eKtab
EN ع
ملح الأرض 2 - الثائرون
اقرأ عينة مجانية

ملح الأرض 2 - الثائرون

بقلم حبيب فارس

صفحة 1
الفصل الأول

عبرت العاصفة

-1-

كان الشاب، كما في كل صباح، يسير متوسِّطاً الطفلتين، يتجه بهما إلى مدرستهما المجاورة للحي الذي يسكنونه، قبل أن ينطلق إلى الثانوية.

أخذ يزيد من سرعة خطواته، وهو غارق في تفكيره، فلم يراعِ قدرة الصغيرتين على مواكبته، لو لم تنبِّهه المتشبثة بيمناه محتجّة:

- تمهّل يا رستم، كدت ترمينا أرضاً!

توقّف لحظة وأخذت أنامله تداعب وجنتي الصغيرة وشعرها، وكأنّه يعتذر لها عمّا فعله، فيما علّقت السائرة عن يسراه:

- شدّي عزمك يا بسمة وكفاك غنجاً، فلماذا لا أدع رستم يسبقني؟

فوجّهت بسمة كلامها إليه:

- يبدو أن هيفا نسيت الحمل الذي أرفعه فوق ظهري!

وإذ سعى الشاب، دون جدوى، لتناول المحفظة المنتفخة، تدخّلت هيفا قائلة:

- يكفيك أنت ما تحمله من كتب، اليوم دورها وغداً دوري، وستريان كيف أحمل محفظتنا دون أن أتلكأ بالسير!

عاد المسير إلى خطواته المتمهّلة المعتادة، بينما كان رستم يعلّق على حديث الطفلة:

- لا تنسَي يا حبيبتي هيفا، أنك الكبرى.

فاحتجّت الفتاة على هذا الكلام:

- دائماً تقولون لي إنني الكبرى، مع أنني ولدت قبل بسمة بأسبوع واحد، فهل هذا الأسبوع كبّرني إلى هذا الحدّ؟

علت ضحكة الشاب، وهو يتوقّف على الرصيف المقابل لباب المدرسة، يراقب الصغيرتين تتقدّمان ببطء نحو الداخل.

لم يأبه لعدم مصادفته تلك الصبيّة التي تصوّر أنها كانت تقصد انتظاره منذ بضعة أيام أمام مدخل المدرسة، تبتسم للصغيرتين وهما تمرّان من أمامها، ثم ترنو إليه بنظرة خاطفة وعلى ثغرها ابتسامة مثيرة.

بالرغم من أن الفتاة، بوجهها الصبوح، وردائها المدرسي الأنيق، وشعرها الأشقر المنسدل فوق كتفيها، كانت تثير فيه شعوراً بالغبطة والارتياح، إلا أن شأناً آخر كان يشغل باله الآن.

إستدار ليتابع سيره نحو الثانوية، وإذا به يراها منتصبة أمامه بقامتها المديدة، وابتسامتها العريضة تزيد من إشراقة وجهها، فانحرف قليلاً ليتلافى الاصطدام بها وهو يردّد بصوت مرتجف:

- Pardon، عدم المؤاخذة!

أراد أن يتابع طريقه ولكنه توقّف حين سمعها تحييه:

- بونجور، فيمَ العجلة؟ هل مدرستك بعيدة من هنا؟
صفحة 2
أحس بالدماء تحرق وجنتيه، فأجاب وهو مطرق، علّها لا تلحظ ارتباكه:

- لا، فثانوية طرابلس الرسمية على مسافة قريبة، هل تعرفينها؟

- Mais bien sûr! وكيف لا أعرفها وأنا أسكن في مار مارون على بعد خطوات منها؟ ففي أي مرحلة أنت؟

- في القسم الأول الأدبي.

- C′est bien! أما أنا ففي الـ Seconde littéraire، هل تعرّفني بنفسك؟

رفع رأسه ورنا إلى وجهها، وحين التقت عيناه بعينيها الزرقاوين أحس برعشة جعلته يعود إلى إطراقه وهو يجيب:

- أنا رستم من عكار، من الشيخ محمد، هل سمعتِ بها؟

- Et comment?! Je suis de Baynou، وأدعى أوديت عتيّة.

- تشرفنا يا «مدموزيل» أوديت عَـ...

- عتيّة، عتيّة! ألم تسمع بهذه العائلة الأشهر في بلدتنا؟

أجاب بعد تفكير:

- عفواً، سمعت بعائلة عطيّة و..

قاطعته بحماس:

- وماذا قلت لك؟ عتطية! هناك حروف عربية يصعب عليّ لفظها، فمنذ طفولتي وأنا في مدرسة راهبات عبرين حيث يمنع علينا التحدث بغير الفرنسية.

- عظيم! فأنت محظوظة بذلك.

- وأنت محظوظ بشقيقتيك اللتين توصلهما يومياً إلى مدرستنا، أنا وحيدة، لا أخ لي ولا أخت، أليستا توأمتين كما يبدو من عمرهما؟

- من هما؟

- الصغيرتان! أليستا شقيقتيك؟

أجاب بعد تردّد:

- يمكن أن تقولي ذلك.

- أهما توأمتان كما خمّنت؟

- يمكن أن تقولي ذلك.

أجاب وهو يتطلع إلى ساعة يده، فما كان من الفتاة سوى إنهاء حديثها على غير رغبة منها:

- Ravie de vous avoir connu .

- مرسي مرسي

مدت يدها لتصافحه وهي تقول:

-A bientôt .

أحس بيده ترتعش وهي تلامس يدها دون أن يجيب على عبارتها التي لم يفهم معناها، فكيف يجد لها جواباً؟

كان يسير متباطئاً، يلتفت فيرنو بطرف عينيه إلى الفتاة المنطلقة بخفّة لتختفي وراء أسوار مدرستها.

أنساه هذا اللقاء غير المتوقع ما كان يشغله، ولكن سرعان ما غابت الفتاة عن باله حين أطلّ إلى الشارع المحاذي للثانوية، فوجد جمهرة من الطلاب يتجمّعون أمام المدخل، يسدّونه بوجه الراغبين في ولوجه، فأدرك أن هؤلاء قد نفّذوا ما أعلنوه أمس، عن رغبتهم في تعطيل الدراسة للمشاركة في التظاهرة الشعبية تأييداً لولادة «جبهة الاتحاد الوطني»(1).
صفحة 3
تقدّم متمهّلاً وقد صمّم على رفض هذه الدعوة الهدّامة ولو انفرد بموقفه هذا؛ هو لم يغادر قريته ويعمل إلى جانب والدته، لتأمين ما يلزمه لمتابعة دراسته لكي يضيع وقته في الأمور السياسية؛ وأي سياسة يدعو لها هؤلاء المشاغبون؟ ضد لبنان ورئيسه! ومع عبد الناصر ودعواته المشبوهة لضمّ البلد إلى أمته العربية وإلغاء وجوده؟!

توقّف عن التفكير حين اقترب من مدخل الثانوية، فوجد أحد زملائه يعترض الراغبين في الدخول، فتوجّه نحوه بلطف:

- صباح الخير، هل تسمح لي من فضلك؟

- لا تعليم اليوم، عليك أن تشاركنا في المسيرة والتظاهر وإلّا.

- وإن لم أفعل؟

إندفع بضعة فتيان متأهّبين لمنعه من الدخول بالقوة، لو لم يلتفتوا نحو مصدر صوت معترض على تصرّفهم:

- لا يا رفاق، لا يا إخوان، علينا ألّا نفرض على زملائنا المشاركة بنشاطنا.

عرف رستم صاحب الصوت، فهو علي سلمى، زميله في الصف، ومن إحدى قرى السهل القريبة من قريته، كما عرفه جميع الطلّاب، فهو أشدّهم حماساً للوحدة وشعاراتها، وأكثرهم رفضاً للسلطة اللبنانية والقيّمين عليها.

تردّد بعضهم في تلبية نداء زميلهم، حين اندفع شابّ، كان يقف جانباً يراقب ما يجري، وصرخ بأعلى صوته:

- إفسحوا الطريق، ومن يريد منعي فليتفضّل.

فوجئ الجميع بتدخّل هذا الشاب الذي نمّت لهجته المميّزة أنه أحد أبناء زغرتا، ولو لم يكن يحمل محفظة كتب، لظنّوا أنه غريب عن الثانوية، ولكن رستم وعلي يعرفانه جيّدا، فقد انضمّ إلى صفهما منذ أسبوع، مراعاةً لوضع طارئ واستثنائي كما أعلن ناظر الثانوية.

تدخّل علي وأزاح زملاءه عن درب الشاب، فولج إلى الداخل يتبعه رستم؛ ووسط الاحتجاج الشديد من قبل الكثيرين برّر تصرّفه:

- علينا أن نراعي وضع زميلنا الجديد سيمون، فقد اضطُرّ لإكمال عامه الدراسي معنا بعد انقطاعه عن متابعة دراسته في مدرسة الطليان، بسبب الانشقاق الحادّ بين أهل بلدته وخلافاتهم العائلية والسياسية التي يحملها أبناؤهم إلى المدارس والمؤسسات التي تجمعهم بحكم عملهم.

صرخ أحد المتحمّسين:

- يعني أن صاحبك، تلافى الاحتكاك بأبناء بلدته، وجاء ليفجّرها معنا. والله، إنّ تصرّفه هذا يثير الرَيبة!

ربّت عليّ على كتف زميله محاولاً تخفيف حدّته قائلاً:

- علينا أن نبرهن للجميع، خاصّة لهذا الزميل العائذ بنا، أن جوّنا حضاري، لا نفرض رأينا بالقوّة على الآخرين، بعكس الأجواء التي يعيشها بعض أبناء وطننا؛ ألمهم أن ننجح بتحركنا ونتهيّأ للانطلاق ثم الانضمام للتظاهرة بعد قليل.

علا التصفيق موافقةً وتأييداً، وبدأ الطلّاب يكتبون الشعارات على الأوراق الكرتونية، ويحضّرون الأهازيج والهتافات المناسِبة لترافقهم في مسيرتهم.

في الداخل كان سيمون يسير إلى جانب رستم، وعلامات الغضب لا تفارق محيّاه، وعبارات الشتائم والتهديد تنطلق من حنجرته، فيما كان رستم يحاول تهدئته، والابتعاد به إلى زاوية الباحة حتى لا يصل صوته، إلى مسمع أحد من الزملاء المبعثرين في أرجائها لقلّة عددهم.

وصل إلى زاوية منعزلة وسيمون ما زال على حاله:

- والعدرا، لو لم يدعونا ندخل، لكنت أريتهم؛ أولاد الشر...

وفتح محفظة كتبه ليؤكّد بأنّه جادّ فيما يعلن، وأخرج منها مسدّساً، فما كان من رستم إلّا أن أمسكه بيده يعيده إلى المحفظة وهو يهمس:

- أمجنون أنت؟ هل نحن هنا لنتعلّم أم لنحارب؟

- قل هذا لهم، لماذا يعطّلون الآن المدارس؟ أليعلّمونا الوطنية هم وأسيادهم؟

ما لبث أن هدأ، وأقفل محفظته، ولكنه سرعان ما انتابته موجة من الغيظ، حين ارتفعت الهتافات في الخارج:

بدنا الوحدة العربية

إسلام ومسيحية

كان يعلّق على كل شطر بعبارات رافضة، رافعاً قبضته إلى الأعلى مهدّداً متوعّداً: «إذهبوا وأنضمّوا إلى عربكم في مصر والسعودية وسوريا، واتركوا لبنان لأهله؛ خسئتم، أنتم وحدكم تريدون الوحدة...».
صفحة 4
وحين تابع الهتّافون:

وحــــدتنــــا الوطنيــــــة بكَرامي وفرنجية(2)

استشاط غيظاً وأخذ يصرخ ويداه ترتجفان:

- لن أستطيع أن أسمع أكثر من هذا، لمن يهتفون؟ لأحقر شخصين في لبنان، «عكاريت»، خائنون كيوضاس، باعوا وطنهم بأقل من ثلاثين من الفضّة.

وأراد أن ينطلق فأمسك به زميله محاولاً تهدئته:

- لن أدعك تخرج الآن، دقائق ويبتعد المتظاهرون بجلبتهم وصراخهم، وبعدها ننطلق سويّاً، فيبدو أن لا تعليم اليوم.

رضخ سيمون لرغبة زميله على مضض وهو يعلّق:

- ألأساتذة متآمرون كتلاميذهم، فمعظمهم غائب عن الدوام.

أخذت الأصوات تبتعد شيئاً فشيئاً، إلى أن تلاشت، فيما كان مطلقوها يتوجّهون إلى المدارس الرسمية، يعملون على إقفالها فيزداد عددهم، قبل انضمامهم للتجمّع في ساحة التل(3).

ما لبث سيمون أن أبدى رغبته في المغادرة بعد أن تيقّن أن الصفوف باتت معطّلة، فرافقه زميله مصرّاً على اصطحابه:

- لن أدعك تذهب قبل أن تهدأ الأحوال وأنت في مثل هذا التوتّر، سترافقني إلى مكان إقامتي في حيّ الجمّيزات البعيد عن أماكن التجمّع والشغب، هل تعرفه؟

- وكيف لا؟ أنا وأصحابي نسمّيه حي الجميلات، إنّه على بعد خطوات من هنا؟ أنا ابن طرابلس قبل أن أكون ابن زغرتا، فالأوقات التي أقضيها في هذه المدينة الرائعة، تفوق كثيراً تلك التي أقضيها في بلدتي؛ أتصدق أنني أشعر فيها بالراحة والأمان أكثر بكثير مما أشعر حتى في منزلي؟

- إذن هيّا بنا عسى أن تحظى برؤية بعض الجميلات، بانتظار أن تنجلي الأمور.

-----

جلس سيمون بجانب زميله على أريكة حديدية قرب باب غرفة الناطور القائمة على الجانب الأيسر من مدخل البناية، وقد شغلها رستم مع والدته حين انتقل إلى طرابلس لمتابعة دراسته الثانوية.

سأله سيمون:

- هل تسكن هنا بمفردك؟

فأجاب:

- لا، بل مع الوالدة.

- وأين سائر أفراد أسرتك؟

- لا أهل لي سوى الوالدة، هل ترغب في فنجان قهوة؟ أو شاي؟ أم أعدّ لك فطوراً؟ أنا ماهر في إعداد الفطور.

أراد بذلك أن يغيِّر مجرى الحديث حتى لا يتمادى الآخر كثيراً في أسئلة عن وضعه العائلي، قد تحرجه، وتشعره بالخجل أحياناً، فتضطرّه للكذب، وحين أجابه:

- لا، شكراً، لا أريد شيئاً، أين هي والدتك الآن؟

شعر بدماء الخجل تصبغ وجنتيه وهو يجيب:

- يبدو أنها تقوم بزيارة لبعض صديقاتها، «صبحية نسوان»؛ تعالَ ندخل الغرفة لتريني مسدّسك.

لم يدع له بذلك مجالاً للتردّد، وبهذا يكون قد حقّق هدفه، وانتقل إلى موضوع آخر يبعده عن الاستجوابات؛ كان يسخر من نفسه بعد أن أغلق باب الغرفة إثر دخولهما وهو يفكِّر: «لم أبتعد كثيراً عن الحقيقة، فالوالدة في صبحية عند إحدى ساكنات البناية، ولكن، هي تعمل، لتتمتّع الأخريات بصبحياتهنّ، إذن هي مساهِمة أساسيّة في هذا المشروع».

وحين شعّ بريق المسدّس أمام ناظريه، ابتعدت كل الهواجس عن باله، وانحصر اهتمامه بهذه الآلة التي طالما كان يحلم بالحصول على مثلها، فأسرع وتناوله عن المنضدة التي وضعه عليها زميله وأخذ يقلّبه بين يديه وهو يشعر بنشوة عارمة.

وانتقل بدوره إلى المستجوب، ولكنّ زميله كان يجيب عن كل تساؤل بثقة لا لبس فيها ولا تردّد، وحين سأله:

- وهل أنت ماهر في التصويب، كمهارتك النظرية؟

هزّ رأسه مستنكراً مثل هذا السؤال:

- طلقتي لا تخطئ حتّى عين الديك! لو كان المكان مناسباً لأريتك صدق كلامي.

- وأنا كذلك، حصَواتي لم تكن تخطئ، حتّى طربوش فهيم أفندي!

قال هذا وهو يقهقه، فسأله زميله:

- وهل لاتزالون تستعملون المقلاع؟

- بل أقلّ شأناً، «المغّيط».
صفحة 5
- ما هذا المسدّس العجيب؟ لم نسمع باسمه عندنا.

- نصطاد به الطيور دون أي كلفة، وكذلك نستعمله في أغراض أخرى، هو يؤذي ويدمي أحياناً، ولكنّه لا يقتل.

- لدينا في المنزل كل أنواع بنادق الصيد، المفرد، المجوز، وأم حبّة، يبدو أن آلتك شبيهة بهذه الأخيرة، فهي تؤذي وتدمي ولكنها لا تقتل؛ كذلك لدينا ثلاث بنادق حربية، مارتينة ومعدّل إلماني وتشيكيّة أوتوماتيكية ذاتُ عشر طلقات، ومسدّسان غير هذا، واحد لوالدتي والآخر لشقيقتي!

علّق رستم ممازحاً:

- أف!.. أف!...وما سلاح الوالد إذن؟ أمدفع أم دبّابة؟

أجاب سيمون متهكِّماً:

- الوالد سلاحه المال، إنه يتاجر في أفريقيا، فهو منذ صغره لا يحبّ سوى جمع المال، ونحن ننعم بما يجمع؛ سأقول لك سرّاً لا يعرفه سوى القلائل، لقد أمّن لنا «أبونا» بفضل علاقاته الوطيدة بالدولة ورئيسها، مجموعة من المدافع الرشّاشة والهاونات.

قاطعه زميله متسائلاً:

- ولماذا كل هذا؟

- نحن مقدمون على حرب لا محالة.

وتصديقاً لكلامه سمعت أصوات طلقات نارية من بعيد، فهرول الشابّان للخارج يستطلعان الوضع.

كانت البنايات تحجب عنهما الرؤية، فيما كان أزيز الرصاص يزداد قوّة وكثافة، وسط جلبة من أصوات مختلطة وصرخات مبهمة؛ استداروا لتجاوز الحيّ نحو الشارع العام حيث كان بعض المارّة يهرولون مسرعين ليندسّوا في الزوايا وخلف البيوت.

أراد سيمون أن يتقدّم لتنكشف له الجادّة الممتدّة نحو ساحة التلّ، وإذا بزميله يمسكه بساعده ويجرّه إلى الخلف، ثم يدفعه نحو الداخل وهو يصرخ:

- أمجنون أنت؟ لن أدعك تتحرّك.

فما كان منه إلّا أن رضخ مكرهاً وهو يقول:

- أمرك سيدي، وهل أستطيع مخالفتك وأنت متشبّث بي بقبضتيك الفولاذيتين، ولكن، ألا تدعنا نقترب قليلاً نستوضح أحد الفارّين عمّا يجري؟

كانت مفاجأة الاثنين حين ظهر الشارع أمامهما، مشاهدةَ زميلهما علي يركض مذعوراً، ومحفظة كتبه فوق رأسه وكأنها خوذة يتّقي بها الرصاص الطائش، فصاحا بصوت واحد:

- عليّ، عليّ، تعالَ، نحن هنا.

وحين التفت إلى مصدر الصراخ، لم يصدّق ما رأته عيناه، فانحرف باتجاه زميليه، وإذ انضمّ إليهما رمى محفظة كتبه جانباً، وأخذ يعانقهما مراراً وتكراراً ودموعه تترقرق فوق وجنتيه.

تسمّر الثلاثة للحظات في مكانهم واجمين، ثم ما لبثوا أن ساروا صامتين تنفيذاً لرغبة رستم:

- لن أدعكما تتحرّكان قبل أن تهدأ الأمور تماماً.

توجّه رستم نحو غرفته فيما ارتمى زميلاه على الأريكة، ولكنّه توقّف حين لمح والدته، تنزل السلّم باتجاههم، فأسرعت لمّا رأتهم وهي تردّد بلهفة:

- الحمد لله على السلامة، كم كنت خائفة! الله ينجّينا، ماذا يجري في البلد؟

ودون أن تنتظر جواباً، أخذت تقبّلهم الواحد تلو الآخر، قبل أن تسمع ولدها يعرّفها بالضيفين، ثم هرولت نحو الغرفة وهي تعلن:

- سأعدّ لكم مرطّب الورد، من صنع يديّ، فهو خير مهدّئ للأعصاب.

لم يأبه رستم كثيراً بأن ادعاءه لصبحية والدته النسوية قد انكشف أمام زميله، فثيابها وزيّها بمجمله، وربما رائحتها، لا تعبّر عن أنّها كانت تقوم بزيارة، لم يعد هذا بمهمّ إزاء ما يحدث، حتى الزميل نفسه قد يكون سها عن هذا الموضوع برمّته.

شغل الثلاثة الأريكة وهم يحتسون الشراب ينتظرون أن تحلّ عقدة لسان عليّ، ليروي لهم ما جرى، وقد عادت الوالدة إلى الغرفة وهي تقول:

- سأحضّر لكم طعام الغداء، لن أدعكم تغادرون في هذا الجوّ المحفوف بالخطر.

هدأ توتّر عليّ فبدأ الحديث بنفسه:

- لا ريب أنكما تبغيان معرفة ما جرى، تجمّعنا من كل المدارس الرسميّة، مئات التلاميذ، وكنا نسير منتظمين ونحن نردّد الهتافات والشعارات، وكنت في المقدّمة حين أطللنا على ساحة التل أمام السرايا حيث تحتشد مجموعات من المتظاهرين، فما إن اقتربنا لننضمّ إليهم حتى انطلقت بعض الرصاصات، أعقبها تشابك بين أفراد الدرك ومقدّمة التظاهرة، ثمّ ما لبث الرصاص أن بدأ يئزّ فوق رؤوسنا، ومن أماكن متفرّقة، فدبّ الذعر بيننا، وعمّت الفوضى، وأخذ الناس يَعْدون دون رويّة، وهكذا وجدت نفسي أمامكما دون أن أدري كيف وصلت إلى هنا، هذا كل ما أعرفه، ولا شيء يمكن أن أضيفه.

علّق سيمون بحماس:
صفحة 6
- الله لا يعافيكم بعد تعبكم، لم يقصّروا بكم.

فوقف عليّ محتجّاً:

- أتشتفي بنا يا هذا؟ سأمضي الآن وأترككما تفرحان بما آلت إليه حالنا.

أمسك رستم بعليّ وأعاده إلى مكانه بصعوبة، ووجم الثلاثة حين دخل عليهم هرِم هزيل، يعتمر قبّعة غريبة لا تخفي سوى بعض صلعته، يبربر مرتجف الأوصال، دون أن يُفهم من كلامه سوى بعض الألفاظ:

-... زعران.....أوباش.... تفو....

وإذ وقعت عيناه على رستم، صاح مستوضحاً:

- بابا رستم، طمّن بالو أنا، رجع ابنو أغوب؟

- لم أره يدخل، أنا هنا منذ قليل، طوّل بالك جدّو أرتين، ماذا جرى معك؟

- الحمدلله بابا، أقفلنا المحل بسرعة، ولكن جارنا خليل تيّس، يا حسرتي عليه.

- وماذا جرى مع جارك هذا؟

أخذ يفرك يديه من شدة انفعاله وهو يجيب:

- خليل يا حرام.. سيخ بطن... طبيب.. طيب ما طيب.

وحين شهق رستم متأثِّراً، استوضحه زميلاه:

- وماذا قال لك الجدّ أرتين ليجعلك تنفعل إلى هذا الحدّ؟

ضحك وهو يجيب:

- شر البليّة ما يضحك، ما قاله لي هو أن خليل طعن بسكّين في بطنه، فأعلن الطبيب، يمكن أن يُشفى ويمكن أن يموت.

سأل عليّ:

- وكيف عرف بما أعلن عنه الطبيب؟

أجاب أرتين مباشرة:

- أنا رحت بابا معه، وسبقني أغوب إلى البيت.

يبدو أن لهجة الرجل راقت لسيمون فأراد أن يداعبه فيجرّه إلى المزيد من الكلام، فتوجّه إليه قائلاً:

- هذا بفضل إخواننا العرب، أليس كذلك؟

فما كان من أرتين إلّا أن رفع يده إلى الأعلى، يشير بسبّابته يميناً ويساراً وهو يقول:

- قال عرب قال.......أختو عرب من مي لمي.

فارتفعت قهقهة رستم وهو يومئ للرجل:

- إذهب يا جدّو، فقد يكون أغوب قد سبقك قبل وصولي.

وإذ اتجه الشيخ نحو السلّم وهو يبربر من جديد، سأل عليّ زميله:

- وهل سررت كثيراً لأنه شتم العرب؟ أنا لم أفهم بقية كلامه.

- البقيّة هي التي أضحكتني لا الشتيمة، فهي ترجمة أرمنية للشعار الذي يُردّده مؤيّدو الوحدة: من المحيط إلى الخليج، أي بين مائين.

علت قهقهة سيمون وهو يعلّق:

- برافو أرتين، لقد أصبت الهدف.

أثار بذلك غيظ عليّ من جديد، فوقف محتجّاً:

- حتّى الأرمني لم نخلص من لسانه، لا مكان لي بينكم، سأغادر.
صفحة 7
عندها خرجت أم رستم وأعلنت:

- لن أدع أيّاً منكم يغادر، الغداء أصبح جاهزاً؛ هيّا تفضّلوا.

وقبل أن يتحرّكوا، وصلت إلى مسامعهم طقطقة حذاء نسائي تقترب من مدخل البناية، فاستدارت الأعين الست تستطلع وجه القادمة، وإذا بفتاة بأبهى حلّتها وزينتها، تطلّ عليهم، فتتقدّم نحوهم وقد أشرق وجهها الجميل بابتسامة برّاقة، وسبق شذى عطرها خطواتِها، فعبقت به أنوف الفتيان قبل أن يسمعوا تحيّتها:

- بونجور شباب، أرى لديك ضيوفاً يا رستم.

أسرع رستم ليتناول ما في يدها من أكياس يساعدها على حملها، دون أن يفطن أنّ حركته هذه، قد تكشف أمام زميليه المهمّة التي يؤدّيها لساكني البناء، ولكنّ الفتاة رفضت عرضه بلباقة:

- مرسي رستم، سأترك ما أحمله بجانبكم وأرسل منتورة لتهتمّ بالأمر، فتبقى أنت مع ضيفيك.

كان سيمون واقفاً بجانب زميله وقد فغر فاه وتسمّرت عيناه بساقي الفتاة الناصعتي البياض، يكشف عنهما فستانها القصير، وهي تصعد درجات السلّم بخفّة، وقبل أن تختفي تنهّد بعمق وقال:

- يا عدرا، كم هي فاتنة! يقبرني الجمال! إني أحسدك يا رستم على ما تتكحّل به عيناك صبحاً ومساء و...

قاطعه رستم:

- رويدك، رويدك، ألم ترَ أنّها تكبرنا بسنوات، وقد تكون بعمر والدتك؟

- وهل للجمال عمر يا هذا؟ ولكن لماذا لم تعرّفنا بها؟

- إنها أستير مزراحي، موظّفة في أحد بنوك المدينة، وأخوتها يملكون أكبر محل لتركيب الزجاج في شارع الكنائس، هم يهود، أحبّاء قلب عليّ.

لم يرق لعليّ مزاح زميله فأجابه مستغرباً:

- ومن قال لك إنني أكره اليهود جميعاً، أكره منهم الصهاينة ليس إلّا!

علّق سيمون على كلامه:

- أمّا أنا فأحب الجمال كائنة من كانت صاحبته، أبدع الله الجمال قبل أن يتوزّع البشر إلى مذاهب وطوائف، تقبرني الجميلات مهما كانت جنسياتهنّ، لبنانية، عربية، غجرية، شركسية، يهودية...

لم يدعه رستم يتابع معزوفته، فقاطعه:

- أمّا أنا فرغم أنّني أكره اليهود لأنهم صلبوا المسيح، ولكنني لم أجد في سلوك أفراد هذه الأسرة اليهودية غير ما أجده عند بقيّة ساكني البناية، حتى أنهم يشاركوننا في أعيادنا الدينية والوطنية، دون أن نلمس أن لديهم أعياداً خاصّة يحتفلون بها.

وانقطع الحوار حين دخل الثلاثة يلبّون دعوة أمّ رستم لتناول الطعام.
صفحة 8
-2-

ما الذي جعل الشبّان الثلاثة إثر ذلك النهار التاريخي يتحابّون لدرجة أنهم باتوا لا يفترقون؟ فلا الدين ولا المنطقة ولا أواصر القربى كانت تؤلّف قواسم مشتركة بينهم! أمّا في السياسة فكانوا كزوايا المثلّث لا نقطة لقاء يمكن أن تجمعها، كلّ منهم متشدّد بموقفه يعتبره حقيقة مطلقة، ونقاشهم مهما عنف ما كان ليؤدّي بهم إلى الحرد أو القطيعة، ومن كان يراقبهم عن بعد يسيرون متقاربين يتحدّثون، يتوهّم أن الانسجام التام يسود بينهم، لكنّه لو استطاع الاستماع إلى حوارهم، يصاب بالذهول؛ فها هو رستم يعلن عن موقفه دون لبس أو مسايرة:

- وهل أسمى من أن يتعلّق الإنسان بوطنه، فيعتبره معبوده بعد الله مباشرة، وقبل الذات والأسرة وذوي القربى؟(4)

فيعلّق سيمون:

- دعك من هذه الشعارات الجوفاء، أنا مع العائلة أولاً، لا بل مع زعيم العائلة، حماه الله وأطال عمره، فهو مرشدنا وموجّهنا، ونحن على استعداد للموت بإشارة من إصبعه، دون أن نسأل؛ هكذا ربّاني جدّي في غياب أبي: «علينا أن نكون كبغل المعصرة المعصوب العينين، نسير إلى الجهة التي يرسمها لنا كبيرنا دون تردّد، فهو الأدرى بمصلحة العائلة والوطن»، وقد سمّاني باسمه تيمّناً وتبرّكاً فأرجو أن أكون مستحقّاً هذه التسمية.

مثل هذا الكلام كان يثير حميّة عليّ، فيعلّق عليه بانفعال:

- ما شاء الله! فلبنان كلّه أصغر من أن يؤلّف كياناً ووطناً، فكيف نختصره بعائلة أو حيّ؟ لا حياة للبنان دون الأمّة العربية.

أراد سيمون إنهاء الحديث الجادّ بالمزاح:

- عدنا إلى معزوفة العرب والعروبة... أتصمت أم أنادي لك أرتين؟

قهقه رستم دون زميله الذي كان يرفض الهزل في هذا الموضوع الجاد، وأوضح وهو يتقدّم نحو مدخل مدرسة عبرين حيث كانت الصغيرتان تنتظرانه كالمعتاد:

- إنك مخطئ في هذا الأمر، فأرتين يحبّ العرب ويعترف أنهم احتضنوا أبناء قومه حين فروا من طغيان الأتراك، وما كلامه هذا سوى ردة فعل آنية، تزول عندما يعود إلى طبيعته.

لم تكونا آنذاك بمفردهما، فقد كانت أوديت في وسطهما، وقد انحنت لتستطيع أن تسمع كلمات بسمة وهي توشوشها، مما جعل ضحكتها ترنّ في أرجاء الشارع فتلفت إليها أنظار المارّة.

قفزت الطفلتان لتنضمّا إلى الشاب، فانحنى ليتبادل معهما القبل، بينما تقدّمت الفتاة وهي لا تزال تضحك وقالت متسائلة:

- Vous avez trop tardé aujourd′hui

?Devinez ce qui m′a fait rire

إحمرّت وجنتاه وهو يجيبها بالعربية، خوفاً من وقوعه في الخطأ، كان يتمنّى لو يستطيع مجاراة طلاقتها في استعمال هذه اللغة، ولكن...:

- أشكرك كثيراً على اهتمامك بالصغيرتين، وأرجو المعذرة لتأخّري، لا بدّ أن بسمة أزعجتك بثرثرتها.

- Au contraire, elle m′a dit que vous êtes son fiancé.

وتابعت ضحكها قبل أن تستدرك ثم تردف بالعربيّة، مع تلفّظها ببعض الحروف الشديدة على الطريقة الأرمنية:

- لقد تسلّيت مع الطفلتين، Elles sont très gentilles، عرفت منهما شجرة العائلة، فأنت الأخ الأكبر لهيفا، وأخوها الأصغر يدعى سليم، أمّا شقيقتها فأخبرتني أنّ لها أخاً بالرضاعة يسمّى وسيم، ولا أعرف كيف تشابكت الأمور وتداخلت على هذا الشكل؟

علت ضحكة الشاب، وهو يداعب وجنتي بسمة:

- هذا الموضوع يحتاج وقتاً طويلاً لشرحه.

وانقطع عن الكلام لمّا رأى سيمون يقترب منهم، فحيّا الفتاة التي بادرته معرّفة بنفسها، فسأل:

- وهل أنت من عكّار؟
صفحة 9
- Non, Je suis de Baynou

- Mais Baynou, n′est il pas à Akkâr

- Oui, oui, mais Baynou autre chose

قبّلت الفتاة الطفلتين وصافحت رستم مودّعة، ثم مدّت يدها نحو الآخر فتشبّث بها وهو يقول:

- C′est un plaisir de vous connaître. Je souhaite bien qu′on se revoit.

- Et moi de même; au revoir..

سحبت يدها بصعوبة من يده وانطلقت، فيما تسمّر هو في مكانه فاغراً فاه، يرنو إليها وهي تبتعد، فتتلفّت بين الفينة والفينة إليه، والابتسامة لا تفارق ثغرها؛ لم يتحرّك إلا بعد أن توارت عن ناظريه، فهرول ليلحق بالموكب الذي كان قد انضمّ إلى عليّ المنتظر في زاوية الشارع.

وصل إليهم وهو يلهث، فقال محتجّاً:

- ما الدافع لهذه العجلة؟ يا عدرا كم هي فاتنة! كم أنت محظوظ يا رستم! وكم أنت محاط بالحسناوات! تقبرني ابتسامتها الحلوة، ونظراتها الساحرة، أفي عكّار مثل هذا الجمال؟

فأجاب رستم مازحاً:

- يبدو أن كلّ النساء لديك فاتنات وساحرات! ألم تقل لك إنها من بينو، فهي لا تعترف بأنّ بلدتها عكّارية، أو حتّى لبنانية، فقد تعتبرها أميركيّة، لا بل فرنسيّة، ألم تسمع طريقة نطقها بهذه اللغة، وكأنّها قادمة من باريس؟

- ما أعذب ألفاظها! وما أرقّ كلماتها، إنها أطيب من الشهد، فهي تشنِّف الآذان أكثر من الموسيقى العذبة!

إنحرف رستم مع الصغيرتين ليوصلهما إلى منزل الجدّ أبي سليم الذي يتولّى وزوجته رعايتهما، فيقومان مقام الوالدين المهاجرين للعمل في الخارج، كما جرت العادة مع الأسر التي باعدت الهجرة بين أفرادها.

وقف أمام المدخل الذي نقش فوق عتبته «عمارة الباشا»، فيما كانت الطفلتان تعدوان نحو السلّم، فنادى والدته قبل أن تختفيا عن عينيه:

- سأنضم يا أمي إلى سيمون لمرافقة عليّ ليعرّفنا إلى أهله.

أطلّت المرأة من باب الغرفة وأجابت:

- رافقكتكم السلامة، «ديروا بالكم على حالكم».

كان يسير واجماً وهو يفكّر: «هل اكتشف زميلاي المهمّة الموكولة لي وللوالدة؟، لا يهمّ، الفقر ليس عيباً» كما كان يردّد أمامه أستاذه، وحبيب قلبه وسيم: «المهمّ أن تتابع دراستك وكلّنا نساعدك»؛ ولكن لو علمت أوديت بوضعه، فهل تستمر في سعيها للتقرّب منه؟ أوديت... أوديت... أين هو منها؟ وهل يمكن لمثله أن يطال القمر؟ لقد أشعره موقف سيمون منها، وتغنّيه بجمالها، بنوع من الزهو، أن يكون مدار اهتمام مثيلاتها!

مضت هذه الأفكار كالبرق في خياله، وهو يحثّ الخطى لينضمّ إلى زميليه المنتظرين على رصيف الشارع.

توقّف الثلاثة يناقشون وسيلة انتقالهم إلى المكان المقصود، أسيراً على الأقدام أم في التاكسي؟ ثم أجمعوا على رأي رستم:

- عربة الخيل هي الأفضل والأقلّ كلفة، لن ندفع أكثر من ربع ليرة، أنا أفاوض السائق، فطالما اعتمدت هذه الوسيلة لتأمين ما يطلبه منّي ساكنو البناية من خضار وفواكه من باب التبّانة، حيث يقع منزلكم في أعلى شارع سوريّا كما حدّدتَه لي يا عليّ، في أسفل «الأكواع» المؤدّية إلى القبّة، أليس كذلك؟

لم ينتظر الجواب إذ رأى عربة على الجانب المقابل للشارع، فصفَّر يدعو سائقها للتوجّه نحوهم، وهو يفكّر: «أكان جرأة أم غباءً ما فهت به؟ الآن بتُّ مكشوفاً».

لم يكن الضيفان يتصوّران أن مثل هذه البقعة الشعبيّة يمكن أن تحوي أماكن قابلة للسكن، وهما يسيران خلف زميلهما في الزقاق الضيّق الذي يعجّ بالصغار يتراكضون ويتدافعون وقد ملأوا المكان بصخبهم وصراخهم، فاضطرّوا للتوقّف ليفسحوا المجال للشبّان ليمرّوا بينهم بصعوبة الواحد تلوَ الآخر؛ وقف عليّ أمام باب خشبي صغير وسط سور قليل الارتفاع فأخذ يدقّه، بينما كان زميلاه يستعرضان الكتابات التي تغطّي الباب وجدار السور بشتّى الأحجام والألوان: «عاش عبد الناصر، أمّة عربية واحدة، يسقط شمعون، منزل خضر سلمى، الله أكبر، إلى جهنّم يا سامي الصلح»(5).
صفحة 10
فُتح الباب، فأطل منه وجه مشرق لفتاة يافعة تستعرض وجوه القادمين، ما لبثت أن استدارت لتعلن لمن في الداخل:

- جاء عليّ ومعه ضيوف.

دخل الثلاثة فناءً صغيراً أمام بناء من طبقتين، يناقض بنظافته وبالزهور المغروسة على جوانبه، صورة الزقاق المؤدّي إليه.

في صدر الفناء المقابل للبناء كانت عجوز مورّدة الوجه، تسترخي فوق كنبة خشبية قديمة، وراء منضدة حديدية صدئة، وعلى جانبيها مجموعة من كراسي القش الخشبية.

همّت بالوقوف لاستقبال القادمين وهي تردّد عبارات الترحيب:

- أهلاً بعليّ ورفاقه، أهلاً بالشباب الحلوين، نوّرتم دارنا...

أسرع عليّ يقبّل يدها ثمّ يعانقها وهو يقول:

- لا لزوم أن تنهضي يا جدّتي، فصديقاي من أهل البيت.

وحين تقدّم الآخران ليسلِّما عليها أبت إلا أن تقبِّلهما بمودّة، فيما كان حفيدها يعلن:

- هذه جدّتي أمّ خضر كبيرتنا وبركتنا.

فأجابت:

- بارك الله فيكم وحماكم يا أحبّائي.

ثم أردفت:

- أتجلسون هنا؟ أم ندخل إلى المنزل؟

ونزولاً عند رغبة الضيفين جلس الفتيان حول الجدّة، التي عادت تكرّر عبارات الترحيب قبل أن تسأل عن الأسماء وأماكن السكن، وحين عرّفها سيمون بنفسه قاطعته مستوضحة:

- وهل تسكن زغرتا؟ الله ينجّيكم ممّا أنتم فيه، وممّا يخطّط لكم من مكائد.

بدا الاستغراب على وجهي الضيفين من هذا الكلام، فأوضح لهما زميلهما:

- لا تستغربا اهتمام جدّتي بالشؤون الوطنية، فهي تقرأ يوميّاً الجريدة، وتستمع إلى أخبار الإذاعات، أتصدّقان أنّها تعلّمت القراءة والكتابة من أحفادها؟

علّق سيمون:

- ما شاء الله! فِعلاً هذا لا يصدّق!

فأوضحت العجوز:

- بدأت ألمّ بالقراءة والكتابة في مدرسة الشيخ في القرية، ولمّا انقطعت عنها وأنا في التاسعة، لأخدم في منزل البيك، تابعت في الخفاء الإفادة من كتب أولاده ومن الراديو الذي تعرّفت إليه عنده، ثمّ من أحفادي حفظهم الله، ويظهر أنّ حبيبي عليّ يخجل من هذه الفترة في حياتي، أمّا أنا فسأظلّ أذكرها ما حييت، لأكثر من سبب.

صمتت ثم تنهّدت طويلاً، وقد طغت على وجهها المنير مسحة من الكآبة، فأعادها إلى حالها تساؤلُ سيمون:

- ولمَ تخشَين علينا أيتها الجدّة العزيزة؟ نحن في ألف خير والحمد لله.

- إن شاء الله يمرّ عليكم «قطوع» الانتخابات بسلام ولا يحدث عندكم ما حدث عندنا خلال الانتخابات الماضية(6)، إثر مقتل أحد كبار البكوات أمام مدخل القصر الجمهوري، ألم تسمع بالحادثة؟

- ومن لم يسمع بها، وقد ذهب ضحيّتها الوزير والنائب السابق الزعيم محمّد عبّود المرعبي.

فعلّق عليّ:

- قتله أبناء عمّه في حومة الصراع على النيابة، معركة بكوات على النفوذ والسلطة، «فخّار يطبِّش بعضه»!

عادت العجوز فتابعت:

- في عكّار بقيت المعركة فوقيّة، بين البكوات وأزلامهم وأدواتهم ولم تؤدِّ إلى فتنة شعبية واسعة، أمّا في زغرتا فالحال مختلف، فالناس منقسمون إلى عائلات مرتبطة بزعيمها، وأيّ شرارة، لا سمح الله، تشعل النار في الهشيم وتحرق الأخضر واليابس.

كان رستم يشعر أنّه غريب عن هذا الحوار، غير معنيّ به، فلولا الانتشار العسكري والأمني الذي أعقب حادثة الاغتيال المذكورة في منطقته، يمكن أن تكون مرّت دون أن يسمع بها، فشعر بالراحة حين انقطع الحديث بدخول الفتاة التي فتحت لهم الباب، تحمل طبقاً عليه كؤوس من شراب أحمر قان.

كانت تتقدّم بخفّة الغزال، وعيناها النجلاوان السوداوان تشاركان ثغرها ابتسامته المشرقة، وحين اقتربت من الجالسين، حيّتهم بخجل زاد من تورّد وجنتيها، فقال عليّ وهو يتناول الطبق منها:

- هذه شقيقتي سلمى.

علّق سيمون:

- سلمى سلمى، سلمى Au carré.

أجابت الفتاة بصوت خافت محتجّة: