صفحة 1
مقدمة للطبعة الثالثة
I
ليس جديداً على الفكر الماركسي أن يجابه الواقع الاجتماعي المتميز في حركة تطوره التاريخي في فجاءاته وتغيراته. بل يمكن القول إنه ولد وتكوّن وتطور في هذه المجابهة. وما طابعه المادي الذي تأكد في نقد الفكر المثالي الهيغلي والاقتصادي البورجوازي ـ بوجه خاص ـ سوى نتيجة هذه الضرورة في أن يكون قادراً على تفسير العالم وتاريخه تفسيراً علمياً، وأداة لتغييره في يد القوى الاجتماعية المؤهلة والمدعوّة إلى تغييره. ميزة هذا الفكر هي أن يكون فكراً مناضلاً، أو لا يكون. معنى هذا أن التحام النظرية الماركسية بالحركة الثورية أساسي لوجودها كنظرية علمية. والعكس صحيح أيضاً. فالحركة الثورية في عصرنا الراهن بحاجة إلى قاعدة نظرية تستند إليها في تغييرها العالم بحسب القوانين الفعلية التي تحكم حركته التاريخية. ولعل أخطر داء يصيب الحركة الثورية هو داء العفوية أو التلقائية في ممارساتها. إنه داء المغامرة بالثورة، في زمن التخطيط الامبريالي على الصعيد العالمي. ليس في هذا القول من جديد، بل فيه استعادة لقول لينين: «لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية». والنظرية الماركسية ثورية، ليس لأنها وحسب نظرية الثورة، بما تعنيه الثورة هذه من انتقال ضروري من الرأسمالية إلى الاشتراكية بل لأنها أيضاً، وبالدرجة الأولى، علمية، أي لأنها علم التاريخ في حركة انتقاله هذه.
والعالم العربي، كغيره من بلدان العالم، يسير في واقعه الراهن في خط هذه الحركة الكونية وفي أفقها، لا يشذّ عنها أو يتفرّد بالسير في خط آخر ـ سماه البعض طريقاً ثالثاً ـ إلّافي وهم الباحثين عن «الخصوصية» من أسياد الأيديولوجية البورجوازية وأتباعها أيضاً. وكلما احتدم الصراع في تلك الحركة الكونية الحاكمة سيرورة التاريخ الاجتماعي السياسي المعاصر بين قوى التغيير الثوري، في كل بلد، وعلى صعيده العالمي، وبين قوى الثورة المضادة، نبتت، كالفطر، في تربة الأيديولوجية البورجوازية، مفاهيم متلوّنة تحلّ محلّ مفاهيم أخرى في الهجوم الرجعي المضاد على الفكر الثوري العلمي. من هذه المفاهيم: مفهوم «الخصوصية» مثلاً، أو «الأصالة». تارة تكون الخصوصية «عربية»، فإذا تصدع الفكر البورجوازي بتصدّع مواقع السيطرة الطبقية للبورجوازيات العربية، صارت الخصوصية هذه «إسلامية» متسامحة حتى إلغاء الصراع ضد الاستبداد العثماني وإعادة قراءة التاريخ في ضوء هذه المصالحة الجديدة. وتارة تكون «مارونية» أو «شيعية» أو «درزية»، بحسب حاجات النظر الطائفي. وربما كانت عند بعضهم «قبطية» أو حتى «متوسطية»، فهي تضيق حيناً وتتسع حيناً آخر ويبقى المبدأ منها واحداً: رفض العقل العلمي ومبدأ كونيته.
إما أن نقول بما يقول به العلم التاريخي من وجود نظام رأسمالي عالمي تهيمن عليه الامبريالية هيمنة كليّة، في أشكال متعددة ومتجددة، وإما أن نرفض هذا القول وننفي وجود مثل هذا النظام العالمي لنتصوّر العالم في شكل مجموعة من «الوحدات القومية» ـ حسب تعبير أنور عبد الملك، مثلاً ـ تقيم بينها، في أحسن الحالات، علاقات خارجية، تستقل فيها كل واحدة عن الأخرى استقلالاً تؤكد فيه «خصوصيتها» التي تؤمّن لها «استمراريتها التاريخية»، كأنها جوهر ميتافيزيقي فيه تتماثل بذاتها ضد اختلاف الشروط وتغيراتها، فما تاريخها أو صيرورتها، في الماضي والحاضر والمستقبل، سوى حركة تمظهر هذا الجوهر الواحد الثابت. من منطق هذا النفي أن يقود إلى نفي العلم بعامة، والعلم التاريخي بخاصة، ونفي كونية قوانينه. بل إنه يقوده إلى تهافت العقل نفسه، إذ يتفتَّت العقل ـ أو ما يبدو كذلك ـ في ذرات «قومية» ينغلق في كل منها على «خصوصية» لا ينفتح فيها إلّا على ذاته. وما الذات هذه سوى أسطورة، وظيفتها أن تلغي التاريخ وقلق حركة التغيّر فيه، حتى يصير التاريخ، بالوهم، تكراراً يكبت الجديد فيه ويحول دون ولادته. هكذا يصير لكل «خصوصية» عقلها الذي هو لها مطلق لا يتغيّر، فطريق الذات إلى المستقبل هو هو طريق حاضرها إلى ماضيها الذي هو نموذجها الأول. لذا، كان لأوروبا عقل أوروبي خاص بها، وعلم أوروبي ومعرفة أوروبية، وكان لليابان عقل ياباني وعلم ياباني ومعرفة يابانية، وللصين كذلك، ولروسيا أو إيطاليا أو لغيرهما أيضاً. لكل «وحدة قومية» إذن، علم أو معرفة أو عقل لا يصح على غيرها، فكلّ أسير «خصوصيته». أما العلم الأوحد والعقل الأوحد فلله وحده، يخلق ما لا تعلمون. ولئن أراد العقل العربي أو الإسلامي أن يأخذ بالماركسية مثلاً، فعلى الماركسية أن تصير عربية أو إسلامية، وعلى العلوم الفيزيائية أو الكيميائية أيضاً أن تصير عربية أو إسلامية، إن أراد العقل ذلك أن يُطلّ من حدوده على العلوم هذه.
لا نريد للسخرية أن تكون وحدها أداة النقد، فما أسهل أن نترك لهذا الفكر الظلامي حرية التحرك والتوسع في حدود منطقه وبحسب منطقه، حتى يتهافت منطقه ويكون الواقع التاريخي الفعلي لاذعاً في سخريته. ما نريد أن نقول هو، ببساطة، ما يلي: إن القضية التاريخية الأساسية التي يطرحها مثل هذا الفكر، بحسب منطلقاته، ليست قضية تحديد الشروط التاريخية الخاصة بواقعنا الاجتماعي التي فيها تتحقق سيرورة التغيير الثوري في الانتقال الكوني من الرأسمالية إلى الاشتراكية، بل إنها قضية توفير الشروط الضرورية لتحقيق سيرورة «الاستمرارية التاريخية» لـ «الخصوصية» العربية أو الإسلامية، بما تعنيه هذه «الخصوصية» من وجود أسطوري لجوهر ثابت لا يتماثل بذاته إلّا لأنه من خارج التاريخ، أقوى منه ومن تغيّراته المادية التي هي العارض قياساً على الجوهر، وبما تعنيه تلك «الاستمرارية التاريخية» من حركة يتكرر فيها الجوهر. لكن التاريخ الفعلي اقتحم، في حركته المادية، في لحظة معينة، ميدان حركة التكرار هذه، لما دخل النظام الرأسمالي العالمي في تطوره الامبريالي الكاسح، فأحدث في تلك «الاستمرارية التاريخية» انقطاعاً تعطّلت به حركة تكرار الجوهر، وانفصل أولها الذي هو منها الأصل عن حاضرها الراهن، وكان للحاضر نموذجاً لما استعاد الجوهر حركته. هكذا تكتمل دائرة الزمن الجوهري إذ تنغلق دائرة الزمن الأصلي على ذاتها، في عودة الحاضر إلى أوّله، أي ماضيه الأصيل الذي هو نموذج مستقبله. إنه زمن الأصالة، دائري كالزمن الأسطوري.
I
ليس جديداً على الفكر الماركسي أن يجابه الواقع الاجتماعي المتميز في حركة تطوره التاريخي في فجاءاته وتغيراته. بل يمكن القول إنه ولد وتكوّن وتطور في هذه المجابهة. وما طابعه المادي الذي تأكد في نقد الفكر المثالي الهيغلي والاقتصادي البورجوازي ـ بوجه خاص ـ سوى نتيجة هذه الضرورة في أن يكون قادراً على تفسير العالم وتاريخه تفسيراً علمياً، وأداة لتغييره في يد القوى الاجتماعية المؤهلة والمدعوّة إلى تغييره. ميزة هذا الفكر هي أن يكون فكراً مناضلاً، أو لا يكون. معنى هذا أن التحام النظرية الماركسية بالحركة الثورية أساسي لوجودها كنظرية علمية. والعكس صحيح أيضاً. فالحركة الثورية في عصرنا الراهن بحاجة إلى قاعدة نظرية تستند إليها في تغييرها العالم بحسب القوانين الفعلية التي تحكم حركته التاريخية. ولعل أخطر داء يصيب الحركة الثورية هو داء العفوية أو التلقائية في ممارساتها. إنه داء المغامرة بالثورة، في زمن التخطيط الامبريالي على الصعيد العالمي. ليس في هذا القول من جديد، بل فيه استعادة لقول لينين: «لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية». والنظرية الماركسية ثورية، ليس لأنها وحسب نظرية الثورة، بما تعنيه الثورة هذه من انتقال ضروري من الرأسمالية إلى الاشتراكية بل لأنها أيضاً، وبالدرجة الأولى، علمية، أي لأنها علم التاريخ في حركة انتقاله هذه.
والعالم العربي، كغيره من بلدان العالم، يسير في واقعه الراهن في خط هذه الحركة الكونية وفي أفقها، لا يشذّ عنها أو يتفرّد بالسير في خط آخر ـ سماه البعض طريقاً ثالثاً ـ إلّافي وهم الباحثين عن «الخصوصية» من أسياد الأيديولوجية البورجوازية وأتباعها أيضاً. وكلما احتدم الصراع في تلك الحركة الكونية الحاكمة سيرورة التاريخ الاجتماعي السياسي المعاصر بين قوى التغيير الثوري، في كل بلد، وعلى صعيده العالمي، وبين قوى الثورة المضادة، نبتت، كالفطر، في تربة الأيديولوجية البورجوازية، مفاهيم متلوّنة تحلّ محلّ مفاهيم أخرى في الهجوم الرجعي المضاد على الفكر الثوري العلمي. من هذه المفاهيم: مفهوم «الخصوصية» مثلاً، أو «الأصالة». تارة تكون الخصوصية «عربية»، فإذا تصدع الفكر البورجوازي بتصدّع مواقع السيطرة الطبقية للبورجوازيات العربية، صارت الخصوصية هذه «إسلامية» متسامحة حتى إلغاء الصراع ضد الاستبداد العثماني وإعادة قراءة التاريخ في ضوء هذه المصالحة الجديدة. وتارة تكون «مارونية» أو «شيعية» أو «درزية»، بحسب حاجات النظر الطائفي. وربما كانت عند بعضهم «قبطية» أو حتى «متوسطية»، فهي تضيق حيناً وتتسع حيناً آخر ويبقى المبدأ منها واحداً: رفض العقل العلمي ومبدأ كونيته.
إما أن نقول بما يقول به العلم التاريخي من وجود نظام رأسمالي عالمي تهيمن عليه الامبريالية هيمنة كليّة، في أشكال متعددة ومتجددة، وإما أن نرفض هذا القول وننفي وجود مثل هذا النظام العالمي لنتصوّر العالم في شكل مجموعة من «الوحدات القومية» ـ حسب تعبير أنور عبد الملك، مثلاً ـ تقيم بينها، في أحسن الحالات، علاقات خارجية، تستقل فيها كل واحدة عن الأخرى استقلالاً تؤكد فيه «خصوصيتها» التي تؤمّن لها «استمراريتها التاريخية»، كأنها جوهر ميتافيزيقي فيه تتماثل بذاتها ضد اختلاف الشروط وتغيراتها، فما تاريخها أو صيرورتها، في الماضي والحاضر والمستقبل، سوى حركة تمظهر هذا الجوهر الواحد الثابت. من منطق هذا النفي أن يقود إلى نفي العلم بعامة، والعلم التاريخي بخاصة، ونفي كونية قوانينه. بل إنه يقوده إلى تهافت العقل نفسه، إذ يتفتَّت العقل ـ أو ما يبدو كذلك ـ في ذرات «قومية» ينغلق في كل منها على «خصوصية» لا ينفتح فيها إلّا على ذاته. وما الذات هذه سوى أسطورة، وظيفتها أن تلغي التاريخ وقلق حركة التغيّر فيه، حتى يصير التاريخ، بالوهم، تكراراً يكبت الجديد فيه ويحول دون ولادته. هكذا يصير لكل «خصوصية» عقلها الذي هو لها مطلق لا يتغيّر، فطريق الذات إلى المستقبل هو هو طريق حاضرها إلى ماضيها الذي هو نموذجها الأول. لذا، كان لأوروبا عقل أوروبي خاص بها، وعلم أوروبي ومعرفة أوروبية، وكان لليابان عقل ياباني وعلم ياباني ومعرفة يابانية، وللصين كذلك، ولروسيا أو إيطاليا أو لغيرهما أيضاً. لكل «وحدة قومية» إذن، علم أو معرفة أو عقل لا يصح على غيرها، فكلّ أسير «خصوصيته». أما العلم الأوحد والعقل الأوحد فلله وحده، يخلق ما لا تعلمون. ولئن أراد العقل العربي أو الإسلامي أن يأخذ بالماركسية مثلاً، فعلى الماركسية أن تصير عربية أو إسلامية، وعلى العلوم الفيزيائية أو الكيميائية أيضاً أن تصير عربية أو إسلامية، إن أراد العقل ذلك أن يُطلّ من حدوده على العلوم هذه.
لا نريد للسخرية أن تكون وحدها أداة النقد، فما أسهل أن نترك لهذا الفكر الظلامي حرية التحرك والتوسع في حدود منطقه وبحسب منطقه، حتى يتهافت منطقه ويكون الواقع التاريخي الفعلي لاذعاً في سخريته. ما نريد أن نقول هو، ببساطة، ما يلي: إن القضية التاريخية الأساسية التي يطرحها مثل هذا الفكر، بحسب منطلقاته، ليست قضية تحديد الشروط التاريخية الخاصة بواقعنا الاجتماعي التي فيها تتحقق سيرورة التغيير الثوري في الانتقال الكوني من الرأسمالية إلى الاشتراكية، بل إنها قضية توفير الشروط الضرورية لتحقيق سيرورة «الاستمرارية التاريخية» لـ «الخصوصية» العربية أو الإسلامية، بما تعنيه هذه «الخصوصية» من وجود أسطوري لجوهر ثابت لا يتماثل بذاته إلّا لأنه من خارج التاريخ، أقوى منه ومن تغيّراته المادية التي هي العارض قياساً على الجوهر، وبما تعنيه تلك «الاستمرارية التاريخية» من حركة يتكرر فيها الجوهر. لكن التاريخ الفعلي اقتحم، في حركته المادية، في لحظة معينة، ميدان حركة التكرار هذه، لما دخل النظام الرأسمالي العالمي في تطوره الامبريالي الكاسح، فأحدث في تلك «الاستمرارية التاريخية» انقطاعاً تعطّلت به حركة تكرار الجوهر، وانفصل أولها الذي هو منها الأصل عن حاضرها الراهن، وكان للحاضر نموذجاً لما استعاد الجوهر حركته. هكذا تكتمل دائرة الزمن الجوهري إذ تنغلق دائرة الزمن الأصلي على ذاتها، في عودة الحاضر إلى أوّله، أي ماضيه الأصيل الذي هو نموذج مستقبله. إنه زمن الأصالة، دائري كالزمن الأسطوري.
صفحة 2
إذا تركنا الأسطورة جانباً، وعدنا إلى التاريخ الفعلي وحركته المادية، وجب علينا القول إن واقع مجتمعاتنا العربية هو أنها خاضعة للسيطرة الامبريالية، بوجودها في شبكة علاقات النظام الرأسمالي العالمي، فلا سبيل لها إذن، إلى الإفلات من القوانين الكونية التي تحكم حركة التاريخ المعاصر، من حيث هي، في الأزمة العامة للامبريالية، حركة الانتقال إلى الاشتراكية. لهذا كانت حركة التحرر الوطني في جوهرها حركة هذا الانتقال نفسه، وسيرورتها سيرورته، وكان الصراع الطبقي فيها هو هو الصراع الوطني، فلا فصل فيه لوجه أو شكل منه عن الآخر، ولا تغليب لهذا على ذاك إلّا في الأيديولوجية البورجوازية. وبتعبير آخر، إن التلازم في حركة التحرر الوطني بين العداء للامبريالية والعداء للرأسمالية قائم بالضرورة. هذا ما حاولت شرحه بالتفصيل في كتاباتي كلها. ولقد انطلقت فيها من قضية أساسية صغتها على الوجه التالي: ما هو الشكل، أو بالأحرى ما هي الأشكال المحددة التي تتميز فيها حركة القوانين التاريخية الكونية في الحركة التاريخية للمجتمعات العربية المعاصرة؟ لم تكن هذه الصياغة عفوية، بل أردت لها أن تكون دقيقة، فهي محور لمجموعة من الأسئلة المترابطة فالصعوبة كل الصعوبة في حركة الفكر وفي إنتاج المعرفة ليست في الإجابة عن الأسئلة بقدر ما هي في تحديد نوع الأسئلة التي نطرح. ولقد أشرت سابقاً، إلى أين يقود منطق من الفكر ينطلق في فهم واقعنا التاريخي الراهن من البحث عن «خصوصية» تجد شرط وجودها في تهافت العقل ورفض العلم وكونيته. فإذا فهمنا أن الكوني لا ينوجد في التاريخ إلّا مميَّزاً، لأن تمييزه هذا هو فيه وجوده المادي نفسه، وضح لنا المنهج الذي نعتمده في تحليل واقعنا التاريخي. إنه منهج فكر كليّ ـ ولولا نبرة «صوفية» في الكلمة لقلت إنه منهج فكر كوكبي ـ ينظر في واقعنا المميّز بعين القوانين الكونية فيميّزها فيه، ويرفع هذا المميّز إلى كونيته. والفكر هذا هو الفكر الماركسي نفسه الذي قال عنه يوماً سارتر: إنه الأفق الذي لا يمكن للمفكر المعاصر أن يتخطاه، لسبب موضوعي بحت هو أنه فكر التاريخ المعاصر، من حيث هو تاريخ الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية. فالنظر بهذا الفكر في واقعنا التاريخي المميّز يطرح عليه، إذن، مهمة نظرية محددة: هي أن يكون، أو بالأحرى أن يصير نظرية التحرر الوطني في عالمنا العربي. هل هو قادر على ذلك؟ هل نحن قادرون على أن نجعل منه، بالتحديد، أيديولوجية الحركة الثورية الوطنية العربية؟ هذا هو التحدي التاريخي الذي يجابه هذا الفكر.
ليهدأ المتزمتون. ليس في هذا القول أي انحراف بالماركسية عن خطها الثوري العلمي. حين نقول: إن على النظرية الماركسية أن تثبت جدارتها بأن تصير أيديولوجية الثورة التحررية الوطنية، فمعنى هذا أن عليها أن تثبت ذلك، في المجال النظري والسياسي معاً، بما هي أيديولوجية الطبقة العاملة بالذات. ومعنى هذا أيضاً أن علينا أن نحدد بوضوح دور الطبقة العاملة وموقعها في سيرورة الثورة التحررية الوطنية، ودور التحالف الطبقي الثوري وطبيعته فيها، وموقع الطبقة العاملة في هذا التحالف، من حيث هو موقع الطبقة المهيمنة النقيض.
ما أريد قوله، بإيجاز، هو أن محاولتي النظرية كانت ترتسم، عن وعي، ضد ما لحق بالنظرية الماركسية من تشويه وانحراف في ممارسات الحركة الشيوعية العربية، أو بعض أحزابها. وما زال التشويه والانحراف قائمين فيها حتى الآن. ولعل بالإمكان الرجوع بهما، في نهاية التحليل، إلى طغيان الأيديولوجية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة في ظهورها مظهر الأيديولوجية «القومية»، في تلك الممارسات. فعلى قاعدة هذه الأيديولوجية بالذات، يتم الفصل، في الزمان والمكان، بين القضية الاجتماعية والقضية «القومية»، بحيث تظهر الأولى كأنها مجال تحرك الصراع الطبقي، والثانية كأنها مجال تحرك الصراع الوطني، أو «القومي»، ويجري تغليب الأولى على الثانية، باسم «النظرية الماركسية»، أو الثانية على الأولى، باسم «النظرية القومية»، فتستقل مرحلة التحرر الوطني عن مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية وتسبقها، وتكون فيها القيادة الطبقية للبورجوازية، بانتظار الانتقال منها إلى المرحلة الثانية التي على الطبقة العاملة، فيها وحدها دون غيرها من المراحل، أن تقوم بدورها القيادي. هكذا يتحدد دور الطبقة العاملة في حركة التحرر الوطني، بحسب هذه الأيديولوجية التي على قاعدتها، وفي تربتها، يتقابل منها وجهان متعارضان: وجه يظهر مظهر «النظرية الطبقية الماركسية»، ووجه يظهر مظهر «النظرية القومية». إنه دور الطبقة ـ السند للطبقة البورجوازية «الوطنية». هكذا يتمّ، بتعبير آخر، إلغاء الدور القيادي للطبقة العاملة في حركة التحرر الوطني.
ضد هذه الأيديولوجية التي لا تزال فاعلة، بأشكال مختلفة، في ممارسات بعض الأحزاب الشيوعية العربية، قمت بمحاولتي النظرية، وضدها تتميز المفاهيم النظرية الماركسية بالنظر في واقع مجتمعاتنا العربية وفي حركة التحرر الوطني فيها، وفي الصراع الطبقي الدائر في هذه الحركة، في جميع حقوله، بين خطين سياسيين رئيسيين: خط بورجوازي رجعي يظهر في شكل «قومي»، وخط وطني ثوري هو هو خط الطبقة العاملة في ممارسة الصراع الوطني، وهو الذي تناضل هذه الطبقة الثورية، بقيادة حزبها الشيوعي الحقيقي، من أجل أن يكون خط التحالف الطبقي الثوري نفسه، أي خط الحركة الوطنية. أما الخط السياسي الانتهازي في الحركة الثورية، الذي ينزلق، بالممارسة إلى مواقع الأيديولوجية البورجوازية، فهو في تحالف موضوعي مع الخط البورجوازي نفسه.
ليهدأ المتزمتون. ليس في هذا القول أي انحراف بالماركسية عن خطها الثوري العلمي. حين نقول: إن على النظرية الماركسية أن تثبت جدارتها بأن تصير أيديولوجية الثورة التحررية الوطنية، فمعنى هذا أن عليها أن تثبت ذلك، في المجال النظري والسياسي معاً، بما هي أيديولوجية الطبقة العاملة بالذات. ومعنى هذا أيضاً أن علينا أن نحدد بوضوح دور الطبقة العاملة وموقعها في سيرورة الثورة التحررية الوطنية، ودور التحالف الطبقي الثوري وطبيعته فيها، وموقع الطبقة العاملة في هذا التحالف، من حيث هو موقع الطبقة المهيمنة النقيض.
ما أريد قوله، بإيجاز، هو أن محاولتي النظرية كانت ترتسم، عن وعي، ضد ما لحق بالنظرية الماركسية من تشويه وانحراف في ممارسات الحركة الشيوعية العربية، أو بعض أحزابها. وما زال التشويه والانحراف قائمين فيها حتى الآن. ولعل بالإمكان الرجوع بهما، في نهاية التحليل، إلى طغيان الأيديولوجية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة في ظهورها مظهر الأيديولوجية «القومية»، في تلك الممارسات. فعلى قاعدة هذه الأيديولوجية بالذات، يتم الفصل، في الزمان والمكان، بين القضية الاجتماعية والقضية «القومية»، بحيث تظهر الأولى كأنها مجال تحرك الصراع الطبقي، والثانية كأنها مجال تحرك الصراع الوطني، أو «القومي»، ويجري تغليب الأولى على الثانية، باسم «النظرية الماركسية»، أو الثانية على الأولى، باسم «النظرية القومية»، فتستقل مرحلة التحرر الوطني عن مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية وتسبقها، وتكون فيها القيادة الطبقية للبورجوازية، بانتظار الانتقال منها إلى المرحلة الثانية التي على الطبقة العاملة، فيها وحدها دون غيرها من المراحل، أن تقوم بدورها القيادي. هكذا يتحدد دور الطبقة العاملة في حركة التحرر الوطني، بحسب هذه الأيديولوجية التي على قاعدتها، وفي تربتها، يتقابل منها وجهان متعارضان: وجه يظهر مظهر «النظرية الطبقية الماركسية»، ووجه يظهر مظهر «النظرية القومية». إنه دور الطبقة ـ السند للطبقة البورجوازية «الوطنية». هكذا يتمّ، بتعبير آخر، إلغاء الدور القيادي للطبقة العاملة في حركة التحرر الوطني.
ضد هذه الأيديولوجية التي لا تزال فاعلة، بأشكال مختلفة، في ممارسات بعض الأحزاب الشيوعية العربية، قمت بمحاولتي النظرية، وضدها تتميز المفاهيم النظرية الماركسية بالنظر في واقع مجتمعاتنا العربية وفي حركة التحرر الوطني فيها، وفي الصراع الطبقي الدائر في هذه الحركة، في جميع حقوله، بين خطين سياسيين رئيسيين: خط بورجوازي رجعي يظهر في شكل «قومي»، وخط وطني ثوري هو هو خط الطبقة العاملة في ممارسة الصراع الوطني، وهو الذي تناضل هذه الطبقة الثورية، بقيادة حزبها الشيوعي الحقيقي، من أجل أن يكون خط التحالف الطبقي الثوري نفسه، أي خط الحركة الوطنية. أما الخط السياسي الانتهازي في الحركة الثورية، الذي ينزلق، بالممارسة إلى مواقع الأيديولوجية البورجوازية، فهو في تحالف موضوعي مع الخط البورجوازي نفسه.
صفحة 3
II
يحتل مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي موقعاً مركزياً في أبحاثي. وأول مرة استخدمت فيها هذا المفهوم، في مقال نشر في مجلة الطريق في العدد الثامن من سنة 1968، بل في رسالة الدكتوراه التي ناقشتها في فرنسا في شهر أيار من سنة 1967 ولم أنشرها حتى الآن، أشرت بوضوح إلى أنني أستخدم هذا المفهوم كفرضية نظرية يصح عليها ما يصح على أي فرضية علمية تستلزم، في تحقيقها، اختباراً تاريخياً يؤكد صحتها أو يقوّمها. ودعوت القارىء إلى يقظة فكرية ضرورية لقراءة ما أكتب، حتى أستثير عنده النقد كما أستثيره عندي. ولقد فرض عليّ منطق البحث نفسه ضرورة اللجوء إلى هذه الفرضية كي أرى بعين الماركسية ومفاهيمها النظرية إلى واقع مجتمعاتنا العربية، من حيث هي جزء من المجتمعات المستعمرة سابقاً، من موقع نظر هذه المجتمعات إلى ذاتها، في علاقة تبعيتها البنيوية بالامبريالية، وليس من موقع نظر المجتمعات الامبريالية إليها. كان عليّ إذن، أن أحدث تغييراً في زاوية النظر في مجتمعاتنا، بل أن أحدث هذا التغيير في زاوية النظر في تلك العلاقة من التبعية البنيوية بالامبريالية، فأنتقل من زاوية نظر الطرف المسيطر في هذه العلاقة ـ وهو طرف الامبريالية، أو طرف التطور الامبريالي للرأسمالية ـ إلى زاوية نظر الطرف التبعي فيها، وهو طرف مجتمعاتنا، أو طرف التطور الذي سميته التطور الكولونيالي للرأسمالية. وبإحداث هذا التغيير في زاوية النظر في واقعنا التاريخي، كان عليّ أيضاً أن أحدث التغيير نفسه في النظر في المفاهيم الماركسية التي لا تتكون إلّا بتمييزها. وكنت وما زلت أحاول، إذن، القيام بعمليتين مترابطتين في عملية واحدة: عملية إنتاج المعرفة العلمية بآلية التطور الكولونيالي للرأسمالية في مجتمعاتنا العربية، وبآلية الصراع الطبقي الخاص بهذا التطور، أي بتطور هذا الشكل التاريخي المميز من الرأسمالية، من حيث هي آلية حركة التحرر الوطني فيه، وعملية إنتاج أدوات إنتاج هذه المعرفة. وكان من الطبيعي جداً أن تغلب العملية الثانية هذه على العملية الأولى في ترابط الاثنتين وتمفصلهما في عملية واحدة معقدة يمكن القول عنها:إنها عملية إنتاج النظرية الماركسية، من حيث هي، بالضبط، نظرية سيرورة التحرر الوطني، بأدوات النظرية الماركسية نفسها. فلا ننسى، بهذا الصدد، أن عملية إنتاج النظرية الماركسية هي عملية مستمرة باستمرار الحركة الثورية نفسها، من حيث هي حركة تغيير للعالم وانتقال به من الرأسمالية إلى الاشتراكية. إنها، بتعبير آخر، عملية إعادة إنتاجها متجددة بتجدد الشروط التاريخية الخاصة بتحقق السيرورة الثورية.
إلّا أن غلبة العملية الثانية على الأولى ولّدت عند بعض القراء التباساً وجد تعبيره في أشكال شتى؛ منها اتهامي بالتجريد، مثلاً، وبأن اللغة التي بها أكتب هي لغة صعبة وكثيراً ما تكون شكلية، ومنها أيضاً أنني أقيم بين المفاهيم علاقات استخلاصية محكمة البناء في عمارة منطقية صارمة لا ينعكس فيها الواقع التجريبي بغنى حياته وتفاصيله إلّا انعكاساً باهتاً، أو أنني لا أقيم وزناً كبيراً للتاريخ ولتسلسل الأحداث فيه.
لا أريد أن أدفع عني مثل هذا الاتهام أو غيره، بل أريد في هذا المجال أن أؤكد من جديد على طبيعة الموضوع الذي أعالج. فبتقديري أن كثيراً من النقد الذي قرأت أو سمعت قد أخطأ موضوعه. ولا يدهشني هذا الأمر كثيراً، بل أرى فيه دلالة تتخطّى أصحاب النقد وتتخطى ما كتبت أيضاً، لتطال بنية الفكر العربي المعاصر، ولا سيما في تياراته الغالبة. حين يأخذ البعض على الفكر تماسك بنائه الداخلي وصرامة منطقه وحركة استخلاص المفاهيم النظرية منه وانتظامها في شبكة من العلاقات المحكمة، فإنما هو يأخذ عليه هذا من موقع الجهل بطبيعة الفكر العلمي ونشاطه النظري، أو في أحسن الحالات، من موقع انتمائه الضمني أو الصريح إلى فكر تجريبي أو وضعي يرى في المعرفة نقلاً تسجيلياً للواقع التجريبي، بفوضى تفاصيله وحمّى أحداثه، إلى اللغة العادية، فيهمل دور المفاهيم النظرية الضرورية لإنتاج المعرفة، التي بها يشتغل الفكر موضوعه الذي هو معرفة سابقة. والأدوات هذه ليس جاهزة، بل يجب إنتاجها، أو إعادة إنتاجها، كما هو أمر المفاهيم النظرية الماركسية. إن عملية إنتاج أدوات إنتاج المعرفة هي، بتعبير أوضح، عملية لا وجود لها بالنسبة إلى هذا الفكر التجريبي. من هنا أتى ذلك الالتباس الذي أشرت إليه سابقاً، في فهم محاولتي النظرية. فالفكر هذا، بألوانه المختلفة وأشكاله المتعددة، وهي كثيرة لو أحصيناها، يكاد يكون الفكر الغالب في الفكر العربي المعاصر. فأولى مهمات هذا الفكر إذن، أن يقوم بما سميته، في مقدمة كتابي «في التناقض» ثورة كانطية جديدة يعيد النظر فيها بأدوات إنتاج المعرفة العلمية التي عليه أن ينتجها، بالارتباط العضوي بالحركة الثورية، وليس بمعزل عنها، من حيث معرفة السيرورة التاريخية لحركة التحرر الوطنية وقوانينها المتميزة في مجتمعاتنا العربية. والمهمة هذه تتقدم فيه كل مهمة أخرى، لأن نوع المعرفة وطابعها يتحددان، في نهاية التحليل، بأدوات إنتاجها. وما أدوات هذا الإنتاج المعرفي سوى المفاهيم النظرية الماركسية. بإعادة إنتاجها في تمييز كونيتها، تبدأ صيرورة الفكر العربي فكراً علمياً. لهذا السبب بالذات كان لبحثي طابع «المقدمات النظرية» التي تهيىء لإنتاج المعرفة العلمية. وهي في ثلاثة أجزاء، منها اثنان: الأول «في التناقض»، والثاني «في نمط الإنتاج الكولونيالي»، أما الثالث «في تمرحل التاريخ»، فما زلت أشتغله.
والطريف في الأمر هو أن الجزء الأول كان حظه من النقد أقل بكثير من حظ الثاني، مع أن هذا يستند، في بنائه النظري، إلى ذاك ولا يفهم إلّا به. فنظرية التناقض هي التي تحكم أعمالي الفكرية بكاملها. فمنها يبدأ النقد، إن كان للنقد أن يكون مثمراً. ويظل النقد عقيماً إن اكتفى بالنظر في النتائج دون المنطلقات، فقطعها عن أسسها ولم ير إلى الحركة التي فيها تولدت. وفي هذا تأكيد على صحة ما أتى في الفقرة السابقة.
يحتل مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي موقعاً مركزياً في أبحاثي. وأول مرة استخدمت فيها هذا المفهوم، في مقال نشر في مجلة الطريق في العدد الثامن من سنة 1968، بل في رسالة الدكتوراه التي ناقشتها في فرنسا في شهر أيار من سنة 1967 ولم أنشرها حتى الآن، أشرت بوضوح إلى أنني أستخدم هذا المفهوم كفرضية نظرية يصح عليها ما يصح على أي فرضية علمية تستلزم، في تحقيقها، اختباراً تاريخياً يؤكد صحتها أو يقوّمها. ودعوت القارىء إلى يقظة فكرية ضرورية لقراءة ما أكتب، حتى أستثير عنده النقد كما أستثيره عندي. ولقد فرض عليّ منطق البحث نفسه ضرورة اللجوء إلى هذه الفرضية كي أرى بعين الماركسية ومفاهيمها النظرية إلى واقع مجتمعاتنا العربية، من حيث هي جزء من المجتمعات المستعمرة سابقاً، من موقع نظر هذه المجتمعات إلى ذاتها، في علاقة تبعيتها البنيوية بالامبريالية، وليس من موقع نظر المجتمعات الامبريالية إليها. كان عليّ إذن، أن أحدث تغييراً في زاوية النظر في مجتمعاتنا، بل أن أحدث هذا التغيير في زاوية النظر في تلك العلاقة من التبعية البنيوية بالامبريالية، فأنتقل من زاوية نظر الطرف المسيطر في هذه العلاقة ـ وهو طرف الامبريالية، أو طرف التطور الامبريالي للرأسمالية ـ إلى زاوية نظر الطرف التبعي فيها، وهو طرف مجتمعاتنا، أو طرف التطور الذي سميته التطور الكولونيالي للرأسمالية. وبإحداث هذا التغيير في زاوية النظر في واقعنا التاريخي، كان عليّ أيضاً أن أحدث التغيير نفسه في النظر في المفاهيم الماركسية التي لا تتكون إلّا بتمييزها. وكنت وما زلت أحاول، إذن، القيام بعمليتين مترابطتين في عملية واحدة: عملية إنتاج المعرفة العلمية بآلية التطور الكولونيالي للرأسمالية في مجتمعاتنا العربية، وبآلية الصراع الطبقي الخاص بهذا التطور، أي بتطور هذا الشكل التاريخي المميز من الرأسمالية، من حيث هي آلية حركة التحرر الوطني فيه، وعملية إنتاج أدوات إنتاج هذه المعرفة. وكان من الطبيعي جداً أن تغلب العملية الثانية هذه على العملية الأولى في ترابط الاثنتين وتمفصلهما في عملية واحدة معقدة يمكن القول عنها:إنها عملية إنتاج النظرية الماركسية، من حيث هي، بالضبط، نظرية سيرورة التحرر الوطني، بأدوات النظرية الماركسية نفسها. فلا ننسى، بهذا الصدد، أن عملية إنتاج النظرية الماركسية هي عملية مستمرة باستمرار الحركة الثورية نفسها، من حيث هي حركة تغيير للعالم وانتقال به من الرأسمالية إلى الاشتراكية. إنها، بتعبير آخر، عملية إعادة إنتاجها متجددة بتجدد الشروط التاريخية الخاصة بتحقق السيرورة الثورية.
إلّا أن غلبة العملية الثانية على الأولى ولّدت عند بعض القراء التباساً وجد تعبيره في أشكال شتى؛ منها اتهامي بالتجريد، مثلاً، وبأن اللغة التي بها أكتب هي لغة صعبة وكثيراً ما تكون شكلية، ومنها أيضاً أنني أقيم بين المفاهيم علاقات استخلاصية محكمة البناء في عمارة منطقية صارمة لا ينعكس فيها الواقع التجريبي بغنى حياته وتفاصيله إلّا انعكاساً باهتاً، أو أنني لا أقيم وزناً كبيراً للتاريخ ولتسلسل الأحداث فيه.
لا أريد أن أدفع عني مثل هذا الاتهام أو غيره، بل أريد في هذا المجال أن أؤكد من جديد على طبيعة الموضوع الذي أعالج. فبتقديري أن كثيراً من النقد الذي قرأت أو سمعت قد أخطأ موضوعه. ولا يدهشني هذا الأمر كثيراً، بل أرى فيه دلالة تتخطّى أصحاب النقد وتتخطى ما كتبت أيضاً، لتطال بنية الفكر العربي المعاصر، ولا سيما في تياراته الغالبة. حين يأخذ البعض على الفكر تماسك بنائه الداخلي وصرامة منطقه وحركة استخلاص المفاهيم النظرية منه وانتظامها في شبكة من العلاقات المحكمة، فإنما هو يأخذ عليه هذا من موقع الجهل بطبيعة الفكر العلمي ونشاطه النظري، أو في أحسن الحالات، من موقع انتمائه الضمني أو الصريح إلى فكر تجريبي أو وضعي يرى في المعرفة نقلاً تسجيلياً للواقع التجريبي، بفوضى تفاصيله وحمّى أحداثه، إلى اللغة العادية، فيهمل دور المفاهيم النظرية الضرورية لإنتاج المعرفة، التي بها يشتغل الفكر موضوعه الذي هو معرفة سابقة. والأدوات هذه ليس جاهزة، بل يجب إنتاجها، أو إعادة إنتاجها، كما هو أمر المفاهيم النظرية الماركسية. إن عملية إنتاج أدوات إنتاج المعرفة هي، بتعبير أوضح، عملية لا وجود لها بالنسبة إلى هذا الفكر التجريبي. من هنا أتى ذلك الالتباس الذي أشرت إليه سابقاً، في فهم محاولتي النظرية. فالفكر هذا، بألوانه المختلفة وأشكاله المتعددة، وهي كثيرة لو أحصيناها، يكاد يكون الفكر الغالب في الفكر العربي المعاصر. فأولى مهمات هذا الفكر إذن، أن يقوم بما سميته، في مقدمة كتابي «في التناقض» ثورة كانطية جديدة يعيد النظر فيها بأدوات إنتاج المعرفة العلمية التي عليه أن ينتجها، بالارتباط العضوي بالحركة الثورية، وليس بمعزل عنها، من حيث معرفة السيرورة التاريخية لحركة التحرر الوطنية وقوانينها المتميزة في مجتمعاتنا العربية. والمهمة هذه تتقدم فيه كل مهمة أخرى، لأن نوع المعرفة وطابعها يتحددان، في نهاية التحليل، بأدوات إنتاجها. وما أدوات هذا الإنتاج المعرفي سوى المفاهيم النظرية الماركسية. بإعادة إنتاجها في تمييز كونيتها، تبدأ صيرورة الفكر العربي فكراً علمياً. لهذا السبب بالذات كان لبحثي طابع «المقدمات النظرية» التي تهيىء لإنتاج المعرفة العلمية. وهي في ثلاثة أجزاء، منها اثنان: الأول «في التناقض»، والثاني «في نمط الإنتاج الكولونيالي»، أما الثالث «في تمرحل التاريخ»، فما زلت أشتغله.
والطريف في الأمر هو أن الجزء الأول كان حظه من النقد أقل بكثير من حظ الثاني، مع أن هذا يستند، في بنائه النظري، إلى ذاك ولا يفهم إلّا به. فنظرية التناقض هي التي تحكم أعمالي الفكرية بكاملها. فمنها يبدأ النقد، إن كان للنقد أن يكون مثمراً. ويظل النقد عقيماً إن اكتفى بالنظر في النتائج دون المنطلقات، فقطعها عن أسسها ولم ير إلى الحركة التي فيها تولدت. وفي هذا تأكيد على صحة ما أتى في الفقرة السابقة.
صفحة 4
فعلى سبيل المثال أقول: إن العلاقة بين طرفي التناقض ليست، كما هي في التناقض الهيغلي، علاقة تماثل يختلفان فيها فقط، باختلاف الموقع الذي يحتله كل منهما في هذه العلاقة، بل هي، في التناقض المادي الماركسي، علاقة اختلاف هي في أساس الصراع بينهما، ولا يصير الواحد منهما فيها الآخر، إن هو احتل موقعه، بل يظل في موقعه الجديد هذا مختلفاً عنه. هذا ما يسمح لنا، مثلاً، بفهم الاختلاف الجذري بين الثورة البورجوازية والثورة البروليتارية، أو بين السلطة الطبقية البورجوازية والسلطة البروليتارية. لئن كانت الأولى تهدف إلى تأبيد سيطرتها الطبقية بتأبيد المجتمع الطبقي، فإن الثانية تهدف، في مفهومها النظري، إلى إلغاء الطبقات وإلغاء نفسها كطبقة مسيطرة، والانتقال بالمجتمع إلى الشيوعية.
في ضوء هذا الفهم المادي للتناقض، تبلور مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي، وظيفة هذا المفهوم النظري تكمن في أن يفهم الاختلاف البنيوي بين طرفي التناقض في العلاقة بين المجتمعات المستعمرة أو المستعمرة سابقاً، والمجتمعات الامبريالية، في وحدة الطرفين في النظام الرأسمالي العالمي. إن كل نظر في العلاقة بين هذين الطرفين في ضوء فهم هيغلي للتناقض يقيم بينهما علاقة تماثل، لا بد من أن يصطدم بواقع الاختلاف بينهما في كل مفصل من مفاصل تطور كل منهما وسيرورته بارتباطه العضوي بالآخر، فتستعصي عليه المعرفة، أو يصل إلى شكل منها يُخطىء فيه موضوعها، لأنه شكل من اجترار مفاهيم جاهزة يسقط بها على بنية مجتمعاتنا وسيرورتها التاريخية المتميزة هيكلاً من التطور ربما كان صالحاً لمعرفة تطور المجتمعات الامبريالية وبنيتها. بهذا الإسقاط، يكتفي الفكر الجامد، في مقاربته واقعنا التاريخي المختلف، بقراءة هيكله، فيرى، مثلاً، في هذا الواقع، المراحل التاريخية نفسها التي مرّت بها الرأسمالية في البلدان الامبريالية، ويرى فيه غير ذلك مما يتضمنه هيكله، ويستخلص، بالتالي، بسهولة مذهلة، ما عرفنا من مقولات خاطئة طبعت ممارسات الحركة الثورية في العالم العربي طوال نصف قرن أو أكثر، كالقول، مثلاً: إن مرحلة التحرر الوطني هي مرحلة مستقلة تاريخياً عن مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية، لأنها مرحلة بناء الرأسمالية وطورها الصاعد، على قاعدة العداء للامبريالية، وهي مرحلة تكوّن الطبقات واكتمال نمو الطبقة العاملة، على نموذج المجتمع الرأسمالي المتطور، وهي مرحلة الضرورة في أن تكون القيادة الطبقية فيها للبورجوازية «الوطنية» المعادية للامبريالية، وأن يقتصر دور الطبقة العاملة والحركة الثورية فيها على دعم هذه البورجوازية، فالخطأ المميت هو القفز فوق المراحل.
لقد حددت نمط الإنتاج الكولونيالي كشكل تاريخي مميز من نمط الإنتاج الرأسمالي، هو بالضبط شكل الرأسمالية المرتبطة ارتباطاً تبعياً بنيوياً بالامبريالية، في تكوّنها التاريخي وفي تطورها الراهن أيضاً. وحاولت أن أحدد طبيعة الاختلاف بين هذا الشكل من الرأسمالية وبين الرأسمالية الامبريالية في أوروبا مثلاً. ولعل الاختلاف الرئيسي الذي يفسر سائر أوجه الاختلاف بينهما هو أن الرأسمالية في مجتمعاتنا الكولونيالية قد بدأت تتكون تاريخياً في طور أزمة النظام الرأسمالي العالمي، فكان طور تكوّنها الصاعد هو طور أزمتها، بمعنى أنها لم تعرف الطور الصاعد الثوري الذي عرفه أو مرّ به نمط الإنتاج الرأسمالي في أوروبا، فكانت بنيتها بنية أزميّة ـ أو أزمويّة ـ منذ بدء تكونها في ظل السيطرة الامبريالية. لذا كان تطورها التاريخي يرتطم باستمرار بعائق بنيتها الأزمويّة هذه، بمعنى أن تطورها كان مأزوماً، أي مُلجماً من داخل بنيته، بارتباط هذه البنية ارتباطاً تبعياً بالامبريالية. وهذا أثر بارز من آثار قانون تفاوت التطور الذي يحكم النظام الرأسمالي العالمي، فيه نجد تفسير إلجام سيرورة التفارق الطبقي في البنية الاجتماعية الكولونيالية. فتحقق هذه السيرورة يصطدم باستمرار بعائق داخلي في هذه البنية يحول دونه، هو هذه البنية بالذات، من حيث هي بنية الرأسمالية التبعية، أي بنية الإنتاج الكولونيالي. ليس الاختلاف إذن، بين بنية هذا الإنتاج وبنية الإنتاج الامبريالي، في وحدة الاثنتين في بنية النظام الرأسمالي العالمي، اختلافاً كمياً ـ إن صح التعبير ـ في درجة التطور، بل هو اختلاف بنيوي، أي اختلاف في البنية يستحيل فيه أن يصير الإنتاج الكولونيالي إنتاجاً امبريالياً أو أن يلحق به. وهذا الاختلاف بينهما الذي يجد أساسه المادي في علاقة التبعية البنيوية التي يخضع فيها الأول للآخر خضوعاً متجدداً بتجدد هذه العلاقة، دائماً بديمومتها، يظهر واضحاً في أن الإنتاج الرأسمالي الامبريالي يميل في تطوره المتوسع إلى القضاء على علاقات الإنتاج السابقة عليه، بينما يعجز الإنتاج الكولونيالي، نسبياً، في تطوره الملجم بتلك العلاقة، عن القضاء على هذه العلاقات السابقة المتعايشة معه في البنية الاجتماعية الكولونيالية، ويميل، بالعكس، في تطوره هذا، إلى السماح لها بالتجدد، كأن الشكل الذي فيه يسيطر عليها، هو نفسه الشكل الذي فيه يُعاد إنتاجها، نسبياً.
رسمت بسرعة بعض الخطوط العريضة من تحليل مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي، لا لأستعيد التحليل الذي قمت به، بل لأؤكد على الضرورة المنهجية للنظر في علاقة الاختلاف التي تربط مثل هذا النمط من الإنتاج بالإنتاج الامبريالي. وما زلت أستعين بهذا المفهوم، وأرى فيه، على الأقل، فائدة منهجية لمستها في تحليل البنية الاجتماعية في لبنان وفي تحليل أسباب الحرب الأهلية فيه. أما ما قرأت من نقد لهذا المفهوم، على قِلّته، فلم يكن مقنعاً. لذا أرى أن الفرضية النظرية التي انطلقت منها في أبحاثي ما زالت في طور الاختبار التاريخي. لكنني توصلت بها إلى نتائج نظرية وسياسية مهمة، منها: إنّ سيرورة التحرر الوطني في البنية الاجتماعية الكولونيالية هي هي سيرورة الانتقال من الرأسمالية التبعية إلى الاشتراكية، في حركة معقدة من الصراع الطبقي هو هو الصراع الوطني نفسه. لذا كان دور الطبقة العاملة في هذه السيرورة الثورية هو دور القيادة الطبقية، بحكم موقعها في علاقات الإنتاج الكولونيالية، من حيث هو موقع الطبقة المهيمنة النقيض.
في ضوء هذا الفهم المادي للتناقض، تبلور مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي، وظيفة هذا المفهوم النظري تكمن في أن يفهم الاختلاف البنيوي بين طرفي التناقض في العلاقة بين المجتمعات المستعمرة أو المستعمرة سابقاً، والمجتمعات الامبريالية، في وحدة الطرفين في النظام الرأسمالي العالمي. إن كل نظر في العلاقة بين هذين الطرفين في ضوء فهم هيغلي للتناقض يقيم بينهما علاقة تماثل، لا بد من أن يصطدم بواقع الاختلاف بينهما في كل مفصل من مفاصل تطور كل منهما وسيرورته بارتباطه العضوي بالآخر، فتستعصي عليه المعرفة، أو يصل إلى شكل منها يُخطىء فيه موضوعها، لأنه شكل من اجترار مفاهيم جاهزة يسقط بها على بنية مجتمعاتنا وسيرورتها التاريخية المتميزة هيكلاً من التطور ربما كان صالحاً لمعرفة تطور المجتمعات الامبريالية وبنيتها. بهذا الإسقاط، يكتفي الفكر الجامد، في مقاربته واقعنا التاريخي المختلف، بقراءة هيكله، فيرى، مثلاً، في هذا الواقع، المراحل التاريخية نفسها التي مرّت بها الرأسمالية في البلدان الامبريالية، ويرى فيه غير ذلك مما يتضمنه هيكله، ويستخلص، بالتالي، بسهولة مذهلة، ما عرفنا من مقولات خاطئة طبعت ممارسات الحركة الثورية في العالم العربي طوال نصف قرن أو أكثر، كالقول، مثلاً: إن مرحلة التحرر الوطني هي مرحلة مستقلة تاريخياً عن مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية، لأنها مرحلة بناء الرأسمالية وطورها الصاعد، على قاعدة العداء للامبريالية، وهي مرحلة تكوّن الطبقات واكتمال نمو الطبقة العاملة، على نموذج المجتمع الرأسمالي المتطور، وهي مرحلة الضرورة في أن تكون القيادة الطبقية فيها للبورجوازية «الوطنية» المعادية للامبريالية، وأن يقتصر دور الطبقة العاملة والحركة الثورية فيها على دعم هذه البورجوازية، فالخطأ المميت هو القفز فوق المراحل.
لقد حددت نمط الإنتاج الكولونيالي كشكل تاريخي مميز من نمط الإنتاج الرأسمالي، هو بالضبط شكل الرأسمالية المرتبطة ارتباطاً تبعياً بنيوياً بالامبريالية، في تكوّنها التاريخي وفي تطورها الراهن أيضاً. وحاولت أن أحدد طبيعة الاختلاف بين هذا الشكل من الرأسمالية وبين الرأسمالية الامبريالية في أوروبا مثلاً. ولعل الاختلاف الرئيسي الذي يفسر سائر أوجه الاختلاف بينهما هو أن الرأسمالية في مجتمعاتنا الكولونيالية قد بدأت تتكون تاريخياً في طور أزمة النظام الرأسمالي العالمي، فكان طور تكوّنها الصاعد هو طور أزمتها، بمعنى أنها لم تعرف الطور الصاعد الثوري الذي عرفه أو مرّ به نمط الإنتاج الرأسمالي في أوروبا، فكانت بنيتها بنية أزميّة ـ أو أزمويّة ـ منذ بدء تكونها في ظل السيطرة الامبريالية. لذا كان تطورها التاريخي يرتطم باستمرار بعائق بنيتها الأزمويّة هذه، بمعنى أن تطورها كان مأزوماً، أي مُلجماً من داخل بنيته، بارتباط هذه البنية ارتباطاً تبعياً بالامبريالية. وهذا أثر بارز من آثار قانون تفاوت التطور الذي يحكم النظام الرأسمالي العالمي، فيه نجد تفسير إلجام سيرورة التفارق الطبقي في البنية الاجتماعية الكولونيالية. فتحقق هذه السيرورة يصطدم باستمرار بعائق داخلي في هذه البنية يحول دونه، هو هذه البنية بالذات، من حيث هي بنية الرأسمالية التبعية، أي بنية الإنتاج الكولونيالي. ليس الاختلاف إذن، بين بنية هذا الإنتاج وبنية الإنتاج الامبريالي، في وحدة الاثنتين في بنية النظام الرأسمالي العالمي، اختلافاً كمياً ـ إن صح التعبير ـ في درجة التطور، بل هو اختلاف بنيوي، أي اختلاف في البنية يستحيل فيه أن يصير الإنتاج الكولونيالي إنتاجاً امبريالياً أو أن يلحق به. وهذا الاختلاف بينهما الذي يجد أساسه المادي في علاقة التبعية البنيوية التي يخضع فيها الأول للآخر خضوعاً متجدداً بتجدد هذه العلاقة، دائماً بديمومتها، يظهر واضحاً في أن الإنتاج الرأسمالي الامبريالي يميل في تطوره المتوسع إلى القضاء على علاقات الإنتاج السابقة عليه، بينما يعجز الإنتاج الكولونيالي، نسبياً، في تطوره الملجم بتلك العلاقة، عن القضاء على هذه العلاقات السابقة المتعايشة معه في البنية الاجتماعية الكولونيالية، ويميل، بالعكس، في تطوره هذا، إلى السماح لها بالتجدد، كأن الشكل الذي فيه يسيطر عليها، هو نفسه الشكل الذي فيه يُعاد إنتاجها، نسبياً.
رسمت بسرعة بعض الخطوط العريضة من تحليل مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي، لا لأستعيد التحليل الذي قمت به، بل لأؤكد على الضرورة المنهجية للنظر في علاقة الاختلاف التي تربط مثل هذا النمط من الإنتاج بالإنتاج الامبريالي. وما زلت أستعين بهذا المفهوم، وأرى فيه، على الأقل، فائدة منهجية لمستها في تحليل البنية الاجتماعية في لبنان وفي تحليل أسباب الحرب الأهلية فيه. أما ما قرأت من نقد لهذا المفهوم، على قِلّته، فلم يكن مقنعاً. لذا أرى أن الفرضية النظرية التي انطلقت منها في أبحاثي ما زالت في طور الاختبار التاريخي. لكنني توصلت بها إلى نتائج نظرية وسياسية مهمة، منها: إنّ سيرورة التحرر الوطني في البنية الاجتماعية الكولونيالية هي هي سيرورة الانتقال من الرأسمالية التبعية إلى الاشتراكية، في حركة معقدة من الصراع الطبقي هو هو الصراع الوطني نفسه. لذا كان دور الطبقة العاملة في هذه السيرورة الثورية هو دور القيادة الطبقية، بحكم موقعها في علاقات الإنتاج الكولونيالية، من حيث هو موقع الطبقة المهيمنة النقيض.
صفحة 5
لكن هذا الدور للطبقة العاملة ليس، في واقعه الفعلي في الحركة الوطنية الثورية العربية، كما هو في واقعه النظري. معنى هذا أن الطبقة العاملة لم تتمكن، في المراحل التاريخية السابقة من هذه الحركة، من القيام بهذا الدور الذي هو هو دورها التاريخي فيه. وهي الآن، في المرحلة الراهنة، لا تقوم أيضاً بمثل هذا الدور، مع أننا لو أردنا أن نحدد بإيجاز طبيعة هذه المرحلة لقلنا: إنها مرحلة الضرورة التاريخية في انتقال القيادة الطبقية فيها من البورجوازية ومشتقاتها، كبعض العناصر من البورجوازية الصغيرة التي تحتل، في السلطة، موقع السيطرة الطبقية، إلى الطبقة العاملة بالذات، في إطار وجودها في التحالف الطبقي الوطني الثوري، وليس بمعزل عنه. والأسباب التي حالت أو تحول دون قيام الطبقة العاملة، بقيادة حزبها الطليعي (أو أحزابها)، بدورها هذا في السيرورة الثورية، كثيرة ومعقدة، وقد تختلف من بلد إلى آخر من البلدان العربية، ومن مرحلة إلى أخرى من مراحل تطور الحركة الوطنية الثورية. ولقد عالجت بشيء من التفصيل هذه الأسباب، الموضوعية منها والذاتية، ولا سيما في كتابي حول أسباب الحرب الأهلية في لبنان، فبإمكان القارىء أن يرجع إليه، إن أراد ذلك. أما في هذه المقدمة، وبما له علاقة بالمرحلة الراهنة من حركة التحرر الوطني العربية، فإنني أكتفي بالإشارة إلى بعض الأسباب الذاتية لأنها هي التي تشكل الآن، في هذه المرحلة، العائق الرئيسي لقيام الطبقة العاملة بدورها الثوري.
بصراحة ووضوح، إن الأزمة التي تعانيها حركة التحرر الوطني العربية في مرحلتها التاريخية الراهنة، ليست أزمة قيادتها الطبقية البورجوازية فحسب، بل هي أيضاً أزمة البديل الثوري لهذه القيادة. قد يكون الأمر طبيعياً، أعني ضرورياً، أن تقود البورجوازيات العربية حركة التحرر الوطني إلى مأزق هو نتيجة تاريخية لسيرورة التناقض المأزقي الذي هي فيه، بين أن تكون في موقع القيادة في هذه الحركة، من حيث هي، في ضرورتها النظرية، أي في آليتها الداخلية، حركة التحويل الثوري لعلاقات الإنتاج الكولونيالية القائمة، والانتقال منها إلى الاشتراكية، وبين أن تعمل، في ممارساتها الطبقية، ومن موقع وجودها في السلطة كطبقات مسيطرة، على الحفاظ على هذه العلاقات من الإنتاج وتأبيدها، من حيث هي توفر لها، بتجددها، القاعدة المادية لتجدد سيطرتها الطبقية وتجدد علاقة التبعية البنيوية بالامبريالية. لكن من غير الطبيعي إطلاقاً أن يظل البديل الثوري في حركة التحرر الوطني العربية في أزمة متجددة لا يستطيع إيجاد الحل الصحيح لها. وهذه الأزمة هي، بالدرجة الأولى، أزمة سياسية، بمعنى أنها أزمة الخط السياسي الذي تسير فيه الأحزاب والتنظيمات التي يفترض فيها أن تكون هذا البديل الثوري. فما زالت هذه الأحزاب والتنظيمات، ومنها بعض الأحزاب الشيوعية العربية، متخلفة في ممارساتها السياسية عن الفهم الصحيح للطبيعة التاريخية لحركة التحرر الوطني وآليتها الداخلية، بل إنها، في كثير من هذه الممارسات، لا تزال أسيرة المواقع المقلوبة لأيديولوجية البورجوازية بالذات، تنزلق إليها في فصلها الصراع الطبقي عن الصراع الوطني، وإقامتها التعارض المصطنع الذي تقيمه الأيديولوجية البورجوازية نفسها بين القضية الاجتماعية التي لها وحدها صفاء «القضية الطبقية»، وبين القضية الوطنية التي تظهر، في ضوء هذه الأيديولوجية وعلى قاعدتها، مظهر «القضية القومية» التي يغيب فيها الصراع الطبقي وينتفي دور الطبقة العاملة، أو ينحصر في دور ثانوي لا علاقة له بدورها التاريخي المقبل في مرحلة لاحقة مستقلة عن مرحلة التحرر الوطني. وفي هذا استقالة، أو بالأحرى إقالة فعلية من ساحة الصراع الوطني وتغييب لدورها القيادي فيه الذي لا تفرضه طبيعة هذا الصراع وسيرورته فقط ـ كما بيّنا سابقاً ـ بل تفرضه، بوجه خاص، طبيعة المرحلة الراهنة وضرورتها التاريخية في تغيير القيادة البورجوازية لحركة التحرر الوطني العربية، وإخراج هذه الحركة من مأزقها.
إن الطابع الثوري لحزب الطبقة العاملة لا يأتيه من اسم يحمله أو يرثه، فالحزب هذا يكتسب في النضال طابعه الثوري. ولا يكون هذا الحزب ثورياً إلّا بمقدار ما يكون الخط السياسي الذي يسير فيه صحيحاً، وبمقدار ما يكون قادراً على تحديد طبيعة الحركة التاريخية الكلية في مجمل تناقضاتها وتعقداتها والأشكال الخاصة التي تتجسد فيها القوانين الكونية التي تحكمها، وعلى تحديد التناقض الرئيسي في كل مرحلة من مراحلها، والشكل الرئيسي الذي يتمظهر فيه التناقض هذا. ويكون ثورياً بمقدار ما يكون قادراً أيضاً، ليس على تحديد دور الطبقة العاملة وحدها في كل مرحلة من هذه المراحل ـ والدور هذا لا ينحصر في مرحلة دون أخرى، بل هو حاضر فاعل في كل مرحلة في السيرورة الثورية الواحدة ـ بل على تحديد دور الطبقات والفئات الاجتماعية والقوى السياسية الأخرى، وبالتالي، على تحديد العدو الرئيسي في كل مرحلة، وعلى تحديد التحالف الطبقي الثوري فيها، وتحديد المهمات الخاصة بها. فالمهمات في الحركة الثورية، كالتحالفات فيها، تختلف باختلاف المراحل التي تمرّ بها السيرورة الثورية، من حيث هي سيرورة التحرر الوطني نفسها. وهي تختلف أيضاً، في إطار الحركة الثورية العامة الواحدة، كالحركة الوطنية العربية مثلاً، باختلاف الشروط التاريخية الخاصة بكل بلد عربي، وبتطور الحركة فيه.
إن القول بضرورة أن تقوم الطبقة العاملة بدورها القيادي في حركة التحرر الوطني لا يستقيم إلّا بقول آخر يلازمه، هو أن الطبقة العاملة لا تقوم بدورها هذا ولا تقدر على القيام به إلّا في إطار تحالف طبقي ضروري له هو التحالف الوطني الثوري، أي في إطار الحركة الوطنية، ومن موقع وجودها في هذه الحركة، وليس من موقع استقلالها عنها، أو من خارجها. بهذا المعنى وحده يصح القول: إن البديل الثوري للقيادة البورجوازية هو هذا التحالف الوطني الثوري نفسه الذي فيه وحده تقوم الطبقة العاملة بدورها القيادي ذاك، وفيه تحتل موقعها الطبقي، من حيث هي الطبقة المهيمنة النقيض. وهيمنتها السياسية في هذا التحالف لها معنى النضال من أجل أن يكون الخط السياسي الطبقي لممارستها الصراع الوطني هو الخط السياسي للتحالف ككل. وبمقدار ما تنجح في إقامة التحالف الخاص بكل مرحلة من مراحل السيرورة الثورية وتدعيمه، وفي أن يكون خطها السياسي الصحيح خط التحالف هذا نفسه، تقوم بدورها القيادي في كل مرحلة، وتوفر الشروط الضرورية لتحقيق مهمات السيرورة الثورية في حركة التحرر الوطني وإنجازها.
ولا بد من القول في هذا المجال: إن الحركة الثورية التي يتسارع نضجها في العالم العربي بأسره، بوتائر وأشكال مختلفة، ولا سيما بفضل تعفّن سائر الأنظمة البورجوازية والرجعية وتهرُّئها، واستنفاد طاقاتها على تجديد أزمتها المزمنة، نقول: إن الحركة الثورية هذه تحشر العديد من التنظيمات والأحزاب السياسية التي يفترض فيها أن تكون البديل الثوري في زاوية ضيّقة تفرض عليها أن تعيد النظر في ممارساتها وتصحح أخطاءها المتراكمة في عملية صريحة من النقد الذاتي تتحرر بها من مواقع الأيديولوجية البورجوازية المقلوبة والانحرافات الانتهازية في مواقف متعددة، وبأشكال مختلفة، فتستعيد بذلك صحتها النضالية وترسم الخط السياسي الصحيح الذي يؤهلها، بالفعل، أي بالممارسة، لأن تصير البديل الثوري.
مهدي عامل
بيروت ـ آب 1980
بصراحة ووضوح، إن الأزمة التي تعانيها حركة التحرر الوطني العربية في مرحلتها التاريخية الراهنة، ليست أزمة قيادتها الطبقية البورجوازية فحسب، بل هي أيضاً أزمة البديل الثوري لهذه القيادة. قد يكون الأمر طبيعياً، أعني ضرورياً، أن تقود البورجوازيات العربية حركة التحرر الوطني إلى مأزق هو نتيجة تاريخية لسيرورة التناقض المأزقي الذي هي فيه، بين أن تكون في موقع القيادة في هذه الحركة، من حيث هي، في ضرورتها النظرية، أي في آليتها الداخلية، حركة التحويل الثوري لعلاقات الإنتاج الكولونيالية القائمة، والانتقال منها إلى الاشتراكية، وبين أن تعمل، في ممارساتها الطبقية، ومن موقع وجودها في السلطة كطبقات مسيطرة، على الحفاظ على هذه العلاقات من الإنتاج وتأبيدها، من حيث هي توفر لها، بتجددها، القاعدة المادية لتجدد سيطرتها الطبقية وتجدد علاقة التبعية البنيوية بالامبريالية. لكن من غير الطبيعي إطلاقاً أن يظل البديل الثوري في حركة التحرر الوطني العربية في أزمة متجددة لا يستطيع إيجاد الحل الصحيح لها. وهذه الأزمة هي، بالدرجة الأولى، أزمة سياسية، بمعنى أنها أزمة الخط السياسي الذي تسير فيه الأحزاب والتنظيمات التي يفترض فيها أن تكون هذا البديل الثوري. فما زالت هذه الأحزاب والتنظيمات، ومنها بعض الأحزاب الشيوعية العربية، متخلفة في ممارساتها السياسية عن الفهم الصحيح للطبيعة التاريخية لحركة التحرر الوطني وآليتها الداخلية، بل إنها، في كثير من هذه الممارسات، لا تزال أسيرة المواقع المقلوبة لأيديولوجية البورجوازية بالذات، تنزلق إليها في فصلها الصراع الطبقي عن الصراع الوطني، وإقامتها التعارض المصطنع الذي تقيمه الأيديولوجية البورجوازية نفسها بين القضية الاجتماعية التي لها وحدها صفاء «القضية الطبقية»، وبين القضية الوطنية التي تظهر، في ضوء هذه الأيديولوجية وعلى قاعدتها، مظهر «القضية القومية» التي يغيب فيها الصراع الطبقي وينتفي دور الطبقة العاملة، أو ينحصر في دور ثانوي لا علاقة له بدورها التاريخي المقبل في مرحلة لاحقة مستقلة عن مرحلة التحرر الوطني. وفي هذا استقالة، أو بالأحرى إقالة فعلية من ساحة الصراع الوطني وتغييب لدورها القيادي فيه الذي لا تفرضه طبيعة هذا الصراع وسيرورته فقط ـ كما بيّنا سابقاً ـ بل تفرضه، بوجه خاص، طبيعة المرحلة الراهنة وضرورتها التاريخية في تغيير القيادة البورجوازية لحركة التحرر الوطني العربية، وإخراج هذه الحركة من مأزقها.
إن الطابع الثوري لحزب الطبقة العاملة لا يأتيه من اسم يحمله أو يرثه، فالحزب هذا يكتسب في النضال طابعه الثوري. ولا يكون هذا الحزب ثورياً إلّا بمقدار ما يكون الخط السياسي الذي يسير فيه صحيحاً، وبمقدار ما يكون قادراً على تحديد طبيعة الحركة التاريخية الكلية في مجمل تناقضاتها وتعقداتها والأشكال الخاصة التي تتجسد فيها القوانين الكونية التي تحكمها، وعلى تحديد التناقض الرئيسي في كل مرحلة من مراحلها، والشكل الرئيسي الذي يتمظهر فيه التناقض هذا. ويكون ثورياً بمقدار ما يكون قادراً أيضاً، ليس على تحديد دور الطبقة العاملة وحدها في كل مرحلة من هذه المراحل ـ والدور هذا لا ينحصر في مرحلة دون أخرى، بل هو حاضر فاعل في كل مرحلة في السيرورة الثورية الواحدة ـ بل على تحديد دور الطبقات والفئات الاجتماعية والقوى السياسية الأخرى، وبالتالي، على تحديد العدو الرئيسي في كل مرحلة، وعلى تحديد التحالف الطبقي الثوري فيها، وتحديد المهمات الخاصة بها. فالمهمات في الحركة الثورية، كالتحالفات فيها، تختلف باختلاف المراحل التي تمرّ بها السيرورة الثورية، من حيث هي سيرورة التحرر الوطني نفسها. وهي تختلف أيضاً، في إطار الحركة الثورية العامة الواحدة، كالحركة الوطنية العربية مثلاً، باختلاف الشروط التاريخية الخاصة بكل بلد عربي، وبتطور الحركة فيه.
إن القول بضرورة أن تقوم الطبقة العاملة بدورها القيادي في حركة التحرر الوطني لا يستقيم إلّا بقول آخر يلازمه، هو أن الطبقة العاملة لا تقوم بدورها هذا ولا تقدر على القيام به إلّا في إطار تحالف طبقي ضروري له هو التحالف الوطني الثوري، أي في إطار الحركة الوطنية، ومن موقع وجودها في هذه الحركة، وليس من موقع استقلالها عنها، أو من خارجها. بهذا المعنى وحده يصح القول: إن البديل الثوري للقيادة البورجوازية هو هذا التحالف الوطني الثوري نفسه الذي فيه وحده تقوم الطبقة العاملة بدورها القيادي ذاك، وفيه تحتل موقعها الطبقي، من حيث هي الطبقة المهيمنة النقيض. وهيمنتها السياسية في هذا التحالف لها معنى النضال من أجل أن يكون الخط السياسي الطبقي لممارستها الصراع الوطني هو الخط السياسي للتحالف ككل. وبمقدار ما تنجح في إقامة التحالف الخاص بكل مرحلة من مراحل السيرورة الثورية وتدعيمه، وفي أن يكون خطها السياسي الصحيح خط التحالف هذا نفسه، تقوم بدورها القيادي في كل مرحلة، وتوفر الشروط الضرورية لتحقيق مهمات السيرورة الثورية في حركة التحرر الوطني وإنجازها.
ولا بد من القول في هذا المجال: إن الحركة الثورية التي يتسارع نضجها في العالم العربي بأسره، بوتائر وأشكال مختلفة، ولا سيما بفضل تعفّن سائر الأنظمة البورجوازية والرجعية وتهرُّئها، واستنفاد طاقاتها على تجديد أزمتها المزمنة، نقول: إن الحركة الثورية هذه تحشر العديد من التنظيمات والأحزاب السياسية التي يفترض فيها أن تكون البديل الثوري في زاوية ضيّقة تفرض عليها أن تعيد النظر في ممارساتها وتصحح أخطاءها المتراكمة في عملية صريحة من النقد الذاتي تتحرر بها من مواقع الأيديولوجية البورجوازية المقلوبة والانحرافات الانتهازية في مواقف متعددة، وبأشكال مختلفة، فتستعيد بذلك صحتها النضالية وترسم الخط السياسي الصحيح الذي يؤهلها، بالفعل، أي بالممارسة، لأن تصير البديل الثوري.
مهدي عامل
بيروت ـ آب 1980
صفحة 6
القسم الأول :في التناقض
مقدمة للطبعة الأولى
ما كنت أود اجتزاء القسم الأول من هذه الدراسة لأدفعه إلى النشر قبل انتهائها بكاملها. لولا أنني رأيت البحث يتشعب ويطول على مدى أعوام، فيقودني إلى استكشاف ميادين ما كنت في البدء واعياً ضرورة استكشافها، فتركت نفسي يتحكم فيها منطق البحث، لا أخضعه لإرادة ذاتية، بل أخضع نشاط الفكر لموضوعيته. وبممارسة الكتابة بدأت أفهم أن للكتابة منطقها وأن الكاتب ليس قائل القول بل حامله. لقد انطلق البحث من تساؤل نظري أكثر منه تاريخي عن السبب ـ أو الأسباب ـ التي تحدد ضرورة تمكن الفكر الاشتراكي العلمي من حركة التاريخ ووعيه في مجتمعاتنا الكولونيالية، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية. لم يكن الهدف إذن، سرداً حدثياً للتاريخ أو تدويناً لظاهرة تجريبية مرئية، بل كان بحثاً عن المنطق الموضوعي الذي سمح للتاريخ أن يكون ما كان في تتابع أحداثه. ولقد وجدت ضرورة في أن أنطلق من افتراض وجود هذا المنطق الموضوعي في الواقع، وإلّا لما كان بوسعي أن أحاول ما حاولت ولما كانت الدراسة هذه بحثاً علمياً، أو قل بحثاً يدعي العلمية، ولكان الصمت ضرورة يقود إليها انتفاء وجود هذا المنطق. ولا أخفي على القارىء أنني حذوت في نهجي هذا حذو ابن خلدون في مقدمته، وكنت في نهجي سائراً في نهجه، وكنت فيه ماركسياً، وما وجدت في هذا تناقضاً بل تكاملاً، ففهمت أن طريق الفكر الماركسي اللينيني هو طريق الوصول إلى تملك واقعنا الاجتماعي التاريخي في تراثه وحاضره. لقد كان ابن خلدون أول من فهم أن التاريخ يخضع لقوانين موضوعية تتحكم في صيرورته، وأن علم التاريخ يجد أساسه وإمكان تكونه في وجود هذه الموضوعية. ففهمت الدرس ورأيت نفسي بالضرورة سائراً في خط الفكر الماركسي اللينيني، فالعقل في التاريخ هو الأساس المادي لعلم التاريخ نفسه.
وساءلت واقع حركة التحرر الوطني عن منطقها الذي يسيرها في أفق صيرورة منها تجد في الفكر الاشتراكي العلمي فكر منطقها الداخلي. وكان السؤال يحمل فيه جوابه، فرأيت فيه طريق الجواب، ورأيت في الجواب إمكان طرح السؤال، وسرت في البحث، ولا أزال سائراً فيه، تقودني فكرة أساسية أقولها للقارىء بشكل حدسي مباشر، قبل أي صياغة نظرية: إن منطق الصيرورة الاشتراكية لحركة التحرر الوطني هو العامل المحدد لسيرها في خط منطق الفكر الاشتراكي العلمي. فالالتقاء الموضوعي للمنطقين هو الذي يحدد إمكان فعل هذا الفكر في هذه الحركة، وبالتالي ضرورة هذا الفعل. وبتعبير آخر، إن الفكر الماركسي اللينيني هو الوعي العلمي من هذه الحركة التاريخية التحررية، وإن لم تكن الحركة هذه قد وصلت بعد، في وعيها التجريبي، إلى وعيها العلمي هذا. ومن الخطأ الحكم على واقع هذه الحركة في منطقها الداخلي الموضوعي من خلال الوعي التجريبي الذي تتكشف فيه لذاتها، فليس الوعي هو الذي يحدد الواقع، حسب تعبير ماركس، بل إن الواقع الاجتماعي التاريخي هو الذي يحدد الوعي. لذا نرى دوماً وعي المجتمع النظري آتياً متأخراً على حركة التاريخ الفعلية، بعد أن يتكشف منطق هذه الحركة في الممارسة السياسية الثورية للصراع الطبقي، فتظهر ضرورة الممارسة النظرية في منطق هذا الصراع كضرورة عملية تستلزمها حركة الممارسة السياسية هذه نفسها.
ونحن ما أتينا إلى هذه المحاولة النظرية التي نقوم بها في هذا البحث إلّا عن طريق التطور التاريخي لحركة التطور الوطني، ولا سيما في وصولها إلى المأزق الذي أوصلتها إليه الممارسة السياسية للبورجوازية الصغيرة المسيطرة. فكان لزاماً أن نستعيد بالممارسة النظرية حركة التاريخ الفعلية حتى تتكشف لنا آلية هذه الحركة. فلا يظنن القارىء أن اللغة النظرية التي نستخدمها في هذا البحث هي مجرد لغة ذهنية أو وليدة نشاط الفكر في انفصاله عن الواقع التاريخي، وإن بدت له كذلك. إنما هي اللغة التي بها يمكننا أن نقوم بعقلنة الواقع انطلاقاً من معطياته التجريبية نفسها. فالواقع هذا حاضر بشكل دائم في هذه اللغة التجريدية، حتى وإن بدا غائباً، لأن اللغة هذه ليست، في تجريديتها، سوى لغة هذا الواقع، أو على الأصح، إنها لغة المنطق الداخلي لهذا الواقع.
وأسمح لنفسي بهذا الصدد أن أطلب من القارىء التسلح بالصبر في قراءته لغة قد يجدها ثقيلة أو غير مألوفة أو معقدة. وأؤكد له أنني ما أردت التعقد هذا، بل الوضوح أردت، فإن وجد التعقد فلأن منطق البحث يقتضيه. وما كنت في كتابتي سوى أداة هذا المنطق، وما تدخلت إرادتي الذاتية إلّا لجعل هذه الإرادة أكثر طواعية.
ثم إن لغة العلم بالضرورة لغة مفهومية، وبالتالي تجريدية. وعلى المفكر العربي أن ينحت اللغة التي بها يفكر، في الخط نفسه الذي كان يقوم فيه بهذه العملية مفكرو العربية من تراثنا. لقد كادت اللغة العربية تنسى مقدرتها على قول المعرفة، بعد أن أسهم الكثيرون منا ومن الآخرين في إنجاح مؤامرة النسيان هذه. إنها لمخاطرة كبرى أن يفكر الواحد منا في واقعه باللغة العربية، لكنها مخاطرة ضرورية ولا سبيل إلى عدم القيام بها، وإلّا تاه الفكر منا في فراغه. ولقد قمت بهذه المخاطرة عن وعي وضرورة نظرية معاً، فكان ما كان مما قد يبدو للقارىء ثقلاً في التعبير اللغوي أو تعقداً في التفكير، ولن أعتذر من القارىء عن محاولتي هذه.
مقدمة للطبعة الأولى
ما كنت أود اجتزاء القسم الأول من هذه الدراسة لأدفعه إلى النشر قبل انتهائها بكاملها. لولا أنني رأيت البحث يتشعب ويطول على مدى أعوام، فيقودني إلى استكشاف ميادين ما كنت في البدء واعياً ضرورة استكشافها، فتركت نفسي يتحكم فيها منطق البحث، لا أخضعه لإرادة ذاتية، بل أخضع نشاط الفكر لموضوعيته. وبممارسة الكتابة بدأت أفهم أن للكتابة منطقها وأن الكاتب ليس قائل القول بل حامله. لقد انطلق البحث من تساؤل نظري أكثر منه تاريخي عن السبب ـ أو الأسباب ـ التي تحدد ضرورة تمكن الفكر الاشتراكي العلمي من حركة التاريخ ووعيه في مجتمعاتنا الكولونيالية، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية. لم يكن الهدف إذن، سرداً حدثياً للتاريخ أو تدويناً لظاهرة تجريبية مرئية، بل كان بحثاً عن المنطق الموضوعي الذي سمح للتاريخ أن يكون ما كان في تتابع أحداثه. ولقد وجدت ضرورة في أن أنطلق من افتراض وجود هذا المنطق الموضوعي في الواقع، وإلّا لما كان بوسعي أن أحاول ما حاولت ولما كانت الدراسة هذه بحثاً علمياً، أو قل بحثاً يدعي العلمية، ولكان الصمت ضرورة يقود إليها انتفاء وجود هذا المنطق. ولا أخفي على القارىء أنني حذوت في نهجي هذا حذو ابن خلدون في مقدمته، وكنت في نهجي سائراً في نهجه، وكنت فيه ماركسياً، وما وجدت في هذا تناقضاً بل تكاملاً، ففهمت أن طريق الفكر الماركسي اللينيني هو طريق الوصول إلى تملك واقعنا الاجتماعي التاريخي في تراثه وحاضره. لقد كان ابن خلدون أول من فهم أن التاريخ يخضع لقوانين موضوعية تتحكم في صيرورته، وأن علم التاريخ يجد أساسه وإمكان تكونه في وجود هذه الموضوعية. ففهمت الدرس ورأيت نفسي بالضرورة سائراً في خط الفكر الماركسي اللينيني، فالعقل في التاريخ هو الأساس المادي لعلم التاريخ نفسه.
وساءلت واقع حركة التحرر الوطني عن منطقها الذي يسيرها في أفق صيرورة منها تجد في الفكر الاشتراكي العلمي فكر منطقها الداخلي. وكان السؤال يحمل فيه جوابه، فرأيت فيه طريق الجواب، ورأيت في الجواب إمكان طرح السؤال، وسرت في البحث، ولا أزال سائراً فيه، تقودني فكرة أساسية أقولها للقارىء بشكل حدسي مباشر، قبل أي صياغة نظرية: إن منطق الصيرورة الاشتراكية لحركة التحرر الوطني هو العامل المحدد لسيرها في خط منطق الفكر الاشتراكي العلمي. فالالتقاء الموضوعي للمنطقين هو الذي يحدد إمكان فعل هذا الفكر في هذه الحركة، وبالتالي ضرورة هذا الفعل. وبتعبير آخر، إن الفكر الماركسي اللينيني هو الوعي العلمي من هذه الحركة التاريخية التحررية، وإن لم تكن الحركة هذه قد وصلت بعد، في وعيها التجريبي، إلى وعيها العلمي هذا. ومن الخطأ الحكم على واقع هذه الحركة في منطقها الداخلي الموضوعي من خلال الوعي التجريبي الذي تتكشف فيه لذاتها، فليس الوعي هو الذي يحدد الواقع، حسب تعبير ماركس، بل إن الواقع الاجتماعي التاريخي هو الذي يحدد الوعي. لذا نرى دوماً وعي المجتمع النظري آتياً متأخراً على حركة التاريخ الفعلية، بعد أن يتكشف منطق هذه الحركة في الممارسة السياسية الثورية للصراع الطبقي، فتظهر ضرورة الممارسة النظرية في منطق هذا الصراع كضرورة عملية تستلزمها حركة الممارسة السياسية هذه نفسها.
ونحن ما أتينا إلى هذه المحاولة النظرية التي نقوم بها في هذا البحث إلّا عن طريق التطور التاريخي لحركة التطور الوطني، ولا سيما في وصولها إلى المأزق الذي أوصلتها إليه الممارسة السياسية للبورجوازية الصغيرة المسيطرة. فكان لزاماً أن نستعيد بالممارسة النظرية حركة التاريخ الفعلية حتى تتكشف لنا آلية هذه الحركة. فلا يظنن القارىء أن اللغة النظرية التي نستخدمها في هذا البحث هي مجرد لغة ذهنية أو وليدة نشاط الفكر في انفصاله عن الواقع التاريخي، وإن بدت له كذلك. إنما هي اللغة التي بها يمكننا أن نقوم بعقلنة الواقع انطلاقاً من معطياته التجريبية نفسها. فالواقع هذا حاضر بشكل دائم في هذه اللغة التجريدية، حتى وإن بدا غائباً، لأن اللغة هذه ليست، في تجريديتها، سوى لغة هذا الواقع، أو على الأصح، إنها لغة المنطق الداخلي لهذا الواقع.
وأسمح لنفسي بهذا الصدد أن أطلب من القارىء التسلح بالصبر في قراءته لغة قد يجدها ثقيلة أو غير مألوفة أو معقدة. وأؤكد له أنني ما أردت التعقد هذا، بل الوضوح أردت، فإن وجد التعقد فلأن منطق البحث يقتضيه. وما كنت في كتابتي سوى أداة هذا المنطق، وما تدخلت إرادتي الذاتية إلّا لجعل هذه الإرادة أكثر طواعية.
ثم إن لغة العلم بالضرورة لغة مفهومية، وبالتالي تجريدية. وعلى المفكر العربي أن ينحت اللغة التي بها يفكر، في الخط نفسه الذي كان يقوم فيه بهذه العملية مفكرو العربية من تراثنا. لقد كادت اللغة العربية تنسى مقدرتها على قول المعرفة، بعد أن أسهم الكثيرون منا ومن الآخرين في إنجاح مؤامرة النسيان هذه. إنها لمخاطرة كبرى أن يفكر الواحد منا في واقعه باللغة العربية، لكنها مخاطرة ضرورية ولا سبيل إلى عدم القيام بها، وإلّا تاه الفكر منا في فراغه. ولقد قمت بهذه المخاطرة عن وعي وضرورة نظرية معاً، فكان ما كان مما قد يبدو للقارىء ثقلاً في التعبير اللغوي أو تعقداً في التفكير، ولن أعتذر من القارىء عن محاولتي هذه.
صفحة 7
وربما أتى التعقد من منطق البحث الذي اتبعت. فمنطق البحث غير منطق الدراسة المتكاملة: إن الثاني منطق عرض ينطلق من نهاية ما وصل إليه منطق البحث من نتائج أو حقائق ينظمها بشكل واضح يختلف عن شكل تولدها في حركة البحث. أما منطق البحث فمتعرج بالضرورة، خاضع للقفزات والفجاءات والتشعبات، لا يمكنه التنبؤ بها قبل حصولها، وإن كان في سيره العام خاضعاً لفكرة تحركه، وهي منه نقطة البدء والوصول معاً. إنه حركة التفكير نفسه الذي يستكشف الواقع، وينحت شيئاً فشيئاً أدوات هذه العملية من الاستكشاف، ويجد في الرجوع إلى نقطة البدء ضرورة مستمرة كلما تقدم في البحث وبعد عنها، فيستعيدها ثانية لينطلق من جديد في مغامرة أخرى تقوده إلى مجهول يضيء له منطلقه، ويظل في حركته اللولبية يستعيد ما وصل إليه، فتكتمل الدورة لتنفتح من جديد، ثم تكتمل فتنفتح. هذه الحركة هي هي حياة الفكر، أي مغامرة المعرفة. ولقد اتبعت في حركة الفكر منطق البحث هذا، وما خشيته، بل وددت تقديمه إلى القارىء على علاته.
ولم يأتِ اعتماد هذا المنطق من البحث عن إرادة ذاتية ـ وإن وجدت ـ بل عن ضرورة موضوعية هي ضرورة العلم نفسه. لقد أحدث ماركس، بقطعه مع الفكر الهيغلي بوجه خاص، والفكر الميتافيزيقي بوجه عام، ثورة نظرية قفزت بالفكر إلى تربة العلمية في حقل التاريخ الاجتماعي، فصار لزاماً أن يكون الفكر ماركسياً حتى يصير علمياً. وبصيرورته العلمية هذه، لم يعد الفكر العلمي بقادر على أن يكرر في نشاطه المعرفي نشاط الفكر الهيغلي في بناء نظام ميتافيزيقي متكامل يتأول العالم ويقيم علاقة تماثل بين منطق العالم المادي ومنطق العرض الشكلي. وفي تماثل المنطقين تجريبية ومثالية هما ميزتان ملازمتان لكل فكر ميتافيزيقي. لقد وجد الفكر النظامي في هيغل ذروته، بل وجد فيه تحقق مفهومه الكامل. لذا، كان النقد الماركسي لهذا الفكر نقضاً له، من حيث هو هدم له، فكان هذا النقد بالضرورة انتقالاً بالفكر إلى تربة نظرية جديدة هي مقياس لعملية كل فكر. فبهذه القفزة النظرية الماركسية، صار كل فكر نظامي ـ أي كل فكر يحاول أن يعيد التجربة الهيغلية في بناء نظام ميتافيزيقي متكامل ـ فكراً متخلفاً عن الفكر الهيغلي، بله عن الفكر الماركسي. ومثل هذا الفكر النظامي بعد ماركس كمثل فيزيائي يقوم بنشاطه العلمي على أساس الفيزياء النيوتونية، متجاهلاً ثورة أينشتين في الفيزياء، فهو الآن في نشاطه متخلف عن نيوتن نفسه قبل أن يكون متخلفاً عن أينشتين.
وما أكثر المتمركسين عندنا الذين يدعون ـ عن جهل ـ «الثورية» و «الحداثة» في الفكر، بل يدعون تخطي ماركس نفسه، حين يجعلون مثلاً، من النقد الديني أو من نقد الاغتراب (Allénation) المهمة الأولى للفكر «العلمي»، أو قل للفكر المقصر في تعلمه. وما علموا أنهم في جهلهم هذا قد رجعوا إلى ما قبل ماركس فسقطوا في ما سقط فيه النيوهيغليون من جهل بالفكر الهيغلي نفسه. لقد فهموا الثورة كما فهمها هؤلاء، فظنوا أنها «النقد»، فانحصرت عندهم في «ثورة» اللفظ على اللفظ، وكانت كما في وهمهم، ثورة لفظية.
لم يعد من الممكن، في الحقل العلمي، اتباع منطق من العرض المتكامل يفترض وجود نظام فكري تكامل بناؤه. فحركة الانفتاح والاستمرار في منطق البحث هي حركة النشاط العلمي نفسه. وكل انغلاق للفكر في نظام منه متكامل يشل الحركة هذه وينزلق بها من تربة العلمية إلى تربة أيديولوجية يرفضها العلم وينقضها... إن طابع الانفتاح من هذه الحركة هو الذي يفرض إذن، على البحث أن يتقدم بما وصل إليه من معرفة في شكل نتائج موقتة تصير بدورها معطيات أو منطلقات، أي مادة أولى لبحث آخر يسير في الأفق الذي انفتحت عليه وافتتحته، فتخضع بهذا لنقد يعمقها ويرسم حدودها. وتاريخ الفكر الماركسي نفسه خير مثال على هذه الحركة من البحث العلمي التي هي استعادة مستمرة لمعطيات علمية في ضوء ما توصل إليه العلم من معرفة متجددة.
ولقد رأيت في العودة إلى مشكلة التناقض ضرورة لدرس العلاقة الكولونيالية، ففهم هذه العلاقة يجد أساسه النظري في نظرية التناقض، كما أن فهم آلية الحركة التحررية الوطنية يجد أساسه النظري في فهم طابع التمييز من علاقات الإنتاج الكولونيالية. لذا كان القسم الأول من هذا البحث مقدمة نظرية لدراسة القسم الثاني منه، وكان القسم هذا بدوره قاعدة أساسية لدراسة علاقة الفكر الاشتراكي العلمي بحركة التحرر الوطني. ولقد ألحقت في نهاية هذا القسم الأول مقالاً كنت قد نشرته في مجلة الطريق (عدد 7ـ8. سنة 1970)، يعالج في الفقرة الرابعة منه بشكل خاص مشكلة التناقض. لذا، على القارىء أن يرجع إلى هذا المقال في الملحق قبل أن يبتدىء بقراءة البحث هذا، لأنني في تطوره كنت أفترض أن ما أتى في المقال هو معلوم من القارىء.
إن البحث الفردي عمل حرفي قد تخطاه الشكل العلمي للفكر المعاصر. ولئن مارست البحث هذا بشكل حرفي فلأن شروطاً موضوعية متعددة أرغمتني على ذلك. لا بد لعملية التفكير من أن تتم في إطارها الطبيعي والضروري، فنقد القارىء لما سيجده من مغامرة فكرية في هذا البحث جزء من البحث أساسي لمتابعته. فعسى أن يقوم بنقد هو هو إسهام في تطور البحث المشترك.
تموز 1973
ولم يأتِ اعتماد هذا المنطق من البحث عن إرادة ذاتية ـ وإن وجدت ـ بل عن ضرورة موضوعية هي ضرورة العلم نفسه. لقد أحدث ماركس، بقطعه مع الفكر الهيغلي بوجه خاص، والفكر الميتافيزيقي بوجه عام، ثورة نظرية قفزت بالفكر إلى تربة العلمية في حقل التاريخ الاجتماعي، فصار لزاماً أن يكون الفكر ماركسياً حتى يصير علمياً. وبصيرورته العلمية هذه، لم يعد الفكر العلمي بقادر على أن يكرر في نشاطه المعرفي نشاط الفكر الهيغلي في بناء نظام ميتافيزيقي متكامل يتأول العالم ويقيم علاقة تماثل بين منطق العالم المادي ومنطق العرض الشكلي. وفي تماثل المنطقين تجريبية ومثالية هما ميزتان ملازمتان لكل فكر ميتافيزيقي. لقد وجد الفكر النظامي في هيغل ذروته، بل وجد فيه تحقق مفهومه الكامل. لذا، كان النقد الماركسي لهذا الفكر نقضاً له، من حيث هو هدم له، فكان هذا النقد بالضرورة انتقالاً بالفكر إلى تربة نظرية جديدة هي مقياس لعملية كل فكر. فبهذه القفزة النظرية الماركسية، صار كل فكر نظامي ـ أي كل فكر يحاول أن يعيد التجربة الهيغلية في بناء نظام ميتافيزيقي متكامل ـ فكراً متخلفاً عن الفكر الهيغلي، بله عن الفكر الماركسي. ومثل هذا الفكر النظامي بعد ماركس كمثل فيزيائي يقوم بنشاطه العلمي على أساس الفيزياء النيوتونية، متجاهلاً ثورة أينشتين في الفيزياء، فهو الآن في نشاطه متخلف عن نيوتن نفسه قبل أن يكون متخلفاً عن أينشتين.
وما أكثر المتمركسين عندنا الذين يدعون ـ عن جهل ـ «الثورية» و «الحداثة» في الفكر، بل يدعون تخطي ماركس نفسه، حين يجعلون مثلاً، من النقد الديني أو من نقد الاغتراب (Allénation) المهمة الأولى للفكر «العلمي»، أو قل للفكر المقصر في تعلمه. وما علموا أنهم في جهلهم هذا قد رجعوا إلى ما قبل ماركس فسقطوا في ما سقط فيه النيوهيغليون من جهل بالفكر الهيغلي نفسه. لقد فهموا الثورة كما فهمها هؤلاء، فظنوا أنها «النقد»، فانحصرت عندهم في «ثورة» اللفظ على اللفظ، وكانت كما في وهمهم، ثورة لفظية.
لم يعد من الممكن، في الحقل العلمي، اتباع منطق من العرض المتكامل يفترض وجود نظام فكري تكامل بناؤه. فحركة الانفتاح والاستمرار في منطق البحث هي حركة النشاط العلمي نفسه. وكل انغلاق للفكر في نظام منه متكامل يشل الحركة هذه وينزلق بها من تربة العلمية إلى تربة أيديولوجية يرفضها العلم وينقضها... إن طابع الانفتاح من هذه الحركة هو الذي يفرض إذن، على البحث أن يتقدم بما وصل إليه من معرفة في شكل نتائج موقتة تصير بدورها معطيات أو منطلقات، أي مادة أولى لبحث آخر يسير في الأفق الذي انفتحت عليه وافتتحته، فتخضع بهذا لنقد يعمقها ويرسم حدودها. وتاريخ الفكر الماركسي نفسه خير مثال على هذه الحركة من البحث العلمي التي هي استعادة مستمرة لمعطيات علمية في ضوء ما توصل إليه العلم من معرفة متجددة.
ولقد رأيت في العودة إلى مشكلة التناقض ضرورة لدرس العلاقة الكولونيالية، ففهم هذه العلاقة يجد أساسه النظري في نظرية التناقض، كما أن فهم آلية الحركة التحررية الوطنية يجد أساسه النظري في فهم طابع التمييز من علاقات الإنتاج الكولونيالية. لذا كان القسم الأول من هذا البحث مقدمة نظرية لدراسة القسم الثاني منه، وكان القسم هذا بدوره قاعدة أساسية لدراسة علاقة الفكر الاشتراكي العلمي بحركة التحرر الوطني. ولقد ألحقت في نهاية هذا القسم الأول مقالاً كنت قد نشرته في مجلة الطريق (عدد 7ـ8. سنة 1970)، يعالج في الفقرة الرابعة منه بشكل خاص مشكلة التناقض. لذا، على القارىء أن يرجع إلى هذا المقال في الملحق قبل أن يبتدىء بقراءة البحث هذا، لأنني في تطوره كنت أفترض أن ما أتى في المقال هو معلوم من القارىء.
إن البحث الفردي عمل حرفي قد تخطاه الشكل العلمي للفكر المعاصر. ولئن مارست البحث هذا بشكل حرفي فلأن شروطاً موضوعية متعددة أرغمتني على ذلك. لا بد لعملية التفكير من أن تتم في إطارها الطبيعي والضروري، فنقد القارىء لما سيجده من مغامرة فكرية في هذا البحث جزء من البحث أساسي لمتابعته. فعسى أن يقوم بنقد هو هو إسهام في تطور البحث المشترك.
تموز 1973
صفحة 8
الفصل الأول :علاقة الفكر بالواقع
1 ـ طرحُ المُشكِلة
علاقة الفكر بالواقع علاقة ترابط وتفاعل. هذه مقولة رئيسية في الفكر الماركسي، كثر تردادها، فبدت بداهة، وأخذ بها دون تساؤل عن شروط إمكانها، مع أن وجودها في إطار تستقل فيه نسبياً حركة الفكر عن حركة الواقع، يطرح في حد ذاته مشكلة. كيف يكون الفكر على علاقة تفاعل مع الواقع وهو في تطوره مستقل عنه؟ إذا قبلنا بتطور موضوعي للتاريخ خاضع لقوانين علمية محددة ـ وهذا ما تقول به الماركسية ـ إلى أي حد نستطيع القبول، من غير تناقض، بمساهمة الفكر الفعالة في تطور التاريخ؟ إن طبيعة الموضوع الذي نود معالجته هي التي تطرح علينا هذا السؤال. حين نتكلم على أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني نقبل ضمناً بوجود دور فعال قام به هذا الفكر في توجيه هذه الحركة التاريخية، أي عن الشروط التي يكون فيها للفكر فعل في تكون التاريخ وتوجهه.
2 ـ علاقة الفكر بالواقع ليست علاقة ذاتية فردية
ليس للفكر حرية ذاتية في التحرك والتطور، كما أن نشاطه في إنتاج المعرفة ليس من فعل الفرد كإرادة ذاتية مطلقة. إن تحرك الفكر يكون دوماً في إطار بنية فكرية هي التي تحدد له آفاق الإمكان والاستحالة في التطور. معنى هذا أن تحرك الفكر، في استكشافه الواقع، لا يخضع لإرادة الذات أو الفرد، أي لإرادة الفكر، بل للبنية الفكرية التي يتطور في إطارها، أي للتربة النظرية التي يستوي عليها ويجد فيها منطلقاته المحددة. علاقة الفكر بالواقع ليست إذن، علاقة ذاتية فردية، أي علاقة بين وعي فردي وواقع موضوعي، ولا يمكن إطلاقاً حصرها في هذه العلاقة النفسية. إنها في أساسها علاقة موضوعية بين بنية فكر وبنية واقع، كما أن التفاعل فيها بين بنيتين، لا بين فرد وبنية. ويمكن القول إن علاقة المفكر بالواقع الذي يدرس ليست علاقة مباشرة يحددها وعيه الفردي، بل هي علاقة ـ إن صح القول ـ غير مباشرة تمر بالضرورة ببنية فكرية لها وجودها الموضوعي، يحملها المفكر الفرد ومن خلالها ينظر. وبتعبير أدق، إن الفرد، وإن كان «مفكراً»، لا يفكر بفكره الفردي بل بالبنية الفكرية الموضوعية التي هو سند لها. وعدم ظهور هذه البنية الفكرية للوعي الفردي لا يدل على عدم وجودها، إلّا إذا اعتبرنا الوعي الفردي مقياساً للوجود الاجتماعي الموضوعي، وفي هذا عكس للأشياء ولمنطق وجودها الحقيقي. إن وجود الفكر كأفكار فردية متناثرة هو شكل تاريخي محدد لوجود البنية الفكرية نفسها، أو قل إنه الشكل التاريخي المحدد الذي تظهر فيه كذلك، فتخفي بظهورها هذا حقيقة وجودها الموضوعي. هذا التناقض في شكل وجودها بين الظاهر والحقيقة له أساسه ـ كما سنرى فيما بعد ـ في الوجود التاريخي المحدد للبنية الاجتماعية نفسها.
إن الواقع التاريخي إذن، يتكشف لهذه البنية الفكرية التي تستكشفه، لا في ذاته، بل بالشكل الذي تستكشفه، ولا يتكشف لفكر فردي مطلق تحرر، ظاهراً، من كل بنية تحده، لأن هذا الفكر وهمي لا وجود له إلّا في مخيلة بعض الفلاسفة المثاليين، أي في وهمهم الأيديولوجي. وبمعنى آخر، إن علاقة الفكر بالواقع ليست علاقة أفراد بواقع يخضع في تطوره لمنطق عقلاني خارج عن الإرادة الذاتية، بل هي علاقة بنيوية يتحرك في إطارها الأفراد بفعل تطور البنية ومنطقها، سواء على صعيد الواقع الاجتماعي التاريخي أو على صعيد الفكر، لا بفعل إرادتهم الذاتية.
1 ـ طرحُ المُشكِلة
علاقة الفكر بالواقع علاقة ترابط وتفاعل. هذه مقولة رئيسية في الفكر الماركسي، كثر تردادها، فبدت بداهة، وأخذ بها دون تساؤل عن شروط إمكانها، مع أن وجودها في إطار تستقل فيه نسبياً حركة الفكر عن حركة الواقع، يطرح في حد ذاته مشكلة. كيف يكون الفكر على علاقة تفاعل مع الواقع وهو في تطوره مستقل عنه؟ إذا قبلنا بتطور موضوعي للتاريخ خاضع لقوانين علمية محددة ـ وهذا ما تقول به الماركسية ـ إلى أي حد نستطيع القبول، من غير تناقض، بمساهمة الفكر الفعالة في تطور التاريخ؟ إن طبيعة الموضوع الذي نود معالجته هي التي تطرح علينا هذا السؤال. حين نتكلم على أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني نقبل ضمناً بوجود دور فعال قام به هذا الفكر في توجيه هذه الحركة التاريخية، أي عن الشروط التي يكون فيها للفكر فعل في تكون التاريخ وتوجهه.
2 ـ علاقة الفكر بالواقع ليست علاقة ذاتية فردية
ليس للفكر حرية ذاتية في التحرك والتطور، كما أن نشاطه في إنتاج المعرفة ليس من فعل الفرد كإرادة ذاتية مطلقة. إن تحرك الفكر يكون دوماً في إطار بنية فكرية هي التي تحدد له آفاق الإمكان والاستحالة في التطور. معنى هذا أن تحرك الفكر، في استكشافه الواقع، لا يخضع لإرادة الذات أو الفرد، أي لإرادة الفكر، بل للبنية الفكرية التي يتطور في إطارها، أي للتربة النظرية التي يستوي عليها ويجد فيها منطلقاته المحددة. علاقة الفكر بالواقع ليست إذن، علاقة ذاتية فردية، أي علاقة بين وعي فردي وواقع موضوعي، ولا يمكن إطلاقاً حصرها في هذه العلاقة النفسية. إنها في أساسها علاقة موضوعية بين بنية فكر وبنية واقع، كما أن التفاعل فيها بين بنيتين، لا بين فرد وبنية. ويمكن القول إن علاقة المفكر بالواقع الذي يدرس ليست علاقة مباشرة يحددها وعيه الفردي، بل هي علاقة ـ إن صح القول ـ غير مباشرة تمر بالضرورة ببنية فكرية لها وجودها الموضوعي، يحملها المفكر الفرد ومن خلالها ينظر. وبتعبير أدق، إن الفرد، وإن كان «مفكراً»، لا يفكر بفكره الفردي بل بالبنية الفكرية الموضوعية التي هو سند لها. وعدم ظهور هذه البنية الفكرية للوعي الفردي لا يدل على عدم وجودها، إلّا إذا اعتبرنا الوعي الفردي مقياساً للوجود الاجتماعي الموضوعي، وفي هذا عكس للأشياء ولمنطق وجودها الحقيقي. إن وجود الفكر كأفكار فردية متناثرة هو شكل تاريخي محدد لوجود البنية الفكرية نفسها، أو قل إنه الشكل التاريخي المحدد الذي تظهر فيه كذلك، فتخفي بظهورها هذا حقيقة وجودها الموضوعي. هذا التناقض في شكل وجودها بين الظاهر والحقيقة له أساسه ـ كما سنرى فيما بعد ـ في الوجود التاريخي المحدد للبنية الاجتماعية نفسها.
إن الواقع التاريخي إذن، يتكشف لهذه البنية الفكرية التي تستكشفه، لا في ذاته، بل بالشكل الذي تستكشفه، ولا يتكشف لفكر فردي مطلق تحرر، ظاهراً، من كل بنية تحده، لأن هذا الفكر وهمي لا وجود له إلّا في مخيلة بعض الفلاسفة المثاليين، أي في وهمهم الأيديولوجي. وبمعنى آخر، إن علاقة الفكر بالواقع ليست علاقة أفراد بواقع يخضع في تطوره لمنطق عقلاني خارج عن الإرادة الذاتية، بل هي علاقة بنيوية يتحرك في إطارها الأفراد بفعل تطور البنية ومنطقها، سواء على صعيد الواقع الاجتماعي التاريخي أو على صعيد الفكر، لا بفعل إرادتهم الذاتية.
صفحة 9
3 ـ علاقة الفكر بالواقع علاقة بُنيَويَّة
الوجود الفعلي في تفاعل الفكر مع الواقع ليس إذن، لأفكار متناثرة، تنبت حرة طليقة في أذهان المفكرين الأفراد، إنما هو للبنية الفكرية التي في إطارها تنبت هذه الأفكار ويتحدد بالضرورة إمكان ظهورها وتطورها. ليس للفكر الفردي ـ مهما بلغت أهميته العملية أو النظرية ـ وجود مستقل، إذ لا وجود له إلّا في بنية فكرية متكاملة تحدد موقعه بالنسبة إلى أفكار أخرى تضمها وحدة بنية، وبالتالي وحدة تطور. لهذا، يستحيل إطلاقاً وجود تفاعل ممكن بين الفكر والواقع، إذا كان هذا التفاعل ـ كما يتوهم البعض ـ بين أفكار منفردة وواقع اجتماعي تاريخي له منطقه، اللهم إلّا إذا اتخذنا الفكر الأفلاطوني مقياساً ومنهجاً لفهم الواقع، أو إذا اعتبرنا المفكر الفرد كاللَّه يقول للشيء كن فيكون. قد نصل، في هذه الحالة الأخيرة، إلى تفسير حضور الواقع في فكر الفرد، عن طريق منهج فرويدي مشوه يلجأ إليه سارتر أحياناً، لكننا نعجز فعلاً عن تفسير فعل الفكر الفردي أو المنفرد في هذا الواقع الاجتماعي. التفسير الوحيد الذي يمكن أن نعطيه لهذا الفعل تفسير ميكانيكي ليس في حقيقته تفسيراً. حين يخرج الفكر أو ينفرد عن البنية الفكرية التي تحدد الإطار التاريخي لتطوره، يخرج عن الواقع الاجتماعي نفسه ويستقل عنه، فيستحيل أن يكون له في هذا الواقع أي أثر. وكيف يمكن أن يكون للفكر في الواقع فعل إذا كان الفكر يأتي الواقع من الخارج، وكان الواقع، في منطق تطوره التاريخي، مستقلاً عن الفكر؟ إن الإرادة الذاتية، وإن استندت إلى الفكر المنفرد، أو قل لأنها تستند إليه، تكشف دوماً عن عجزها حين تصدم الواقع في غفلة عن منطقه.
4 ـ البُنية الفكرية والبُنية الأيديولوجية
شرط وجود التفاعل بين الفكر والواقع أن يكون هذا التفاعل بينهما بنيوياً، أي أن يكون فعل الفكر في الواقع للبنية الفكرية لا للفكر الفرد. ونقصد بالبنية الفكرية هنا هذا الحقل الفكري الذي يتحدد فيه فكر الفرد بنية وتطوراً، أي هذه التربة الواحدة التي تنبت عليها أفكار متعددة قد يبلغ الاختلاف بينها حد التناقض، إلّا أن جذورها تمتد في تربة واحدة هي التي تحدد لها طبيعة نشأتها ومجال تطورها. ووجود التناقض بين هذه الأفكار لا ينفي وجودها في تربة فكرية واحدة، بل قد يكون دليلاً عليه، إذ لا تناقض إلّا بين أطراف تضمها وحدة بنيوية واحدة(1).
لا شك في أن لهذه البنية الفكرية طابعاً اجتماعياً وتاريخياً يحدده وضعها في البنية الاجتماعية الشاملة. فهي ـ إن صح القول ـ جزء من كل هو بدوره جزء في كل يحتويه ويحدده. معنى هذا أن تحديد البنية الفكرية لا يكون إلّا في إطار البنية الاجتماعية الشاملة. غير أنه لا يتم، في هذا الإطار نفسه بشكل مباشر، بل في إطار البنية الأيديولوجية الخاصة بهذه البنية الاجتماعية. فالطابع الاجتماعي التاريخي الذي يحدد البنية الفكرية ناتج من وجودها الضروري داخل البنية الأيديولوجية، لا من علاقتها المباشرة بالواقع الاجتماعي. إن علاقتها بهذا الواقع تمر بالضرورة عبر وجودها في البنية الأيديولوجية، ووجودها في هذا الإطار هو الشكل الممكن الوحيد لوجودها الاجتماعي.
البنية الأيديولوجية، إذن، أعم وأشمل من البنية الفكرية، فهي لا تضم في إطار بنيوي واحد بنيات فكرية مختلفة وحسب ـ كالماركسية والتجريبية أو المثالية مثلاً ـ بل تضم أيضاً أشكالاً أيديولوجية مختلفة من أشكال الوعي الاجتماعي، كالأشكال الحقوقية والفنية والدينية الخ... إنها الوحدة البنيوية لمختلف أشكال الوعي الاجتماعي، أي لمختلف الأشكال الأيديولوجية التي من خلالها يعي الناس علاقتهم بالمجتمع وبالعالم. ليس لنا الآن أن نستفيض في بحث هذه القضية المعقدة، بل أن نحصر البحث في تحديد العلاقة بين البنية الفكرية والبنية الأيديولوجية، لما لهذا التحديد من أهمية في توضيح علاقة البنية الفكرية بالبنية الاجتماعية.
الوجود الفعلي في تفاعل الفكر مع الواقع ليس إذن، لأفكار متناثرة، تنبت حرة طليقة في أذهان المفكرين الأفراد، إنما هو للبنية الفكرية التي في إطارها تنبت هذه الأفكار ويتحدد بالضرورة إمكان ظهورها وتطورها. ليس للفكر الفردي ـ مهما بلغت أهميته العملية أو النظرية ـ وجود مستقل، إذ لا وجود له إلّا في بنية فكرية متكاملة تحدد موقعه بالنسبة إلى أفكار أخرى تضمها وحدة بنية، وبالتالي وحدة تطور. لهذا، يستحيل إطلاقاً وجود تفاعل ممكن بين الفكر والواقع، إذا كان هذا التفاعل ـ كما يتوهم البعض ـ بين أفكار منفردة وواقع اجتماعي تاريخي له منطقه، اللهم إلّا إذا اتخذنا الفكر الأفلاطوني مقياساً ومنهجاً لفهم الواقع، أو إذا اعتبرنا المفكر الفرد كاللَّه يقول للشيء كن فيكون. قد نصل، في هذه الحالة الأخيرة، إلى تفسير حضور الواقع في فكر الفرد، عن طريق منهج فرويدي مشوه يلجأ إليه سارتر أحياناً، لكننا نعجز فعلاً عن تفسير فعل الفكر الفردي أو المنفرد في هذا الواقع الاجتماعي. التفسير الوحيد الذي يمكن أن نعطيه لهذا الفعل تفسير ميكانيكي ليس في حقيقته تفسيراً. حين يخرج الفكر أو ينفرد عن البنية الفكرية التي تحدد الإطار التاريخي لتطوره، يخرج عن الواقع الاجتماعي نفسه ويستقل عنه، فيستحيل أن يكون له في هذا الواقع أي أثر. وكيف يمكن أن يكون للفكر في الواقع فعل إذا كان الفكر يأتي الواقع من الخارج، وكان الواقع، في منطق تطوره التاريخي، مستقلاً عن الفكر؟ إن الإرادة الذاتية، وإن استندت إلى الفكر المنفرد، أو قل لأنها تستند إليه، تكشف دوماً عن عجزها حين تصدم الواقع في غفلة عن منطقه.
4 ـ البُنية الفكرية والبُنية الأيديولوجية
شرط وجود التفاعل بين الفكر والواقع أن يكون هذا التفاعل بينهما بنيوياً، أي أن يكون فعل الفكر في الواقع للبنية الفكرية لا للفكر الفرد. ونقصد بالبنية الفكرية هنا هذا الحقل الفكري الذي يتحدد فيه فكر الفرد بنية وتطوراً، أي هذه التربة الواحدة التي تنبت عليها أفكار متعددة قد يبلغ الاختلاف بينها حد التناقض، إلّا أن جذورها تمتد في تربة واحدة هي التي تحدد لها طبيعة نشأتها ومجال تطورها. ووجود التناقض بين هذه الأفكار لا ينفي وجودها في تربة فكرية واحدة، بل قد يكون دليلاً عليه، إذ لا تناقض إلّا بين أطراف تضمها وحدة بنيوية واحدة(1).
لا شك في أن لهذه البنية الفكرية طابعاً اجتماعياً وتاريخياً يحدده وضعها في البنية الاجتماعية الشاملة. فهي ـ إن صح القول ـ جزء من كل هو بدوره جزء في كل يحتويه ويحدده. معنى هذا أن تحديد البنية الفكرية لا يكون إلّا في إطار البنية الاجتماعية الشاملة. غير أنه لا يتم، في هذا الإطار نفسه بشكل مباشر، بل في إطار البنية الأيديولوجية الخاصة بهذه البنية الاجتماعية. فالطابع الاجتماعي التاريخي الذي يحدد البنية الفكرية ناتج من وجودها الضروري داخل البنية الأيديولوجية، لا من علاقتها المباشرة بالواقع الاجتماعي. إن علاقتها بهذا الواقع تمر بالضرورة عبر وجودها في البنية الأيديولوجية، ووجودها في هذا الإطار هو الشكل الممكن الوحيد لوجودها الاجتماعي.
البنية الأيديولوجية، إذن، أعم وأشمل من البنية الفكرية، فهي لا تضم في إطار بنيوي واحد بنيات فكرية مختلفة وحسب ـ كالماركسية والتجريبية أو المثالية مثلاً ـ بل تضم أيضاً أشكالاً أيديولوجية مختلفة من أشكال الوعي الاجتماعي، كالأشكال الحقوقية والفنية والدينية الخ... إنها الوحدة البنيوية لمختلف أشكال الوعي الاجتماعي، أي لمختلف الأشكال الأيديولوجية التي من خلالها يعي الناس علاقتهم بالمجتمع وبالعالم. ليس لنا الآن أن نستفيض في بحث هذه القضية المعقدة، بل أن نحصر البحث في تحديد العلاقة بين البنية الفكرية والبنية الأيديولوجية، لما لهذا التحديد من أهمية في توضيح علاقة البنية الفكرية بالبنية الاجتماعية.
صفحة 10
البنية الأيديولوجية بنية معقدة لأنها، في إطارها، تعكس تعقد البنية الاجتماعية نفسها. فالتناقضات التي تعتمل في هذه البنية الاجتماعية، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، تظهر فيها أيضاً، لأنها، في البنية الاجتماعية، كالاقتصاد والسياسة، مستوى من مستوياتها البنيوية. وهذه التناقضات في جوهرها تناقضات طبقية محددة، إلّا أنها تظهر في البنية الأيديولوجية معكوسة، أي إنها، في انعكاسها في هذه البنية، تخفي حقيقتها الطبقية، فتظهر وكأنها تناقضات بين أفكار مجردة مطلقة هي نتاج لذرات فردية مبعثرة. إن قطع التناقضات الفكرية عن جذورها الاجتماعية الطبقية هو الذي يظهرها في شكلها العبثي كتناقضات بين أفكار فردية. بهذا، يصير التناقض مبدأ عبث يستحيل فهمه، بدلاً من أن يكون، كما هو في حقيقته، مبدأ العقل لأنه جوهر الواقع. أما إذا شدت التناقضات الفكرية إلى وحدة بنيتها الأيديولوجية كإطار وجودها الاجتماعي، وأُعيد وضع هذه البنية في الهيكل الاجتماعي كمستوى من مستوياته البنيوية، فحينئذ يسهل بالفعل فهم حركة التطور الفكري في البنية الاجتماعية، لأن هذا الفهم يستلزم بالضرورة ربط هذا التطور بتطور التناقضات الطبقية على بقية المستويات البنيوية.
إن المستوى الأيديولوجي في البنية الاجتماعية هو إمكان ظهور التناقضات الطبقية بأشكالها المختلفة، للوعي الاجتماعي. غير أن هذا الوعي ليس واحداً عند كل الأفراد، فهو يختلف، بشكل عام، باختلاف انتماءاتهم الاجتماعية، أي باختلاف وضعهم الطبقي داخل البنية الاجتماعية الواحدة. والاختلاف في الوعي، بين فرد وآخر، لعلاقة الفرد بعالمه الاجتماعي ليس في جوهره اختلافاً فردياً بل طبقياً، برغم وجود اختلافات في هذا الوعي بين أفراد طبقة اجتماعية واحدة. معنى هذا أن تعقد البنية الأيديولوجية ليس ناتجاً من تعدد وعي الأفراد بل من تعقد البنية الاجتماعية كبنية طبقية. فالوعي الفردي لا يدخل في تكوين البنية الأيديولوجية كوعي فردي بل كوعي طبقي، أي إن وجوده في هذه البنية يتمثل بوجود الوعي الطبقي الذي يحدده الوجود الاجتماعي لهذه البنية. حين نتكلم عن البنية الفكرية داخل البنية الأيديولوجية نقصد بالذات هذه الحدود الطبقية التي يتحرك ضمنها فكر الفرد، فيتخذ بتحركه المحدد هذا طابعه الاجتماعي. لهذا، يستحيل على الفكر الفردي أن يكون في علاقة تفاعل مباشرة مع الواقع الاجتماعي، فعلاقته بهذا الواقع تمر بالضرورة عبر علاقته بالبنية الفكرية التي تحدده، كما أن علاقة هذه البنية بالواقع تمر أيضاً بالضرورة عبر علاقتها بالبنية الأيديولوجية التي تحتويها. إن الحقل الاجتماعي لتطور الفكر إذن، ليس سوى هذه البنية الأيديولوجية الخاصة ببنية اجتماعية محددة. وهذه البنية الأيديولوجية وحدة تناقضية لبنيات فكرية متصارعة تعكس في الفكر صراعاً هو في حقيقته الاجتماعية صراع طبقي. وظهور الحقيقة الطبقية لهذا الصراع الفكري مرتبط بشكل وثيق جداً بظهور هذا الصراع كصراع بين بنيات فكرية داخل وحدة البنية الأيديولوجية. لا كصراع بين أفكار فردية أو منفردة. فإظهار هذا الصراع الفكري كصراع بين أفراد تحولوا، بقدرة قادر، إلى أفكار مجردة، هو ما تلجأ إليه عادة الطبقة الحاكمة، في صراعها الطبقي على المستوى الأيديولوجي، كمحاولة لتفتيت عدوها الطبقي وكسر حدته النضالية.
للبنية الفكرية إذن، طابع اجتماعي هو طابعها الطبقي. معنى هذا أن البنية الفكرية هي الإطار الذي يتحدد فيه الوعي الأيديولوجي الخاص بطبقة اجتماعية معينة، أو ما نسميه بأيديولوجية هذه الطبقة الاجتماعية. ولا شك في أن تطور فكر الفرد لا يتم إلّا في إطار أيديولوجية طبقية محددة، كما أن تطور أيديولوجية هذه الطبقة لا يتم بمعزل عن أيديولوجيات بقية الطبقات الاجتماعية، بل في صراع معها داخل وحدة البنية الأيديولوجية الخاصة بالبنية الاجتماعية المحددة. وما هذا الصراع بين الأيديولوجيات الطبقية، أي بين مختلف البنيات الفكرية، سوى شكل من أشكال الصراع الطبقي، أي مظهر من مظاهر الصراع السياسي في البنية الاجتماعية. إن للبنية الفكرية إذن، بالضرورة، طابعاً أيديولوجياً هو بالذات طابعها الاجتماعي الطبقي. فالطابع الاجتماعي لهذه البنية لا يأتيها من علاقتها المباشرة بالواقع الاجتماعي ـ لأن هذه العلاقة كعلاقة مباشرة غير ممكنة أصلاً ـ بل من وضعها الصراعي داخل البنية الأيديولوجية الخاصة بالبنية الاجتماعية.
إن ما يحدد هذه البنية الأيديولوجية كبنية هو كونها وحدة لتناقضات بنيوية لا لتناقضات فردية، أي إن علاقة التناقض بين مختلف الأيديولوجيات الطبقية هي التي تنسج في تطورها وحدة البنية الأيديولوجية، فتحدد المستوى الأيديولوجي كبنية متميزة داخل البنية الاجتماعية الشاملة.
إن المستوى الأيديولوجي في البنية الاجتماعية هو إمكان ظهور التناقضات الطبقية بأشكالها المختلفة، للوعي الاجتماعي. غير أن هذا الوعي ليس واحداً عند كل الأفراد، فهو يختلف، بشكل عام، باختلاف انتماءاتهم الاجتماعية، أي باختلاف وضعهم الطبقي داخل البنية الاجتماعية الواحدة. والاختلاف في الوعي، بين فرد وآخر، لعلاقة الفرد بعالمه الاجتماعي ليس في جوهره اختلافاً فردياً بل طبقياً، برغم وجود اختلافات في هذا الوعي بين أفراد طبقة اجتماعية واحدة. معنى هذا أن تعقد البنية الأيديولوجية ليس ناتجاً من تعدد وعي الأفراد بل من تعقد البنية الاجتماعية كبنية طبقية. فالوعي الفردي لا يدخل في تكوين البنية الأيديولوجية كوعي فردي بل كوعي طبقي، أي إن وجوده في هذه البنية يتمثل بوجود الوعي الطبقي الذي يحدده الوجود الاجتماعي لهذه البنية. حين نتكلم عن البنية الفكرية داخل البنية الأيديولوجية نقصد بالذات هذه الحدود الطبقية التي يتحرك ضمنها فكر الفرد، فيتخذ بتحركه المحدد هذا طابعه الاجتماعي. لهذا، يستحيل على الفكر الفردي أن يكون في علاقة تفاعل مباشرة مع الواقع الاجتماعي، فعلاقته بهذا الواقع تمر بالضرورة عبر علاقته بالبنية الفكرية التي تحدده، كما أن علاقة هذه البنية بالواقع تمر أيضاً بالضرورة عبر علاقتها بالبنية الأيديولوجية التي تحتويها. إن الحقل الاجتماعي لتطور الفكر إذن، ليس سوى هذه البنية الأيديولوجية الخاصة ببنية اجتماعية محددة. وهذه البنية الأيديولوجية وحدة تناقضية لبنيات فكرية متصارعة تعكس في الفكر صراعاً هو في حقيقته الاجتماعية صراع طبقي. وظهور الحقيقة الطبقية لهذا الصراع الفكري مرتبط بشكل وثيق جداً بظهور هذا الصراع كصراع بين بنيات فكرية داخل وحدة البنية الأيديولوجية. لا كصراع بين أفكار فردية أو منفردة. فإظهار هذا الصراع الفكري كصراع بين أفراد تحولوا، بقدرة قادر، إلى أفكار مجردة، هو ما تلجأ إليه عادة الطبقة الحاكمة، في صراعها الطبقي على المستوى الأيديولوجي، كمحاولة لتفتيت عدوها الطبقي وكسر حدته النضالية.
للبنية الفكرية إذن، طابع اجتماعي هو طابعها الطبقي. معنى هذا أن البنية الفكرية هي الإطار الذي يتحدد فيه الوعي الأيديولوجي الخاص بطبقة اجتماعية معينة، أو ما نسميه بأيديولوجية هذه الطبقة الاجتماعية. ولا شك في أن تطور فكر الفرد لا يتم إلّا في إطار أيديولوجية طبقية محددة، كما أن تطور أيديولوجية هذه الطبقة لا يتم بمعزل عن أيديولوجيات بقية الطبقات الاجتماعية، بل في صراع معها داخل وحدة البنية الأيديولوجية الخاصة بالبنية الاجتماعية المحددة. وما هذا الصراع بين الأيديولوجيات الطبقية، أي بين مختلف البنيات الفكرية، سوى شكل من أشكال الصراع الطبقي، أي مظهر من مظاهر الصراع السياسي في البنية الاجتماعية. إن للبنية الفكرية إذن، بالضرورة، طابعاً أيديولوجياً هو بالذات طابعها الاجتماعي الطبقي. فالطابع الاجتماعي لهذه البنية لا يأتيها من علاقتها المباشرة بالواقع الاجتماعي ـ لأن هذه العلاقة كعلاقة مباشرة غير ممكنة أصلاً ـ بل من وضعها الصراعي داخل البنية الأيديولوجية الخاصة بالبنية الاجتماعية.
إن ما يحدد هذه البنية الأيديولوجية كبنية هو كونها وحدة لتناقضات بنيوية لا لتناقضات فردية، أي إن علاقة التناقض بين مختلف الأيديولوجيات الطبقية هي التي تنسج في تطورها وحدة البنية الأيديولوجية، فتحدد المستوى الأيديولوجي كبنية متميزة داخل البنية الاجتماعية الشاملة.