eKtab
EN ع
ملعون
اقرأ عينة مجانية

ملعون

بقلم إيهاب قاسم

صفحة 1
حنحارب

1

خيّم السكون وتوقفت الأنفاس.

الريس حيخطب ويقول وينكت ويسخر من هذا وذاك ويسب زبيبة أمهاتهم إن لزم، والشعب حيهيص ويضحك حتى الثمالة، وتدور سواقي الغناء سيالة، فالحرب قامت منذ أيام، وبيانات النصر تتوالى.

القدس على مرمى البصر ووجبة الغداء القادمة في تل أبيب.

البحر ينطبق الآن على بني إسرائيل، وها هم يفرون مهرولين عائدين من حيث أتوا.

والريس حيخطب ويقول.

ترى هل سيدعو الأمريكان الإمبرياليين للشرب من البحر الأحمر مرة أخرى؟

أم أنه سيعاود نتف ذقن الملك الرجعي المتعفن أبي سكسوكة؟.

الناس ملمومة على بعض، آذانهم متشعلقة في الراديو وأعينهم ملتصقة بشاشات التلفزيون.

الكون في لحظة سكون، والريس حيخطب.
صفحة 2
2

لم يطل ذهول علاء كثيراً، وبرغم أنه لم يفهم بدقة معنى كل ما يقال أمامه في التليفزيون، لكن بكاء الأم الحارق وشرود الجد المصدوم كانا كافيين للرد على كل الأسئلة.

فها هو الزعيم وقد غاض بريق عينيه وتهدلت كتفاه وكأنه يحمل الهرم فوقهما، غابت ابتسامته الواثقة المستهينة بالتحديات واختفى التعليق اللاذع الحريف من على لسانه، تبدل صوته النحاسي المجلجل وبدا رأسه العالي دوماً منكّساً.

أصبح الهواء ثقيلاً ولزجاً، ضاقت جدران الشقة بالألم والأنين وشعر علاء وكأن السقف ينطبق على صدره، فنزل يجرى مهرولاً على سلالم المنزل وهو لا يكاد يرى أمامه.

ألقى بجسده بين الأمواج المتلاطمة من البشر وتعالى صراخ الجميع في نَفَس واحد:

«لأ.. حنحارب....لأ.. حنحارب».

لم يَعِنه من أين يأتون، طوفان من ملايين البشر عجنت معاً وشكلت كتلة واحدة من القهر والألم والرفض، تنساب شلالاً هادراً متدفقاً في الشوارع محاولة أن تصل بصوتها إلى الزعيم....

تردد الصراخ مع كل نفَس: «لأ.. حنحارب».

مع أنين الرجال ونهنهة النساء: «لأ.. حنحارب».

فليسمع الجميع وليفهم الزعيم: «لأ.. حنحارب».

ساعات والحشد يقف أمام منزله، لن يتزحزح أحد من مكانه، والشوارع ما زالت تمتلئ بكتل من البشر، لا يعلم أحد كيف وصل الصعايدة بهذه السرعة وأي عنقاء أتت بالبحاروة في غمضة عين.

وكأن مصر كلها قد انصبت في منشية البكري لتعلن رفضها للموت.

حتى جاءت قبلة الحياة.. شخص ما ظهر.. وقال وأكد وأقسم أن الزعيم باق.

انحسر الفيضان، انتهت المهمة المقدسة، فقد امتلأت الأرض بالغرين الرافض للهزيمة، وتشربت بماء الخلود، وكما أتى فيضان البشر.. عاد، عاد بعد أن قال كلمته وفرضها على العالمين: «لأ مش حنموت.. حنحارب».
صفحة 3
3

يخطو علاء عائداً، يدب بقدم على أنف ليفي أشكول وبالقدم الأخرى على عين ديان، علّه يسحقهما، علّه يفتت تلك الابتسامة اللزجة الهازئة التي ترتسم على وجهيهما. لم تعد تخيفه فرقعات الفانتوم وهي تخرق حاجز الصوت فتحطم زجاج النوافذ وأبواب المحال، اختفى إحساس الخوف تماماً وحل محله حزن عميق لف كل شيء، حتى العمارات بدت حزينة بشرفات خاوية ومداخل مخنوقة بسواتر الطوب الأحمر، محال روكسي الأنيقة بدت مظلمة كالكهوف والشوارع مقفرة، السينمات مغلقة مهجورة، والمحال يقف أمامها أصحابها بنفس مكسورة مأسورة، حتى المترو الذي كان يجلجل ويتمايل طرباً لم يعد له صوت.

تلك الشوارع التي كانت بالأمس حبلى بالبهجة تحولت إلى صحراء صفراء مقفرة صماء.

4

توقف في جنينة شارع العروبة حائراً، إلى أين المسير؟، أين يمكنه أن يجد الراحة والسكينة؟، أيذهب إلى بيت الأب؟ أم إلى بيت الجد؟ هل سيستطيع تحمُّل نظرات أبويه المتسائلة التي ترمي ليل نهار بتلك الأسئلة المخيفة التي ليس لها رد:

«ترى أين محمود؟».

«ولمَ انقطعت أخباره؟».

«متى سيعود؟».

أسئلة لم يستطع أحد التفوه بها ولكنها تغلي في الصدور وتتردد مع كل نظرة عين وترن في وجدان الجميع.

أربع سنوات مرت على هذا اليوم ولا يزال علاء يذكره وكأنه بالأمس، فها هو محمود يخرج مشرقاً من غرفته مرتدياً زيّ الصاعقة ومشمراً عن ساعدين أسمرين مفتولين، ابتسامة فياضة تنير وجهه فتنير الدنيا كلها، زغرودة تلقائية صدحت من قلب داده ريه وهي تلهج بالدعاء والنصر:

«ينصرك على مين يعاديك، ينصرك على مين يعاديك».

فيضحك محمود وكأنة ذاهب إلى عرس، تساقطت دموع ليلى زهواً بما أنجبت وقلقاً بشأن فلذة الكبد الذاهب إلى... اليمن!!

وحده الجد توفيق الطرابيلي كان غاضباً رافضاً، غير مستوعبٍ ولا متفهِّمٍ..

«لم نرسل أبناءَنا ليحاربوا في اليمن!!!».

ولكنه انصهر تماماً ومحمود يحتضنه مودعاً فأخذ يردد:

«ربنا يحميك يا بني، ربنا يحميك».

لقد انقطعت أخبار محمود منذ ثلاثة أشهر، وعلاء اليوم لا يستطيع تحمُّل السؤال حتى ولو لم يقُل.
صفحة 4
5

يصعد درجات السلّم الضيقة المؤدية إلى حجرة الشيخ الجليل الملاصقة لجدار الجامع، يفتح الشيخ بيُّومي الباب ويداه مبلَّلتان تقطران، فيستقبل علاء في فرح والابتسامة العريضة تعلو وجهه وهو يقول: «يا هلا يا هلا، جئت في وقتك، هه متوضئ؟».

يصطف علاء في صف صغير خلف الشيخ بيُّومي ومعه ثلاثة آخرون لم يرهم من قبل، بينما يكبّر الشيخ للصلاة وينوي مردداً:

«نوينا نصلي صلاة شكر لهزيمة الطاغوت الفرعون وآله وجيشه».

يرفع علاء رأسه ويتلفت مذهولاً غير مصدق.

صلاة شكر على ماذا؟ وما دخل فرعون في ما يحدث الآن؟ هل هم حقاً يشكرون الله على انتصار إسرائيل؟

وقبل أن تنتهي الأسئلة المتلاحقة يردد الشيخ:

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ(1)

تتلاحق أسئلة علاء تترى وتضرب رأسه كالعواصف، والشيخ يردد وصوته يعلو أكثر فأكثر:

وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ(2)

من الذي غرق؟

أي جيش؟

من هم؟

ومن نحن؟

فى أي جيش يحارب محمود؟

أهو حقاً في جيش الأشرار؟

أم الأخيار؟

من الذي انتصر؟

ومن الذي انهزم؟

من هم الكفار ومن هم الأبرار؟

من هم ومن نحن؟

يقوم علاء هلعاً فزعاً، مهرولاً يتخبط وهو ينزل السلّم، يرتطم بهذا الشخص الغريب الصاعد فيطرحه متدحرجاً على السلّم، يخرج جرياً إلى الشارع وهو يشعر بأن صدره يتمزق من الألم.

ما أن يدخل شارعهم حتى يلفه عديد النسا.. ويميز من بينهنّ صوات أمّه وهو يخرج متحشرجاً مذبوحاً.

«يا ولدي.. يا كبدي..».

يجلس متكوماً على بسطة السلّم وتفيض عينيه بالدموع.
صفحة 5
طويل العمر

1

تسمّر الشيخ بيّومي في وسط الصالة، زر عينيه محملقاً في هذا الزائر الغريب الهيئة، بعد لحظات من الدهشة ينفجر الشيخ مقهقهاً بأعلى صوته:

«طويل العمر!! ما الذي بدل هيئتك هكذا؟ وماذا أصابك؟».

يدخل غازي البراك مرتدياً جلابية بلديّة ولاسه متهدلة على كتفيه ومنتعلاً حذاء إيطالياً فاخراً، يمسح بيد الدماء النازفة من رأسه، وبيده الأخرى يحاول إعادة شعره النافر والغارق في الفازلين إلى وضعه المستكين.

«هذا الولد الملعون صدمني فأوقعني على السلالم».

«وما هذه الجلابية؟ متنكر واللا إيه؟ لا تخف شياطين الإنس مش فاضيين لنا النهارده، زمانهم قاعدين يولولوا على خيبتهم».

«خيبة من؟ هذا الطاغوت الفرعون لا يزال يجلس على كرسيه؟ ولم يتغير أي شيء. هذا الشعب الغبي يستعذب الذل والهوان حتى الهزيمة».

«دي ناس سارقاها السكينة، الناس نامت تحلم بتحرير القدس صحـت علـى أعـلام بني إسرائيـل وهـي ترفـرف علـى القنـاة».

«تحرير القدس هه، ومن الذي سيحررها؟ .. هؤلاء؟ هؤلاء آخرتهم الزمر والطبل، طيب يجروا على أكل عيشهم بدلاً من الشحاته من هذا وذاك، وأنت أين أتباعك؟ ما نزلوش الشارع ليه؟ ما خلصوش على الطاغوت ليه؟».

«أقول لك الناس سارقاها السكينة و...».

«أنا لا أفهم كلام الفلاحين ده، بلا سكينة بلا كلام فارغ، إحنا وفينا بالوعد، فلوس ودفعنا، ناسك الهاربين ولميناهم عندنا، الجيش وتم ضربه ماذا تريدون أكثر من ذلك».

«أنا كمان وفيت بالعهد والأتباع بقوا زي الرز، لكن لو ولادنا كانوا نزلوا اليومين دول كانت الناس قرقشتهم، الصدمة مذهلة، لكن لما يهدوا ويفوقوا ويحسوا بالجلة اللى حطت على رؤوسهم نبتدي إحنا نتحرك».

«يفوقوا على إيه؟ بكره يفهموهم أنهم انتصروا، وغنوتين من عبد الحليم على نكتتين خلاص، ماذا تغير؟».

يقترب الشيخ الجليل مبتسماً وهو ينظر في عين طويل العمر ويقول:

«حاجات كتير حتتغير، البلد بقالها عشرين سنة بتحارب وتحلم بيوم تحرير فلسطين، الناس ذبحت بسكينة تلمه، الضرع نشف والأمل مات، والنفوس اتبدلت، الشهداء بالآلاف يسدوا عين الشمس.. دمهم لسه ما نشفش وأمهاتهم بتولول وتقول يا رب، وأنا اللي قابض على مفاتيح الجنة، اصبروا شويه، هانت والبلد كلها تقع في حجرنا».

يقوم طويل العمر خارجاً وهو يتمتم بصوت مسموع:

«جيش الفرعون ما فيهوش شهدا، كلهم غرقوا كفرة».

بينما يرتفع صوت الشيخ الجليل:

«الشربات.. أقعد لما أجيب لك الشربات».
صفحة 6
2

تعجب طويل العمر كثيراً وهو يراهم يرقبونه، طوالاً عراضاً بلباسهم المضحك الذي يدل عليهم من بين آلاف البشر، طاقية وجاكتة فوق الجلابية وخرزانة، يقفون على الرصيف المقابل لجامع الشيخ بيّومي ويتابعونه بكل هدوء.

نظر إلى ساعته، لم يبق على موعده مع مايلز كوبلاند سوى ساعة واحدة وعليه أن يهرب من المراقبة بأي طريقة.

أوقف طويل العمر أول تاكسي قادمة وقفز فيها مسرعاً، برغم إحساسه بالخطر فلم يملك نفسه من الابتسام، فلقد استدعى مظهر المخبرين إلى ذاكرته أفلام إسماعيل ياسين التي كان يعشقها صغيراً ويداوم على مشاهدتها هو ووالدته أبكار.

كانت أبكار هي الزوجة الأثيرة والأخيرة للشيخ البراك، وكان ابنها الوحيد غازي، آخر العنقود، هو فتاه المحبب الذي عقد عليه الشيخ آمالاً عريضة.

لا يزال غازي يذكر هذا اليوم، فقد كان في التاسعة عندما دعاه الوالد وأسرّ إليه بقراره.

«أريدك أن تتعلم بشكل أفضل يا غازي، ولهذا فسننتقل للعيش في الإسكندرية، لقد ألحقتك بكلية فيكتوريا، ستكون زميلاً لأولاد الملوك والأثرياء، وسترى دنيا غير دنيانا، دنيا لم يعرفها جيلنا، ويجب عليك أن تعرفها جيداً وتنهل منها قدر ما تستطيع».

بعد عشرة أيام بالتمام والكمال كانت العائلة بأكملها تقف أمام عمارة الدكتور محمد فرج في أحد شوارع جليم، يصدمها هواء البحر وتخترقها رائحته المميزة التي لم يعرف لها غازي مثيلاً قط. أمام تلك البناية الصغيرة ذات الثلاثة طوابق والكائنة على بعد مئة متر فقط من البحر، أنزل سائق التاكسي الشنط بمعاونة عم صميده بواب العقار الذي وضع شنطة على رأسه والأخرى في يده وصعد إلى الكات الثاني.

كانت أبكار، التي تخطت منتصف العشرينات بقليل، تشعر وكأنها في حلم، تجري في الشقة الواسعة لتسابق غازي في فتح الأبواب والشبابيك وهي تضحك كطفلة صغيرة انفتح أمامها عالم عجيب مليء بالبهجة والإثارة، فبرغم عشرات الكتب التي قرأتها، لم تكن تتخيل وجود شيء كالإسكندرية.

كأنها قد دخلت في إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، سينمات، عربات وشوارع، محال تعرض ملابس غريبة، سيدات يرتدين كعوباً عالية وقبعات وأخريات بالملاية اللف، خلق من جميع الأشكال والأجناس، شواطئ مرصعة بالبشر، باعة للجرانين والكتب، آخرون يشوون الذرة على الكورنيش، واتسعت حدقتاها وهي تتناول الكلوكلو لأول مرة في حياتها، فألحت على غازي أن يشاركها ويتذوق هذا الشيء المذهل.

فتحت أبكار باب الشرفة، استندت بيديها إلى السور وتسمّرت وهي تشاهد الشمس الحمراء تغطس في زرقة البحر، فيمتد شعاعها من الأفق البعيد حتى يداعب خصلات الشعر الأسود الفاحم الذي تطاير حرّاً معانقاً نسمات الإسكندرية.
صفحة 7
3

«الهيلتون يا أسطى»، ازداد خوف طويل العمر وهو يلتفت ليشاهد المخبرين من خلال الزجاج الخلفي للتاكسي وقد تبعاه في تاكسي أخرى، لقد أصبح معتاداً المراقبة، ولكن هذه هي أول مرة تتم ملاحقته بهذا الوضوح.

هاجمته هواجس القبض عليه، وسرت في جسده رعشة مما يمكن أن يتعرض له من تعذيب، فناصر الآن جريح، والتنكيل بالأعداء سيكون فظيعاً، والحواديت التي تتسرب عن سجن القلعة مخيفة، ترى هل سينزعون أظفاره؟ أم سينفخونه؟ أم سيتركون عليه الكلاب تنهشه وتغتصبه؟

وتاكسي المخبرين مازالت تتبعه وتقترب أكثر فأكثر.

«قف، قف».

صرخ طويل العمر لكي تتوقف التاكسي أمام المتحف المصري.

نزل طويل العمر مهرولاً ناحية اثنين من السياح وهو يصيح بإنجليزية ذات لكنة أميركية واضحة:

«ترجمان، ترجمان، هل تريدون مرشداً؟ لن أكلفكم شيئاً؟ بدون مقابل، بدون مقابل، أوكي، أوكي.».

لم يتغير المكان، كل شيء كما هو، يحاول أن يتذكر كم مرة زار هذا المتحف، عشراً، عشرين؟؟ ثلاثين مرة على الأقل، فلقد كان مستر كامبل مدرس التاريخ بكلية فيكتوريا مفتوناً بالحضارة المصرية ولا تمر أشهر قليلة إلا ويأخذ الطلبة لزيارة المتحف، حتى حفظ الطلبة جملته الأثيرة التي كان يبدأ بها كل درس..

«وفى البدء يا تلاميذي الأعزاء كانت الحضارة المصرية».

استعاد غازي كلمات مستر كامبل وأفكاره وطريقة حديثه، وانطلق يحكي للسائحين، وهو ينظر خلفه كل برهة ليتأكد من إفلاته من المتابعة.

«لكن!! كيف يمكن لمثل هذه الحضارة أن تتهاوى؟» يسأل أحد السائحين.

«وما الذي يهمنا من حضارة كافرة ووثنية؟ كل هؤلاء الذين ترونهم هم الآن في النار، يتم شيهم أحياء كالخراف».

«إيه الكلام الفارغ ده؟ أنت مين يا بني».

ينظر غازي خلفه وقد فاجأه هذا الصوت الغاضب ليجد شيخاً مهيباً تطق عيونه شرراً، فيصيح غازي في ردة فعل مرتعشة: «أيش بتريد؟».

«أيش!! ، أيش إيه؟ أنت مش مصري؟ يا جاسوس يا ابن الكلب».

تهوي كف كخف الجمل على صدغ طويل العمر فيجري مهرولاً بين ردهات المتحف وهو يحاول استعادة توازنه من اللطمة، ينقلب عدة مرات فوق السلّم الرخامي الكبير، ثم يعاود الجري وصوت فرجاني خطاب يلاحقه ويرن بين جنبات المتحف:

«جاسوس.. امسك جاسوس... يا بسطا... يا نجاتي امكسوا الجاسوس».

ما أن يخرج إلى حديقة المتحف حتى يجد نفسه محاصراً بمجموعة من الترجمانات يلتفون حوله وتبدأ علقة موت يغوص فيها ما بين الركلات والصفعات، وفجأة يسمع صوتاً ضخماً آمراً يشق الجمع وهو يقول: «أتركوه لنا» ويظهر أحد المخبرين اللذين كانا يتبعانه، فيمد يداً يرفع بها طويل العمر من على الأرض ويهوي بيده الثانية بلطمة على صدغه فيفقده الوعي.
صفحة 8
4

لم يصدق الدكتور محمد فرج نفسه عندما أخبرته زوجته سعاد أن الساكنة الجديدة وزوجها يدعوانهما غداً للقاء العقاد، وأن أبكار قد جاءتها بالأمس وهي تكاد تطير فرحاً بل تتيه فخراً بقبول المفكر الكبير هذه الزيارة، وبأنها قد دعت أيضاً الأستاذ فرج مسيحة وكيل وزارة الأشغال وزوجته لبنى سكان الدور الأرضي فهم معارفها التي لم تعرف غيرهم بعد في تلك المدينة الشاسعة.

لقد مضى شهران فقط على وصولهم، شهران هلك في خلالهما الشيخ البراك وهو يحاول أن يلاحق أبكار وهي تصحو من فجر ربنا لتدفعهم دفعاً إلى الشارع، يلمهم التاكسي الأصفر في أسود ويحرث بهم الإسكندرية حرثاً، من الزنقة إلى أبوقير الى المنشية ثم ينتهي بهم المشوار في الدور الثاني لترام الرمل محملين بأكياس الملابس الجديدة والكتب التي تثقل كاهل الشيخ، ولا ينتهي اليوم إلا بعد سهرة طويلة تلم السيدات الثلاث وتتولى فيها أبكار دور الراوية لتحكي ما رأته خلال اليوم، وتفيض وتندهش عندما تتذكر، كل شيء يبدو طازجاً وشهياً في عيني أبكار التي فتنت بالملابس المعروضة في شيكوريل فكومت ملابسها القديمة وألقت بها في السندرة ودخلت في حمّى شراء لا تنتهي.

تضحك في طفولة مشاغبة وهي تحكي عن فيض النساء المتماوج ما بين الشوارع ورمال الشاطئ، وتنقلب على ظهرها وهي تكاشفهم بافتتان زوجها بالملاية اللف وإصراره على أن تشتري واحدة لتلتقيه بها في آخر الأسبوع، ولا تنتهي الجلسة إلا بعدما تحكي لهم قصة الفيلم الذي شاهدته بكل تفاصيله.

ولكن ذلك اليوم بدا مختلفاً فلقد بدأ وانتهى مبكراً في تلك المكتبة الضخمة المجاورة لمحلّ تيريانو، التي تفتح باباً على ميدان الرمل حيث الكتب والبحر مرسومان في لوحة واحدة تخلب العقل والروح معاً.

لم تستطع أبكار أن تمنع نفسها من التوجه إليه، بخطى ثابتة وواثقة وقفت أمامه ورفعت رأسها عالياً حتى تلتقي أعينهم «صباح الخير يا أستاذ»، التفت ليرى صاحبة هذه اللهجة الشامية التي تجاهد لتصبح مصرية صرفة واندهش!!، فلقد وجد أمامه مزيجاً غريباً يجمع ما بين مي وسارة، بشرة بيضاء مشوبة بحمرة خفيفة تزيد عند الوجنتين تحتضنها جدائل من شعر أسود فاحم يتناغم مع عينين سوداوين واسعتين وفم داع ممتلئ، وبرغم عمره المتقدم الذي تواطأ مع مكانته المهيبة فأجبراه على الوقار، فلقد أخذه الحنين إلى ماض بعيد تختلط فيه شدة الألم بفورة العشق، حنين دفعه لقبول الدعوة التي تمنتها أبكار وعضدها الشيخ البراك الذي لحق بزوجته لاهثاً.
صفحة 9
5

في الموعد المحدد دق جرس الباب، وتسمر غازي مذهولاً وفمه مفتوح على مصراعيه وهو يشاهد هذا العملاق المهيب ذا الشعر الأبيض والشاربين الكثّين واقفاً بالباب مستنداً إلى عصاه مبتسماً وهو يقول:

«أزيك يا مولانا».

«................».

«يا ترى بابا موجود».

«................».

«أنت اسمك إيه؟».

«...... غازي».

«حصل لنا الرعب يا مولانا.. ها ها ها، وهوه في غازي مرعب زيك كده يلبس شورت برضه.. ها ها».

هرولت أبكار وخلفها الشيخ البراك للترحيب بالضيف الكبير واصطحباه إلى الصالون حيث يجلس في الانتظار الجاران فرج وزوجتاهما سعاد ولبنى، وجلس الجميع على أطراف أصابعهم لساعات وهم يبحرون مع تلك العقلية الفذة في بحور الفن والحياة والسياسة والدين والعشق.

تركهم في آخر الليل في حالة من النشوة العقلية الغريبة، كل يراجع نفسه وأفكاره بل حياته أيضاً. غادر الجاران وقد اتفقا على قراءة كل كتب الأستاذ، وغاص الشيخ البراك في كرسيه، بينما تكومت أبكار على أفكارها في مقعدها الأثير على الشرفة المطلة على البحر.

قبل انبلاج الفجر، وسط ذلك السكون الذي لا يقطعه سوى صوت أمواج البحر، فتح باب الغرفة ودخل الشيخ البراك مرتدياً غترته وعباءته القديمة وممسكاً بسيفه في يده، أحس غازي بوجود حركة غريبة في الغرفة ففتح عينيه ببطء ليجد أمامه والده وقد سقط عليه الضوء الخافت القادم من الصالة والمتسرب من خلف درفة الباب فجعله يبدو ضخماً، مهيباً ومخيفاً في آن واحد.

وضع الشيخ سيفه على جسد غازي وقال بصوت عميق هادئ وآمر: «أقسم على الولاء للملك وللعائلة.. أقسم»...

«والآن دعني أحكي لك ما فعلوه بنا في الدرعية».

لا يذكر غازي أنة قد رأى والده يبكي قط، إلا في هذه الليلة التي حفرتها دموع الوالد في ذاكرة الابن وفي مشاعره كأنها وشم دام لا يمحّي أبداً.
صفحة 10
6

رن جرس التليفون في منزل الدكتور محمد فرج فقامت سعاد لترد..

«الو».

«......».

«بونجور صباح الخير اليفة».

«................».

«سافا بيا الحمد لله».

«..........».

وصرخت سعاد بصوت جعل أبكار ولبنى الجالستين تستمتعان بشمس ديسمبر في التراس القبلي تلتفتان وتتوقفان عن الحديث:

«لا مش معقول.. سى نى با فرى!!».

«..........».

«بيا سور بيا سور.. إنشاء الله أكيد حنحاول».

«........».

«أورفوار».

عادت سعاد إلى البلكونة وقد اتسعت حدقتاها وغمرت وجهها ملامح الدهشة والفرح وهي تقول للجارتين..

«تعرفوا مين حيحي حفلة رأس السنة في سان ستيفانو السنة دي».

فترد الجارتان في نفَس واحد..

«مين؟».

«تحية كاريوكا».

«مش معقول..».

«وأم كلثوم».

«مش ممكن.. مستحيل».

«اليفة حجزت الريدى وبتقول لي التذاكر خلاص فينيتو اتباعت كلها في يوم واحد».

نطت أبكار من على الكنبة البامبو وقامت تجري حافية وهي تصرخ..

«أنتم معنا.. سأحجز لكم معنا.. أنتم معنا».