eKtab
EN ع
ملوك الرمال
اقرأ عينة مجانية

ملوك الرمال

بقلم علي بدر

صفحة 1
جنودٌ طغاةٌ وبدوٌ ملهمون
 
-1-
 
 لم نكن نسمع في الليل غير جنازير دباباتنا وقعقعة السلاح، وكان ثمة جنود جدد أربكتهم ملابسهم الكاكية ورشاشاتهم، يتكومون في عنابر الثكنات حول فتيلة نار ذاوية، كانوا يشعلون سجائرهم منها ويدخنون في الظلام، ولم نكن نرى منهم غير اشتعال جمرات السجائر في الأفواه، والدخان الأبيض المتصاعد حيث تطويه هبات هواء متتالية··
 
كنّا في كتيبة المغاوير الثالثة والعشرين، حينما جاءتنا الأوامر المستعجلة للالتحاق بفصيل جديد، وتنفيذ مهمة قتالية، أطلق عليها ذلك الوقت غارة الصحراء، وهي ملاحقة مجموعة من البدو، لأسرهم أو قتلهم، بعد أن قاموا بذبح ثلاثة من ضباطنا عند التلال الحمراء الواقعة في الجنوب الغربي من العراق؛ كانت الريح تهب من جهة الشرق، وكان جنود الثكنة يحتمون بالخيام القليلة ويتدثرون ببطانيات مخططة من الصوف، إنهم ينتظرون ساعة الصفر، بيد أنها لا تأتي أبداً، وعند سياج العنابر كان الحرس يتأهبون ببنادقهم، كما لو كانوا يرصدون الليل من فوق هضبة، مصغين إلى الهمهمات التي تحملها الرياح، وإلى البرد الذي يأتي من الصحراء، يحمل معه الخفافيش التي تطير في الظلمة وتجن صائحة في تيارات الهواء·
 
لقد جاءتنا الأوامر فجر يوم من أيام يناير من العام 1991 بعد أن التحقنا بالخنادق المتاخمة للحدود السعودية بيومين فقط، وكانت الاستعدادات لحرب الخليج الثانية سريعة ومكثفة، ذلك أن قوات التحالف من الجهة المقابلة كانت تستكمل استعداداتها للحرب، وكنا نحن من طرفنا نشيد الخنادق الدفاعية في الخطوط المقابلة لحفر الباطن، أي من الجهة الأخرى من الحدود·
 
في الواقع لم نكن نعلم في البداية عن هذه المهمة القتالية أي شيء، بل تم انتدابنا بسرعة كبيرة عن طريق برقية استخبارية سرية ومستعجلة جداً، ولم تتضمن هذه البرقية المقتضبة التي استلمها ضابط المخابرة- وهو ضابط قصير، أسمر الوجه، عيناه صغيرتان، يسير بسرعة كبيرة ومن النادر أن يتكلم- عن هذه المهمة القتالية أي شيء، باستثناء أن نجلب معنا عدة القتال الكاملة:
 
البندقية الرشاشة، وفائضاً من الذخيرة الحية، والحربة المسمومة مع عدة ميدان المعركة، وكيس التموين الذي يحتوي على الأرزاق الجافة مع الخارطة المفصلة، والنطاق العريض، والبسطار (1) الخاص بالمعارك التي تشن في الصحراء·
 
ثم سلمها بدوره إلى ضابط استخبارات، له وجه الجرذ، يتكلم بصوت هادئ وخفيض ويتمتع بسرية نادرة·
صفحة 2
-2-
 
فجر اليوم التالي كنت سمعت نفير البوق الذي انفجر مع صبغة السماء الغسقية، وهنالك كان ضوء خفيف يرتسم في أفق الصحراء البعيد· لقد تجلت السماء شاسعة زرقاء حيث تومض نجوم الفجر المتوهجة، وبين الرمال كانت خيام الجنود ترتفع بهدوء مثل نُدُبٍ كثيرة على وجه أبيض· ما هي إلا لحظات حتى أخذت الصيحات تتعالى من كل مكان تقريباً، لم أكن أميز مصدر الصوت ولا اتجاهه، كنت استيقظت بسرعة كبيرة، فضربت غطاء اليطغ (2) الثقيل بقدمي ونهضت سريعاً لأرتدي البدلة الخاصة بميدان المعركة، فشعرت ببرودة الصباح وهي تقرص وجهي، ويخشخش تحت قدمي رمل بارد، تمازجه من حين لآخر طلقات مدوية تأتي من السواتر الأمامية·
 
في الجانب الآخر من المعسكر شاهدت نوعاً من النشاط المحموم للحرس الذي يجلجل ببنادقه، والجنود الذين يغتسلون بطشوت الماء البارد، وجلبة سيارات الزيل الثقيلة التي تعبر نحو الضفة الأخرى من الهضاب الرملية المتوهجة، بينما انبعثت من المستودعات القريبة رائحة الفحم والبارود والرطوبة الكثيفة·
 
وبدأت بارتداء ملابس الميدان في الخيمة مع الصخب العالي الذي يأتي من كل مكان، ارتديت على عجل بدلتي المرقطة، وبسطاري، ووضعت الذخيرة في جعبتين على خصريْ، وتحسست الحربة إلى جانبي، ورشاشي، وارتديت القلنسوة الكاكية على رأسي، وهرعت راكضاً نحو السياج المقابل لخندق ضابط الاستخبارات، بينما كانت هنالك طائرة هليكوبتر تحط في مهبط السمتيات، وهي ساحة كبيرة فيها مصابيح في الأرض وأقراص فسفورية حمراء لتساعد هبوط الطائرات الهليكوبتر عليها·
 
فجأة خرج ضابط الاستخبارات الصموت وبمعيته ثلاثة من الحرس الخاص كأنهم بمشيتهم يعزفون جنازاً· وهنالك مجموعة من الحرس ينفخون بشيء من العنفوان في الأبواق إيقاع نفير· توقف الضابط بطريقة مصطنعة بعد أن شطر الفوج شطرين عند نقطة قريبة من خندقه، ثم أخرج من جيبه ورقة، وقرأ علينا أسماءنا للالتحاق بدائرة الاستخبارات الواقعة في الخطوط الخلفية·
 
كنا تسعة جنود ونقيباً مفتول العضلات له جسم رياضي، من الواضح أنه سيكون قائد المهمة·
 
 توقفنا خارج الفوج وشكلنا فصيلاً خاصاً، ثم اصطففنا أول الأمر عند أكياس الرمل المقابلة للخنادق، بينما دخل النقيب الذي رشح ليكون آمر (3) فصيلنا إلى الخيمة مع ضابط الاستخبارات، ليتداولا في أمور المهمة، بعد ذلك خرج الضابط وحيداً ليأمرنا أن نهرول بسرعة نحو مهبط سمتيات، يقع على مسافة مئتي متر من آمرية المعسكر(4)· وكان علينا أن ندخل، ونحن نهرول، بين عنابر التموين، حيث تجمع عشرات من الجنود الذين يحملون البنادق ويرتدون الخوذ الحربية وهم يدخنون، وهنالك بضعة جنود آخرين كانوا ينقلون مظاريف قنابل المدفعية والصواريخ إلى الجهة المقابلة· وصيحات الحرس تعلو كلما مرت بهم سيارة أحد القادة وهي في الغالب سيارة جيب، وفيها ضابط كبير برتبه الحمراء وبيريته الكاكية يتفقد القطعات (5) وهو يدخن· وكلما تقدمنا كنا نسمع بشكل أقوى خفق ريش مروحة الطائرة الهليكوبتر كأنها طبل تدمدم في الفضاء، ومصابيحها الأمامية كانت تتوهج وتخبو بالتناوب·
صفحة 3
-3-
 
كان من المفترض أن يصنع الفجر، والغيوم المهدبة، والملابس الكاكية، والجزمات المطاطية، والقلنسوات الصوفية، وشواجير (6) الرصاص فجراً آخر لهؤلاء الشبان اليافعين، غير أن الأمر كان  مختلفاً هنا في جبهة الحرب، حيث تم تحميلنا في الطائرة الهليكوبتر بسرعة كبيرة، إذ صعد النقيب أولاً ثم المخابر، ثم الإسناد، ثم صعدنا -الجنود- وراءهم، وبعد لحظات، حلقت الطائرة، صعدت شاقولياً، ثم مالت بريشها إلى الشمال لتعبر الخطوط الخلفية، وشاهدنا من الأعلى رايات المدفعية، ومخازن التموين، وآلات الرصد· ثم انعطفت بقوة وبشكل تدريجي في عمق الصحراء·
 
هذه هي المرة الأولى التي أتعرف فيها على الصحراء من الأعلى، كنت أنظر من نافذة طائرة الهليكوبتر وهي تحلق نحو العمق مفارقة خطوط الإمداد، وأسيجة المعسكرات الشائكة، وتندفع أعلى وأعلى حتى تستبين الرمال الذهبية التي تتوهج مع أول خيط  للشمس، تلك الخيوط المنتثرة على مسافة لا تُقاس، والتي جعلتني منتشياً كما لو أن الرمال الذهبية تزنر الأرض بكاملها، حتى زرقة السماء التي تعارض وتناقض اللون الذهبي للرمل، كانت تصنع من الغيوم أهلة تكاد أن تكون مخفية، والنجمة القطبية متوهجة بشكل خفيف، وكنت أدرك أن هذه النجوم التي تخبو مع وهج الصباح، كانت قد عرفتها شعوب الصحراء من الساميين منذ آلاف السنين، وهي التي دلتهم في أكثر الليالي حلكة على الاتجاه الصحيح، وهذا القِدَمُ هو الذي جعلني ذلك اليوم منتشياً··
 
لقد شعرت بالتماس مع هذا الرمل، وكأني أذوب في نوع من السرِّيَّة المطلقة، لقد شعرت وأنا في الأعلى بلحظة غياب مكشوفة مع الصحراء، وأحسستُ بأصابعي تستدفئ بهذا الوهج القادم من الرمل أولاً، ومن الشمس ثانياً، ومن المدار ثالثاً، وكأن الصقور التي يخشاها الطيارون تفر من خاصرة الرمال لتوقظ في التجرد المديد أنداء الأقاصي، هنا السماء شاسعة حيث لا يوجد ماء، ولا صخب، ولا مدن تحت بحار السحب، إنه برد الفضاء العظيم والمنبسط مثل الصحراء، وهذا الستار الخرافي لقداسة المحاريب، والسر الغامض لارتعاشات البدايات المبكرة·
 
كنت أنظر، من الأعلى، كثبان الرمال وحيدة، مترملة، متمتعة بالفقدان، وهي تنساب في توحشها المدهش لتتماهى بهدوء كامل مع كل ما يتدفق من جهة الشمال، متحدة بالتيه، ومعزولة عن الخليقة برمتها···
 
كانت الطائرة تحلق، وأنا أبصر ألسنة اللهب القصيرة وهي ترتفع من الحطب المشتعل بين الكوانين، أنظر البدو مثل النمل بين التلال لا يقتربون من الجهة الأخرى للصحراء لأنها محاذية للمدن·
صفحة 4
-4-
 
منذ أعوام طويلة كنت التقيت بالبدو كثيراً، من المرصنة في الشمال حتى بادية السماوة في الجنوب···وكان عدم اكتراثهم الساحر هو الذي أبعدني عنهم·
 
لماذا أفك شفرات أرستقراطييِّ الصحراء هؤلاء؟
 
هذا الشعب الكسول الذي ينام بين إبر الشيح والقيصوم الذي لا ينبت سواه في الرمال، كان فزعهم- ولا أوضح منه- يعيد الأمور علينا مقلوبة، دون ابتسام يقرءون ويفكون رموز العالم الذي يحيط بهم ثم يهبطون ليلاً في الوديان، يهبطون مثل آلهة قديمة بحركاتهم الرشيقة والبطولية معاً ويتلاشون في الظلام·
 
أما أنا، فلم تكن الصحراء نسبة لي سوى هذه الأفعى الصديقة التي تفرُّ، والطيور السائحة التي تتوهج في الفضاء، والإبل العالية التي تحيي وهي تختال بسنامها وجه الشيخ الذي سيصبح في المساء ناسكاً، والماعز التي أربكتها أصوات جنازير الدبابات، وأردية النساء المشتهيات بلون الثرى، وأسلحة الجنود الذاهبين إلى لقاء موت أكيد·
 
كانت طائرة الهليكوبتر قد انحدرت شيئاً فشيئاً لتصل مدينة السماوة حيث يقع مقر استخبارات الجنوب، وفي المنحدر كنت أرقب من النافذة السميكة للطائرة نهر الفرات وهو ينحدر بلونه الأمغر نحو البحر، وهنالك آلاف القطعات العسكرية التي تعبر الجسور، ومن بعيد···وقبل أن تحط الطائرة بنا، كنت أشعر بصلوات النساء عبر النهر تحيي السنابل التي أحنتها غارات العصافير، ومن بعيد كانت بقايا خيام البدو وعنابرهم فارغة وبيضاء مثل عيون الضرير· وفي المدى الممتد كنت أرى أشهر الآثار القديمة منذ عهد الساميين وقد غرقت في الرمال حتى النصف، وعند كل درب سفته الرمال هنالك بضعة جنود سيضلون طريقهم ولا يعودون، هناك حيث ستحرق نساؤهم، عند أعمدة تيجان الحضارات القديمة المتفحمة، ملابسَهم وصورهم لعلهم يعودون·
 
 منذ آلاف السنين وهذه الشعائر لم تكنس من التاريخ جيداً، كما لو كانت هذه الصحراء هي البشرى الأبدية لمهبط الوحي، والتي طردت إبليس وكتائبه الشيطانية ذات البشرة الغبراء، أما أنا وفي الساعة التي يبرز فيها الفجر فأسمع نفير الأبواق الحربية المصنوعة من النحاس، وأرى النجوم البيض وهي تعلن نهاية الليل، بينما يضيء حطب الخيام يدي التي أضمها على هذا الغسق البارد والجاف·
صفحة 5
-5-
 
هبطت الطائرة بنا في مهبط مُعبَّد للسمتيات، حطت بهدوء على الأرض، وما زالت مراوحها تضرب بصوت مدو مثل طبل، ثم نزلنا نحن بالدور مهرولين بعد أن نحني رؤوسنا لئلا تصيبنا ريشها التي تدور مثل سكاكين، وكان الهواء يندفع بين أقدامنا كأنه يحاول أن يقلبنا، وقد وقف النقيب عند الباب وكأنه يعدُّنا بيده، وقد هرول خلفنا، لنقف عند ساحة معبدة فارغة، ومن خلفنا كانت هنالك:
 
عدة ثكنات للجنود، كثبان رملية، مبانٍ عسكرية، وأسلاك شائكة، وكانت سيارات الجيش تعبر الهضاب العالية فتثير زوبعة من الغبار، وعند المعسكر المشيد بالطين والطابوق كانت هنالك أرتال من المدرعات التي وقفت وقد طغت عليها رائحة النباتات، وعند حافة الساحة جلس جندي لينظف سلاحه، وأمامه الرمل والتراب يأكلان ما كان يوماً إمبراطورية إسلامية· وكان برد الصحراء فوق بلاط المعسكر، قادماً من الأعماق، حيث يجلد الأرض ويزيد صلابة هذه الهضاب الكلسية التي تحيط بالمعسكر، كما أنه يضغط بقوة على الجدران·
 
 أمرنا الضابط أن نذهب إلى ثكنة الجنود لمدة ساعة، بينما ذهب هو بصحبة ضابط آخر جاء من المعسكر لاستقباله ومرافقته إلى دائرة الاستخبارات، فتفرقنا عند السياج الداخلي للمعسكر، وقد كان مؤلفاً من عدة صفوف من البنايات الصغيرة المطلية بالجص، وخلف المعسكر حدود الصحراء بهضابها الرملية المتحركة، ومن الجانب الآخر كانت هنالك ثكنة أخرى محاذية للطريق وفيها بضعة دكاكين تبيع أقراص الخبز والشاي، وعلى مقربة منها تنطرح دانات صدئة وقنابل وقذائف مدفعية، وبنادق معطوبة من مختلف العيارات، وعلى مسافة أبعد عند روافد إطلاق الصواريخ ثمة جنود نيام، وصناديق، ومساند للمشاة، وشاحنات محملة بالأكياس، وصناديق للعتاد·
 
 وفي الشارع الداخلي المرصوف بالإسفلت يمر بعض الضباط القادة بسيارات الجيب، وإلى اليمين يظهرُ شارع معبد حديثاً، سُدَّ بمتراس تطل من كواه مدافع رشاشة يجلس قربها عرفاء يدخنون، وفي الممر بضع نقالات مدماة، وأينما وجهت نظرك ترى التأهب للحرب والاستنفار واضحاً، أما من الجهة الأخرى، أي في الصحراء، فهنالك قافلة جمال تسير غير آبهة بهذا التاريخ الذي يتكون في المعسكر، فهؤلاء الذين يسيرون ببطء مع خرافهم وماعزهم وجمالهم لا يهمهم من التاريخ سوى الشمس التي تتوهج في شرق الصحراء المنبسطة، والظلال التي تخيم بسببها فوق الأرض، والرمال التي تعد مقياساً حقيقياً للزمن، وتعكس بصمت مقدار الظل والضياء· أما الخيام فهي تنأى مثل حوامات تائهة عن مراكز الحروب والإمبراطوريات، وتقع بالتقابل والتناقض التام مع تاريخ آخر عند جنود الثكنة، الجنود الذين كانوا يتأهبون للحرب وللهجوم المباغت من قبل طائرات الحلفاء، وكان بعضهم من الزراية وكأنه يجرجر أقدامه نحو المقبرة·
صفحة 6
-6-
 
لقد عرفنا في الظهيرة قصة مهمتنا كاملة، ولكن ليس قطُّ من الضباط ، ولكنْ من تهامس الجنود في الثكنات أو في المطعم، وهي الآتية:
 
قبل خمسة أيام ذهب ثلاثة من ألمع ضباط الاستخبارات للاستطلاع عند تل أحماد من الجهة الغربية الشرقية من العراق، حيث من المحتمل أن تدور معارك ضارية مع قوات التحالف هناك، وكانوا يحملون كمية كبيرة من المال، ومعهم مجموعة صغيرة من الحرس، وقد أوقع بهم البدو من بني جدلة بكمين، وتم قتلهم وسلبهم أسلحتهم وأموالهم·
 
يقال إن الأموال التي معهم هي هدية من الجيش لبني جابر أعمام بني جدلة وكلاهما من بطون آلـ مضر، وبنو جابر معروفون بموالاتهم الدائمة للدولة، وتعتمد الاستخبارات العسكرية عليهم في رصد عمليات التسلل أو جمع المعلومات المهمة اعتماداً كاملاً، بل كان بعضهم يدخل ويخرج من حدود الدول المجاورة مع إبله مثل أي بدوي آخر، ولكن مهمته الحقيقية هي جلب المعلومات الأساسية من هذه الدول المجاورة·
 
غير أن بني جدلة كانوا يعيشون بطريقة مختلفة، فهم على العكس معروفون في كل المنطقة بأنهم أكثر القبائل البدوية كلها تمرداً، وهم الأكثر عنفاً سواء مع القبائل الأخرى أو مع القوات الرسمية، كما أنهم لم يكونوا قط على وفاق مع أعمامهم من بني جابر، ولأسباب غير معلومة بطبيعة الأمر، فلا أحد يمكنه أن يتخيل أن هذا التمرد هو للتمرد ذاته، وكان رأي الاستخبارات، وهو رأيهم على الدوام، أنهم ربما يعملون لصالح جهات أخرى، وكان تساؤلهم الأول: هل استطاع الأميركان تجنيدهم عن طريق وسطاء من الدول الحليفة لأميركا؟
 
من جهة أخرى لم تكن عمليتنا هي الأولى التي أرادتها الاستخبارات العسكرية ضد بني جدلة، فبعد مقتل الضباط العراقيين الثلاثة نفذت الهليكوبترات العراقية مباشرة عشرات الطلعات على المنطقة، ولكن من دون جدوى، فبنو جدلة قد اختفوا بين التلال الرملية مثل إبرة في القش، وإن ضربت الهليكوبترات الحربية بعض التجمعات البدوية في الصحراء ظناً منهم أنهم من بني جدلة، إلا أنه اتضح فيما بعد أن هذه التجمعات كانت لقبائل أخرى، بل إن الطائرات أخطأت هدفها وقتلت عشرين رجلاً من بني جابر، كانوا هم أيضاً يبحثون بين تلال أحماد عن بني جدلة، لأسرهم وتسليمهم للحكومة، أو لقتلهم·
 
وهكذا وصل عدد القتلى من البدو في الأسبوع الأول إلى أكثر من ستين رجلاً، لم يكن منهم غير اثنين من بني جدلة، ولم يكونا مطلوبين مباشرة للقوات العسكرية، إنما كان المطلوب الأول هو جساس بن مخيمر، وهو شاب في العشرين من عمره، متزوج من كمرة من آل طعمة، يقال إنه هو الذي ذبح الضباط الثلاثة وسلبهم مالهم وأسلحتهم، يعاونه أربعة من أبناء عمومته، غالب بن عبود بني جدلة، وجويد بن شمران بني جدلة، وغريب حويط بني جدلة، ومناحي حواس بني جدلة·
صفحة 7
-7-
 
بعد الظهر توقفنا رتلاً أمام دائرة الاستخبارات، وكان الرمل من وراء المعسكر يتوهج تحت أشعة الشمس، خرج ضابط طويل من المبنى بمعطفه الصوفي، وبمعيته أحد رجال البدو من بني جابر، اسمه منور بني جابر، سار إلى جانب الضابط مباشرة، ثم خرج ضابط آخر بلا رتب عسكرية يرتدي معطفاً طويلاً ونظارة سوداء، وتقدم نحو خارطة مجسمة مصنوعة من الرمل، وقد بنيت من خلالها بشكل تقريبي تضاريس المنطقة التي كان علينا أن ننفذ عمليتنا فيها·
 
ذهبنا جميعاً وتوقفنا بشكل دائري أمام المجسم وبمقدمتنا النقيب رعد وهو آمر فصيلنا، أما من الجهة المقابلة فكان هنالك أربعة ضباط من الاستخبارات، أحدهم كان يتفرج فقط، ومن الواضح أنه أعلاهم رتبة-على الرغم من أنه خلع رتبته العسكرية-وهنالك ضابط آخر أسمر، بعينين لوزيتين وملامح صارمة، كان يرتدي معطفاً عسكرياً طويلاً، ويحمل بيده عصاً رفيعة وطويلة ويؤشر بها على التختة الرملية، وقد وقف وراءه مساعدان، أحدهما كان يضع نظارة طبية، والآخر أسمر صغير الحجم وكان من الواضح أن لديه خبرة أكبر من الجميع بحياة البدو وطبائعهم، وكان يعرف جيداً أسماء القبائل التي تقطن منطقة تل أحماد، ويقف إلى جانبه البدوي من بني جابر·
 
بعد برهة صمت، قال الضابط الكبير:
 
مهمتكم هي أسر مجموعة من البدو من بني جدلة، الشخص الأول في المجموعة هو جساس بن مخيمر بني جدلة، وهنالك أربعة من معاونيه: غالب بن عبود، جويد بن شمران، غريب بن حويط، مناحي بن حواس، هؤلاء أهداف رئيسية للأسر، أو للقتل· الأسر أفضل بطبيعة الحال، كي نفيد من المعلومات التي لديهم، ومعرفة الجهة التي تقف وراءهم·
 
الهدف الثاني، هو قتل أي شخص يتأكد لديكم أنه من بني جدلة، أي أنهم كلهم أهداف هنا بسبب تمردهم وتعويقهم لعمل الدولة·
 
الشيء الثالث، يجب أن تعرفوا أن هذه الأهداف خطرة جداً؛ إذ قامت بعمليات عديدة ضد قطعات الجيش، آخرها قتل ثلاثة ضباط من أهم ضباط الاستخبارات، لذا ينبغي توخي الحيطة والحذر
 
ثم أشار بيده إلى البدوي الواقف إلى جانبه، وقال:
 
منور من بني جابر، صديق، ويجب اعتبار بني جابر كلهم أصدقاء، أي يمكن الاختباء عندهم، أو الإفادة منهم بالمعلومات، أو خذوا منهم كل ما يمكنكم الإفادة منه، وعليكم الاتصال بهم في حالة وقوع مكروه، وكنتم على مقربة منهم
 
هز منور وجهه بعلامة الإيجاب·
 
كان وجه منور بلا انفعال تقريباً، إنه وجه شامخ لبدوي، سحنته بلون الأرض، لحية قصيرة على الحنك سوداء فاحمة جداً، أما فمه فقد كان صغيراً ومرسوماً بعناية فائقة، وكانت عيناه برموشهما الثقيلة ترسل نظرات واثقة، هادئة ومتعالية مخفية إلى حد ما بمكر وذكاء حادين· طوال الساعة التي أمضيناها أمام التختة الرملية لم يتحدث مطلقاً، ولكن كان وجهه الذي لا يقول شيئاً يهيمن على كل الحاضرين، ونظراته العميقة تتابعها تحت ضوء النهار الغارب كل العيون·
صفحة 8
-8-
 
بعد حديث الضابط الكبير وقف ضابط آخر، ذلك الذي كان يحمل معه عصا رفيعة وطويلة يؤشر بها على التختة الرملية، وشرح لنا العملية البسيطة التي سنذهب لتنفيذها، وإن كان يسهب هو في التفاصيل، ويحدثنا عنها كما لو كان يحفظ درسه جيداً، وهي الآتي:
 
- إن العدو (يقصد الخمسة من بني جدلة) يحتمون بتلال أحماد التي لا يقترب منها البدو بسبب الرطوبة التي فيها· (معروف عن البدو بأنهم لا يقتربون من الأماكن الرطبة، بسبب وجود الحشرات أو الزواحف الخطرة فيها)، كما أن هذه التلال تمكنهم من الاختباء السريع، لدرجة أن يصعب العثور عليهم بينها·
 
ثم بعد ذلك شرح لنا بالتفاصيل مراحل تنفيذ العملية:
 
- ستكون العملية ليلاً لكي لا يعرف العدو شيئاً عنها·
 
توقف قليلاً ليرفع عصاه عن التختة الرملية، ثم قال:
 
- المعلومات الاستخبارية تقول إن الهدف موجود الآن في تل أحماد في مبنى طابوقي مهجور·
 
توقف قليلاً أيضاً ليرى ردة الفعل على وجوهنا، ثم استمر مستأنفاً الكلام:
 
- ستحملكم طائرة هليكوبتر عسكرية، وستحط بكم في عمق الصحراء، على مسافة ثلاثة كيلومترات من مكان العدو، أي أنكم ستهبطون على مقربة من الهدف، وفي الصباح ستهجمون بقوة لاحتلال هذا المكان وأسر العدو أو قتله·
 
ثم شرح لنا خطة الانسحاب، ذلك بعد تنفيذ هذه العملية سريعاً، سيقوم المخابر بإبلاغ القاعدة بذلك، أي أنه سيعلمهم بالموقف، ومن ثم سيرسلون لنا طائرة هليكوبتر إلى مكاننا ذاته لتقلنا إلى القاعدة، وفي هذه الحالة إما مع الأسرى أو من دونهم، أي في حالة قتلهم، فهم لا يريدون الجثث· أما إذا استجدت أحداث أخرى، فقال الضابط إن التصرف يتم على ضوء المعطيات الممنوحة على الأرض، أي إنهم يمنحون الضابط الحق في اتخاذ ما يراه ملائماً إذا طرأ أيُّ تغيير على الخطة·
 
بعد غروب الشمس مباشرة كنا في بهو المعسكر عندما دخل علينا أحد جنود الانضباط، ببيرية حمراء، وقياطين(7) بيض، ونطاق أبيض، وكان يضع المسدس على جانبه الأيمن وفي يده عصا، دخل البهو ووضع الصافرة في فمه وأطلق صفرة قصيرة، وقال:
 
- فصيل غارة الصحراء مطلوبون عند ضابط الأرزاق·
صفحة 9
-9-
 
توقفنا لحظات، وبعدها هرولنا بسرعة نحو حجرة خشبية كائنة وراء المعسكر، وقد اضطررنا إلى أن نمر أمام بناية المستودعات المغطاة بشبكات التمويه والطين، اثنين، اثنين، يتقدمنا النقيب رعد بجسمه الرياضي وعضلاته المفتولة، وبوجهه الأسمر العابس قليلا،ً وقد كان حاسر الرأس، وبلا سلاح، بينما كنا نهرول بخوذنا الحربية وبساطيرنا وبنادقنا بأيدينا، وكأننا في وضع هجوم· عند المستودعات استبدل بالخوذة الحربية كيس خاكي من الصوف مفتوح من عند العينين يلبس بالرأس مباشرة وبه فتحة للفم والأنف أيضاً، وزودونا كذلك بقفازين صوفيين، وبمسدسات للاشتباك القريب، وبذخيرة خاصة من الرصاص الذي ينفجر ما إن يستقر في الجسد لإحداث أكبر ضرر ممكن في الأعداء· ثم هرولنا نحو الطائرة الهليكوبتر الجاثمة في المهبط القريب·
 
 كانت سلسلة المصابيح في المعسكر خافتة ومختلطة في الضياء، والسماء بعيدة، وهنالك ضجيج خفيف في الثكنات ينبئ بحياة نابضة في هذا المكان·
 
 
 
توقفنا عند المهبط بينما أخذت مراوح الطائرة تدور بسرعة كبيرة، فصعد النقيب رعد أولاً، ثم المخابر ثانياً، ثم صعد منور البدوي دليلنا في الصحراء من دون سلاح وقد حزم دشداشته البيضاء على بطنه النحيف، ولف يشماغه المبقع على وجهه، ثم صعد الإسناد وراءه، وهم ثلاثة من أبرع الجنود الذين شاركوا في معارك شرق البصرة في حرب العراق مع إيران، ثم صعدنا نحن خلف الجميع·
 
كان الضوء داخل الطائرة أصفر شاحباً، وقد ظهر الطيار من باب موارب في القمرة وهو يعطي إشارة الإقلاع، وقد جلست أنا بسرعة على الجانب الشمالي قرب النافذة السميكة وربطت الحزام· بينما جلس النقيب رعد في المقدمة وجلس إلى جانبه محمد المخابر بعد أن خلع جهاز المخابرة THOMSON 133 من على كتفيه، ثم أسند ظهره إلى النافذة وربط الحزام بسرعة كبيرة، ثم جلس منور بدشداشته ويشماغه الملفوف على وجهه عند باب الطائرة مباشرة، ولم يعرف كيف يربط الحزام فهرع أحد قباطنة الطائرة وربط له الحزام، وأخذ يتمشى في الطائرة رواحاً ومجيئاً، أما الرفاق الآخرون فقد تفرقوا جالسين على المقاعد المتقابلة، وقد شدَّ كلُّ واحد منهم حزامه·
 
دقائق وحلقت الطائرة إلى أعلى، فأصبحت أضواؤها التي كانت تومض على المهبط بعيدة عن الأرض· لقد صعدت الطائرة فجأة، وبسرعة كبيرة في قلب الليل الحالك، حلقت أعلى وأعلى وهي تستدير شمالاً في قلب السواد الأملس، لم تمر سوى لحظات قليلة حتى اختفت مصابيح المعسكر تماماً عن أنظارنا· استدارت الطائرة على نفسها وهي تغور في الفضاء مثل حشرةٍ تقاوم الرياح العاتية، ثم اندفعت وكأنها سقطت في الفراغ بعد أن رفعت ذنبها إلى الأعلى وأنزلت مقدمتها إلى أسفل، وكأنها شقت الليل المعتم بمبضع حاد وانسربت بقوة إلى أمام·
صفحة 10
-10-
 
أخذت أنظر بهدوء من نوافذ الهليكوبتر السميكة إلى تلال الرمال المتحركة كأنها أمواج بحر سوداء تغطيها طبقة فضية واسعة، كنت أرى هنا وهناك نتوءات جبلية حالكة، وفجوات تتغلغل عميقاً في السفوح الحجرية الصلبة، كانت صحراء السماوة التي أضلت إبراهيم الخليل وعائلته وهو في طريقه إلى فلسطين تمتد خلفنا، وكنت أميز على نحو مشوش بعض الأهداب الرملية الصفر والمذهبة التي ترسم الحدود الفاصلة بين أرض نبوخذ نصر وأرض كنعان· كنت أرى عتمة الصحراء عند الطرف القصي لأحد النتوءات، والمصادفة وحدها هي التي أضاءت بلا ريب النور على أطلال مدن سومرية ابتلعتها الرمال، هذا النور الذي يخاله المرء من بعيد فناراً، هو فنار يدل على وحدته وهجرانه، إنه فنار لكنه لا يرشد، ولا يضيء إلا عيوننا، ويدعونا لإلقاء نظرة رثاء على أطلال المدن السومريَّة التي ابتلعتها الرمال·
 
من هذا العلو الشاهق وكأننا نحلق فوق الهاويات، مع كل الأحداث المهيبة لليل، والقمر، والفضاء، والنجوم، والصحراء، وهذا الطيران البعيد الذي دام ساعتين، ومشهد الرمال الذي أدهشني من الأعلى، وهذه الهاويات السود التي كانت بالقدر ذاته من العمق، والصوت، والمرقشة بكرات صخرية، كبيرة، بيضاء، وحية، كنت أسمع الصوت الذي رجعت صداه رمال السماوة وبابل وآشور في كل زمان ومكان، كنت أشعر بأن الأرض يغمرها ضوء شاحب، ضوء خفيف كأنه قادم من تبخر بحر في السماء، وكنت أرى هذا الصمت الإلهي العظيم، هذا الصمت الأخرس في الليل، وكأن الصحراء هي الصرخة الأخيرة للرب·
 
 فيا لها من أشياء تلك التي سمح لي الله برؤيتها على أرضه! إنها بوابة سامية أدخل منها في اليوم التالي إلى الصحراء، حتى كأن الليل يختلط بالسماء، وهذا الضوء الشاحب الذي يغمر الخليقة قادم من أقدام الإله الذي أنار النجوم بضوء ثابت يبرق مثل ألماس على بساط أسود ناعم·