صفحة 1
على درب المواطنة
«لا يجدر بأحد أن يغفل القانون». هذا القول المأثور، وإن أسيء استخدامه أحيانًا أو خفّف القضاة من وقعه غالبًا، فإنه لم يبرح حافلاً بالمعنى. فإنه يشير إلى كلّ واحدٍ منا بضرورة العيش في كنف المجتمع والاحتكام إلى القواعد التي تمّ سنّها جماعيًا. وفيإطار الدولةالدستورية الحديثة، يعني ذلك،على وجه الخصوص، أنعلى كل مواطنأن يعرفالمبادئ الأساسيةالتي تحكمالدولةوعلاقتهابالأفراد. بيد أننا في كثير من الأحيان، نتجاهلالمعيار الأساسيالذي يحددهذه القواعد.فغالبًا، نكتفي، وفي أحسن الأحوال، بشذرات المعرفة أو نركن، في الحالات الأسوأ، إلى الصور النمطيّة (الكليشيهات). فـ«ميثاقالعيش المشتركـ«، و«الوطن العربي»، و«رئيس الجمهورية المارونيورئيس الوزراءالسني»... جميعها شذرات تفتقر إلى الدقة وتعروها ذكرياتغامضةمننصّ، بقدر ما هو بمنأى عن القراءة، بقدر ما هو بعيد عن احترام الحكام له وتطبيقهم إياه.
في الواقع، إذا كاناللبنانيونلا يعرفوندستور جمهوريتهم،فهم نسوا بلا ريبأساسياتالتوافق في ما بينهم، وعناصررغبتهم في العيشمعاً.فعدم معرفة الدستور، منذ الانقلاب على الطائف(1) عام 1992، ليست سوىانعكاس لاجترار السلم الأهلي المفروض جراء تضافرظروفإقليمية ودوليةبموازاة الضجرمنحرب بلا نهاية. هذا الانحرافالمزمن، بلغاليوم ذروتهبعد فشلمؤتمر الدوحةفي عام 2008،ولقد كان غافيًا أصلاً في اتفاق الطائف حيث تعددتمصادر القراربدلاً منتكوين اقتناععميق بآلية بديلة. فبقي الاتفاق ترتيباً انتقالياًحتى يلتف اللبنانيونمجدّدًا حولتوافق جديد في الآراء.
وبينما يغرق لبنان، يومًا بعد يوم في صراعٍ ثنائي بين معسكرين لا ينظران بنظرة ثاقبة إلى مجرى الأمور، ويكاد يلملم أنفاسه بعد اعتداء اسرائيلي آخر جلب معه القتل والدمار مرّةً جديدة، يبدو من الضروري قراءة دستورنا لمحاولة فهم الوضع الذي وصلنا إليه. وقراءة الدستور هذه تعني البحث من جهة عن المبادئ الأساسية للحياة المشتركة وتعريف مصطلح الدولة (المقدّمة، المواد المتعلّقة بالحريات وبالأرض وباللغة وبالعدالة...)؛ وتعني، من جهة أخرى، آليات توزيع السلطة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وتنظيم قراراتها (التعيينات، وتوقيع المراسيم وصلاحيات إسقاط الحكومة أو حلّ مجلس النواب...). الدستور المعدّل بموجب اتفاق الطائف تشوبه تناقضات بين جملة من المبادئ، ويعتريه توزيعٌ مبهم للسلطات، وتغيب عنه آليات تنظيميّة شتى فضلاً عن عقبات هيكلية وعثرات يوميّة تلخص الحياة السياسية في لبنان اليوم.
وفي حين تثور الشعوب العربية ضد إهمال الحكومات وفساد الأنظمة والتدهور الدائم للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، يجب أن يلقى الاهتمام بموضوع الدستور الأذن الصاغية من قبل المواطن. وضمن هذا المنحى، أعرض بكل تواضع، في الصفحات اللاحقة، تحليلاً للنص الدستوري وقراءةً في ممارسته، وأفتح نافذةً من هنا على الصيغة الميثاقيّة التوافقيّة في لبنان. ويستند هذا التحليل، من زاوية نظرية، إلى أعمال سالفة من لبنان (وهي على ندرتها ترجع أساسًا إلى أبحاث إدمون رباط المأثورة) وإلى القانون الدستوري المقارن (دساتير الدول الأوروبية ودستور الولايات المتحدة)، إضافة إلى مراجع أساسية في القانون الدستوري. لقد تم تدوين هذه الصفحات بموازاة هدف مثالي محرّكه إرادة الغوص في الموضوع الدستوري، ورفع الصوت عاليًا من أجل رسالة أخرى للبنان.
مقدّمة
«لا يجدر بأحد أن يغفل القانون». هذا القول المأثور، وإن أسيء استخدامه أحيانًا أو خفّف القضاة من وقعه غالبًا، فإنه لم يبرح حافلاً بالمعنى. فإنه يشير إلى كلّ واحدٍ منا بضرورة العيش في كنف المجتمع والاحتكام إلى القواعد التي تمّ سنّها جماعيًا. وفيإطار الدولةالدستورية الحديثة، يعني ذلك،على وجه الخصوص، أنعلى كل مواطنأن يعرفالمبادئ الأساسيةالتي تحكمالدولةوعلاقتهابالأفراد. بيد أننا في كثير من الأحيان، نتجاهلالمعيار الأساسيالذي يحددهذه القواعد.فغالبًا، نكتفي، وفي أحسن الأحوال، بشذرات المعرفة أو نركن، في الحالات الأسوأ، إلى الصور النمطيّة (الكليشيهات). فـ«ميثاقالعيش المشتركـ«، و«الوطن العربي»، و«رئيس الجمهورية المارونيورئيس الوزراءالسني»... جميعها شذرات تفتقر إلى الدقة وتعروها ذكرياتغامضةمننصّ، بقدر ما هو بمنأى عن القراءة، بقدر ما هو بعيد عن احترام الحكام له وتطبيقهم إياه.
في الواقع، إذا كاناللبنانيونلا يعرفوندستور جمهوريتهم،فهم نسوا بلا ريبأساسياتالتوافق في ما بينهم، وعناصررغبتهم في العيشمعاً.فعدم معرفة الدستور، منذ الانقلاب على الطائف(1) عام 1992، ليست سوىانعكاس لاجترار السلم الأهلي المفروض جراء تضافرظروفإقليمية ودوليةبموازاة الضجرمنحرب بلا نهاية. هذا الانحرافالمزمن، بلغاليوم ذروتهبعد فشلمؤتمر الدوحةفي عام 2008،ولقد كان غافيًا أصلاً في اتفاق الطائف حيث تعددتمصادر القراربدلاً منتكوين اقتناععميق بآلية بديلة. فبقي الاتفاق ترتيباً انتقالياًحتى يلتف اللبنانيونمجدّدًا حولتوافق جديد في الآراء.
وبينما يغرق لبنان، يومًا بعد يوم في صراعٍ ثنائي بين معسكرين لا ينظران بنظرة ثاقبة إلى مجرى الأمور، ويكاد يلملم أنفاسه بعد اعتداء اسرائيلي آخر جلب معه القتل والدمار مرّةً جديدة، يبدو من الضروري قراءة دستورنا لمحاولة فهم الوضع الذي وصلنا إليه. وقراءة الدستور هذه تعني البحث من جهة عن المبادئ الأساسية للحياة المشتركة وتعريف مصطلح الدولة (المقدّمة، المواد المتعلّقة بالحريات وبالأرض وباللغة وبالعدالة...)؛ وتعني، من جهة أخرى، آليات توزيع السلطة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وتنظيم قراراتها (التعيينات، وتوقيع المراسيم وصلاحيات إسقاط الحكومة أو حلّ مجلس النواب...). الدستور المعدّل بموجب اتفاق الطائف تشوبه تناقضات بين جملة من المبادئ، ويعتريه توزيعٌ مبهم للسلطات، وتغيب عنه آليات تنظيميّة شتى فضلاً عن عقبات هيكلية وعثرات يوميّة تلخص الحياة السياسية في لبنان اليوم.
وفي حين تثور الشعوب العربية ضد إهمال الحكومات وفساد الأنظمة والتدهور الدائم للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، يجب أن يلقى الاهتمام بموضوع الدستور الأذن الصاغية من قبل المواطن. وضمن هذا المنحى، أعرض بكل تواضع، في الصفحات اللاحقة، تحليلاً للنص الدستوري وقراءةً في ممارسته، وأفتح نافذةً من هنا على الصيغة الميثاقيّة التوافقيّة في لبنان. ويستند هذا التحليل، من زاوية نظرية، إلى أعمال سالفة من لبنان (وهي على ندرتها ترجع أساسًا إلى أبحاث إدمون رباط المأثورة) وإلى القانون الدستوري المقارن (دساتير الدول الأوروبية ودستور الولايات المتحدة)، إضافة إلى مراجع أساسية في القانون الدستوري. لقد تم تدوين هذه الصفحات بموازاة هدف مثالي محرّكه إرادة الغوص في الموضوع الدستوري، ورفع الصوت عاليًا من أجل رسالة أخرى للبنان.
مقدّمة
صفحة 2
عجز القانون، مرآة الاستهتار السياسي
إن اغتيال رئيس الوزراء اللّبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005 شرّع الباب أمام حقبة من عدم الاستقرار والأزمات في لبنان. وغدا الوضع الدستوري والسياسي متعذّر الحلّ، فضلاً عن فجوة الشرعيّة التي يغرق فيها لبنان وهي الناتجة عن صراع داخلي يغذّيه الخارج ويتدهور تدريجاً منذ جريمة 14 شباط. ولاحقًا، غداة تمحّصنا في تاريخ لبنان بعين ناقدة، تظهر فجوة الشرعية كنتيجة حتميّة لسوء الفهم والالتباس وتراكم الانتهاكات للقواعد الأساسيّة وللدستور منذ الاستقلال.
احترام سيادة القانون بالمعنى الواسع (سياسات الحكومة الخاضعة لمبدأ الشرعية وحرمة القواعد الدستورية واحترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان) والاستقرار السياسي والاجتماعي أمران مترابطان. وقد يكون عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي عاملاً لاغيًا لقيام دولة القانون، كما تكون القدرة على انتهاك المبادئ الأساسية لسيادة القانون مؤشِّرًا لاحتمال عدم الاستقرار.
إن تسابق الأحداث المساهمة في إحداث الفراغ القانوني والدستوري خلال الست سنوات الأخيرة يخفي وراءه سقوطًا بطيئًا وتدريجاً (للدولة) على امتداد نصف قرن؛ وقد تكون أبطأت في بعض ملامحه أو سرّعت فيها أحداثٌ كبرى. فمنذ الاستقلال، ينال سوء فهم المعنى الحقيقي لتفاهم الطوائف من حسن سير العمل في المؤسّسات. إن ممارسة توزيع المهام الانتخابية والإدارية إضافة إلى الهيمنة المستمرّة من قبل الطبقة الإقطاعية أو الأرستقراطية عاملان منعا تدريجاً نشر قاعدة حديثة وفعالة لسيادة القانون، وازداد الشقاق في المجتمع. كذلك فإنَّ ظهور دولة إسرائيل، وطرد الفلسطينيين من أرضهم ونزوحهم نحو لبنان والحرب الباردة والتنافس العربي-العربي... جميعها عوامل متناقضة كان لها التأثير السلبي الحاد على التوازن اللبناني الدقيق. خلال فترة ما قبل الحرب، تضاعفت الاعتداءات على الدستور لكـأنّها مؤشّرات استغاثة لنظامٍ غدا على شفير الانهيار (تلاعب منهجي في القوانين الانتخابية، وتحكّم الطائفيّة في الإدارة...). حتى أتت الحرب انفجارًا داخليًّا حقيقيًّا للشرعية في لبنان لا تزال تداعياته شاخصة حتى الآن. وكان ثبات الدولة، طوال فترة الحرب، على هذا النحو، محض خيالٍ شرعي (في ظل انقسام الجيش، وغياب الانتخابات البرلمانية، وتعيين حكومتين...)، لكنه خيال شرعي ضروري. وكان من أكبر المظاهر المتمايزة خلال الحرب، إلى جانب صمود اللبنانيين في خضم الصراع والتقاتل العبثي، استمرار عمل الإدارات، وإن بشكلٍ متقطّع أو سيئِ أحيانًا.
شكّل اتفاق الطائف الفرصة الثانية الضائعة لإنجاز دولة القانون بصورة نهائية. فمرةً أخرى، وكما توالت الأحداث منذ عام 1943، تفاقم سوء الفهم والتعارض الجوهري في متن الاتفاق، ممّا سهّل السقوط المباشر والتدريجي في الفراغ. فالمصادقة على اتفاقات من قبل مجلس النواب المنتخب قبل 30 عامًا والتصويت على قانون العفو(2) وشروط الانتخابات النيابية لعام 1992، جميعها عيوبٌ شابت قيام الجمهورية الثانية. وبالرغم من نجاة الدولة في لبنان من تجربة الحرب الأهلية وتداعياتها، فإنها لم تُشْفَ من الأمراض العميقة التي أصابتها. فمرّةً أخرى، تضافرت عوامل خارجية عديدة أخّرت هذا السقوط (استقرار الوضع الجيوسياسي في المنطقة منذ عام 2000، والدعم المالي الدولي لإعادة الإعمار)، في حين ظهرت عوامل أخرى سرّعته. القوانين التي رعت تأسيس شركة الـ SOLIDERE، وتمديد ولاية الهراوي ولحود على التوالي (وحتى انتخاب سليمان)، والتصويت على مختلف قوانين الموازنة، جميعها شواهد على ممارسات شاذة وعوارض تداعي الشرعية وانهيار الدستور. وقد لمست عدم دستورية عددٍ لا يحصى من الحالات في حياة الجمهورية الثانية، بل ازدادت هذه الحالات وتسارعت بوتيرة عالية خلال السنوات الأخيرة(3). وإن بدت هذه الحالات بسيطةً للوهلة الأولى، فكلٌ منها يعكس، في نهاية المطاف، انقطاعاً عميقاً وافتقاراً صارخاً للثقافة القانونية والدستورية. هذه الممارسة للدستور عكست نوعية الحياة السياسية القائمة: فعمق الصراع بين الفرقاء السياسيّين والافتقار الكلّي للثقافة الديمقراطية والجمهورية (بمعنى احترام سيادة القانون) هي من أهم أسباب التفكك الدستوري.
وليس هذا الوضع سوى امتداد لمؤثرات ذات تداعياتٍ ثقيلة وعوامل هيكلية وسياسية واجتماعية تشكّل الثوابت التاريخية لنظام الحكم في لبنان وللنخب اللبنانية. وتناول عدد من الكتاب البارزين تحليل عناصر الوضع الراهن والعوامل الهيكليّة الكامنة وراء التداعي المزمن. لكن، يبقى حريًّا بنا التذكير، بشكلٍ تحليلي وموجز، بالسمات الأساسية لهذا الوضع. لأن الدستور وممارسته عملية طويلة الباع وليست وليدة اللحظة.
ليس ثمة توافق حتى الآن بين المؤرّخين حول أسبقيّة عوامل معيّنة والمسؤوليّات الخاصة بكلّ من مكونات المجتمع إزاء مختلف النزاعات التي نشأت في البلاد. ومع ذلك، فالخطوط العريضة لتاريخ الأرض التي تشكّل عليها لبنان المعاصر هي إلى حدٍّ ما محدّدة ومعروفة. فهناك ثوابت نشأت وتشكّلت وأسهمت في بناء الوعي الراهن، وأضفت عاملاً مساهمًا في التنظيم الدستوري والاجتماعي والاقتصادي للسلطة. ومن هذا المنظور، يبدو أن تنظيم السلطة في لبنان منذ عهد الإمارة خاضع لخمسة عوامل أساسية.
إن اغتيال رئيس الوزراء اللّبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005 شرّع الباب أمام حقبة من عدم الاستقرار والأزمات في لبنان. وغدا الوضع الدستوري والسياسي متعذّر الحلّ، فضلاً عن فجوة الشرعيّة التي يغرق فيها لبنان وهي الناتجة عن صراع داخلي يغذّيه الخارج ويتدهور تدريجاً منذ جريمة 14 شباط. ولاحقًا، غداة تمحّصنا في تاريخ لبنان بعين ناقدة، تظهر فجوة الشرعية كنتيجة حتميّة لسوء الفهم والالتباس وتراكم الانتهاكات للقواعد الأساسيّة وللدستور منذ الاستقلال.
احترام سيادة القانون بالمعنى الواسع (سياسات الحكومة الخاضعة لمبدأ الشرعية وحرمة القواعد الدستورية واحترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان) والاستقرار السياسي والاجتماعي أمران مترابطان. وقد يكون عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي عاملاً لاغيًا لقيام دولة القانون، كما تكون القدرة على انتهاك المبادئ الأساسية لسيادة القانون مؤشِّرًا لاحتمال عدم الاستقرار.
إن تسابق الأحداث المساهمة في إحداث الفراغ القانوني والدستوري خلال الست سنوات الأخيرة يخفي وراءه سقوطًا بطيئًا وتدريجاً (للدولة) على امتداد نصف قرن؛ وقد تكون أبطأت في بعض ملامحه أو سرّعت فيها أحداثٌ كبرى. فمنذ الاستقلال، ينال سوء فهم المعنى الحقيقي لتفاهم الطوائف من حسن سير العمل في المؤسّسات. إن ممارسة توزيع المهام الانتخابية والإدارية إضافة إلى الهيمنة المستمرّة من قبل الطبقة الإقطاعية أو الأرستقراطية عاملان منعا تدريجاً نشر قاعدة حديثة وفعالة لسيادة القانون، وازداد الشقاق في المجتمع. كذلك فإنَّ ظهور دولة إسرائيل، وطرد الفلسطينيين من أرضهم ونزوحهم نحو لبنان والحرب الباردة والتنافس العربي-العربي... جميعها عوامل متناقضة كان لها التأثير السلبي الحاد على التوازن اللبناني الدقيق. خلال فترة ما قبل الحرب، تضاعفت الاعتداءات على الدستور لكـأنّها مؤشّرات استغاثة لنظامٍ غدا على شفير الانهيار (تلاعب منهجي في القوانين الانتخابية، وتحكّم الطائفيّة في الإدارة...). حتى أتت الحرب انفجارًا داخليًّا حقيقيًّا للشرعية في لبنان لا تزال تداعياته شاخصة حتى الآن. وكان ثبات الدولة، طوال فترة الحرب، على هذا النحو، محض خيالٍ شرعي (في ظل انقسام الجيش، وغياب الانتخابات البرلمانية، وتعيين حكومتين...)، لكنه خيال شرعي ضروري. وكان من أكبر المظاهر المتمايزة خلال الحرب، إلى جانب صمود اللبنانيين في خضم الصراع والتقاتل العبثي، استمرار عمل الإدارات، وإن بشكلٍ متقطّع أو سيئِ أحيانًا.
شكّل اتفاق الطائف الفرصة الثانية الضائعة لإنجاز دولة القانون بصورة نهائية. فمرةً أخرى، وكما توالت الأحداث منذ عام 1943، تفاقم سوء الفهم والتعارض الجوهري في متن الاتفاق، ممّا سهّل السقوط المباشر والتدريجي في الفراغ. فالمصادقة على اتفاقات من قبل مجلس النواب المنتخب قبل 30 عامًا والتصويت على قانون العفو(2) وشروط الانتخابات النيابية لعام 1992، جميعها عيوبٌ شابت قيام الجمهورية الثانية. وبالرغم من نجاة الدولة في لبنان من تجربة الحرب الأهلية وتداعياتها، فإنها لم تُشْفَ من الأمراض العميقة التي أصابتها. فمرّةً أخرى، تضافرت عوامل خارجية عديدة أخّرت هذا السقوط (استقرار الوضع الجيوسياسي في المنطقة منذ عام 2000، والدعم المالي الدولي لإعادة الإعمار)، في حين ظهرت عوامل أخرى سرّعته. القوانين التي رعت تأسيس شركة الـ SOLIDERE، وتمديد ولاية الهراوي ولحود على التوالي (وحتى انتخاب سليمان)، والتصويت على مختلف قوانين الموازنة، جميعها شواهد على ممارسات شاذة وعوارض تداعي الشرعية وانهيار الدستور. وقد لمست عدم دستورية عددٍ لا يحصى من الحالات في حياة الجمهورية الثانية، بل ازدادت هذه الحالات وتسارعت بوتيرة عالية خلال السنوات الأخيرة(3). وإن بدت هذه الحالات بسيطةً للوهلة الأولى، فكلٌ منها يعكس، في نهاية المطاف، انقطاعاً عميقاً وافتقاراً صارخاً للثقافة القانونية والدستورية. هذه الممارسة للدستور عكست نوعية الحياة السياسية القائمة: فعمق الصراع بين الفرقاء السياسيّين والافتقار الكلّي للثقافة الديمقراطية والجمهورية (بمعنى احترام سيادة القانون) هي من أهم أسباب التفكك الدستوري.
وليس هذا الوضع سوى امتداد لمؤثرات ذات تداعياتٍ ثقيلة وعوامل هيكلية وسياسية واجتماعية تشكّل الثوابت التاريخية لنظام الحكم في لبنان وللنخب اللبنانية. وتناول عدد من الكتاب البارزين تحليل عناصر الوضع الراهن والعوامل الهيكليّة الكامنة وراء التداعي المزمن. لكن، يبقى حريًّا بنا التذكير، بشكلٍ تحليلي وموجز، بالسمات الأساسية لهذا الوضع. لأن الدستور وممارسته عملية طويلة الباع وليست وليدة اللحظة.
ليس ثمة توافق حتى الآن بين المؤرّخين حول أسبقيّة عوامل معيّنة والمسؤوليّات الخاصة بكلّ من مكونات المجتمع إزاء مختلف النزاعات التي نشأت في البلاد. ومع ذلك، فالخطوط العريضة لتاريخ الأرض التي تشكّل عليها لبنان المعاصر هي إلى حدٍّ ما محدّدة ومعروفة. فهناك ثوابت نشأت وتشكّلت وأسهمت في بناء الوعي الراهن، وأضفت عاملاً مساهمًا في التنظيم الدستوري والاجتماعي والاقتصادي للسلطة. ومن هذا المنظور، يبدو أن تنظيم السلطة في لبنان منذ عهد الإمارة خاضع لخمسة عوامل أساسية.
صفحة 3
الثوابت التاريخيّة للسلطة
رسوخ البنية الإقطاعيّة في العلاقات السياسيّة وعلى المستوى الاجتماعي
عرف الإقطاع في لبنان أوج عهده إبان المرحلة المعروفة بالإمارة (1516-1841)، إذ كان اقتباسًا محلّيًا لنهج الإقطاع المعمول به في العالم العربي- الإسلامي الخاضع وقتئذٍ للسلطنة العثمانية(4). كما أن مصطلح إقطاع يعني «فك العرى» و«الانفصال»؛ أي أن السلطنة فصلت جزءًا من أرضها لتهبه إلى إقطاعي بصورة دائمة فيما تراقب السلطة المركزية جميع أشكال الحكم القائمة (إذ تُناط بها حصرًا صلاحيّة سن القوانين وتشكيل القوات المسلّحة، إلخ). إن هذا النمط في انتقال السلطة أخذ في لبنان شكلاً متصاعدًا حيث غدا لقب الأمير وراثيًا وأصبحت السلطة القضائية رهينة السلطة المحلّية. إضافة إلى ذلك، عهَد الأمير بسلطته إلى الإقطاعيّين المحلّيين «المقاطعجيّي» المتنفذين على المستوى العشائري أو العائلي. وتوارثوا بدورهم هذه المهام مع الوظيفة الأساسية لديهم الكامنة في جباية الضرائب. وهنا يستوقفنا تفصيلٌ مهمّ حيث أن الإقطاع في لبنان لم يعرف قط نظام الرق: فالفلاحون اللبنانيون بقوا أحرارًا في انتقالهم لدى الملاكين والاشتغال بالمزارعة لحساب الإقطاعي الذي يرغبون بالعمل لديه. وقادت هذه الحرية إلى موجات نزوح للسكان مما أسهم في تحقيق خاصية مضافة إلى الاجتماع اللبناني، ألا وهي تشكيل مناطق مختلطة من وجهة نظر طائفيّة. وأدّى تدريجاً تلاحق الأحداث خلال القرن التاسع عشر إلى التخلّي الكامل عن الإقطاعية (عام 1861 مع بروز نظام المتصرفية).
بيد أن الإقطاع اللبناني لم ينحسر قط في الواقع. فلدى قراءة أكثر من كتاب حول الصراعات التي كانت تنشأ بين الإقطاعيين واقتصار أداء الأمير على لعب دور الحكم وتدخل أسياد خارجيين في النزاع... لا يمكن إلا أن نتوقّف إزاء ما يمكن أن نرى فيه تكرارًا غريبًا للتاريخ. بقيت التركيبة الداخلية لجزء من العلاقات على مستوى السلطة في لبنان على الصورة ذاتها تقريبًا منذ 300 عام. صدامات على السلطة بين اليمنيين والقيسيين وبين الزعامات الإقطاعية التقليديّة خلال القرن التاسع عشر وصولاً إلى المنازلات بين زعماء المليشيات خلال الحرب الأهلية، واستمر بذلك اجترار العقلية الإقطاعية بلا أدنى شك. بطبيعة الحال، قد تكون تبدّلت بعض المسميات فاندثرت عائلات وأينعت أخرى (بواسطة رأس المال النقدي بشكل أساسي)، ولكن البواعث هي هي، وكذلك العقليات وأساليب التصادم.
ومنذ تشكيل لبنان الكبير عام 1920، ازداد عدد العائلات الإقطاعية والعائلات الكبيرة على الرغم من تحفظها الأولي إزاء تشكيل كيان سياسي منفصل عن سوريا، انبرى كبار الملاكين والتجار من السنّة والروم الأورثوذكس للانخراط في اللعبة السياسية والسعي إلى زيادة حصصهم في بسط النفوذ. كلٌّ يسعى إلى زيادة حصته من الكعكة، سواء عبر الأطر التقليديّة (زيادة المساحة الجغرافية لمنطقة النفوذ من خلال التطهير أو التهجير القسري إذا اقتضى الأمر) أو عبر اتباع أطرٍ حديثة (الهيمنة على المناصب الإدارية والسياسية والمالية المهمّة وسلطة الإعلام). هذه هي الدوافع العميقة، وربما اللاشعورية، التي تتبناها أهم الشخصيات السياسية اللبنانية. يكفينا لتحقيق اقتناعنا بالأمر أن نرى انتظام بعض الأحزاب السياسية اللبنانية وهيكليتها التي تمّ إنشاؤها على خلفيّة إقطاعية تقليدية. وتتواجد هكذا أمثلة من النمط المتجذر في القدم، حتى داخل الطائفة المارونية، على الرغم من أنها كانت في طليعة النضال ضد الإقطاع. علاوةً على ذلك، فإن السلوك السياسي لهذه الأحزاب في بعض المنعطفات ينحو، بشكل يخلو من المنطق ويستعصي على الفهم، نحو الممارسات الإقطاعية الرديئة في ظل ما ترتديه هذه الأحزاب ظاهريًا وما تصطبغ به بالأصل من ديمقراطية اجتماعية ومثل عليا وتكافؤ الفرص ومنظومات الحقوق والواجبات. الخلافة السياسية عبر التوارث هي من العلامات الواضحة على هذا السلوك. وحتى التشكيلات الأخيرة – في السلطة- ، كما الشخصيات المستقلّة، فقد سعت وفاقًا لهذا السلوك واقتدت بهديه من أجل الحفاظ على النفوذ أو على السلطة المكتسبة(5) .
إن العقلية الإقطاعيّة مترسّخة بالفعل في الحياة العامّة اللبنانية: كل زعيم يسيطر على مساحة من الأرض، والناس الساكنون عليها، هم بطريقة أو بأخرى، زبائنه المأسورون أو عبيده الجدد. وفي مقابل الأمن الذي يجلبه الزعيم (سواء أكان الأمن المادي أو الامتيازات الاقتصادية عبر «الواسطة» والفساد المتفشي)، يدفع الناس ثمنًا باهظًا ويقدمون الدعم الكامل والمساندة المطلقة بلا نقد ولا مساءلة لزعيمهم. واليوم، مع استخدام مفردات الديمقراطية وسيادة القانون، يحتفظ هؤلاء الناس بالناخبين، أسرى ذليلين يبادلون أصواتهم في الانتخابات مقابل احتمال الحصول على منافع في التوظيف والمنح الجامعيّة والحماية من حركة تمدّد أحزاب تابعة لسياسيّين آخرين أو حركات أخرى مستجدّة.
رسوخ البنية الإقطاعيّة في العلاقات السياسيّة وعلى المستوى الاجتماعي
عرف الإقطاع في لبنان أوج عهده إبان المرحلة المعروفة بالإمارة (1516-1841)، إذ كان اقتباسًا محلّيًا لنهج الإقطاع المعمول به في العالم العربي- الإسلامي الخاضع وقتئذٍ للسلطنة العثمانية(4). كما أن مصطلح إقطاع يعني «فك العرى» و«الانفصال»؛ أي أن السلطنة فصلت جزءًا من أرضها لتهبه إلى إقطاعي بصورة دائمة فيما تراقب السلطة المركزية جميع أشكال الحكم القائمة (إذ تُناط بها حصرًا صلاحيّة سن القوانين وتشكيل القوات المسلّحة، إلخ). إن هذا النمط في انتقال السلطة أخذ في لبنان شكلاً متصاعدًا حيث غدا لقب الأمير وراثيًا وأصبحت السلطة القضائية رهينة السلطة المحلّية. إضافة إلى ذلك، عهَد الأمير بسلطته إلى الإقطاعيّين المحلّيين «المقاطعجيّي» المتنفذين على المستوى العشائري أو العائلي. وتوارثوا بدورهم هذه المهام مع الوظيفة الأساسية لديهم الكامنة في جباية الضرائب. وهنا يستوقفنا تفصيلٌ مهمّ حيث أن الإقطاع في لبنان لم يعرف قط نظام الرق: فالفلاحون اللبنانيون بقوا أحرارًا في انتقالهم لدى الملاكين والاشتغال بالمزارعة لحساب الإقطاعي الذي يرغبون بالعمل لديه. وقادت هذه الحرية إلى موجات نزوح للسكان مما أسهم في تحقيق خاصية مضافة إلى الاجتماع اللبناني، ألا وهي تشكيل مناطق مختلطة من وجهة نظر طائفيّة. وأدّى تدريجاً تلاحق الأحداث خلال القرن التاسع عشر إلى التخلّي الكامل عن الإقطاعية (عام 1861 مع بروز نظام المتصرفية).
بيد أن الإقطاع اللبناني لم ينحسر قط في الواقع. فلدى قراءة أكثر من كتاب حول الصراعات التي كانت تنشأ بين الإقطاعيين واقتصار أداء الأمير على لعب دور الحكم وتدخل أسياد خارجيين في النزاع... لا يمكن إلا أن نتوقّف إزاء ما يمكن أن نرى فيه تكرارًا غريبًا للتاريخ. بقيت التركيبة الداخلية لجزء من العلاقات على مستوى السلطة في لبنان على الصورة ذاتها تقريبًا منذ 300 عام. صدامات على السلطة بين اليمنيين والقيسيين وبين الزعامات الإقطاعية التقليديّة خلال القرن التاسع عشر وصولاً إلى المنازلات بين زعماء المليشيات خلال الحرب الأهلية، واستمر بذلك اجترار العقلية الإقطاعية بلا أدنى شك. بطبيعة الحال، قد تكون تبدّلت بعض المسميات فاندثرت عائلات وأينعت أخرى (بواسطة رأس المال النقدي بشكل أساسي)، ولكن البواعث هي هي، وكذلك العقليات وأساليب التصادم.
ومنذ تشكيل لبنان الكبير عام 1920، ازداد عدد العائلات الإقطاعية والعائلات الكبيرة على الرغم من تحفظها الأولي إزاء تشكيل كيان سياسي منفصل عن سوريا، انبرى كبار الملاكين والتجار من السنّة والروم الأورثوذكس للانخراط في اللعبة السياسية والسعي إلى زيادة حصصهم في بسط النفوذ. كلٌّ يسعى إلى زيادة حصته من الكعكة، سواء عبر الأطر التقليديّة (زيادة المساحة الجغرافية لمنطقة النفوذ من خلال التطهير أو التهجير القسري إذا اقتضى الأمر) أو عبر اتباع أطرٍ حديثة (الهيمنة على المناصب الإدارية والسياسية والمالية المهمّة وسلطة الإعلام). هذه هي الدوافع العميقة، وربما اللاشعورية، التي تتبناها أهم الشخصيات السياسية اللبنانية. يكفينا لتحقيق اقتناعنا بالأمر أن نرى انتظام بعض الأحزاب السياسية اللبنانية وهيكليتها التي تمّ إنشاؤها على خلفيّة إقطاعية تقليدية. وتتواجد هكذا أمثلة من النمط المتجذر في القدم، حتى داخل الطائفة المارونية، على الرغم من أنها كانت في طليعة النضال ضد الإقطاع. علاوةً على ذلك، فإن السلوك السياسي لهذه الأحزاب في بعض المنعطفات ينحو، بشكل يخلو من المنطق ويستعصي على الفهم، نحو الممارسات الإقطاعية الرديئة في ظل ما ترتديه هذه الأحزاب ظاهريًا وما تصطبغ به بالأصل من ديمقراطية اجتماعية ومثل عليا وتكافؤ الفرص ومنظومات الحقوق والواجبات. الخلافة السياسية عبر التوارث هي من العلامات الواضحة على هذا السلوك. وحتى التشكيلات الأخيرة – في السلطة- ، كما الشخصيات المستقلّة، فقد سعت وفاقًا لهذا السلوك واقتدت بهديه من أجل الحفاظ على النفوذ أو على السلطة المكتسبة(5) .
إن العقلية الإقطاعيّة مترسّخة بالفعل في الحياة العامّة اللبنانية: كل زعيم يسيطر على مساحة من الأرض، والناس الساكنون عليها، هم بطريقة أو بأخرى، زبائنه المأسورون أو عبيده الجدد. وفي مقابل الأمن الذي يجلبه الزعيم (سواء أكان الأمن المادي أو الامتيازات الاقتصادية عبر «الواسطة» والفساد المتفشي)، يدفع الناس ثمنًا باهظًا ويقدمون الدعم الكامل والمساندة المطلقة بلا نقد ولا مساءلة لزعيمهم. واليوم، مع استخدام مفردات الديمقراطية وسيادة القانون، يحتفظ هؤلاء الناس بالناخبين، أسرى ذليلين يبادلون أصواتهم في الانتخابات مقابل احتمال الحصول على منافع في التوظيف والمنح الجامعيّة والحماية من حركة تمدّد أحزاب تابعة لسياسيّين آخرين أو حركات أخرى مستجدّة.
صفحة 4
تمركز رأس المال المالي
ويتفاقم هذا الإقطاع الكامن من خلال تمركز رأس المال النقدي، على الرغم من التنازع على هذا التمركز في كثير من الأحيان، لكن دون أن يُطعن فيه حقًا. كما أنّ الواقع الاجتماعي المنظم للسلطة في لبنان يغطي في حقيقة الأمر ثابتة أخرى ألا وهي الفوارق الاجتماعية القويّة التي تغيرت حدودها على مر السنين.بيد أن الثابتة الأخرى التي لا يمكن إنكارها تكمن في استمرار حال عدم المساواة الاجتماعية القوية، وعدم القدرة على الوصول إلى السلطة من قبل الأقل حظوةً في المجتمع.
وتالياً، بالتوازي مع البنية الإقطاعية، اتّسمت فترة ما قبل الاستقلال بفصل قوي بين طبقة الفلاحين في الجبال والبرجوازية الساحلية.وكانت تخضع تلك الطبقات لأنظمة حكم مختلفة بحيث كان الساحل لايزال تابعًا، مع بعض الاستثناءات، إلى الإدارة المباشرة للدولة العثمانية، في حين أن الجبل كان يتمتع بمزيد من الحكم الذاتي.ولا تزال مسألة عدم المساواة الاجتماعية بين المنطقتين قائمة اليوم مع فوارق ملحوظة بسبب التغيرات الديموغرافية.
وقد تحقق تركيز القوة الاقتصادية عن طريق وسائل عديدة بيد مجموعة صغيرة للغاية من السكان، مقصيةً باقي المجتمع من حلقة الازدهار، ومنها:
- ملكية الأراضي المتأتّية من الإقطاعية، مع العلم أن هذا العامل قد ضعف على نحو متزايد بعد الاستقلال،
- توسّع التنمية الاقتصادية بشكل متسارع وفوضوي في بيروت، وذلك على حساب مناطق أخرى،
- الثبات على نمط تنمية غير منتج، من خلال النظام المصرفي وقطاع السياحة المتمركزين، في أيدي عدد قليل من العائلات،
- إرسال الأموال من قبل المغتربين.
ومن الأمثلة النمطية للغاية على هذا التمركز وعلى إساءة استعمال السلطة تصرّف البرجوازية المالية اللبنانية.فبشكل عابر للطوائف (مؤسّسو المصارف اللبنانية الكبرى هم على حد سواء من الطوائف السنية، المارونية والكاثوليكية والأرثوذكسية والشيعيّة)، استطاع القطاع المصرفي أن يفرض السرية المصرفية في البدء ويحافظ عليها لاحقًا من جهة، والتهرّب، إضافة إلى ذلك، من دفع الضرائب، وهو عمل في صميم وجود المواطنة، من جهة أخرى.
وبشكلِ أعمّ، يتميز تاريخ لبنان بعدّة اضطرابات اجتماعية: من ثورة طانيوس شاهين في عام 1860 إلى ثورة الجياع التي قادها الشيخ صبحي الطفيلي خلال سنوات الـ 1995، مرورًا بحركة المحرومين للإمامموسى الصدر؛ فالثورة ضد نظام اقتصادي غير عادل... جميعها من ثوابت المعارضة للسلطة القائمة.وتجدر الإشارة، مرة أخرى، أن هذه الحركات انبثقت من جميع الطوائف.وقد كان البعد الاجتماعي حاضرًا في جميع النزاعات المسلحة التي طاولت لبنان تقريباً: 1840، 1860، 1936، 1958، 1975.بيد أن البعد الاجتماعي للصراع أخذ ينمحي بشكلٍ ممنهج ويحيد عن طريق عوامل أخرى، وبقي بذلك معضلة مستمرّة لا حل لها.لقد كان المنطق الميليشيوي للحرب الأهلية 1975-1990 انتقاماً أكيداً لفئات اجتماعية مهمّشة(6). وفي الفترة التي تلت الاستقلال، كان تمركز الثروة داخل الطائفة المارونية يُشار إليه كأحد عوامل عدم الاستقرار.ويبدو في الواقع أن تمركز القوة المالية لم يحصل قط في إطار طائفةٍ ما على حدة، بل كان عابرًا للطوائف.ثمة شرائح من جميع الطوائف عملت على تمركز الثورة، ورفضت إعادة التوزيع.وقد أدى ذلك، من منظور علم الاجتماع السياسي، إلى العرقلة المستمرة لبناء إدارة قوية. واتسمت مرحلة الحرب الأهلية، وما بعد الحرب على وجه الخصوص، بوصول طبقات اجتماعية جديدة الى السلطة ، من حديثي الثروة الذين واصلوا الممارسات الإقطاعية القديمة.
ويتفاقم هذا الإقطاع الكامن من خلال تمركز رأس المال النقدي، على الرغم من التنازع على هذا التمركز في كثير من الأحيان، لكن دون أن يُطعن فيه حقًا. كما أنّ الواقع الاجتماعي المنظم للسلطة في لبنان يغطي في حقيقة الأمر ثابتة أخرى ألا وهي الفوارق الاجتماعية القويّة التي تغيرت حدودها على مر السنين.بيد أن الثابتة الأخرى التي لا يمكن إنكارها تكمن في استمرار حال عدم المساواة الاجتماعية القوية، وعدم القدرة على الوصول إلى السلطة من قبل الأقل حظوةً في المجتمع.
وتالياً، بالتوازي مع البنية الإقطاعية، اتّسمت فترة ما قبل الاستقلال بفصل قوي بين طبقة الفلاحين في الجبال والبرجوازية الساحلية.وكانت تخضع تلك الطبقات لأنظمة حكم مختلفة بحيث كان الساحل لايزال تابعًا، مع بعض الاستثناءات، إلى الإدارة المباشرة للدولة العثمانية، في حين أن الجبل كان يتمتع بمزيد من الحكم الذاتي.ولا تزال مسألة عدم المساواة الاجتماعية بين المنطقتين قائمة اليوم مع فوارق ملحوظة بسبب التغيرات الديموغرافية.
وقد تحقق تركيز القوة الاقتصادية عن طريق وسائل عديدة بيد مجموعة صغيرة للغاية من السكان، مقصيةً باقي المجتمع من حلقة الازدهار، ومنها:
- ملكية الأراضي المتأتّية من الإقطاعية، مع العلم أن هذا العامل قد ضعف على نحو متزايد بعد الاستقلال،
- توسّع التنمية الاقتصادية بشكل متسارع وفوضوي في بيروت، وذلك على حساب مناطق أخرى،
- الثبات على نمط تنمية غير منتج، من خلال النظام المصرفي وقطاع السياحة المتمركزين، في أيدي عدد قليل من العائلات،
- إرسال الأموال من قبل المغتربين.
ومن الأمثلة النمطية للغاية على هذا التمركز وعلى إساءة استعمال السلطة تصرّف البرجوازية المالية اللبنانية.فبشكل عابر للطوائف (مؤسّسو المصارف اللبنانية الكبرى هم على حد سواء من الطوائف السنية، المارونية والكاثوليكية والأرثوذكسية والشيعيّة)، استطاع القطاع المصرفي أن يفرض السرية المصرفية في البدء ويحافظ عليها لاحقًا من جهة، والتهرّب، إضافة إلى ذلك، من دفع الضرائب، وهو عمل في صميم وجود المواطنة، من جهة أخرى.
وبشكلِ أعمّ، يتميز تاريخ لبنان بعدّة اضطرابات اجتماعية: من ثورة طانيوس شاهين في عام 1860 إلى ثورة الجياع التي قادها الشيخ صبحي الطفيلي خلال سنوات الـ 1995، مرورًا بحركة المحرومين للإمامموسى الصدر؛ فالثورة ضد نظام اقتصادي غير عادل... جميعها من ثوابت المعارضة للسلطة القائمة.وتجدر الإشارة، مرة أخرى، أن هذه الحركات انبثقت من جميع الطوائف.وقد كان البعد الاجتماعي حاضرًا في جميع النزاعات المسلحة التي طاولت لبنان تقريباً: 1840، 1860، 1936، 1958، 1975.بيد أن البعد الاجتماعي للصراع أخذ ينمحي بشكلٍ ممنهج ويحيد عن طريق عوامل أخرى، وبقي بذلك معضلة مستمرّة لا حل لها.لقد كان المنطق الميليشيوي للحرب الأهلية 1975-1990 انتقاماً أكيداً لفئات اجتماعية مهمّشة(6). وفي الفترة التي تلت الاستقلال، كان تمركز الثروة داخل الطائفة المارونية يُشار إليه كأحد عوامل عدم الاستقرار.ويبدو في الواقع أن تمركز القوة المالية لم يحصل قط في إطار طائفةٍ ما على حدة، بل كان عابرًا للطوائف.ثمة شرائح من جميع الطوائف عملت على تمركز الثورة، ورفضت إعادة التوزيع.وقد أدى ذلك، من منظور علم الاجتماع السياسي، إلى العرقلة المستمرة لبناء إدارة قوية. واتسمت مرحلة الحرب الأهلية، وما بعد الحرب على وجه الخصوص، بوصول طبقات اجتماعية جديدة الى السلطة ، من حديثي الثروة الذين واصلوا الممارسات الإقطاعية القديمة.
صفحة 5
الطائفية، ذلك الحل المنحرف
إن التقاء مجموع هذه المشاكل أدى إلى الطرح المضلل للطائفيّة. في الواقع، كان القرن التاسع عشر، بالنسبة للبنان، قرن الفرص الضائعة.فقد أدت الثورات المختلفة ضد النظام الإقطاعي، وللأسف، إلى تبني الطائفية. فمن تأسيس المجلس الاستشاري المتمثل بالطوائف المحلية الستّ في مؤازرة الوالي، إلى مراسيم المفوض السامي رقم 60 ل.ر. سنة 1936 التي اخترعت مفهوم الطوائف التاريخيّة، لقد تمّ اعتماد حلول مبنية على القاعدة الطائفيّة للأزمات ذات الطبيعة الاجتماعيةوالسياسة (7).
وكان هذا نتيجة التقاء عدّة اتجاهات:
- أولاً: نظرة القوى الأوروبية حيال التدخل في الشؤون اللبنانية طوال القرنين التاسع عشر والعشرين.فحتى الفرنسيون والانكليز الذين طبقوا العلمنة في نظمهم، كانوا على العكس من ذلك تمامًا حين أصبحوا منتدبين لا يفهمون ويحلّلون الشرق إلا من خلفيّة دينية.
- ثانيًا: بمواجهة الاضطرابات والفوضى، وربما بسبب حدوث تغيير في التنظيم الاجتماعي، لجأ جزء من الفلاحين اللبنانيين، معظمهم من الطائفة الدرزية، إلى ربط هويتهم بالطائفة الدينية، بدلاً من الطبقة الاجتماعية.
- ثالثًا: شهد لبنان، طوال القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين، تغيرات عميقة اقتصادية واجتماعية وثقافية.التحضر والتحول الديموغرافي، والتسارع في عجلة التجارة مع الدول الأجنبية، والهجرة المرتفعة... جميع هذه العوامل «الحديثة» صدمت تلك المظاهر المتبقية من لبنان التقليدي، الزراعي، الإقطاعي...وخلافاً لما عاشته أوروبا، ولأسباب عديدة، أدت هذه التغيرات إلى بلورة هوية قوية قائمة على الطائفية كأساس اجتماعي صلب للمجتمع.
وهكذا أصبحت الطائفية واقعًا كما في القانون كذلك في المجتمع، مما أدى إلى تركيب طبقة إضافية من الهيئات الوسيطة بين الهوية اللبنانية وتجسيدها عبر الإدارة العامة أي جهاز الدولة، من جهة، وبين الفرد، من جهةٍ أخرى.
إذًا، أصبح في لبنان ثلاث بنيات فوقيّة، ألا وهي: الإقطاعية وحيازة رأسمال المال النقدي والطائفية الدينيّة.
إن التقاء مجموع هذه المشاكل أدى إلى الطرح المضلل للطائفيّة. في الواقع، كان القرن التاسع عشر، بالنسبة للبنان، قرن الفرص الضائعة.فقد أدت الثورات المختلفة ضد النظام الإقطاعي، وللأسف، إلى تبني الطائفية. فمن تأسيس المجلس الاستشاري المتمثل بالطوائف المحلية الستّ في مؤازرة الوالي، إلى مراسيم المفوض السامي رقم 60 ل.ر. سنة 1936 التي اخترعت مفهوم الطوائف التاريخيّة، لقد تمّ اعتماد حلول مبنية على القاعدة الطائفيّة للأزمات ذات الطبيعة الاجتماعيةوالسياسة (7).
وكان هذا نتيجة التقاء عدّة اتجاهات:
- أولاً: نظرة القوى الأوروبية حيال التدخل في الشؤون اللبنانية طوال القرنين التاسع عشر والعشرين.فحتى الفرنسيون والانكليز الذين طبقوا العلمنة في نظمهم، كانوا على العكس من ذلك تمامًا حين أصبحوا منتدبين لا يفهمون ويحلّلون الشرق إلا من خلفيّة دينية.
- ثانيًا: بمواجهة الاضطرابات والفوضى، وربما بسبب حدوث تغيير في التنظيم الاجتماعي، لجأ جزء من الفلاحين اللبنانيين، معظمهم من الطائفة الدرزية، إلى ربط هويتهم بالطائفة الدينية، بدلاً من الطبقة الاجتماعية.
- ثالثًا: شهد لبنان، طوال القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين، تغيرات عميقة اقتصادية واجتماعية وثقافية.التحضر والتحول الديموغرافي، والتسارع في عجلة التجارة مع الدول الأجنبية، والهجرة المرتفعة... جميع هذه العوامل «الحديثة» صدمت تلك المظاهر المتبقية من لبنان التقليدي، الزراعي، الإقطاعي...وخلافاً لما عاشته أوروبا، ولأسباب عديدة، أدت هذه التغيرات إلى بلورة هوية قوية قائمة على الطائفية كأساس اجتماعي صلب للمجتمع.
وهكذا أصبحت الطائفية واقعًا كما في القانون كذلك في المجتمع، مما أدى إلى تركيب طبقة إضافية من الهيئات الوسيطة بين الهوية اللبنانية وتجسيدها عبر الإدارة العامة أي جهاز الدولة، من جهة، وبين الفرد، من جهةٍ أخرى.
إذًا، أصبح في لبنان ثلاث بنيات فوقيّة، ألا وهي: الإقطاعية وحيازة رأسمال المال النقدي والطائفية الدينيّة.
صفحة 6
لعبة القوى الخارجية
تمكنت هذه الثوابت الثلاثة أن تفرض نفسها وتدوم خصوصًا بسبب لعبة القوى الخارجية، والتي سهلها ميل الطبقة الحاكمة في لبنان إلى الاعتماد على حماة خارجيين.وفي ظل صراع مزدوج بين السلطنة العثمانية في سياق تصادمها مع الفرنسيين والانكليز في ما بينها من ناحية، وبين الفرنسيين والإنكليز معًا، من ناحية أخرى، شكّل لبنان، طوال القرن التاسع عشر، موطئ نفوذ وتأثيرقوي.وقد لعبت فرنسا وبريطانيا دوراً مهما ليس في مختلف الاضطرابات التي سادت لبنان فقط ولكن أيضاً في تطوير أنواع مختلفة من أنظمة الحكم السياسية فيه (الإمارة، القائمقاميتان، المتصرّفيّة، الجمهورية الأولى) على الفترة الممتدّة من 1840 ولغاية 1943.ويقع لبنان في قلب منطقة تتنازعها استقطابات متعدّدة منذ أعوام الـ 1940 جرّاء وجود عاملين اثنين: النفط وإسرائيل.فمنذ عام 1943، أخذ الجباران الجديدان، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي زمام الأمور من يد فرنسا وانكلترا، في التدخل، عبر مشاريع مختلفة، مباشرة أو غير مباشرة، بحجة دعم أو درء هذا النظام السياسي أو ذاك.إن تجميد النزاع المسلح بين سوريا واسرائيل منذ عام 1973، كما أزمة النفط وصعود قوة المملكة العربية السعودية، والثورة الإيرانية عام 1979 ثم سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1989... جميعها عوامل مهيمنة جلبت تدخل العديد من الجهات ذات المصالح المتباينة (سوريا، ايران، السعودية، العراق، إلخ ...).
لكن تأثير هذه التدخلات في تركيبة السلطة في لبنان انبنى تدريجاً من خلال قابلية هياكل السلطة الداخلية في التأثر بالعوامل الخارجية: فقد اجترّت العشائر الإقطاعية والطائفية الدعم الخارجي بغية المساندة في الصراعات الداخلية أو للمحافظة على مصالحها السياسية والاقتصادية والمالية.بيد أن لهذه القوى الخارجية مصالحها الخاصة هي الأخرى.ووراء أكمة الخطاب السياسي الذي تتناقله وسائل الإعلام وجزء من النخب الثقافية العالمية، لا تزال الدول تنتهج طريق «الواقعية السياسية» في العلاقات الدولية.أما قابلية القادة المحليين في تلقّي تأثير الخارج والتقاء مصالحهم مع مصالح القوى الخارجية فقد شكلا عاملاً أساسيًا صبَّ في خانة استحالة قيام الدولة، المجسّدة لحماية مجموع المواطنين، وفي ذلك الأمر ثابتة تاريخيّة، على مدى تاريخ لبنان المعاصر.
تمكنت هذه الثوابت الثلاثة أن تفرض نفسها وتدوم خصوصًا بسبب لعبة القوى الخارجية، والتي سهلها ميل الطبقة الحاكمة في لبنان إلى الاعتماد على حماة خارجيين.وفي ظل صراع مزدوج بين السلطنة العثمانية في سياق تصادمها مع الفرنسيين والانكليز في ما بينها من ناحية، وبين الفرنسيين والإنكليز معًا، من ناحية أخرى، شكّل لبنان، طوال القرن التاسع عشر، موطئ نفوذ وتأثيرقوي.وقد لعبت فرنسا وبريطانيا دوراً مهما ليس في مختلف الاضطرابات التي سادت لبنان فقط ولكن أيضاً في تطوير أنواع مختلفة من أنظمة الحكم السياسية فيه (الإمارة، القائمقاميتان، المتصرّفيّة، الجمهورية الأولى) على الفترة الممتدّة من 1840 ولغاية 1943.ويقع لبنان في قلب منطقة تتنازعها استقطابات متعدّدة منذ أعوام الـ 1940 جرّاء وجود عاملين اثنين: النفط وإسرائيل.فمنذ عام 1943، أخذ الجباران الجديدان، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي زمام الأمور من يد فرنسا وانكلترا، في التدخل، عبر مشاريع مختلفة، مباشرة أو غير مباشرة، بحجة دعم أو درء هذا النظام السياسي أو ذاك.إن تجميد النزاع المسلح بين سوريا واسرائيل منذ عام 1973، كما أزمة النفط وصعود قوة المملكة العربية السعودية، والثورة الإيرانية عام 1979 ثم سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1989... جميعها عوامل مهيمنة جلبت تدخل العديد من الجهات ذات المصالح المتباينة (سوريا، ايران، السعودية، العراق، إلخ ...).
لكن تأثير هذه التدخلات في تركيبة السلطة في لبنان انبنى تدريجاً من خلال قابلية هياكل السلطة الداخلية في التأثر بالعوامل الخارجية: فقد اجترّت العشائر الإقطاعية والطائفية الدعم الخارجي بغية المساندة في الصراعات الداخلية أو للمحافظة على مصالحها السياسية والاقتصادية والمالية.بيد أن لهذه القوى الخارجية مصالحها الخاصة هي الأخرى.ووراء أكمة الخطاب السياسي الذي تتناقله وسائل الإعلام وجزء من النخب الثقافية العالمية، لا تزال الدول تنتهج طريق «الواقعية السياسية» في العلاقات الدولية.أما قابلية القادة المحليين في تلقّي تأثير الخارج والتقاء مصالحهم مع مصالح القوى الخارجية فقد شكلا عاملاً أساسيًا صبَّ في خانة استحالة قيام الدولة، المجسّدة لحماية مجموع المواطنين، وفي ذلك الأمر ثابتة تاريخيّة، على مدى تاريخ لبنان المعاصر.
صفحة 7
تأكيد الحريات المدنية الأساسية وحمايتها
وأخيرًا، فإن الشرائح السكانية المتراكمة بنت وجودها غالبًا طوال مراحل التاريخ، على تأكيد الحريات الأساسية العامة والخاصة وحمايتها.فعلى الرغم من أن الأمر غدا ذائع الصيت، تظل الحقيقة أن الجبال اللبنانية شكلت، على امتداد الحقبات، «ملجأ» للفئات الاجتماعية المضطهدة، أكانت على خلفية دينية (الشيعة والموارنة ثم الدروز) أو ثقافية،فيما شكّلت المدن الرئيسة في الساحل اللبناني أمكنةٌ للتسوق وللتبادل والتفاعل الثقافي، على حد سواء بسبب الحركة البحرية التجارية والغزوات البرية الدائمة.وعلى غرار مناطق جغرافية أخرى من العالم ذات ظروف تاريخية مشابهة، شكّل الساحل اللبناني تدريجاً مكان تلاقِ (عنيف أو سلمي)، مؤمنًا التطور، وناشرًا ثقافة الانفتاح، وضامنًا تالياً للحرية.
إن التقاء الجبال والساحل، ثبّت في التقاليد اللبنانية، خلال القرن العشرين، مبادئ ليبرالية متجذرة.ويأخذنا التفكير، على الفور، إلى حرية ممارسة الشعائر الدينية في ظل تواجد 18 طائفة... ولكن في الواقع، فإن حرية التعبير عن الرأي بشكل عام هي ما تمتاز به «الأعرافـ« اللبنانية، أمّاالتسامح والتنوع (على الصعيد الطائفي أو المجتمعي) فهما غير موجودين في تاريخ لبنان، خلافاً للاعتقاد الشائع. ومردّ ذلك إلى ترسخ الثوابت التاريخية الأربعة (الإقطاع، عدم المساواة الاجتماعية، والتدخلات الخارجية، وتكريس الطائفية). أمّا حرية التعبير، فإنها قويّة، راسخة.هذه الثابتة، العميقة الجذور في الخيال العام الجماعي، عرفت نكسات قوية، في الممارسة، منذ سنوات طوال. وخير شاهد على ذلك، اغتيالات الصحافيين التي شابت الحياة الإعلامية أو الفساد والتبعية المالية اللذان عاثا باستقلالية وسائل الإعلام.
من هذه الثوابت الخمسة، تمخض الميثاق الوطني وهو لدن الاستقلال اللبناني،حيث كان القصد منه، التغلب على التناقضات والصعوبات غير المرتقبة التي تميّزت بها الحياة العامة في لبنان. نجاح أصبح أسطوريَّ الطابع في ما يختصّ بالسنوات الأولى للاستقلال، أعقبته خلافات داخلية مردّها دومًا عدم احترام تلك الثوابت العائدة إلى الميثاق الوطني .وهذا قد يكون نتيجة لسوء فهم معناه، وخصوصاً عدم القدرة على التمييز بين ما هو أساسي وغير قابل للمس، وما هو منوط بالتنفيذ وبالمتغيرات التي تكون غالبًا موضوع نقاش.في المحصّلة، يجب أن توضع هذه المكونات التي ذكرناها آنفًا في الاعتبار لدى دراسة النص الدستوري وتطبيقاته.
وأخيرًا، فإن الشرائح السكانية المتراكمة بنت وجودها غالبًا طوال مراحل التاريخ، على تأكيد الحريات الأساسية العامة والخاصة وحمايتها.فعلى الرغم من أن الأمر غدا ذائع الصيت، تظل الحقيقة أن الجبال اللبنانية شكلت، على امتداد الحقبات، «ملجأ» للفئات الاجتماعية المضطهدة، أكانت على خلفية دينية (الشيعة والموارنة ثم الدروز) أو ثقافية،فيما شكّلت المدن الرئيسة في الساحل اللبناني أمكنةٌ للتسوق وللتبادل والتفاعل الثقافي، على حد سواء بسبب الحركة البحرية التجارية والغزوات البرية الدائمة.وعلى غرار مناطق جغرافية أخرى من العالم ذات ظروف تاريخية مشابهة، شكّل الساحل اللبناني تدريجاً مكان تلاقِ (عنيف أو سلمي)، مؤمنًا التطور، وناشرًا ثقافة الانفتاح، وضامنًا تالياً للحرية.
إن التقاء الجبال والساحل، ثبّت في التقاليد اللبنانية، خلال القرن العشرين، مبادئ ليبرالية متجذرة.ويأخذنا التفكير، على الفور، إلى حرية ممارسة الشعائر الدينية في ظل تواجد 18 طائفة... ولكن في الواقع، فإن حرية التعبير عن الرأي بشكل عام هي ما تمتاز به «الأعرافـ« اللبنانية، أمّاالتسامح والتنوع (على الصعيد الطائفي أو المجتمعي) فهما غير موجودين في تاريخ لبنان، خلافاً للاعتقاد الشائع. ومردّ ذلك إلى ترسخ الثوابت التاريخية الأربعة (الإقطاع، عدم المساواة الاجتماعية، والتدخلات الخارجية، وتكريس الطائفية). أمّا حرية التعبير، فإنها قويّة، راسخة.هذه الثابتة، العميقة الجذور في الخيال العام الجماعي، عرفت نكسات قوية، في الممارسة، منذ سنوات طوال. وخير شاهد على ذلك، اغتيالات الصحافيين التي شابت الحياة الإعلامية أو الفساد والتبعية المالية اللذان عاثا باستقلالية وسائل الإعلام.
من هذه الثوابت الخمسة، تمخض الميثاق الوطني وهو لدن الاستقلال اللبناني،حيث كان القصد منه، التغلب على التناقضات والصعوبات غير المرتقبة التي تميّزت بها الحياة العامة في لبنان. نجاح أصبح أسطوريَّ الطابع في ما يختصّ بالسنوات الأولى للاستقلال، أعقبته خلافات داخلية مردّها دومًا عدم احترام تلك الثوابت العائدة إلى الميثاق الوطني .وهذا قد يكون نتيجة لسوء فهم معناه، وخصوصاً عدم القدرة على التمييز بين ما هو أساسي وغير قابل للمس، وما هو منوط بالتنفيذ وبالمتغيرات التي تكون غالبًا موضوع نقاش.في المحصّلة، يجب أن توضع هذه المكونات التي ذكرناها آنفًا في الاعتبار لدى دراسة النص الدستوري وتطبيقاته.
صفحة 8
سيرة الدستور وبنيته
يجدر أن نذكّر أخيرًا بسيرة الدستور اللبناني وبنيته. إذ هو مكتوب(8) بوحي من القانون الدستوري الفرنسي، بنسخته الأساسية الموضوعة والمعتمدة في 23 أيار 1926 تحت وصاية الإنتداب الفرنسي. ومن الناحية التقنية، يخضع النظام السياسي اللبناني للدستور نفسه منذ نشأته. في العديد من الدول، يتغيّر الدستور نتيجة أحداثٍ سياسية تقلب واقع التوافق الوطني أو تؤثر بشكل مهم في تركيبة السلطة (من نظام ملكي إلى نظام جمهوري، من رئاسي إلى برلماني، مثلاً). يبقى مثيرًا للدهشة إذًا الإصرار الرسمي على دستور 1926 على الرغم من الاستقلال عام 1943 ثم اتفاق الطائف عام 1989. هذان الحدثان المهمّان في تاريخ لبنان اللذان شكلا كلاهما منعطفًا في تاريخ لبنان وغيّرا صيغة التوافق الوطني، لم يؤدّيا بالمقابل إلا إلى سن قوانين دستوريّة لتعديل الدستور. لهذا، لا تزال الجمهورية الحالية، من منظور رسمي، هي الجمهورية اللبنانية الأولى. بيد أن الاستقلال ونهاية حقبة الإنتداب قادا إلى عددٍ مهمٍ من التعديلات الدستورية (عاكسةً واقعًا تاريخيًا وسياسيًا جديدًا) حدا باعتبار الدستور الجديد بمثابة دستور الجمهورية الثانية. وبالمقابل، لم يكن دستور عام 1926 الموضوع تحت وصاية الإنتداب الفرنسي دستورًا بما للكلمة من معنى لجمهورية مستقلّة وسيّدة. لذا، قد نعتبر أن الدستور الناشئ عن تعديلات القوانين الدستورية عام 1943 كأنه دستور الجمهورية الأولى. وأخيرًا، وكما سنشاهد بالتفصيل في متن الصفحات اللاحقة، فإن القوانين الدستورية عام 1990-1991 المنبثقة من اتفاق الطائف، قادت إلى التكوين الفعلي للجمهورية اللبنانية الثانية، حيث تنظيم السلطة وممارستها أصبحا يتسمان بخصائص محدّدة.
وينتظم الدستور، كما أغلب الدساتير المكتوبة، في أبواب وفصول عديدة:
الباب الأول :أحكام أساسية
- مقدمة الدستور
- الفصل الأول: في الدولة وأراضيها
- الفصل الثاني: في اللبنانيين وحقوقهم وواجباتهم
الباب الثاني: السلطات
- الفصل الأول: أحكام عامة
- الفصل الثاني: السلطة المشترعة
- الفصل الثالث: أحكام عامة
يجدر أن نذكّر أخيرًا بسيرة الدستور اللبناني وبنيته. إذ هو مكتوب(8) بوحي من القانون الدستوري الفرنسي، بنسخته الأساسية الموضوعة والمعتمدة في 23 أيار 1926 تحت وصاية الإنتداب الفرنسي. ومن الناحية التقنية، يخضع النظام السياسي اللبناني للدستور نفسه منذ نشأته. في العديد من الدول، يتغيّر الدستور نتيجة أحداثٍ سياسية تقلب واقع التوافق الوطني أو تؤثر بشكل مهم في تركيبة السلطة (من نظام ملكي إلى نظام جمهوري، من رئاسي إلى برلماني، مثلاً). يبقى مثيرًا للدهشة إذًا الإصرار الرسمي على دستور 1926 على الرغم من الاستقلال عام 1943 ثم اتفاق الطائف عام 1989. هذان الحدثان المهمّان في تاريخ لبنان اللذان شكلا كلاهما منعطفًا في تاريخ لبنان وغيّرا صيغة التوافق الوطني، لم يؤدّيا بالمقابل إلا إلى سن قوانين دستوريّة لتعديل الدستور. لهذا، لا تزال الجمهورية الحالية، من منظور رسمي، هي الجمهورية اللبنانية الأولى. بيد أن الاستقلال ونهاية حقبة الإنتداب قادا إلى عددٍ مهمٍ من التعديلات الدستورية (عاكسةً واقعًا تاريخيًا وسياسيًا جديدًا) حدا باعتبار الدستور الجديد بمثابة دستور الجمهورية الثانية. وبالمقابل، لم يكن دستور عام 1926 الموضوع تحت وصاية الإنتداب الفرنسي دستورًا بما للكلمة من معنى لجمهورية مستقلّة وسيّدة. لذا، قد نعتبر أن الدستور الناشئ عن تعديلات القوانين الدستورية عام 1943 كأنه دستور الجمهورية الأولى. وأخيرًا، وكما سنشاهد بالتفصيل في متن الصفحات اللاحقة، فإن القوانين الدستورية عام 1990-1991 المنبثقة من اتفاق الطائف، قادت إلى التكوين الفعلي للجمهورية اللبنانية الثانية، حيث تنظيم السلطة وممارستها أصبحا يتسمان بخصائص محدّدة.
وينتظم الدستور، كما أغلب الدساتير المكتوبة، في أبواب وفصول عديدة:
الباب الأول :أحكام أساسية
- مقدمة الدستور
- الفصل الأول: في الدولة وأراضيها
- الفصل الثاني: في اللبنانيين وحقوقهم وواجباتهم
الباب الثاني: السلطات
- الفصل الأول: أحكام عامة
- الفصل الثاني: السلطة المشترعة
- الفصل الثالث: أحكام عامة
صفحة 9
- الفصل الرابع: السلطة الإجرائية
أولاً: رئيس الجمهورية(تعديل المادة 49 بتاريخ 4-9-2004)
ثانياً: رئيس مجلس الوزراء
ثالثاً: مجلس الوزراء
الباب الثالث
أ - انتخاب رئيس الجمهورية
ب - في تعديل الدستور
ج - في أعمال مجلس النواب
الباب الرابع: تدابير مختلفة
أ - المجلس الأعلى
ب - في المالية
الباب الخامس: أحكام نهائية موقتة، ويحتوي حصرًا وبشكل يتفرّد به لبنان، مادة وحيدة هي المادة 95 التي تضع آليات تجاوز الطائفية السياسية.
في الختام، بعد هذه المقدّمة السريعة، يجدر التذكير أن هذا المؤلّف لا يطمح ليكون عملاً بحثيًا معمّقًا من منظار أكاديمي. هو بالمقابل سعيٌ على درب المواطنة كما ذكرت في المطلع آنفًا، مقرون بعملٍ بحثي يتوخى الفهم والتحليل للعمليّة الدستورية (مقاربة قانونية) تتوسّع صيغتها بموازاة الواقع التاريخي والاقتصادي والاجتماعي (مقاربة سياسية أكثر). وفق تلك المقاربة، وبعد التذكير بالثوابت التي توقفنا عليها، سنتطرّق في مرحلة أولى إلى التناقضات الجوهرية في النص وفي الممارسات الدستورية للجمهورية الثانية والرياء الدستوري في ما يختصّ بالطائفية (الجزء الأول)، واستحالة تنظيم السلطات (الجزء الثاني) وعدم فاعلية الجمهورية الثانية إزاء الأزمات المتعدّدة التي تجتازها (الجزء الثالث). وبعد هذه المعاينة، سوف ننظر إلى إمكانية إقامة قواعد لتوافق جديد (الجزء الرابع) وسنحاول الارتكاز على بعض العناصر المؤسّسة لدستور جديد وجدير بالجمهورية الثالثة العتيدة (الجزء الخامس).
أولاً: رئيس الجمهورية(تعديل المادة 49 بتاريخ 4-9-2004)
ثانياً: رئيس مجلس الوزراء
ثالثاً: مجلس الوزراء
الباب الثالث
أ - انتخاب رئيس الجمهورية
ب - في تعديل الدستور
ج - في أعمال مجلس النواب
الباب الرابع: تدابير مختلفة
أ - المجلس الأعلى
ب - في المالية
الباب الخامس: أحكام نهائية موقتة، ويحتوي حصرًا وبشكل يتفرّد به لبنان، مادة وحيدة هي المادة 95 التي تضع آليات تجاوز الطائفية السياسية.
في الختام، بعد هذه المقدّمة السريعة، يجدر التذكير أن هذا المؤلّف لا يطمح ليكون عملاً بحثيًا معمّقًا من منظار أكاديمي. هو بالمقابل سعيٌ على درب المواطنة كما ذكرت في المطلع آنفًا، مقرون بعملٍ بحثي يتوخى الفهم والتحليل للعمليّة الدستورية (مقاربة قانونية) تتوسّع صيغتها بموازاة الواقع التاريخي والاقتصادي والاجتماعي (مقاربة سياسية أكثر). وفق تلك المقاربة، وبعد التذكير بالثوابت التي توقفنا عليها، سنتطرّق في مرحلة أولى إلى التناقضات الجوهرية في النص وفي الممارسات الدستورية للجمهورية الثانية والرياء الدستوري في ما يختصّ بالطائفية (الجزء الأول)، واستحالة تنظيم السلطات (الجزء الثاني) وعدم فاعلية الجمهورية الثانية إزاء الأزمات المتعدّدة التي تجتازها (الجزء الثالث). وبعد هذه المعاينة، سوف ننظر إلى إمكانية إقامة قواعد لتوافق جديد (الجزء الرابع) وسنحاول الارتكاز على بعض العناصر المؤسّسة لدستور جديد وجدير بالجمهورية الثالثة العتيدة (الجزء الخامس).
صفحة 10
دولة القانون والطائفية، قضيّة الأولويّة
«لبنان نموذج الديمقراطية التوافقيّة، لا سيما بالاستناد إلى نظامه السياسي الطائفي»: هذه الحقيقة التي تتناقلها الأسماع ليست بمثابة مسلّمة أبدًا. فلدى تفحصنا للدستور اللبناني، يتبيّن لنا أن النظام الطائفي لا هو بالنموذج المثالي ولا هو بالغاية الأخيرة التي ستؤول إليها الأمور. فهو ليس بأكثر من وسيلة، بل انعطافة مؤسفة على طريق الديمقراطية الكاملة المنشودة لتوخي حالة السيادة الوطنية. إذًا، على خلاف ما تذهب إليه الأسطورة الوطنية اللبنانية، فإن اتفاق الطائف والدستور اللبناني لا يتبنيان بشكل واضح النظام الطائفي. فإن تنظيماتٍ أساسية في النص ترعى مبادئ دولة القانون: مساواة المواطنين أمام القانون وفي الوظائف العامة، وفي التمثيل النيابي للسيادة الوطنية، إلخ. جميعها مبادئ لا تتكيّف مع مبدأ آخر أساسي ألا وهو مبدأ مع وجود أجسام وسيطة، أو حقوقٍ متمايزة، أو سيادة مرهونة بوجود قانوني لطوائف الحق العام. بل وعلى العكس، يشيد النص بالميثاق الوطني (أو ما سمّي بـ»ميثاق العيش المشترك»)، أساس الاستقلال وبالقدر نفسه أساس الطائفيّة، كمبدأ دستوري.
دولة القانون، تأكيد راسخ في الدستور
تعرض مقدّمة الدستور الخطوط العريضة لصيغة التوافق اللبناني. وهي تتصف غالبًا بالديمقراطيّة، وفقًا للمعنى الأصلي للمصطلح وعلى هدي التقليد الإنسانوي الأوروبي الذي تبلور نتيجة تطوّر بطيء أو أحيانًا نتيجة تبدّل مسار بطريقة مفاجئة، منذ الـ Magna Carta (9) وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. وتندرج بمعظمها في إطار سياسي ليبرالي، ذي تأثيراتٍ أنكلوساكسونية في بادئ الأمر (الثورات الإنكليزية عامي 1215 و1688، وكتابات هوبس وهيوم ولوك التي تابع سياقها في ما بعد الدستوريون الأميركيّون غداة استقلال الولايات المتحدة الأميركية عام 1776 – هاملتون، جيفرسون...)، ثم فرنسيّة (فلسفة الأنوار مع روسو، فولتير، ديدرو، طوقفيل، إلخ. ما قبل مراحل الثورة الفرنسية الممتدّة من عام 1789 ولغاية العام 1799).
وقد أفضى هذا التيار الفكري، في الفلسفة السياسة، وبشكلٍ ممنهج منذ انحسار الإديولوجيا الشيوعيّة، إلى إقرار المفهوم الأساسي والشامل لدولة القانون. في مجال القانون الدستوري، يتمظهر هذا المفهوم من خلال عدّة مبادئ تشكّل رأس هرم القواعد القانونية الناظمة.
إن هرميّة تلك القواعد هي المؤسِّسة لدولة القانون، التي أتت نتيجة ثورات التحرّر: الشعب، سيّد نفسه، هو المقرّر عبر الاقتراع المباشر referendum)) أو بواسطة ممثليه (الجمعيّة المؤلفة من نوّاب) لاعتماد نص يشكّل من جهة قاعدة المبادئ الأساسيّة للنظام السياسي الحاكم ويرعى من جهة أخرى آليات انتظام عمل السلطات. هذا النص، الدستور، يصبح إذ ذاك القاعدة الأساسية للنظام السياسي والقانون الأرفع شأنًا على ما عداه من قوانين: فلا تستوي قوانين يصوّت عليها النواب في حال كانت مناقضة للدستور، ولا يتخذ أي وزير إجراءات وقرارات ومراسيم تتعارض مع أحكام الدستور ومندرجاته، فتشاد هرميّة قانونيّة والدستور على قمّتها. وهذا المبدأ هو العنوان لدولة القانون. ومقدّمة الدستور هي الأخرى في الصدارة: إذ تحدّد المبادئ الأساسيّة للحياة المشتركة(10) . ويكون المجلس الدستوري (كما سنشاهد لاحقًا) الضامن لاحترام تلك الهرميّة بتتبع أي قانون أو نظام يتعارض مع الدستور، فله سلطة إبطال القانون المذكور وإن صدر بتشريع من مجلس النواب أو بإبطال حتى مرسوم الوزير(11). إن جميع هذه المبادئ تنحو نحو هدفٍ موحّد: ألا وهو عدم انصياع مجموع المواطنين لقرارات تعسّفية تصدرها السلطة. وعلى سبيل محاربة هذا التعسّف، تلحظ دولة القانون مجموعةً من المبادئ الأساسيّة: كمساواة المواطنين أمام القانون، وحرية اختيار ممثليهم، عدم رجعيّة القوانين الجزائيّة، إلخ.
«لبنان نموذج الديمقراطية التوافقيّة، لا سيما بالاستناد إلى نظامه السياسي الطائفي»: هذه الحقيقة التي تتناقلها الأسماع ليست بمثابة مسلّمة أبدًا. فلدى تفحصنا للدستور اللبناني، يتبيّن لنا أن النظام الطائفي لا هو بالنموذج المثالي ولا هو بالغاية الأخيرة التي ستؤول إليها الأمور. فهو ليس بأكثر من وسيلة، بل انعطافة مؤسفة على طريق الديمقراطية الكاملة المنشودة لتوخي حالة السيادة الوطنية. إذًا، على خلاف ما تذهب إليه الأسطورة الوطنية اللبنانية، فإن اتفاق الطائف والدستور اللبناني لا يتبنيان بشكل واضح النظام الطائفي. فإن تنظيماتٍ أساسية في النص ترعى مبادئ دولة القانون: مساواة المواطنين أمام القانون وفي الوظائف العامة، وفي التمثيل النيابي للسيادة الوطنية، إلخ. جميعها مبادئ لا تتكيّف مع مبدأ آخر أساسي ألا وهو مبدأ مع وجود أجسام وسيطة، أو حقوقٍ متمايزة، أو سيادة مرهونة بوجود قانوني لطوائف الحق العام. بل وعلى العكس، يشيد النص بالميثاق الوطني (أو ما سمّي بـ»ميثاق العيش المشترك»)، أساس الاستقلال وبالقدر نفسه أساس الطائفيّة، كمبدأ دستوري.
دولة القانون، تأكيد راسخ في الدستور
تعرض مقدّمة الدستور الخطوط العريضة لصيغة التوافق اللبناني. وهي تتصف غالبًا بالديمقراطيّة، وفقًا للمعنى الأصلي للمصطلح وعلى هدي التقليد الإنسانوي الأوروبي الذي تبلور نتيجة تطوّر بطيء أو أحيانًا نتيجة تبدّل مسار بطريقة مفاجئة، منذ الـ Magna Carta (9) وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. وتندرج بمعظمها في إطار سياسي ليبرالي، ذي تأثيراتٍ أنكلوساكسونية في بادئ الأمر (الثورات الإنكليزية عامي 1215 و1688، وكتابات هوبس وهيوم ولوك التي تابع سياقها في ما بعد الدستوريون الأميركيّون غداة استقلال الولايات المتحدة الأميركية عام 1776 – هاملتون، جيفرسون...)، ثم فرنسيّة (فلسفة الأنوار مع روسو، فولتير، ديدرو، طوقفيل، إلخ. ما قبل مراحل الثورة الفرنسية الممتدّة من عام 1789 ولغاية العام 1799).
وقد أفضى هذا التيار الفكري، في الفلسفة السياسة، وبشكلٍ ممنهج منذ انحسار الإديولوجيا الشيوعيّة، إلى إقرار المفهوم الأساسي والشامل لدولة القانون. في مجال القانون الدستوري، يتمظهر هذا المفهوم من خلال عدّة مبادئ تشكّل رأس هرم القواعد القانونية الناظمة.
إن هرميّة تلك القواعد هي المؤسِّسة لدولة القانون، التي أتت نتيجة ثورات التحرّر: الشعب، سيّد نفسه، هو المقرّر عبر الاقتراع المباشر referendum)) أو بواسطة ممثليه (الجمعيّة المؤلفة من نوّاب) لاعتماد نص يشكّل من جهة قاعدة المبادئ الأساسيّة للنظام السياسي الحاكم ويرعى من جهة أخرى آليات انتظام عمل السلطات. هذا النص، الدستور، يصبح إذ ذاك القاعدة الأساسية للنظام السياسي والقانون الأرفع شأنًا على ما عداه من قوانين: فلا تستوي قوانين يصوّت عليها النواب في حال كانت مناقضة للدستور، ولا يتخذ أي وزير إجراءات وقرارات ومراسيم تتعارض مع أحكام الدستور ومندرجاته، فتشاد هرميّة قانونيّة والدستور على قمّتها. وهذا المبدأ هو العنوان لدولة القانون. ومقدّمة الدستور هي الأخرى في الصدارة: إذ تحدّد المبادئ الأساسيّة للحياة المشتركة(10) . ويكون المجلس الدستوري (كما سنشاهد لاحقًا) الضامن لاحترام تلك الهرميّة بتتبع أي قانون أو نظام يتعارض مع الدستور، فله سلطة إبطال القانون المذكور وإن صدر بتشريع من مجلس النواب أو بإبطال حتى مرسوم الوزير(11). إن جميع هذه المبادئ تنحو نحو هدفٍ موحّد: ألا وهو عدم انصياع مجموع المواطنين لقرارات تعسّفية تصدرها السلطة. وعلى سبيل محاربة هذا التعسّف، تلحظ دولة القانون مجموعةً من المبادئ الأساسيّة: كمساواة المواطنين أمام القانون، وحرية اختيار ممثليهم، عدم رجعيّة القوانين الجزائيّة، إلخ.