاكتئاب الخ ... ويستهدف تصنيف الناس حسب أبعاد شخصياتهم معرفة درجة الفرد على مقياس السيطرة - الخضوع مثلاً على اعتبار أن الفرد لابد وأن يكون له موقع على متصل هذا البعد . فيكون مثلاً مسيطراً أو خاضعاً بدرجة أو يجمع بين السيطرة والخضوع . ووفق نظرية الأبعاد لا يملك الفرد السمة أو لا يملكها . وهو ما يعنى أن الناس يختلفون في امتلاك السمة اختلافاً كميا وليس اختلافاً كيفياً . وهكذا يتضح أن غاية علم النفس في النهاية - كأي علم آخر - هو الاهتمام بالعموميات والاختصار وتصنيف الأشياء وفق تشابهها في لون معين .
2) التفسير :- يستهدف علم النفس تفسير الظواهر النفسية ومعرفة العوامل الكامنة وراء ظهورها والمبادئ والحقائق التي تحكم حدوثها ، وذلك بهدف فهم السلوك الإنساني فهما جيداً ومن ثم التنبؤ به . وتفسير السلوك تفسيراً موضوعياً ومعرفة أسبابه يساعدنا على فهم أنفسنا وفهم الآخرين . وغاية علم النفس - كأي علم آخر - هي وضع الفروض المفسرة لمشكلة نفسية ما ، ثم جمع المعلومات بصددها لمعرفة مدى صحة فروضنا من عدمها . وقد يبدأ الباحث النفسي عند دراسة موضوع نفسي ما بإثارة أسئلة يحاول ان يجيب عنها ، مثل : لماذا يرتفع معدل القلق لدى الأفراد هذه الأيام ؟ لماذا الإناث أكثر خوفاً واكتئاباً من الذكور ؟ لماذا الإناث أكثر خجلاً في مرحلة الرشد من مرحلة الطفولة ؟ لماذا يكتئب الناس اليوم أكثر من الأمس ؟ الى غير ذلك من الأسئلة . بالطبع أن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تتطلب من الباحث النفسي الإجابة عنها من خلال جمع المعارف المدونة في المصادر المختصة بها ، أو من خلال جمع بيانات عنها عن طريق الملاحظة ، أو من خلال توجيه أسئلة مفتوحة لأصحاب المشكلة ، بغية جمع بيانات حية وحديثة عنها ، ثم صياغة فروض تفسرها وتفسر أسباب حدوثها أو إثارة أسئلة بصددها مثل : هل هناك علاقة بين انتشار الاكتئاب وبين كثرة انطواء الفرد وانعزاله ؟ وقد يبني الباحث مقياساً عن موضوع بحثه من خلال المعارف التي تحصل عليها بصدد مشكلة بحثه من خلال ملاحظته أو من خلال تبويب البيانات التي تحصل عليها عن طريق دراسته الاستطلاعية بغية إخضاع تساؤلات بحثه للاختبار الأمبيريقي .
3) التنبؤ :- يقودنا التفسير الصحيح لمشكلة ما الى التنبؤ بحدوثها في حالة توفر الظروف التي تساعد أصلاً على تكونها . والافتراض الدقيق والموضوعي لتفسير مشكلة ما ، والمنهج العلمي المناسب - لدراسة موضوع المشكلة - من المتطلبات الأساسية التى تساعدنا على التنبؤ بحدوث هذه المشكلة أو الظاهرة مستقبلاً . لذلك استطاع الباحثون النفسانيون أن يتنبؤ بالآتي مثلاً : لا يصلح من يتسم بسمة الانفعال الشديد أن يكون قائداً للجماعة . وأن انعزال الطفل في صغره لابد وأن يخلق منه أنساناً مكتئباً في الكبر . ولا شك أن التنبؤ بالسلوك لابد وأن يكون مبنيا على ما زودتنا به أدوات القياس من نتائج . ويصبح التنبؤ أمراً علمياً صحيحاً وممكناً عندما نتمكن من معرفة العوامل الأساسية والظروف المناسبة التي أدت الى حدوث سلوك ما .
لكن تقل درجة تنبؤنا بالسلوك بدقة عندما تتعدد العوامل الكامنة وراء حدوثه . وللتنبؤ قيمة اقتصادية كبيرة . فهو يوفر الوقت والجهد والمال على الباحثين . فالتنبؤ السليم يمكننا من التعميم الصحيح على الحالات المشابهة لحدوث السلوك أو توقع حدوثه . ولذلك ترتفع قيمة البحث النفسي عندما يمكننا من التنبؤ الصحيح بسلوك ما . وعلى هذا الأساس ينظر اليوم الى أن من مميزات النظرية الجيدة هو قدرتها على تفسير السلوك والتنبؤ بحدوثه .
4) الضبط :- لاشك أن هناك عوامل مسئولة عن حدوث سلوك ما . وبهذا فإن من أهداف علم النفس هو التعرف على تلك العوامل المسئولة عن حدوث ذلك السلوك . ويسمى العامل الذي يؤدي الى حدوث سلوك ما أو مشكلة ما بالمتغير المستقل أو بالسبب . ويسمى السلوك الحادث أو المشكلة الحادثة بالمتغير التابع أو النتيجة . وقد تكثر المتغيرات المسئولة عن حدوث سلوك ما أو تقل . ولذلك فأن من بين غايات علم النفس هو ضبط المتغيرات التي تؤدي الى حدوث سلوك ما ، ومعرفة درجة أهميتها وتداخلها . ويبدأ الضبط بتحديد العوامل المسئولة عن سلوك ما ، تم اختبار قوة العلاقة بين المتغير المستقل (أ) مثلا والمتغير التابع (د) ، ثم اختبار قوة العلاقة بين المتغير المستقل (ب) والمتغير التابع (د) ، ثم اختبار قوة العلاقة بين المتغير المستقل (ج) والمتغير التابع (د) وهكذا . يساعد مثل هذا الأجراء الباحث على تحديد العوامل المسئول عن حدوث المتغير التابع (د) مثلا بدقة وأهمها .
وقد يجمع الباحث بين أي متغيرين مستقلين بالتناوب لاختبار دورهما معاً في حدوث المتغير التابع . وتتم عملية ضبط المتغيرات المستقلة المسئولة عن حدوث متغير تابع ما عادة ، وبضبط العوامل والظروف التي تساعد على أو تؤدي الى حدوث المتغيرات التابعة . فإذا افترضنا : أن ضعف الملاحظة يدفع بعض الطلاب الى الغش في الامتحانات ، فأن ضبط المتغير المستقل " ضعف الملاحظة " يمكن التحقق منه برفع درجة الملاحظة الصارمة على الطلاب . فأي تلاشي الغش، كان افتراضنا صحيحاً ، وأن لم يختف الغش ، فذلك يعنى أن هناك متغيراً آخر مسئولاً عن حدوث الغش ، وعلينا افتراضه وضبطه في إطار متغيرات آخرى لمعرفة مدى دوره في حدوث السلوك المراد دراسته أو تفسيره . وثمة بعض المصادر التي تساعدنا على دقة التنبؤ والضبط . ومن بين هذه المصادر كما يذكرها ( عبد الخالق ، 1993 ) :-
1) المنبهات البيئية التي قد تسبب السلوك .
2) الدوافع البيولوجية والاجتماعية للسلوك .
3) إدراك الفرد لبيئته .
4) التعلم وتغيير الفرد سلوكه كي يناسب مطالب البيئة الجديدة .
5) تذكر الحوادث السابقة ومدى تأثيره في إدراك الموقف .
6) طريقة الفرد في التفكير وحل المشكلات ( عبد الخالق ،1993 : 26 ) .