صفحة 1
كلمة !
لست شاعراً بالتعريف الدقيق للكلمة، ولكنني ذوّاقة للشعر كالكثيرين من أبناء الضاد، وقرّاء له في قديمه وحديثه· وكانت تلك الممارسة هواية فكرية وجدت، بغتةً، مجالاً واسعاً لها لنفث لواعجي النفسية في محنة طويلة ألمت بي مدة ثلاث عشرة سنة من 9 6 9 1 - 2 8 9 1، فعكفتُ على التعبير عنها شعراً بنفَسٍ إنساني في محاولة مني للتغلب على كوارث الآلام ومفارقات الفجيعة·
كتبتُ هذه المقطوعات الشعرية قبل أكثر من ربع قرن، في سجن، وهي في ديواني المخطوط (أعوام الرمادة) والملحق بمخطوطتي (سلالة الطين) غير المنشورة· وهذه المخطوطة هي عبارة عن سيرة ذاتية كنت أرى أنها ينبغي أن تنشر كلها بفصولها المتكاملة من غير تجزئة· وقد تأخر النشر كثيراً بسبب الأقسام الأخيرة من السيرة التي تحول الظروف القائمة دون نشرها· أما وقد اقدمت على أن أستل منها الفصل الخاص بالأمير عبد الإله (وقد نشرته مؤخراً المؤسسة العربية للدراسات والنشر) فلم يبق عندي ما يبرر حجب أشعاري عن الناس·
هذا الشعر ذاتي محض· فعسى أن يثير في القارىء شيئاً من الانفعال· أما إذا وجد فيه قيمة فنية في التعبير أو التصوير فسيكون ذلك تكريماً عفوياً لنتاجات عابرة·
ع· ع
عمان
آذار 2 0 0 2
صفحة 2
-1-
حين عزمتُ على الكتابة عن مختارات من ديوان (أعوام الرمادة) تردّدت، واعتزلتُ الكتب والناس، وخلوتُ إلى تلك النّفس الأمّارة اللوّامة علّها تقدّم شيئاً من العون، أو تفتح كوَّة في ذلك الظلام الدامس الذي أتلمّسه فلا أجد شيئاً· وحين أردت الكلام بادرتني هي بالسؤال: ماذا ستقول؟ وهو السؤال الذي أعرفه غير أنّني أتجّنبه· قالت النفس: ماذا ستقول؟ وهل تستطيع أن تكون محايداً وأنت تكتب عن هذا الشعر؟ هل تستطيع أن تتحلّى بالموضوعية والمنهجية اللتين طالما ألححت عليهما، ووضعتهما نصب عينيك وأنت تدرس وتحكم؟ ولم أجب، فتابعت هي قائلةً: هل تقدر أن تنسى أو تتناسى علاقة العمومة، ووشائج الروح، ورابطة الألفة تلك التي جمعتكما على اختلاف في العمر، والتجربة، والزمن؟
كانت تلك الأسئلة أشبه بالجمرات التي تكوي، وليس من فرار أمامها· وصمتُّ مرة أخرى، وراحت تقول هي ثالثة، وغريبٌ أمر هذا الموقف الطويل الشاقّ، السكوتُ من جانبي، والكلام من جانبها، التجنّب من عندي، والمواجهة من عندها، التريّث من دأبي، والعجلة من طبعها، وراحت تقول قولاً هو أقرب الى الجواب منه إلى السؤال : لا، لن تستطيع، فمهما حاولتَ، واستجمعتَ، واحتشدتَ فستعجز؛ لأنَّ الحياد في أمثال هذه المواقف عسير عُسْرَ الموضوعية ذاتها، شاقّ مشقّة المواجهة عينها·
غرقتُ بعدها في الصمت، وكان ذلك الصّمت إيذاناً منها بتركي لمصيري أقلّب الأمور على وجوهها، وأُعمل فيها الفكر حتى أهتدي إلى حلّ، واسعفتني الذاكرة بما كان يردّده أحد أدباء العربية الكبار، وعلمائها المتميّزين هو الشيخ محمود شاكر تغمّده الله برحمته في كتبه وأحاديثه، وما سطره بوضوحٍ بعد هذا في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) من حديث عن الموضوعية والتجرّد وهو يحاور الدكتور طه حسين الذي ذهب في كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي) إلى أنّ على الباحث (أن يتجرّد من كلّ شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل بحثه خالي الذهن خلوّاً تاماً ممّا قيل)، فيعقّب الشيخ شاكر بقوله : (إنّ هذا شيء لا أصل له··· بل هو خارج بهذه الصورة عن طوق البشر· هَبْه يستطيع أن يخلي ذهنه خلوّاً تاماً ممّا قيل، وأن يتجرّد من كلّ شيء كان يعلمه من قبل، أفمستطيع هو أيضاً أن يتجرّد من سلطان اللغة التي غذي بها صغيراً، وبها صار انساناً ناطقاً؟ ···
صفحة 3
أفمستطيعٌ هو أن يتجرّد كلّ التجرّد من بطشة الأهواء التي تستكين ضارعةً في أغوار النفس، وفي كهوفها تمرق من مكمنها لتستبدَّ بالقهر وتتسلّط) (ص 13)، وهذا رأي له وجاهته، فالإنسان أيّ إنسان لا يمكن أن ينس ذلك كلّه فَلِمَ أكون بدعاً بين القوم، ناهيك عن أنّه ليس من طبائع البشر والأشياء على حدٍّ سواء، فكيف أنس (اللغة) بيننا؟ ولا أريد باللغة اللسان وحده، بل المشاعر المشتركة، والمواقف المتشابهة على تباين العمرين والزمنين ذلك الذي ألمعتُ اليه فيما سبق، وكيف أنس (الوشائج) و (العلائق) وأنا أقلّب (أعوام الرمادة) وأقرؤه؟ لستُ بمستطيع ذلك فو ليس بمُكنتي، بل هو فوق طاقتي، غير أنّ هذا لا يعني من وجهٍ آخر أنّ النعوت يجب أن تكال جزافاً، وتنثال الأوصاف مدراراً، فهو غير مقبول من جانبي، أو من ميزان الحدّ الأدنى من الموضوعية، أو حتى من صاحب الديوان نفسه، وهنا يبزغ أمرٌ جديرٌ بالتوقف والتنويه، وهو إنّ صاحب الديوان لا يقدّم نفسه شاعراً كبيراً يزاحم الشعراء بالمناكب، ويطلب من الآخرين أن يُحلِّوه مكاناً سامقاً بين الشعراء في عالمهم ذلك الذي لا تدركه إلاّ القلّة، وهو من سمات التواضع الأصيل فيه الذي عرفته، وعرفه غيري أيضاً، ولذلك ووفق ما تقدّم - قلت للنفس : سنقرأ ذلك الشعر بروح الودّ والمحبّة، وإقامة جسور فنيه للفهم والتفسير، ذلك أنّ مواجهة النصّ - وهي تعلم ذلك - هو ما اتّخذته سبيلاً في قراءة أيّ شعر بلا ثرثرة طويلة عن المناهج، والاتجاهات، والتيارات وما إليها، تلك التي أصبحت أشبه بمضغ الماء، واصطياد الهواء في شَبَك· ومواجهة النصّ تعني محاولة قراءته قراءة لغوية تحلّل ألفاظه، وتراكيبه، وموسيقاه مستعينةً بقدر يسير معقول بما (حول النصّ) يعين على فهم المضمون، وكشف موقف الشاعر من القضايا الوجودية كالانسان، والكون، والموت وما إليها، غير أنّ اللغة تظلّ مركز النور، وبؤرته المشعّة، وخصوصاً جانب التصوير فيها، فهي والموضوع شيئان لا يمكن فصلهما وإلاّ استحال الكلامُ على الكلام الشعري إعادة نثره مرة أخرى، وشتّان ما بينهما، وهو مما لا يرضي أحداً من الأطراف : الشاعر، والقارئ، والقارئ الآخر·
بدت معالم الرِّضا على وجه تلك النّفس، وكأنّها قرّت عيناً بهذا الذي سمعت، فلم تردّ، فلأتركها قليلاً بعدما استبان الطريق، وأنصرف إلى الشعر محاولاً الدخول إلى فضائه، وسبر أغواره·
صفحة 4
- 2-
هناك ثلاثة محاور يأخذ بعضها برقاب بعض في الشعر الذي بين أيدينا هي الذاتية، والتصوير، والموسيقى، يُسلم الأول الى الثاني، ويؤدّي الثاني إلى الثالث في تناغم متناسب، وإيقاع منسجم، ويتحرّك الشعر في ظلالها ليعبّر عن الموقف متلبّساً بالصورة، منتقياً من الأوزان ما يناسب الموقف والصورة معاً·
وتتجلّى الذاتية بوضوح في بروز هذه (الأنا)، وقوّتها وسيطرتها على عالم الشعر بحيث تكون الصوت الوحيد المتفرّد في غالب الأحيان، ونقول في غالب الأحيان لأنّنا لاحظنا أنّ الشاعر يعدل عنها مرة هنا، وأخرى هناك ليختار تشكيلاً قريباً من المسرحي بما فيه من حدث، وشخصيات، وحوار، أو يوظّف (القناع) يستتر خلفه لينوّع من الأساليب، وهذا - كما هو معلوم - من عناصر صنعة الشعر التي يلجأ إليها الشاعر ليقينه من أنّ الذاتية بما فيها من المباشرة لا تكفي لمواجهة الموقف الذي يريد تصويره، وهو ما سنراه فيما بعد·
ونحن نعلم أنّ الذاتية نزعة رومانسية أصيلة، وجدناها في الشعر العربي متمثّلة في كبار أعلامه مثل خليل مطران، وأبي شادي، وابراهيم ناجي، وعلي محمود طه، أمّا المهجريون فقد حازوا قصب السّبق فيها من حيث الالحاح عليها، وتأصيلها، وجعلها المحور الذي تدور عليه الأفلاك في شعرهم· والذاتية دوحة وارفة الظِّلال تتفرّع منها غصون وأفنان، وهي حديث عن النفس من جهة، وهي في الوقت عينه مرتكز للخروج إلى رحابة الآخر سواء أكان واقعاً ضيّقاً، أم وطناً، أم حتى عالماً فسيحاً متّسعاً، لكنّ الذاتية تظلّ أشبه بذلك النهر المنساب الذي يغذي الجداول المتفرّعة عنه يمدّها بالحياة، بيد أنّه يمنحها حريّة التحرك والانتقال، فهي ليست سجناً للذات بقدر ما هي نظرة شاملة تعرف بدايتها وهي الذات ولكنّ نهايتها مجهولة حسب مواقف الشاعر وامكاناته·
في قصيدته (في مجاهل ملكوت آخر) تواجهنا تلك الذاتية شامخة قوية غير أنّ لها تفرّعاتها التي تُطلّ منها على ذلك الآخر الذي أشرنا إليه، يقول :
في الأسر؟ أم في فلوات الخيال
أين أنا ؟
ما بين فكّي الرحى تطحن أوصالي فلا تبقي ولا حتى على الظلال·
ويحك! هل تريد أن يمتدَّظلّ الشيء بعد أن يمحقه الزوال؟ لكنها - يا عجباً - تدّخر الاغلال
صفحة 5
تلك الرحى تدّخر الاغلال
تتركها هناك حيّةً كحيّةٍ، تقبع في الرمال
غليظة القيد، رخيّاً غلقها، فحيحها كبحّة الحبال
تلتفّ تنّيناً على تنين
لكنّ أسنان الرحى غبية الأنياب والثنايا والرُحيّ
تعلس لحمي ودمي، تهرس عظمي
وتترك المشعل في روحي مؤجج الفتيل
غبيةٌ طاحونة الرحى
كأنّها صبيةٌ تعبث بالدمى
هذي العصارات التي تلفظها غنيّةٌ
لكنّها تنبذها كأنّها نواة
يا لغباء أسنان الرحى
تجترّني كجوف وحشٍ كاسر
وتلفظ العصارة التي تفيض بالحياة·
صفحة 6
(الأنا) محور القصيدة، فهي التي تعاني وتتعذّب، يُمزَّق لحمها، ويُهرس عظمها، وتصل إلى حافة الموت· ولكن ما بال هذه (الرحى) التي تقف صلبة، خالية من المشاعر، هادرة كالسيل لا يقف أمامها شيء· هي طرف الصراع الثاني· (الأنا) تتعذّب والرحى سبب العذاب، (الأنا) تظمأ والرحى ترتوي بظمأ هذه (الأنا)· (الأنا) تذوى وتضمحلّ وتكاد تتلاشى والرحى ماضيةٌ في عملها لا يوقفها شيء، كأنَّ حياتها في موت (الأنا)، وبقاءها في زوالها· الصراع بينهما شخصي يحقّق الذاتية، ولكنّنا نتلمّس فيه بُعداً آخر يمدّ الشاعر فيه بصره الى الخارج، وهذا الخارج قاسٍ لا يرحم· إنّ الشاعر ينقلنا من الذات إلى الآخر الذي هو أرحب، وأكثر اتّساعاً غير أنَّ النظرة إليه قاتمة سوداء تشبه صنيع الرحى، الظلال كثيفة، والصبح بعيد، ولكنّه يبصر من خلال تلك السُّجف المتراكبة بصيصاً ضعيفاً:
حتى لينمو في عذارى الفكر شيء من مسيحٍ كالخرافة
يخفق من خلف غلالات المسافة
يلوح ممشوق القوام يدعونا كلينا
فتلمع البروق في صدورنا
تنتظر الميلاد·
ولا بدَّ للصراع من آخر ولكن لا لينتهي بل ليبدأ صراع جديد ومن نوع آخر، الذات هي المركز لكنّها تمدّ نظرها إلى هذا الفضاء اللامتناهي· ونرى ذلك مرة أخرى في قصيدة (قرية المجد) حين يقول:
كان لي في قرية المجد صحابٌ وخمائلْ
ونجوم تلد الضوء لأخرى ومشاعلْ
وكروم يقف الدهر على صهبائها وقفة سائلْ
أين منّي قريتي أطلالها أضحت زوائلْ
الأماسيّ خوالٍ والأناسيّ رواحلْ
قريتي لم يعد يطرقها في خلوتي حلو الشمائلْ
بل رسلٌ من زمن نغلٍ محنّى برذائلْ
صفحة 7
إنّها قرية ليست كالقرى، هي قريته التي تفيّأ ظلالها، وأوّل ما مسّ جلده ترابها، لقد اختار لفظ (القرية) وعدل عن (المدينة) أو (الحارة) لما يحمله هذا اللفظ من ظلال القداسة، وليست (أم القرى) ببعيدة عنّا· كما إنّ فيها معنى الاتساع ممّا يعمّق من فكرة النظرة الشمولية التي يريدها من خلال (الأنا)· (الأنا) شاخصة مرة أخرى لكنّها في موقف مختلف، فهي ترى ما حولها بغير ما كانت تراه سابقاً:الجمال مقابل القبح، الجياد مقابل الرسل، النجوم والكروم مقابل الرذائل، هو الصراع ثانية، وأليست هذه الثواني: القبح، والرسل، والرذائل رحى هي الأخرى اتّخذت أشكالاً وأزياء مختلفة، فهو يجعل من القرية ونفسه شيئاً واحداً، وهذا التوحّد تحقيق للذاتية في انفتاحها ومشاركتها، يقول:
أنتِ مثلي، قمري في أفق القطب وليلي متطاولْ
مقفر الروح، كسير الدّوح، مشدوه المحيّا متسائلْ
أوحد اللوعة، مكفوف الكرى، مبهم المهجة، مشكاة نوازل
وتتلاحق الأوصاف لتعمّق من فكرة التوحّد تلك، وتمنح الذاتية أبعاداً خصبة من الاتّساع والشمول·
وتأخذ الذاتية مسلكاً آخر، ومنحى مغايراً تتمرّد فيه على نفسها، وتختطّ لدربها نهجاً فيه من الاختلاف عن الذي رأيناه الشيء الكثير· ويبدو أنّ المباشرة والدوران حول الذات لم يعودا كافيين للتعبير، فليصطنع شكلاً آخر يكون فيه أقدر على تصوير الموقف من جهة، وأكثر عمقاً في الغوص على الموضوع من جهة أخرى، ويجيء محاطاً بهالة من الموضوعية، والانفصال الجزئي عن الذات· وقد تحقّق ذلك في قصيدة (قالت لي الأشجار) التي نراها متمّزة في المختارات، وهو وإن مسّ هذا الموضوع في قصائد أخرى غير أنّها تقف وحدها محقّقة تلك الموضوعية، ومستعينة بالمسرحي ذي الصوت المسموع معاً· يقول :
على ضفاف بركة الأحلام في وسادتي
غابة أشجار
تعود في نومي إلى الظهور
يلعب في ظلالها الصغار
صفحة 8
دهر من السنين لا أرى القدّاح في البساتين
ولا أرى الأطفال
لا أعرفهم
إلا على حافة كابوسٍ بحجرة الظلام
ومرة قامت أمامي سنديانة تقول:
قف !
وقبل أن أفيق من دوامة الذهول
راحت تحاكيني كأنّ في لسانها تجربة الحكيم
يختلف هذا المقطع - وسترد مقاطع القصيدة الأخرى فيما بعد - عمّا رأيناه سابقاً من وجوه مختلفة، فهو يأتي هادئاً منساباً لا يثير من حوله ضجَّةً أو صخباً وكأنَّه يمهّد المشهد لما سيجيء بعده،· وهو أيضاً يتخفّف من وطأة الذاتية لينقل الحدث كلّه الى السنديانة التي ستقوم بالدور الأكبر فيه· وليست السنديانه أمراً عابراً يراد بها قشرة خارجية كالذي نعهده في جمهرة واسعة من شعر الطبيعة القديم، بل هي مدار الموضوع كلّه، هي (القناع) الذي يستتر الشاعر خلفه ليتركها تتحرك، وتقول· وتأتي بعد هذا بقية المشاهد:
قالت : إذا كان يسؤوك اختصار ما تجول فيه من مكان
فانظر إليّ
إنيّ لا أشغل في الحيّز إلاّ بقعةً صغيرة على مدى الزمان لكنني أغوص في الأرض بكلّ ما لديّ من جذور
وأرتقي في الجوّ من فوقي بكلّ ما لديّ من أغصان
أمتص في السكون ما يكمن في التراب من خلاصة الحياة
تحيطني الديدان·
وأنشر الأوراق في الفضاء خضراء تحيطني الطيور
ألا ترى؟ فلا يهمّك الدبيب·
صفحة 9
فليس بين العفن الداكن في مجاهل الأوحال
وبين زرقة السماء والهواء، والهديل في سرادق الحمام
سوى امتداد قامتي
ألا ترى؟
ألا تسمع هذا المهرجان حول هامتي
حتى كأنّ هذا الانحصار في المكان
كأنّ هذا الضيق في الحراك، أو في الانتقال
يجعلني وارفة الظلال،
لكلّ من يريد أن يحطّ عن كاهله الكلال
يجعلني ثابتة
تبني عليّ الطير ما تشاءُ من أعشاشها
حتى إذا عادت إلى صغارها عِشاء·
فإنهم هناك، فوقي هناك·
الموضوعية والحوار هما جوهر ذلك المقطع· تبدأ السنديانة بعد أن أخذت زمام المبادرة، وأصبحت الضوء الوحيد في المشهد، أقول تبدأ بمحاكمة الموقف محاكمة أقرب الى العقلانية منها إلى العاطفة، إلى التريّث والتمهّل منها إلى الاندفاع والانهمار· ومن خصائص القناع أن يكون كذلك (ليضفي على صوته نبرة موضوعية شبه محايدة تنأى به عن التدفّق المباشر للذات) (د· جابر عصفور، أقنعة الشعر المعاصر، مجلة فصول، سنة 1 8 9 1)· وقد أتاح هذا اللون التعبيري للشاعر فضاءً واسعاً للحركة، وقدّم له طاقات جديدة عبّر فيها عن موقفه بعمق وخصوبة، وكان لا بدّ لتلك الموضوعية من خلال عنصر التجاذب، أو قل الصراع بين الشاعر والقناع أن تنتج ذلك الحوار الذي دار بينهما، وهو الآخر حوار هادئ خافت الصوت، وليس هذا بغريب، فهو من المستلزمات الجوهرية لذلك الرمز، بيد أنّ السنديانة يظلّ لها الصوت الأعلى فهي التي تدير دفّة الحوار، بل دفّة القصيدة كلّها ، و يستمرّ :
أما إذا داهمني الإعصار
صفحة 10
فما عليّ إلاّ الاصطبار، لا خيار لا خيار
لا تبتئس، قالت لي الأشجار
فأنت كلّما حاصرك المكان
تكون مثلي
تعيش للأغيار
سقفاً من الأغاني لملاعب الطيور
وربّما تأوي إلى غصونك الصقور
ويحتمي في ظلّك المتعب من أسفاره
والضالّ في تجواله
وربّما يغفو على بساطك العشاق في أمسية اختباءْ
لا تبتئسْ
فأنت كلّما حاصرك المكان
تقترب النجوم منك في الليالي حينما يأخذك الهلوع
حتى كأنّ ضوءها مساحة شاسعة السطوع
لا، لا تبتئس
فكلما ضاق بك المكان
فاض بك الخير على الغير
وناداك الجوار للخلود لو تريد
إطار متكامل من الحكمة تلقيه تلك السنديانة ومعها الأشجار، وهي حكمة مليئة بالتفاعل والتوتر، بعيدة عن الوعظ والتوجيه، فذلك القناع يحوم ولا يقع، يشير ولا يحدّد، إنّه أداة فاعلة شعّ التأمّل بين جنباتها، وأحسن الشاعر في استخدامه، إذ قال به أشياء وأشياء، وظلَّ مرتبطاً مع الأصل بذلك الخيط الرفيع الذي لم تره العيون ولكن أحسَّت به، وهو الحزن الدفين، وهذا بدوره أثّر تأثيراً واضحاً على التصوير الذي سيكون مجال الحديث الآن·