eKtab
EN ع
من... الى حبيبة
اقرأ عينة مجانية

من... الى حبيبة

بقلم هاني فحص

صفحة 1

إهداء

من حبيبة... وإليها...

إلى التي صادقت أولادها وأولادهم غير حافلة بتقويم السنين..

إلى التي طهَّرت نفسي من ضغائنها عندما أودعتُها حفرة في السماء وزففتها إلى من كان ينتظرها.

إلى الأطفال.. زهر الربيع الذي عم الحقل العربي، فكساه بشقائق النعمان المروية بدماء الأرض...

إلى الذين أحرقوا أنفسهم التماساً للدفء

إلى الحَفَدَة الذين ماتوا صوناً لأحلام جدودهم

إلى جاري البحر الذي بسط أرخبيله مائدة لوليمة هذه الأبيات،

أهدي منائري ... ومحاري

رشيد....

صفحة 2
مقدمة بقلم السيد هاني فحص
 
معالي الشاعر رشيد درباس
 
إن الكتابة النقدية الأكاديمية تتعامل مع النص الأدبـي بحياد وبرودة هي من مستلزمات القول الأكاديمي، وهي سبب اليسر والسهولة في اقتراف النقد، وبسرعة ومن دون عناء كبير.. أما النقد القراءة، فهو كأنه ادعاء بإعادة إنتاج النص أو إعادة تشكيله، ما يعني الدخول الى حريم النص، الى شرايينه وأوردته، وكأنك تتماهى مع الشاعر ثم تتجاوزه، وتقول فيه قولاً موازياً لقوله، الذي قاله قصائد على دفعات، ومسافات، وأنت ملزم أن تقول الكثير وفي كل القصائد، من دون فترة استراحة، بين صفحة وصفحة، أو بين شهقة إبداع وشهقة أخرى في ذات القصيدة أو غيرها، تستثير فيك كل حساسياتك، فيوافيك السعال على مقدار من الشعور بالبرد أو الحمى والجوع والعطش، والندم على فتح أبواب منـزلك لطالبـي الإنصاف من المبدعين.
 
لقد أطلت لأقول بأني ما من مرة كلفت بكتابة نقدية إلا وقبلت بإملاء من مكانة الشاعر أو الكاتب في نفسي ووجداني.. وعندما أنتقل من الشاعر الى ديوانه يبدأ الوجع والتبرم.. وأوجع، بل أجمل من هذا البرم، أنني لا أتوب ولا أنوي التوبة.. وليكتب رشيد درباس ألف ديوان، وأنا مستعد لتقديمها كلها، لعلي أعبر عن عشقي لطرابلس وقلقي عليها أو علينا فيها، من دون أن أتخلى عن أملي بأن تبقى فيحاء، تتخلل نسمات الهواء السارح بين ذاكرتها وحلمها، رائحة الصابون وزهر الليمون ورائحة البحر ورائحة الروح الآتية من التكايا.. ورائحة ماء الزهر من حديقتها في القلمون.
 
حذرني توفيق سلطان من نوايا رشيد درباس، فقلت له: سوف أقرأ الديوان فإن وجدته جميلاً انتحلته، وإلا فسوف أتنصل.. وهنا عاد الاستاذ توفيق عن رغبته في الفتنة وطمأنني بأن ديوان رشيد مثل رشيد فاتن أيضاً.
 
وقرأت.. وصنفت القصائد فاجتمع لدي سبع قصائد سميتها عائلية.. هي شعر رشيد درباس في أسرته، اباً وأماً وبنات، وابناء وحفيدات وأحفادا.. بعضهم توائم.. هذا وقد قرأت رسالة الغفران للمعري العظيم، في أكثر من دراسة، أهمها دراسة العالم عبد الله العلايلي.. وانتهيت من قراءتي الخاصة الى أن أبا العلاء قد نصب نفسه قسيماً بين النار والجنة في الآخرة، فاختار شخصيات معروفة بالتدين والاستقامة ولكن في تكوينها عرقاً شريراً يجعل استقامتها ذريعة أو حيلة لا قناعة، والتقط لها ما يثبت رداءة باطنها وأرسلها الى جهنم، واختار شخصيات أخرى معروفة بسلوك مضطرب وتصدر عنها أفعال اقرب الى الشر، أو هي شريرة، ولكنها محصورة في دائرة خاصة ومردودها شخصي. والتقط في هذه النماذج لحظات تجلت فيها روحية عالية وإيمان عميق وإنسانية راقية فمسح عنها ذنوبها وأرسلها الى الجنة. أنا، بقياس مع الفارق النوعي، بيني وبين أبـي العلاء.. أعتبر.. ولست وحدي.. كل العقلاء يعتبرون ان العلاقة بالرحم طولاً وعرضاً ومن الاعلى الى الأدنى، من مقاييس أو معايير الإيمان، شرط أن تضاف اليه، لتضبطه، العدالة في حق الآخرين، حيث يكتمل حب الأقرب بحب الأبعد، بل وتتساوى الأبعاد.
 
من هنا، أحببت أبن الرومي وأبا الحسن التهامي وهزني وعلمني تفجعهما على فلذات الأكباد، وأحببت المتنبـي أكثر عندما تفجع على أمه.. أما قصيدة الشريف الرضي في رثاء أمه فأنها تأسرني.. وأحببت الخنساء في تفجعها على أخويها، وأحببت المرحوم الشهيد رشيد كرامي الذي ظل مع والدته طفلاً أو صبياً أو رقيقاً، لم يترك في حياته جلسة لوزارة يرأسها، الا مرة عندما أبلغ بمرضها، وأحببت الأمير نوردان سيهانوك، الذي اعتذر عن حضور اجتماع مصيري في الصين بين الحكومة والمعارضة الكمبودية، بسبب مرض والدته.. وأحببت المعري الذي كانت وفاة والدته منعطفاً عميقاً في عقله وحياته.. وتذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، عندما قال متحسراً بعد معركة أحد (إلا عمي حمزة لا نوائح له !) وتذكرت الحسين في كربلاء يقف على جثمان أخيه العباس ويقول: "الآن انكسر ظهري، الآن قلت حيلتي". وعلى جثمان ولده علي الأكبر يقول: "كنت السواد لناظري فعليك يبكي الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر".
صفحة 3

وسبعة أو ثماني قصائد عائلية في ديوان رشيد درباس البالغة قصائده الثلاثين عدداً !!! هذا أمر استفزني واشعرني بالتقصير في حق أهلي وأولادي وأحفادي.. هذا وأنا أعتقد أن من لا يحب قريباً لا يحب بعيداً، ومن هنا أيقنت أن رشيد درباس يحبني حقاً.. وكنت قد سألت عمن يكرههم رشيد درباس، فلم يفدني أحد عن أحد.

وفي تفاصيل الشعر الأسري قصيدة (تَيْما) أي تيماء مرخمة.

"تيما فلاة الأفق.. وواحة للحدق

ثم قصيدة زياد شقيق تيما:

"ووردة، قبل الشذا تفوح عطراً في الفؤادْ

كالبدر يدنيه الضياء، إن تولاه السّهادْ"

والفضل شقيقه.. فأين يلتقيان ؟

"الفضل يرعى نجم تيما في فضاءات زياد".

وفي ذات رشيد درباس مادة للحب لا تفرق.. بين جميل حبيب أتى من هنا، من الصلب حفيداً أو حفيدة، أو من هناك، من البنت سبطاً أو سبطة.. علماً بأنه في لغتنا العربية التي هي إنساننا العربـي، غير ما حصل من سلوك قبلي ما زال مستمراً في مجتمعنا المعاصر مع ألف علامة استفهام.. ففي هذه اللغة: الحفيد هو ابن الابن وابن البنت.. ومن هنا لم يكن هناك سؤال عن تسمية الحسن والحسين بحفيدي رسول الله.. أما عندما كان يقال وما يزال بأنهما ابنا رسول الله فإن ذلك كان محواً للقيمة القبلية السالبة التي تمثلت شعراً في قول الجاهلي "بنونا بنو أبنائنا وبناتنا.. أبناؤهن ابناء الرجال الأباعد".

حسناً.. حسناً أيها العربـي المؤمن رشيد درباس.. الذي لا يتردد في قول عواطفه وقلبه.. وهناك من يستحون من قلوبهم، ويؤثرون أولادهم، لا بالمحبة، بل بالتمييز على حساب الآخرين.

يقول رشيد في قصيدته في التوأمين، لارا ورشيد، من سيرين وتوفيق:

صفحة 4

"بُنَيَّا.. وسيطي إليَّا.. وسيلة نقلي لحقل تقصِّر عنه العيون.. تأملت كيف كبرت أبا وكيف الأبوة تطوي الصبا.. أانت زمان يطيل زماني".. في مثل هذا اللعب على اللفظ والمعنى، وكأن (الواحد) الزمان مثلاً، متعدد.. يكمن الشعر، لأنه لون من اللعب في نظام الأشياء، مكاناً وزماناً وغيرهما، لعب يكشف أو يكتشف المعنى الآخر المتمم للمعنى الأول جمالاً وعمقاً وحقل دلالة يتسع باتساع القلب والعقل والجرح والرجاء.

"فذاك مخاض الصباح، لقاح الرياح، وهذا خراج يعود إليا.. يوزع جسمي عليا".. يا رشيد تكفيك هذ القصيدة، تكفيك هذه اللعبة على حبال اللغة المتينة.. وكأن لقدميك عيوناً توسع رؤيتك، فلا تقع.. وفي قصيدته "خمستهم".. يقدّم لنا رشيد درباس سيرة ذاتية بلغة أخرى.. فلا هو محام.. أو ذاهب الى كرسي في الدولة المترددة، كتب قصيدة يعبر فيها عن خشيته من ذاك الكرسي، ونحن نشاركه هذه الخشية، ولكننا مطمئنون الى سلامته من وخز الكراسي وموادها اللاصقة.. يقول رشيد:

"أنا جدّ لخمستهم.. وعبد رهن همستهم

ولعبتهم متى منحوا.. فؤادي طرف نظرتهم

وسكُّرهم يذوب جوى.. على أطراف لمستهم

ومرسمهم وريشتهم.. وألوان للوحتهم

فروحي أينعت ثمراً.. على أفنان بسمتهم

أراهم أنملاً جمعت.. زماني تحت قبضتهم".

كنتُ أود أن أكتب القصيدة كلها، لولا أنها بكاملها في الديوان.. فأقرأوها.

وأنا أحببت بدوي الجبل لأمور كثيرة وقصائد عديدة. أما أحبّ شعره إليّ فهو قصيدته في حفيده، وهذه الاحتفاليات الباذخة بحبوه أو خطوه أو نطقه بلغة مختلفة ولكنها أشد ألفة.. وأحببت سليمان العيسى، لا لعقائديته وشعاريته الضيقة، بل لشعره للأطفال وقصيدته في ولده معن وابنته بادية، وأحببت والد صلاح عبد الصبور وصلاح من قصيدته فيه وما زلت أذكر وصفه للحيَة أبيه (الملح والفلفل لوناها).. لأني وجدت الشاعر كيف يرتفع عندما ينـزل الى مكوناته فتظهر انسانية.

صفحة 5

عندما يستولي الشيب على رشيد درباس، أو عليّ، أو عليك، نكابر، نروح نجرب احتمالات الشباب والفتوة، نتسلى أو نسلو قليلاً، ريثما يدهمنا الخوف من تهمة الخرف، فنقلل شيئاً من عقلنا المفارق، نذهب الى عقلنا الجواني. الكوني أو التكويني. فنتعمد الطفولة، ونرتدي أحلامها السوريالية، نقيم في الطفولة، رفاقاً للأحفاد، أتراباً للأباء والأمهات، مفرطين في الحب حتى لا نفرّط بالرحم، مندهشين بمعنى الأبوة، مذهولين من معنى الأمومة، التي لا شرط عليها، لأنها هي شرط الحياة ونبعها، وهي الأجدر أن تكون مصبّها.. ولعل رشيد درباس المستمتع حتى الثمالة، بزمالة أحفاده، وحضور أبيه وأمه، كأن لم يفارقا ولم يفترقا.. لعله أنشد كثيراً وكثيراً، حتى التفاصيل، الى مصر، حتى ليبدو في قصيدته أو قصائده عنها وحولها، كدليل سياحي، يتعرف، يعيد التعرف، أثناء تعريفك، بالأقصر، بآمون وهذه الاعمدة الناهضة كغابات من حرف الألف، تكثيفاً للوحدة والتوحيد، ويكاد يعيد الألوان والرموز في وادي الملوك، الى عناصرها الأولى ليقول لك إن من حق مصر أن تكون أم الدنيا.. وهل الدنيا غير دنيانا نحن هنا آخر أسيا في غزة، وأول افريقيا في قاهرة المعز أو الفسطاط.

اعزائي.. اقرأوا معي أو اسمعوا هذا الطفل المجلل بالشيب وكتب القانون، يفلت من حلقة الرقص مع أحفاده، فإلي اين يذهب ؟ يذهب الى أبويه، يقول في قصيدته (حفرة في السماء): "رششت التراب كما ينثر الورد في عرس امي.. بطرفة عين زففت الضياء الى مُدْلَهَمِّ.. أهذا أبـي بازغاً من ثراه، يهم بضمي ؟.. يجدد عقد القران عليها، يكفكف غمي".

هل هناك طفولة وبراءة ونضج أكثر من هذا الحلم.. الذي يبدل القوانين فيؤكدها: "سألبس ثوباً من الياسمين.. وأخلع يتمي".. مشاركة مني لرشيد فرحه بتجديد زفاف أمه لأبيه.. أقف "في مهب الحبر" كما يقول ويعارض رشيد درباس المتنبـي في قصيدته عن يأسه وبرمه وخيباته.. وهو حاشد بها لأن طموحه كان أكبر من الفرص التي تتوافر لأهل المواهب.. "كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً وحسب المنايا أن يكن أمانيا".

كأن المتنبـي – مستشار العرب على ما نعته نـزار قباني- قد فرض نفسه معياراً فنياً لكل من يراوده الشعر فيعارضه بقصيدة تكتفي، لتحرز اعترافاً بها، بأن تعد في طول قصائد المتنبـي لا في عرضها.. وكثيرون من أهل الذوق لا يواتيهم الشعر كتابة، ويواتيهم ذوقاً وتذوقاً فيذهبون الى المتنبـي يحفظونه ويتلونه ويتمثلونه كما لو أن الواحد منهم شقيق أبـي الطيب أو حفيده أو خليفته أو وصيه على شعره (عصام العطار، الطيب الصالح، جان عبيد أمثلة).

غير ان رشيد درباس يعارض قصيدة المتنبـي، فالرجل، رشيد، طموح، ولكن بواقعية ومع قليل من الحساسية فإن لم يصل لم يفجع مثل كل العقلاء الذين لا يخفون مطامحهم ولا يهدمون الدنيا اذا لم يصلوا ! ومن هنا جاءت قصيدته المعارضة بالمعنى الفني لا السياسي والعياذ بالله (أباريق للياء) ممتلئة فرحاً وظرفاً. "كفى بك سحراً أن ترى الشعر سارياً وحسب الأغاني أن يكنّ غوانياً.. تلوذ بك الأوتار تذرف لحنها.. كما ذرفت عين السحاب المراعيا".

صفحة 6

من بعض أو من كثير من اللحظات الشعرية في هذا الديوان، بما فيها من لعب على الحقل الدلالي للمفردة العربية، ومن اختراع شعري للعلاقة بين المفردات، تحكم بأن رشيد درباس كان بإمكانه أن يقفل مكتب المحاماة وينصرف الى الشعر، وقد يجوع، وقد يعذب أسرته بإبداعه، ولكنها ترفع رأسها إذا ما سمعته يتلو قصائده، وتؤجل شكواها الى ليالي السمر ومناسبات الحاجة أو الضرورة المعيشية.. على أن كثيراً مما قاله رشيد في كثير من قصائده، يقول لك بأن رشيداً وصل الى عبقر، ولكنه آثر ان يطل عليها لا أن يقيم فيها، حتى لا تودي به الى سقر.. ولكن من قال ان نعمة الحياة من دون نقمة الفن يمكن أن لا تكون ثقيلة وباهظة !.. ولدي ألف دليل على أن رشيداً لم يحرم من نعمة الشعر التي تلتبس بالنقمة، فيغدو الوجع وهجاً. ومن شواهدي على ما أقول، وعلى ذمتي:

"هما مقلتاك.. مساحة شوق العُباب لنجم مُعَلَقْ، وقوله: "هل الحبر وهم، هل الحبر زئبقْ" من قصيدة الأزرق.

وهذا السؤال الفلسفي المفتوح على الأكوان والأفلاك "أفي الوقت متسع للأوان"

"أَحَّبة رمل تكدر صفو السماء وتعبث في مفردات الهواء" من قصيدة (الدوران)

أما قصيدته (السقيفة).. فلا اعتراض لي على الخلفيات والهموم (السلمية والروحية) الكامنة وراءها.. ولكني قرأتها للأمانة فقط.. مصراً على استبعاد التفاصيل في تجلياتها التاريخية الجارحة.. مستبقياً من القصيدة سؤالها "أيظل تاريخ العشيرة صفحة لا تُقلب؟" وأعاذنا الله من فكر يستقبل الماضي ليستدبر المستقبل.

وفي قصيدته (النورس والشباك) يعيدني الى غيرتي أو حسدي لأهل المدن الساحلية على معاشرتهم للبحر، يتعلمون منه السعة والغنى وجدل السطوح والأعماق، والهدوء الذي يشبه الرتابة ويبرّد الأعصاب واللغة اليومية في الصيف.. والهياج المزبد إيذاناً بالمطر والخصب. وما من شتاء يمر علي إلا وأتمنى أن أقضي ليلة واحدة عاصفة، في حوار مع الزبد ورذاذ الماء المالح يطرق شباكي أو سريري أو قلمي أو دفتري أو شوقي إلى السفر. والنوارس تحط على أرنبة أنفي وتأخذني الى الأفق الذي وراءه أفق وراءه افق، وأغني مع رشيد "النورس رفّة وصل بين السطح وبين القاع"، "أهدى لي البحر جزائره لأعلقها فوق الأجفان"، "أبيات الملح تشق عَروض البحر، وترسو في ميناء الحبر".

وتتكرر من رشيد هذه الملابسة أو الشبهة بين البحر والحبر، وعليه فليس صدفة أن يسمى صاحب "العين" خليلنا مقامات الشعر بحوراً.. تزدان، إن شاء الشعر، بالزحافات والعلل، كما يزدان الوجه الجميل بالحمى أو الخال أو الجرح.. وتصل مع رشيد الى أم كلثوم.. وأنا أحتفظ هنا بسرّي لنفسي، وأقول لأهل العلن في الاستمتاع بالفن، بأن من يضطر الى السر يذوق في الحلاوة حلاوة أخرى، ليست هي حلاوة المعصية، بل هي حلاوة الطاعة الممنوعة، حلاوة الفطرة التي يحرسها القانون بالحرية ولا يستطيع أن يقمعها.. وماذا يأخذ رشيد من (الست). يأخذ قصيدة المشهد ذات البناء الدرامي، أو السامفوني (شمس الأصيل) التي ذهّبت خوص النخيل.. يقول رشيد: "يستعير اللون من قيلولة الشمس الأصيلا.. ناثراً للماء تبراً، كان من قبلُ نخيلاً".

"ثمل اللحن وصار الناي للريح خليلاً.. وتثنى النهر وانساب قواما سلسبيلاً"

صفحة 7

أما أن يتأبى المستمتع بالفن على الوصول، فهذا يعني أنه قد وصل، والوصول لا يعني وعي الوصول، بل الوصول يعني الامتلاء بالأصول "متعة التحليق حين الريش لا يبغي وصولاً".. وما أجمل الاستحالات !!!

سوف أضع حداً لاندفاعاتي مع رشيد درباس حذراً من أن تكون كتابتي التفصيلية مؤشراً سلبياً على قدرة ورغبة القارئ بالاستمتاع بهذا الديوان، الذي قد يكون آخر الدواوين، إذا ما قدّر الله أن يفجعنا بتولي رشيد درباس حقيبة وزارية فيريح بذلك المواطنين.. ويخسر قراء الشعر.. هنا فقط نضحي بمتعتنا من أجل مواطنتنا..

وننتظر رشيد درباس عائداً الى بيته في عمارة الشعر.. ولو بعد حين، لأنه لا يستطيع أن يتوب عن هذا الخطأ الجذاب وهذا الذنب المغفور.. أو هذا الذنب المندوب.

"فما الشعر الا ارتكاب الخطيئة، من غير إثم.. وما الخمر إلا دموع الزمان بمقلة كرم، وما العمر إلا حُباب السلافِ بإقداحِ وهمِ.

رشيد درباس.. أذكرني في صحوك، ولا تنسني في سكرك.. وأعدك أن لا أقع في إثم ولا أحسد الناس على بعض آثامهم.

أغبطك على مكانتك في قلوب محبيك.. مكانة ترقى بك الى أقصى الشعر وأعلاه وأحلاه.. حتى لو لم تكتب الشعر.. فكيف وأنت تكتبه فيكتبك.

هذه قراءتي لقصائد معالي الشاعر رشيد درباس المضمخة بعطر الياسمين الهارب من جنائن قيمرية وباب توما في دمشق، حمزة الخطيب، ومن قرطاج وحلق الواد في تونس البوعزيزي.

لقد تخطيت شعوري بالندم، لأني وافقت على كتابة هذه المقدمة لديوان المحامي في الاستئناف منذ عقود، نقيب المحامين في الشمال اللبناني، الذي لا يختلف كثيراً عن الجنوب.. والذي تعرفت إليه ناثراً متواضعاً في نصوص متعالية، مركبة من املاء بالموروث العربـي، الأدبـي والفكري والروحي واللغوي، ومن تقنيات حداثة في التعبير، ومن وجدان يذكرك بما كنت تود أن تبلغه من شفافية، لولا ارتكابك للسياسة، والتباس الديني والوطني بالحزب أو الطائفة.. على أنك بادرت قبل فوات الأوان الى استحضار ما يجمع وهجران ما يمنع.. كأنك تريد أن تبلغ حالة الصفاء التي ينعم بها رشيد درباس، الذي أدعو له بعد كل صلاة، إذا ما قدر الله وتم اختياره لمنصب وزاري، لولا حاجة الوطن والمواطن اليه، لكان خسارة. وأنا اقبل وعد رشيد درباس بأن يبقى رشيد درباس.

وعوداً على بدء.. أؤكد شعوري بالندم، على الوقوع السهل والسريع في إغراء رشيد درباس بالكتابة عن ديوانه، رغم تحذيرات استاذنا في علم الذاكرة والمودة، توفيق سلطان.. وأعتقد أنه ندم لا مبرر له.. لأنه لم يكن بإمكاني أن ارد طلب رشيد درباس، رغم تقديري لصعوبة الكتابة، في هذه الأيام التي ننام فيها على احتمال انفجار ونصحو على مثله.. ذلك أن لرشيد درباس على أصدقائه وأحبائه وزملائه، سلطة لم يمنحه إياها أحد، بل هو الذي منحها لنفسه، كأنه يغتصبها، فلا يلبث المُغتَصب أن يعمد الى محبة الغاصب.. ومن كان منا على هذه اللياقة من التسلط على قلوب الناس، يستحق التهنئة والغبطة والغيرة والحسد..

حسناً، ألا يكفي رشيد درباس أن تكون له هذه الحظوة ؟ من دون ضرورة لأن يكتب نثراً جميلاً أو شعراً أجمل. مكتفياً بضحكته العريضة والسخية، كدمعته أمام أي مشهد جارح.. كدمعه الذي يملأ ديوانه، حيث تلتبس الدمعة بالحبر وماء النهر والبحر وماء الوجه.

سلاماً.. يا صديقي.. سلاماً لطرابلس التي تفوح من أهابك ومن دواتك في زمن الفحيح، وتتألق في ديوانك في زمن التملق.. كما تألقت في ماضينا.. وكما هي باقية في غدنا وحلمنا الوطني والعربـي والإنساني والحضاري.. شاء من شاء وأبى من أبى.

صفحة 8

وثيقة ولادة

من حقِّ هذه القصائدِ أن يُضْبَطُ قيدُ نفوسها. فإنَّها، ولئن كان ميلادُها على سرير من زرقتين، ليست بأيّ حالٍ خالصةَ النسبِ للموجِ والغمام. إذْ رُبَّ وسادةٍ أحصت لها أنفاسَها الأولى، وغطاءٍ ردَّ عنها زبداً ذاهباً جُفاءً، وحِضْنٍ أسْلَسَتْ له طفولةَ رملِها؛ حتى لباتت في سجلِّ أحوالِها الشَّخصيَّةِ بناتٍ كريماتٍ لمن أصبحا كلاهما جسداً واحداً: معاناة النقيب... ورقابة المنتدى.

كان علينا أن نتملأَ هذه التجربة. يأتي واحدُنا بقصيدةٍ يقرأُها ثمَّ يُنْصِتُ الى نقدِها لغةً وعروضاً وتراكيب. ثم يعيدُها الى دواته، فينقّيها بنار الوجدان.. وبنورِ ما سمع. ثمَّ يعودُ بها ثانيةً أو ثالثةً أو أكثر، حتى تنهضَ على شطريها، أو على تفاعيلِها، شعراً سوياً. ساعتذاك فقط، تُزَفُّ بشائرُ الولادة.

وللناظرِ في شعرِ النقيب، أن يتحيَّنَ المكانَ في كلّ لفظ. فالشِّعرُ عندهُ ما رأتِ العينُ ووقرَ في القلبِ وبثّه الخيالَ. طريقٌ ذاتُ مسربينِ متقابلين. ولهذا قلَّ أن يبرأ شعرهُ من نعمةِ الأرضِ بأقانيمها الثلاثة: الطبيعة والتاريخ والإنسانَ. فأما رؤيةُ العينِ فهيِّنةٌ؛ وأما بثّ الخيالٍ، فصَنْعةُ الشاعرِ الذي يعرف كيفَ يخيطُ الصُّوَرَ، ويفتقُ العُرا ويزرِّرُها بالرموز، ثمَّ يرسلها على ذبذباتِ الحبرٍ شريطاً من رؤى جديدة.

وعلى سيرة الجديد، يثبت الشاعر أن الحداثة، تتجاوز شكل القصيدة ومواضيعها. لا فرقَ في ذلك بين العمود والتفعيلةِ والنثيرة. حيثُ المعاناةُ العميقةُ، والصورةُ غيرُ المستهلكة، والدَّهشةُ الآسرةُ، فثمَّةَ يكمنُ الشِّعر.

وبعدُ، ويقولُ بدويُّ الجبل: ويؤذي البلاغةَ التطويلُ. إنّي لآملُ ان أكون قد بلَّغت.

رئيس منتدى طرابلس الشعري المحامي شوقي ساسين شاهد من أهله

صفحة 9

السقيفة

أَضْغاثُ أمْواجٍ تَهادى فَوْقَها الفُلْكُ العتيقْ

أقميصُ عثمانٍ شِراعٌ يمخُرُ الأحزانَ في لُجَجِ الصُّدُورْ؟

أَدمُ الحُسَيْنِ يَجُوبُ أَرْوِقَةَ العُصورْ؟

خَلَعَ الـمُسافرُ.. عَنْ حذاءَيْهِ الطَّريقْ

نـزعَ السَّماءَ مِنَ المآقي.. واقْتَفَى النَّظَرَ الغريقْ

لِيرَى "قصياًّ" نَازِفاً أَنْجَاَلَهُ.. بَيْنَ الـمُهاجِرِ والطَّليقْ

أَيَظَلُّ تاريخُ العَشيرةِ صَفْحَةً لا تُقْلَبُ

بِكَتَابَةٍ لا تَشْحُبُ؟!

هَلْ تُنْتِجُ الأَفْخَاذُ أَفْكَاراً.. وتَنْتَعِلُ الكَلامْ؟

رَأْسٌ كَمَا العَبْدُ الرقيقْ

بَاعَ الشُّعَاعَ.. لِحلْكَةِ النَّوْمِ البليدْ

حِقَبٌ من الثَّمَرِ القَديدْ

والفَجْرُ في ليلٍ عميقْ

يَنْدَى جبينُ العَصْرِ.. عَنْ مَجْدٍ نُمَزِّقُهْ انْتِسَابا..

تَتَدَافَعُ الأَفْخَاذُ تَحْتَ سَقَيفةٍ، "سترَ الغبارُ عُيُونَها"

مَنْ لي بِشَمْسٍ تَنْفُضُ التاريخَ عن أَصْلِ البريقْ؟

يَجْتاحُني قَلَقٌ.. إِذا اسْتَرْخَى بِأَوتاري القَلَقْ

صفحة 10

رُحْمَاك يا ربَّ الفَلَقْ

هَلَكَتْ قُرونٌ وَهْي في رَحِمِ الشُّرُوقْ

"مِنْكمْ أميرْ

مِنّا أميرْ"

يا وَيْحَ سَعْدٍ وَالنَّصيرْ،

الجِنُّ أَرْدَتْهُ بِسَهْمٍ غَادِرٍ أَصْمَى فُؤادَهْ

القَتْلُ عِنْدَ الجِنِّ.. مِنْ سَنَنِ العِبَادَهْ

يا خَزْرَجَياً سَيِّداً.. يا أيُّهَا البَدْريُّ، إنَّا نَقْطُنُ الشَّيْطَانَ،

نَأمرُهُ بِإِضْرامِ السَّعيرْ

ونقولُ شِعْراً ثم نَنْسِبُهُ إِليهِ تَطَهُّراً من لَوْثَةِ الإثْمِ الخَطيرْ

لَقَدِ اسْتُرِقَّ الضَّوءُ في زَمَنٍ ضَريرْ

يَنْتابُني حُزنٌ تجفَّفَ.. لا دموعَ.. ولا نَدَمْ

الدَّاءُ يَنْتَهِشُ الفؤادَ.. بلا ألَمْ

هل بُحَّتِ "النُّذُرُ الصوادقُ"..

أمْ هُوَ القَلْبُ الذي انْتَبَذَ الصَّمَمْ؟

نورٌ تَيَمَّمَ بالرِّمالِ وبالهواءْ

دَرْبُ التُّرابِ، سَحَابةٌ تُفْضي إِلى الدَّرْب الفَضَاءْ

والعَيْشُ إِذ يَمْشي عَلَى كَلَأٍ ومَاءْ

فِلأَنّهُ يَتَنَشّقُ الأحْلامَ مِنْ رِئَةِ الضِّيَاءْ

يا ذا الـمُسَافرُ في الـمُنى... زَلِقَتْ رُؤَى الآباءِ عن سَفْحِ الرجاءْ

لِكِنَّنَا أَضْيافُ سَطْحِ الأَرْضِ، قَبْلَ وليمةٍ في جَوْفِها.. أَوْ في السَّمَاءْ

ومَذَاقُ هذا الرَّمْلِ مَجْبُولٌ بِخَطْوِ الأنبياءْ

أَوَهَلْ نَعيشُ لِخِدْمَةِ الوَرَقِ الـمُضَرَّجِ بِالبُكَاءْ

نَسْتَكْتِبُ الـمَوْتَى... ونَسْتَفْتي الدِّمَاءْ؟

دَعْهمْ، ودَعْ لَهُمُ القبورَ.. وحُرْمةَ الذِّكْرى وَأسْرارَ القِيَامَةِ والفَنَاءْ

ولْنَقْتَسِمْ إلْفَ الهواءْ.