eKtab
EN ع
مملكة النفاق
اقرأ عينة مجانية

مملكة النفاق

بقلم غسان عبد الرحمن

صفحة 1
كلمة لا بد منها
 
انقضت ثلاث سنوات على اتمام هذا العمل, كنت احاول خلالها عرضه للنشر عند هذا وذاك, ولكن حالت دون ذلك اسباب عَلِمها من عَلِمها وجَهِلها من جَهِلها..
 
إلى أن آن الأوان وتيسر ذلك من خلال هذه الدار الرائدة.
 
ذلك, وإذ تمور الآن الثورات العربية المباركة لتزلزل ما تبقى من العروش الذليلة في الشرق والغرب, فإنني لا املك إلاّ ان اقدم هذا الكتاب المتواضع دونما تغيير او معالجة تذكر, حيث أن الأحداث اكدت ولا زالت تؤكد صواب ما رأيناه. بل بدا لنا ولكل شاهد ومتابع ما هو أدهى وأنكى; انّ مملكة النفاق قد ولجت الآن وبكل قوة وعلانية في مرحلة الفعل السافر والتورط المباشر (في اليمن ومصر والبحرين على وجه الخصوص), وقد كانت من قبل تحرص على الإستخفاء واللعب والتآمر من وراء الحجب والكواليس ما استطاعت.
 
فلتأتِ المعمعة إذاً.. إن كانَ لا بد منها, ليظهر حصادُ المنافقين على سوقه كما هو.
 
12/11/2011
صفحة 2
(استهلال)
 
"إتخذوا أيمانهم جنّة فصدّوا عن سبيل الله انهم ساء ما كانوا يعملون"
 
سأل سائل عن ماهية هذا الشيء المسمى بالمملكة السعودية وحقيقة اوثانها وازلامها, وذلك في ضوء ما كان وما يكون من مواقفهم وأدوارهم وفضائحهم وأوزارهم, الى ذلك الحد الذي يتصدع له القريب ويشمئز منه الغريب؟
 
فقلت:-
 
نعم.. حقيقتهم, في هذه السكسوكة وقد تلفعت بعباءة الوهابية الكالحة وتوسلت بدعوات مشايخها المدهنين واتكأت على حماية الأجنبي المتأهب.
 
وأما من أبى, فحسبه هذا السيف المسلّط الذي يزين علمهم ويذيل الشهادتين, ويرقصون به عند استقبال(الأعداء)..
 
فكان المراد أن يوحوا الى الاذهان بأن الاسلام هو دين البطش والدم, والجاهلية المريعة التي يسمونها (توحيداً).
 
فتأمل كيف وضعوا كلمة خبيثة عند شجرة النخل الطيبة, ثم جعلوها رايةً وشعاراً!!
 
على اية حال ها هي ذي قد عادت تخطر على بالي كلمة حق أدلى بها ذات يوم عمدة لندن السابق على شاشة التلفزيون - قال المحترم ليفنجستون في شأن حكام السعودية:" ان هؤلاء لا يليق بهم الاّ أن يعلّقوا على أعمدة الكهرباء.. وان بلاد العرب لتستحق ان يحكمها من هم خير منهم..". وهذه المرة يأتي إنݘليزيٌ صادق ونبيل لكي يفتي للعرب فتوى لا لبس ولا ريب فيها! فأي مفارقةٍ وأيُ عزاء..
 
وأي خراب أحدثته خلال قرن من الزمان هذه الطغمة (المتميزة بالمجاهرة بفسادها عن قصد وتصميم) في اقدس البقاع؟ خاصة, وقد اصبح الجميع يعلمون بأن مملكة النفاق لم تكن منذ بداياتها وحتى يومنا هذا مجرد "مملكة شاسعة مباركة" *قد انبثقت وتوطدت في اعماق الصحراء بمعزل وبمناى عن بؤرة الصراع وضرام الاحداث, ودانت لذلك الدين الضحل الذي لا ينفك يسفر عن ابار معطلة وقصور مشيدة؟ ومزيد من الوهن والفقر في نفوس معتنقيه واشياعهم؟
 
وفي الواقع,فأن الشعوب المسلمة قد باتت تدرك بشكل ملحوظ ومتنام ان المنظومة السعودية الوهابية من خلال ممارساتها وموافقها المدروسة بكل عناية ودراية, (1) قد قدمت الوصفة الناجعة المثلى للصد عن سبيل الله؛ تشويه صورة الاسلام في عيون الاخرين وتحريفه في عقول واذهان اهله, لاخماد جذوته وتحقير قيمه في وجدان الاجيال:
 
___________
 
*وصف للزعيم الصهيوني بن غوريون في رسالته التي بعث بها الى ((أخيه في الله والوطن)) والمؤسس الأول للمملكة السعودية عبد العزيز. راجع ملحق (3) في نهاية الكتاب.
صفحة 3
بوجود اتعس الامراء واجهل العلماء في اقدس البقاع, وبالنظر لما يقترفونه على الملأ من الفحشاء والمنكر والاثم والاسراف المقصود المجنون في وقت يطرحون فيه انفسهم كخدام المقدسات واصحاب السمو وذوي الفضل.. يتحول الدين القيم في جملته الى ذلك الانموذج السيئ بامتياز, الى ذلك النمط الزائف الممجوج الذي لا يغني من ظمأ ولا يرتقي الى شيئ)..
 
من هنا, يصبح الانفصام حالة مرضية لا فكاك ولا شفاء منها, كما يغدو النفاق نهجا شرعيا يرفل في جلبابه ولحيته..
 
(2) كجزء لا يتجزا من جبهة اعداء الاسلام والوطن (ومن خلال موالاتها الصارخة المثابرة لهم في جميع الاحوال ومن خلال مساندتهم والترويج لبضاعتهم وسياساتهم على حساب خسف وتزوير وتطويع كل النصوص والاحكام الشرعية..) شكلت المنظومة السعودية الوهابية على الدوام احد اهم المواقع الامامية المتقدمة -ان لم تكن اهمها- لقمع وملاحقة الاحرار والشرفاء من هذه الامة ولمواجهة أي مشروع نهضة حقيقية قد تلوح في الافق, وبالتعاون الحثيث مع الانظمة والاذرع العميلة الاخرى.
 
(في مرحلة لعب هؤلاء مع اسيادهم لعبتهم الكبرى المتمثلة في صناعة وتصدير الارهاب واذكاء الفتن الطائفية سعيا لخلط الاوراق وشهوة لمزيد من الدم الزكي وتمويه الفرق الفاصل ما بين المقاومة والارهاب.. واعظم ما يحاولونه الان التحريض على الشيعة وتشويههم وسلقهم بعد ما تبين انهم يشكلون الخطر الاكبر..)
 
في الحاصل,وكما يكتب مؤلف (كشف الارتياب):
 
"ان وجودهم في موقعهم فتح ولا يزال يفتح الأبواب امام الصهيونية والصليبية المعتدية لتنفذ كيف تشاء في الكيان الإسلامي, فتمزق وتنهب وتدمر وتحاصر وتبسط نفوذها. وهؤلاء يمهدون لها كل شيء ويساندون اخوانهم الخونة في كل مكان.." (سلسلة الكتب العزمية).
 
وقد مكروا مكرهم في كل مكان. وجاءت (غزوة) نيويورك المتقنة لتمثل قمة ذلك الكيد العظيم ولتفتح الباب على مصراعيه لكل الكوارث التي لحقت بالمسلمين من بعدها؛
 
والآن يريدون ان يختموا بالتآمرعلى ايران من اجل ضربها وتدميرها..
صفحة 4
غير ان المكر السيء يوشك ان يحيق بأهله.. وها هو ذا قد حل قريباً في دارهم.
 
ويورد الكاتب الفرنسي إريك رولان في كتابه (الوجه الخفي ل11/9) ان وكالة الامن القومي الامريكية قد وضعت ارض الحرمين كلها تحت مراقبة وتنصت اجهزتها العملاقة, فكشفت-من بين ما كشفت عنه- عن وجود انشقاق كبير في أجنحة العائلة المالكة, وعن مدى الفساد المستشري هناك, ثم, وبشكل اخصّ, عن مدى خوف هذه العائلة من المستقبل واحتمالاته..
 
وهو نفس المعنى الذي يشير اليه الباحث الكسندر بلاي (من معهد ترومان) في وصف حالة التصدّع والانحلال وفقدان المعنى داخل هذا النظام المتداعي: ((كلهم خائفون مذعورون من يوم قيامتهم, ويتمنون لو أمكن تجميد الوضع الحالي الى أطول فترة ممكنة)).
 
لكن.. وبما أن الأمور غالباً ما تخفى عنّا ((لشدّة ظهورها)) كما يذكر الامام الغزالي,فقد يكون من الأجدى أن نرجع بالقصة الى أولها..
 
وعندما نعرف القصّة سنجد أن الأمور كلها, وفي كل دولة ودولة, متصلة متعلقة ببعضها البعض, بنفس القدر الذي يمكننا أن نقول انه ما من شيء منفصل عن شيء في هذا العالم, ولكن بدرجات متفاوتة..
 
بهذه النظرة.. نفهم مقولة الامام علي كرم الله وجهه: "فما جاع فقير إلا بما متع به غني"
 
وعليه نقيس.. اذا اردنا ان نعرف ماذا في الحجاز او, في فلسطين..فان علينا ان نعرف ماذا كان في كل البلاد والاماكن المعنية على الاخص. وقد تباعدت هذه وتشاكلت الى حدّ باتَ عنده الكثير يتوهّمون ان العلاقة بين الحجاز وفلسطين ليست بموضوع يستحق او ينبغي التريث عنده, ذلك باعتبار أنّ المملكة ليست من (دول الطوق).. وربما تكون هذه أكبر مغالطة انطوى عليها تاريخ العرب الحديث.
 
ولذلك الرّجاء, أن يستطيع القارئ الكريم معنا صبراً..
صفحة 5
القصة من أولها
 
ومسرحها الدولة العثمانية في مواجهة اوروبا, اواخر القرن 19.
 
على امتداد القرن التاسع عشر كانت سياسة الدول العظمى بشأن "المسألة الشرقية" تتراوح بين اتجاهين متوازيين:
 
اتجاه يرغب في الابقاء على سلامة اراضي الدولة العثمانية وتماسكها, كضمانة للسلامة في اوروبا. وهو ما عبر عنه اللورد اللنبورو (Ellenborough) بقوله: "ان الامبراطورية العثمانية قائمة ليس لصالح الاتراك انفسهم فحسب, بل لصالح اوروبا المسيحية, وليس بغية المحافظة على حكم المسلمين بقدر ما هو لانقاذ المسيحيين من حرب لا يمكن تحديد الغاية من شنها ولا معرفة عواقبها والزمن الذي ستستغرقه هذه الحرب".(1)
 
من ناحية اخرى, كان هنالك اتجاه يلح على التصفية وينادي بحسب الاحداث, للاسراع في النهش وتقسيم الغنائم ومناطق النفوذ, ووقفت روسيا على رأسه.
 
وعلى كل حال, اعتلى السلطان عبد الحميد خان عرش الحكم, (1909-1876) في وقت تبلور فيه اجماع القوى الاستعمارية بدرجة أو بأخرى على تبني هذا الاتجاه الطامع في انهاء "الرجل المريض" وتقطيع اوصاله..
 
وفي دخان الفتن المدبرة التي اندلعت ضد مسيحيي الشام وجبل لبنان وأعمال العنف التي كانت تمور في انحاء البلاد مثل ثورة اليونان وثورات البلقان, التفّ الرأي العام في اوروبا ضد ما سمي ب(وحشية) العثمانيين والدين الذي يعتنقونه.. واضحى الاسلام في نظر الكثيرين دليلاً على الطغيان وعدم الكفاءة.. وانتظم القساوسة والليبراليون والعلمانيون والمحافظون معاً في مسيرات غضب تطالب بالانقضاض عليهم واخراجهم من حدود اوروبا وكسر شوكتهم.(2)
 
في هذا الاطار ايضاً بدأت تتعالى الاصوات المنكرة لوجود فلسطين وبيت المقدس تحت سيطرة "المحمديين" الذين"لا يرون أبعد من مبادئ الاسلام الضيقة"*.. وتقدم سفير انكلترا في اسطنبول بمذكرة الى الباب العالي يتوسط بها لصالح "مجموعة من اليهود الذين يودون السكن في برية الشام".. وختم طلبه بقوله : "وباية حال, فاني اريد رداً قاطعاً"!!
 
من هذا الباب, وبشكل متمم, أخذ يتشكل في الغرب ذلك التيار العريض المؤثر والداعي لتوطين اليهود في دولة تكون "قاعدة للحضارة الغربية في مواجهة الهمجية الشرقية".. وقد جاء هذا التصور الذي جاء يبشر به هرتسل منسجماً تمام الانسجام مع ادبيات تلك الفترة وما قبلها ومع رياحها المشحونة بتوقعات قرب مجيئ المسيح المنتظر. (وكمثل من بين فيض من الامثلة, يمكن الاشارة هنا الى كتاب القسيس الانجليكاني وليم هشلر (اعادة اليهود الى فلسطين) والذي صدر قبل كتاب هرتسل المعروف بعامين, وفيه تحدث عن حتمية وضرورة عودة اليهود الى فلسطين طبقاً لنبوءات العهد القديم.)(3)
 
________________________
 
*ذلك في رأي عبر عنه لاحقاً (ماينرتسهاجن) كبير الضباط السياسيين في جيش اللنبي, كونه يمثل التيار السائد (وروح الغرب) من قبل ومن بعد.
صفحة 6
في العقد الاخير من القرن التاسع عشر, لم تعد الصهيونية السياسية متوافقة مع الاستعمار البريطاني فحسب, وانّما أصبحت جزءاً لا يتجزأ منه. وأصبح أشد انصار الصهيونية هم أولئك الذين يشغلون اهم المناصب في الدوائر الحكومية..
 
وعندما عقد المؤتمر الصهيوني الرابع في لندن سنة 1900, وقف هرتسل ليعلن وبكل ثقة: "من هذا المكان ستحلق الحركة الصهيونية في الأعالي... انكلترا العظيمة, انكلترا الحرة, انكلترا التي تتطلع انظارها الى البحار السبعة سوف تفهمنا" ..
 
بذلك, كان هرتسل يعزف على فكرة تشامبرلين وحكومته التي اخذت تنظر الى اليهود كمجموعة من المستعمرين الاوروبيين المؤهلين لاستيطان وتطوير وامتلاك (أرض خالية مقفرة) تحت الوصاية البريطانية.
 
جملة القول بالنسبة لهذه القضية,
 
تكون في الغرب, وخاصة في بريطانيا اصرار عجيب بلغ حد الهوس على فرض وتحقيق المشروع الصهيوني بأي ثمن ووسيلة. وصار الهم الاكبر في اوساط العناصر الدينية وغير الدينية من صناع القرار منصبّاً على فلسطين- أرض الميعاد.. هذا الهم انعكس وكشف عن نفسه بكل الصلف والغرور الممكن في مذكرة لوزير الخارجية المتأخر(بلفور), وهو في حضيض الظفر,وخلاصتها أنه:
 
"ليس في نيتنا مراعاة حتى مشاعر سكان فلسطين الحاليين, مع ان اللجنة الامريكية تحاول استقصاءها. ان القوى الاربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية.. وسواء كانت الصهيونية على حق او باطل.. جيدةً أو سيئة.. فانها متاصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد والحاجات الحالية وامال المستقبل. وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي ممن يسكنون الان هذه الارض القديمة".. (نلاحظ هنا ان كلمة يسكنون جاءت وكأنها يراد لها ان تشير لشيء طارئ)..
 
على صعيد الداخل, في ظل هذه الظروف والمعطيات, كان ينبغي للسلطان عبد الحميد أن يكافح بكل ما أوتي من قوة وفطنة وبوحي من فطرته السليمة العارفة.. من أجل تأخير الانهيار بقدرالمستطاع.. انهيار دولة استشرى الفساد في مؤسساتها, وأصيب اقتصادها بالشلل وأثقلتها الديون الخارجية وعصفت بها الأزمات وحركات التمرد والفتن التي يثيرها ويرعاها قناصل الدول الاجنبية.. بقليل القول, عرف السلطان أن العدو يعمل طليقاً معززاً في عقر دار الاسلام..
صفحة 7
كما عرف عن معظم رجالات دولته وادارييها انسلاخهم عن قيم الاسلام ومبادئه وانتماءهم للمحافل الماسونية التي اذن لها وانتشرت كظاهرة مدهشة في ولايات الدولة منذ عهد مصطفى رشيد باشا.
 
وعلى كل, فقد كان هؤلاء يديرون الدولة ويتخذون القرارات الهامة وهم يجلسون على موائد سفراء ووكلاء الدول الاجنبية, وفي الحالات المستعصية, عملوا ونشطوا كعصابة تهدد وترهب كل من خالفها الراي او ارادوا به كيداً. وأكثر من ذلك.. كان بمقدورهم أن يخلعوا السلطان وقتما شاءوا وهو ما فعلوه بعد حين مع السلطان عبد الحميد نفسه حين ناصبهم العداء من اول يوم وضيق عليهم الخناق ما استطاع وبذل ما بوسعه للوقوف في وجه مخططاتهم..
 
-"..الا أن العلماء الذين يسعون خلف المال والجاه وجهل اركان الدولة (في كثير من الاحيان) بكنه وأبعاد وعواقب نشاطهم, قد حالا دون وقوع مواجهة حاسمة او صدام شامل معهم من أجل اجتثاثهم".(4)
 
* * *
 
تزامن انتشار الماسونية وتأسيس المحافل الماسونية وجمعياتها في ارجاء الدولة العثمانية (وبطبيعة الحال, في الوطن العربي) مع دخول قناصل الدول الكبرى عنوةً وبموجب اتفاقيات مفروضة عليها قسراً بسبب الديون الباهظة أو الحروب الخاسرة العبثية في معظمها, او.. لحماية رعاياها من ذمة السلطان.
 
وهكذا, ومع بداية انشاء المدارس والمعاهد التابعة لهم في المدن الكبرى والحواضر الاسلامية تحت ستار العلم والتبشير والتحضير, فقد تنافست هذه الدول (وكل دولة لها محافلها) في سياسة الشرق وفي اجتذاب واستدراج العناصر التركية وغير التركية الى صفوفها من الشخصيات المرموقة الواعدة.
 
اما غير الاتراك, فكان المطلوب تغذيتهم بنزعات التمرد والاستقلال (وبالنسبة لموضوعنا, فقد ظهرت لدى العرب مقولة اغتصاب الخلافة وسرقتها..)
 
واما الاتراك فكان يتم نفحهم بافكار عن تخلف الاسلام وضحالته وعدم صلاحه لمواكبة العصر, أو بافكار طوباوية كاذبة كتلك التي عبر عنها احد رواد حركة تركيا الفتاة, وهو المسمى بكاظم نعمي دورو:
 
"ان اعراقنا واممنا وادياننا المختلفة التي لم تستطع ان تتوحد في اي مجال, وكانت دائمة النزاع قد اصبحت في وئام واتفاق تام تحت سقف الماسونية". (5)
صفحة 8
في هذا الاطار اذاً, نشأت حركة تركيا الفتاة, وفي حضانتها ولدت جمعية الاتحاد والترقي; تلك العصبة التي اطاحت بالخلافة في اخر الامر. والاهم من كل شيء اخر- بالنسبة لمن سبق وصفهم- انها فتحت الابواب على مصاريعها نحو سلب فلسطين و..اخواتها.
 
لكن, ولكون فلسطين هي (ارض الميعاد), واخر الفكرة, فقد عملت الحركة الصهيونية اول ما عملت على تأسيس مجموعة من المنظمات والجمعيات السرية بهدف تجنيد النابهين من بين الامم الى صفوفها وتسخيرهم (بعلم أو بغيره) في خدمة المشروع الكبير, بما في ذلك جمعيات تعمل تحت ستار المساعدات الانسانية والعمل الاجتماعي او كمنتديات فكرية ثقافية او كظلال لاحزاب سياسية, او, ربما لحركات دينية, او نسائية..
 
والفكرة من وراء ذلك ان تضل العقول والقلوب لكي يسهل التلاعب بها لتحقيق أي هدف. وهكذا, تعمل الاوركسترا الضخمة حيث يكون (العازفون) في معظمهم هم الصم العمي..
 
فلا غرو اذاً ولا عجب ان ذكرنا في هذا السياق ان اكثر رواد وزعماء جمعية الاتحاد والترقي, مثل احمد رضا وانور باشا وجمال باشا وطلعت بك قد اشتهر عنهم يقينهم بان هجرة اليهود الى فلسطين ستكون في صالح الدولة العثمانية. لذلك, وعندما جد الجد, فقد صارت جمعيتهم وملحقاتها ماثلةً لتشكيل الضغط على السلطان ودولته والاسراع في تمزيقها وبيعها لمن يدفع.. بهذه الروح ايضاً, تعاملت السلالات العربية التي ثبتت على عروشها منذ ذلك الحين وبعد أن باركت ورحبت بابناء العمومة*.. ولكن لذلك حديثاً اخر..
 
__________________
 
* جاء في تصريح للملك السعودي فيصل أدلى به لصحيفة الواشنطون بوست بتاريخ 17.9.69 تعقيباً على ما تردد من الاقاويل بشأن(يهودية آل سعود): "اننا واليهود ابناء عم= =خلّص ولن نرضى بقذفهم في البحر كما ينادي البعض, بل نريد التعايش معهم بسلام.." ثم يضيف مستدركاً:"اننا واليهود ننتمي الى سام وتجمعنا السامية كما تعلمون اضافة الى روابط قرابة الوطن.فبلادنا منبع اليهود الاول الذي انتشر منه اليهود الى كافة اصقاع العالم"..
 
الادعاء تبناه المعارض السعودي ناصر السعيد وبثه في الستينات عبر اذاعة صوت العرب واذاعة الثورة اليمنية في صنعاء ومن خلال كتاباته. وقد اختفى ناصر من الوجود بعد اختطافه في بيروت في نهاية سبعينيات القرن الماضي. (ألقي من الطائرة بعد تعذيب شديد).
صفحة 9
جاء في تقرير ارسله الميرالاي صادق بك الى مؤتمر جمعية الاتحاد والترقي بتاريخ 2.8.1915, أي بعد ست سنوات من سيطرتها على الحكم:
 
"تسيطر اليهودية والماسونية اليوم على اقتصاد العالم. ومن خلال منظماتهم امتلكوا ايضاً الصحافة العالمية. وهم يحولون افكار العالم الى الوجهة التي يريدونها, ويجذبون اليهم من كل امة المميزين فيها من اصحاب المناصب الرفيعة والشهرة والنفوذ. وهم يقومون من خلال الماسونية ومنظماتهم المكرسة بتنصيب هؤلاء الاشخاص في المجالس النيابية والوظائف العليا التي تدير بلادهم. لقد قمنا بالثورة والانقلاب رغبةً منا في انقاذ الوطن من التردي. خلعنا السلطان عبد الحميد, لكننا لم نفعل ذلك من اجل رفعة شأن بعض المتشددين. ان هدف الصهاينة اليوم هو انتزاع القدس وفلسطين من ايدينا, ان لم يكن هدم الدولة العثمانية.. وهم يتحدون في ذلك مع الماسون. يريدون تاسيس حكومة يهودية هناك". (6)
 
بعد رفع هذا التقرير, وكاجراء مفهوم, تم فصل الميرالاي وطرده من الجمعية لكن ذلك دل على ان السياسة التي انتهجها هؤلاء قد ادت الى ظهور حركة معارضة ضعيفة (وحادة في بعض الحالات) وانقسامات داخل الجمعية, وذلك حين ادرك بعض من غرّر بهم ان الجمعية ((تبيع الدولة للصهاينة)).*
 
_____________________________
 
*وهو ما صرح به النائب اسماعيل بك عند مناقشة الميزانية في فبراير عام 1911. بنفس المناسبة ايضاً, انبرى رضا صالح, النائب عن بيروت, محذراً من ان اليهود قد صاروا ياخذون الحقل في فلسطين ليس بالف قرش وانما بخمسين قرشاً. فقد اشتروا الكثير من الاراضي وهم يحولونها الى مستوطنات, واقترب عددهم من المئتي الف نسمه وقد آل اقتصاد تلك المناطق الى ايديهم تماماً. كما انهم بدأوا يرفعون اعلاماً خاصةً بهم, وقد صكوا نقوداً واستصدروا طوابع بريدية خاصة))..
 
ومن الحقائق المسلم بها ان كثيراً من زعماء واعضاء جمعية الاتحاد والترقي كانوا في الاصل من اليهود الذين اعلنوا اسلامهم في الظاهر وتسموا باسماء العرب والمسلمين طمعاً في دخول الابواب الموصدة,على غرار ما فعله شبتاي تسفي (ZVI) في زمن بعيد عام 1666. وكان هذا قد جاهر آنئذ بانه هو المسيح المنتظر فلقيت دعوته صدى كبيراً لدى كثير من اليهود. ومن ثم اعلن عن عزمه على خلع السلطان في الطريق لعودة اليهود الى الارض المقدسة. لكن السلطان اعتقله فتاب واعلن اسلامه وبذلك انتهى امره. ومع ذلك رأى فيه البعض رجلاً عبقرياً ملهماً, ذلك بانه قد دل قومه على الطريقة المثلى.. وهكذا ظهر (يهود الدونمة) من بعده وتقلدوا المناصب العليا. فلما آل الحكم اليهم بعد انقلاب 1909, استاء ضباط الجيش والاتراك كثيراً بسبب سيطرة ونفوذ بعض الافراد الذين لم يكونوا "اتراكاً حقيقيين والذين تربطهم علاقات وطيدة مع يهود اوروبا وصهاينتها" -(الاب لويس شيخو, السر المصون, الكراس السادس).(7)
 
على ان هنالك فئة من العرب والاتراك ممن عملوا لحساب بريطانيا (وهي الراعية الاولى للصهيونية) دون ان يعلموا انهم يعملون لحسابها..وتلك هي الفئة المستغفلة..
صفحة 10
ويبين السلطان عبد الحميد في مذكراته "أن انصار الدستور كانوا عبارة عن فئة من أولئك الذين انسلخوا عن جذورهم لبقاءهم خارج الوطن لفترات طويلة. وفئة اخرى تلقت تعليماً اوروبياً سطحياً.."-(ونضيف من عندنا, فئة من القابلين للعمالة والسقوط بحكم انفسهم ومعدنها.. وهم الذين استمروا ولم يرجعوا, وفي ما بعد تبوؤوا المراكز العالية في دولهم البالية..)- فدعا هؤلاء لنشر التحرر والمساواة داخل الدولة العثمانية المتهاوية سعياً لالحاقها بالغرب وجعلها بشكل او بآخر (وبعد ان تقلصت في حدود تركيا) نظاماً عسكرياً ليبراليّاً -ويا لها من معادلة!!- متنكراً لماضيه وتراثه منقطعاً عن محطيه الطبيعي وهويته. وهو ما كان يرمي بالاساس الى نبذ الخلافة واسقاط ذكراها والتحلل من اي ارتباط بقضايا المسلمين وثقافتهم ومصيرهم.
 
ثم يختم السلطان مطلقاً هذه الزفرة من الحرقة : (( يا الهي كم اساء فهمي هؤلاء الحمقى المساكين! وكم هم جهلة لا يعلمون شيئاً عن امر الدولة العثمانية))!!
 
لكن, ماذا بشأن الذين يعلمون؟
 
بعدما تولوا زمام الامور, انقلب حال الاحرار (المتنورين) فاخذوا يضربون على طبول القومية والعنصرية التركية, مجاهرين بازدرائهم لدين العرب ورسالة الاسلام.. عندئذ, وكردة فعل غاضبة ومحسوبة, اندفع هؤلاء الى احضان بريطانيا وفرنسا, وبدأوا يفكرون ويطالبون بالانفصال والاستقلال..
 
من صلب هذه الحركة التي قادتها ومثلتها جمعيتا (العربية الفتاة) و(العهد) المشبوهتان, ولدت دعاوى القومية العربية. وبوحي من الانجليز وببركاتهم وقع هؤلاء على زعيمهم ممثلاً في شخص الامير فيصل بن الحسين. ولما كان رفاق الامس من الاتراك يعرفونهم ويرصدون تحركاتهم, فقد طوردوا واعدم بعضهم في ميادين دمشق وبيروت واسطنبول ولجأ قسم منهم الى باريس ولندن ومدن الغرب التي احتضنتهم في انتظار (المهزلة العربية الكبرى) حيث سيسوق الرعاة جميع الغنم قبل ان يلتهموها في ميسلون ومكة والقدس وبغداد والقاهرة, ومن ثم ليفرضوا انتدابهم بالقوة والبطش.
 
وكذلك, ومن كلمة باطل اريد بها باطل, نبتت ورسخت العداوة والبغضاء بين العرب والاتراك على آثار فئتين ضالتين مضللتين.
 
والعبرة المستقاة بعد هذا الاستطراد انه "كان للقوى الخارجية تاثير كبير في الحياة السياسية داخل الدولة العثمانية. فقد كانت تلك القوى ذات تشكيلات واسعة وممتدة بالقدر الذي يمكنها من جعل ابناء الوطن الواحد يفعلون ما تريده في الاماكن التي تريدها. والامم التي لا تعتبر من التاريخ هي امم معرضة دوماً لتلك الاخطار".(8)
 
غير انه ينبغي لنا الان ان نعود قليلاً الى الوراء.. الى النقطة الجوهرية..