صفحة 1
مقدمة
كان لرحيل الشاعر والناقد: صامويل كولريدج (1772-1834) من إنكلترة إلى ألمانيا الأثـرُ الكبير في اطلاعه على الفلسفة المثالية الألمانية التي تأثر بها شعره ونقده، وظهر هذا التأثر جلياً في كتابه النقدي الهام (النظرية الرومانتيكية)، وفيه ميّز كولريدج بين الخيال الأولي والخيال الثانوي، وأنجز نظريته في الوحدة العضوية.
وكان لرحيل الشاعر: وليم ووردزورث (1770-1850) من إنكلترة إلى فرنسا الأثـرُ الكبير أيضاً في اطلاعه على أفكار الثورة الفرنسية والشعر الرومانسي الفرنسي، وعندما التقى هذان الشاعران في لندن عام 1798 أصدرا ديواناً مشتركاً: قصائد قصصية غنائية (Lyrical Ballads)، الذي يعتبر الانطلاقة الأولى للشعر الرومانسي الإنكليزي، وقد استهلّ ووردزورث هذا الديوان ببيان نقدي على طريقة الشعراء الفرنسيين.
اشتهر كولريدج و ووردزورث كمؤسسين للرومانسية الإنكليزية، إلا أن المتتبع يلاحظ أن ملامح الرومانسية الإنكليزية قد ظهرت قبل هذين الشاعرين، ولا سيما عند الشاعر: وليم بليك (1757-1827).
من عيون الشعر الرومانسي الإنكليزي اخترتُ عدة قصائد، وقد قمتُ بترجمتها شعراً موزوناً، في محاولةٍ لتعويض شيء من القيم الجمالية التي يفقدها الشعر عندما يترجم إلى لغةٍ أخرى، جاءت معظم هذه الترجمات على تفعيلة البحر الخبب (فعلن)، باعتبارها الأقرب إلى موسيقى الشعر الإنكليزي، الذي تقوم بنيته الإيقاعية على مقاطع صوتية يتألف كل منها من حركة وسكون، أي ما نسميه: ( السبب الخفيف) في علم العروض العربي.
هذا الكتاب هو مجموعة ترجمات ومقالات كتبتُها بين عامي 2009 و 2010، ونشرتها في الصحف السورية.
المترجم
حمص - 2010
صفحة 2
وليم بليك
(William Blake)
ولد وليم بليك (William Blake) في لندن عام 1757 وهو رسام ونحات وشاعر رؤيوي، لم يحظَ بأي تعليم رسمي، غير أنه تدرب في الأكاديمية الملكية على النحت، ثم قام بفتح متجر للرسم في لندن عام 1784.
من أهم أعماله الشعرية: أغاني البراءة (Songs of Innocence) عام 1789، زواج الجنة والجحيم (The Marriage of Heaven and Hell) عام 1793، أورشليم (Jerusalem) عام 1820 وهي ملحمة شعرية تعالج سقوط البشرية وخلاصها.
عاش بليك على حافة الفقر، وكان الناس ينعتونه بالجنون بسبب تعصّبه لأفكاره وميوله الروحانية، يتميز شعره بحساسيةٍ عالية، وبقدرةٍ فريدة على التجاوب بين الإنسان الطبيعة.
إن العودة إلى قصائد بليك تدل على أنه أول الرومانسيين الإنكليز، وأن أعماله شكلت حجر الأساس الذي بنى عليه الرومانسيون الآخرون، لكنه كان مهمِلاً في التنظير لمذهبه الجديد، كما كان مهملاً في حياته، إلى أن قتلته هذه العبثية عام 1827.
من شعر وليم بليك اخترتُ قصيدة: إلى الخريف (To Autumn)، والخريف من أكثر الموضوعات إثارةً لشغف الرومانسيين، وقصيدة: لندن (London) وفيها يظهر موقف الرومانسيين من المدينة الصناعية الحديثة وما سببته من شقاء للإنسان.
صفحة 3
إلى الخريف
وليم بليك
يا خريفُ..
أيا مثقلاً بالثمارِ
ومصطبغاً بدمِ الكرْمِ
قفْ..
واسترحْ تحت سقفي الظليلِ
هنا سوف ترتاحُ،
غنِّ بصوتكَ مبتهجاً
ومؤتلفاً مع عذوبةِ مزماريَ
الآن هيّا..
سترقصُ كلُّ الصبايا
فغنِّ لنا أغنياتِ اشتهاءِ الفواكهِ والورد.
إنها برعمٌ ناعمٌ
يتفتحُ في الشمسِ
والعشقُ يسري بأوردةِ الشهوةِ البكرِ،
حولَ جبهةِ هذا الصباحِ
تفتّحَ من وردها ما تفتحَ
ثم تلوَّنَ خدُّ المساءِ خجولاً بحمرتها،
ها هو الصيفُ جاء يغني لها
والغيومُ تبعثر ريشاتها البيضَ
صفحة 4
كالوردِ تنثرها حولها.
" إنّ روحَ الهواءِ
تعيشُ على عطرِ هذي الثمارِ،
يطوفُ الهناءُ بأجنحةِ الريشِ
حول الجنانِ..
يطوفُ بلا وجهةٍ
ثم يجلسُ تحت الشجرْ"
هكذا..
كان يشدو الخريفُ سعيداً
ومن ثم قام..
وسار لأعلى التلالِ
هناك.. اختفى..
تاركاً..
حِـمْـلَـهُ الذهبيَّ هنا.
صفحة 5
لندن
وليم بليك
كنتُ تجوّلتُ بكلِّ شوارعها المأجورةِ
حيث تهبُّ الأفكارُ المأجورةُ،
أبصرتُ على أوجهِ من أبصرتُ
علاماتِ الضعفِ.. الخيبةِ.. والبلوى
في كلِّ بكاءٍ من رجلٍ
في كل دموعِ رضيعٍ يبكي خوفـاً
في كلّ الأصواتِ..
وفي صمتِ الحرمانِ..
سمعتُ الفكْـرَ الزائفَ كيف يقيّـدُنا!
كيف الكنّاسُ بكى؟
يبكي كنّاسُ المدخنةِ
على كلّ كنائسنا السوداءِ،
رأيتُ الجنديّ البائسَ يتنهّـدُ
يركضُ..
ينزفُ..
تحت جدارِ القصر العالي
وكثيراً ما أسمعُ
في شارعِ منتصفِ الليلِ
نحيبَ العاهرةِ اليافعةِ..
تكرّرُ لعنَتها:
تلعنُ دمعةَ طفلٍ باكٍ
تدعو بالطاعونِ..
على مركبةٍ تحملُ أكفانَ الموتى
مركبةٍ سمّاها الناسُ: زواجْ.
صفحة 6
London
William Blake
I wander thro' each charter'd street
Near where the charter'd Thames does flow
And mark in every face I meet
Marks of weakness, marks of woe.
In every cry of every Man
In every Infants cry of fear
In every voice: in every ban
The mind-forg'd manacles I hear
How the Chimney-sweepers cry
Every blackning Church appalls
And the hapless Soldiers sigh
Runs in blood down Palace walls
But most thro' midnight streets I hear
How the youthful Harlots curse
Blasts the new-born Infants tear
And blights with plagues the Marriage hearse