صفحة 1
مقدمة
بين عمران المدينة وبنيان الكتابة
محمد دكروب
عندما تقرأ مقالات المعمار رهيف فياض، في كتابه هذا، وفي كتبه التي أصدرها قبله، يجابهك السؤال نفسه، ولو بأشكال متعدّدة، حسب كل مقالة وحسب موضوعها: هل أقرأ أدباً إبداعياً أم أقرأ كتابة متقنة في أمور العمارة والعمران وكيفيّات تنظيم المدن والضواحي والبلدات والقرى؟
فالهاجس المعماري، البنائي، موجود دائماً في نسيج بنيان المقالة نفسها: تَتَابُع الصور، وجماليات اللغة، والتركيب البنائي للمقال: (من مدخلٍ، إلى طرائق طرح الإشكالات، إلى الاقتراح، فالوصول إلى الأفق الرحب، أو: ربط حلّ الإشكال العمراني بتحوّلات القضية الاجتماعية أو تعقيداتها).. أستطيع القول: إن بنيان المقالة هنا أقرب إلى بنيان القصة القصيرة في النتاج الأدبي. بل إن بعض المقالات ــــــ (كما في المقالات التي تروي مراحل تحوّلات بيروت: من تناسق العمران إلى التشوّهات التي طرأت وتطرأ على هذا العمران) ــــــ أقرب إلى الكتابة الروائية، حيث تتحوّل العمارة، والساحة، والمجال، والشارع، والطرقات الفرعية، والحدائق في وجودها أو اضمحلالها... هذه البناءات كلها تتبدّى في كتابة المعماري رهيف فياض كأنها شخصيّات روائية لها حياتها وأدوارها وصراعاتها وصولاً إلى ما أطلق عليه فياض صفة العمارة المقاومة أو المنهج المقاوم في العمران.
وعبر حديثه، التصويري التحليلي، عن العمارة والعمران، يدخل بك رهيف فياض إلى مسارات الصراعات الاجتماعية المتشابكة عضوياً بالواقع الاجتماعي والمواقف، والتي تجد تعبيراتها في أنماط العمارة وأنواعها، سواء تلك الأنماط المجلوبة القامعة التي يزرعونها في غير مكانها، أم تلك الأنواع من العمارة المتجذّرة في الأرض والمسارات التاريخية للعمران، المتآخية مع المحيط والمتآلفة مع الطبيعة والاجتماع ومتطلّبات البشر والذوق الجمالي.
وأستطيع القول، أيضاً، إن الكتاب كله يتخذ لنفسه هذا البنيان الأدبي الفنيّ: من مدخلٍ يضعك في مواجهة الإشكاليات، إلى احتدام الإشكاليات العمرانية والهندسية التي هي، في واقعها، تعبيرات عن صراعات ومواقع اجتماعية، إلى صياغات للرؤى العامة للكاتب/المعمار التي تنفتح على خلاصات لموضوعات أثارها وطرحها الكاتب عبر فصول هذا الكتاب الغني والجميل والمشوّق أيضاً كما أحبّ أن أقول.
***
يدخل بنا الكاتب إلى موضوعات كتابه هذا عبر الدخول إلى "السراي الحكومي الكبير" أيام وجود رفيق الحريري فيه رئيساً للوزراء.
وإذ نصعد مع الكاتب الدرج العريض إلى البناء الكبير، القامع، في أعلى تلك التلّة المشرفة على بيروت، نرى، عبر عين الكاتب ــــــ اللاقطة ككاميرا سينمائية ذكية ــــــ الحواجز المنصوبة من مثلّثات حديدية إلى جنازير تسدّ معظم الطرقات التي تفضي إلى هذا البناء الكبير، ثم إلى نقاط التفتيش "الدقيق، العصري، الآلي، الفعّال واللائق" ــــــ حسب تعبير الكاتب ــــــ وهنا، يذكر الكاتب، كما أتذكّر أنا معه: إن السراي الكبير هذا لم يكن ــــــ قبل الحرب الأهلية المجيدة! ــــــ محاطاً بالحواجز والسدود، بل كانت أبوابه مفتوحة طوال النهار للناس يدخلون إليه، ويسعون عبر دوائره لتخليص معاملات لهم، وكذلك للناس الذين يتفرّجون، وأيضاً للمتظاهرين الرافعين مطالب لهم الهاتفين لتحقيق هذه المطالب والهازجين لها بالصوت العالي.
اجتاز الكاتب/المعمار حاجز التفتيش ودخل إلى السراي الكبير الواسع جداً وشبه الفارغ، لمناقشة الموضوع الذي جاء للاشتراك بمناقشته.. الموضوع هو: "الاحتفال بإطلاق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية".
كلام رسمي كثير، منمّق جداً. كلام رسمي يربط بإحكام بين بنود الخطة الشاملة وتطبيقها، وما يسميه هذا الكلام الرسمي ويشدد عليه بــــــ"الحسّ الوطني".. بهذا الطرح الفضفاض، الذي يربط تنفيذ الخطة بتزايد "الحس الوطني"، تريد الخطة، حسب الكلام الرسمي: "أن تنقذ الشواطئ، وأن توقف التدهور فيها، وأن تصون الآثار، وأن تحمي التراث"...
ولكن الكاتب/المعمار يؤْثر أن يتجه نحو التحديد الواقعي للأمور والكلمات: فهل هذا "الحس الوطني" هو مفهوم عام واحد، وبالتساوي، بالنسبة لجميع المواطنين؟.. وعند اللبنانيين جميعاً دون تمييز؟.. فإذا تفحّصتَ الأمور كما يقضي علم الاجتماع وعلم الواقع والوقائع، تصطدم بالفوارق الكبيرة والهائلة في حقيقة مفاعيل هذا "الحس الوطني"، هكذا، ودون تمييز "بين مالك كبير ومّن لا يملك شيئاً، بين مستثمرٍ جشع، ومن لا يستطيع أن يؤمّن قوت عياله، بين معتدٍ على الشاطئ وعلى مياه البحر، ومن لا يستطيع أن يصل إليهما، بين مسؤول متسلّط فاسد، وبين محكومين يدفعون الثمن ضرائب، وفقراً، وبطالة، وهجرة..".
ويظهر هذا التفارق واضحاً وصادماً، بين متخالفين، تجاه مشروع الخطة.. ففي حين تتجه إدارة مشروع الخطة إلى نوعٍ من انتقاد "ردم البحر (الإعماري)، في المطار، وفي سوليدير، وفي ضبيّة، الذي دمّر البيئة البحرية في مواقع مميّزة، وعطّل وحدة الشاطئ الطبيعية، وأفقده تواصله واستمراريّته. بالإضافة إلى نقل العديد من الهكتارات المربّعة من الأراضي الجبلية لردم البحر، مع ما سبّبه ذلك من تدمير إحدى ميزات لبنان الأساسية في محيطه وهي: جباله، وصخوره، وغاباته، والغطاء الأخضر الذي يكسوه"..
وفي حين تشدّد الخطة، بكلام إدارة المشروع، على "ضرورة الحفاظ على مناطق الثروة الزراعية الوطنية ووقف التعدّيات على الشاطئ، وحماية المواقع الطبيعية فيه، وضرورة حماية الملّاحات، وحرفة صيد السمك، ومرافئ الصيد الطبيعية الصغيرة"...
إذن، في حين تشير الخطة إلى هذا كله وإلى نواقص عديدة أخرى... يأتي الكلام الرسمي ــــــ عبر كلام رئيس الوزراء هذه المرة ــــــ بمفهومٍ آخر، نقيض، يُراد به طمأنة اللبنانيين بأن كل شيء حسن و"كل شي ماشي"... ويتضمّن كلامه معارضة لما قاله مدير المشروع، ويوضح موقفه بالقول: "إن من يستمع إلى العرض الذي قدّمه مدير المشروع، يخرج بانطباع، وكأن لبنان فارغ من كل شيء، والحقيقة ــــــ يقول رئيس الوزراء ــــــ إن لبنان بلد مليء بكل شيء. فعندنا الكثير من الأمور الموجودة، وهي بحاجة إلى تنظيمها أو توضيحها، وعندنا القليل من الأمور الناقصة، وهي بحاجة إلى عمل لاستكمالها...".
كل شيء إذن موجود، حسب قول رئيس الوزراء، ونحن ــــــ كما يؤكد ــــــ لسنا في فوضى عارمة... وكل ما هو موجود هو جيّد ينبغي استكماله، والخطة الشاملة لترتيب الأراضي عليها ــــــ فقط ــــــ أن تُكمل الموجود!!... إذن: لا مجال للنقد، للملاحظة، للتعديل، أو لإعادة التقويم، لا مجال لأي تصحيح!
... هكذا يجابه رئيس الوزراء الخطة المقترحة لترتيب الأراضي اللبنانية!
بين عمران المدينة وبنيان الكتابة
محمد دكروب
عندما تقرأ مقالات المعمار رهيف فياض، في كتابه هذا، وفي كتبه التي أصدرها قبله، يجابهك السؤال نفسه، ولو بأشكال متعدّدة، حسب كل مقالة وحسب موضوعها: هل أقرأ أدباً إبداعياً أم أقرأ كتابة متقنة في أمور العمارة والعمران وكيفيّات تنظيم المدن والضواحي والبلدات والقرى؟
فالهاجس المعماري، البنائي، موجود دائماً في نسيج بنيان المقالة نفسها: تَتَابُع الصور، وجماليات اللغة، والتركيب البنائي للمقال: (من مدخلٍ، إلى طرائق طرح الإشكالات، إلى الاقتراح، فالوصول إلى الأفق الرحب، أو: ربط حلّ الإشكال العمراني بتحوّلات القضية الاجتماعية أو تعقيداتها).. أستطيع القول: إن بنيان المقالة هنا أقرب إلى بنيان القصة القصيرة في النتاج الأدبي. بل إن بعض المقالات ــــــ (كما في المقالات التي تروي مراحل تحوّلات بيروت: من تناسق العمران إلى التشوّهات التي طرأت وتطرأ على هذا العمران) ــــــ أقرب إلى الكتابة الروائية، حيث تتحوّل العمارة، والساحة، والمجال، والشارع، والطرقات الفرعية، والحدائق في وجودها أو اضمحلالها... هذه البناءات كلها تتبدّى في كتابة المعماري رهيف فياض كأنها شخصيّات روائية لها حياتها وأدوارها وصراعاتها وصولاً إلى ما أطلق عليه فياض صفة العمارة المقاومة أو المنهج المقاوم في العمران.
وعبر حديثه، التصويري التحليلي، عن العمارة والعمران، يدخل بك رهيف فياض إلى مسارات الصراعات الاجتماعية المتشابكة عضوياً بالواقع الاجتماعي والمواقف، والتي تجد تعبيراتها في أنماط العمارة وأنواعها، سواء تلك الأنماط المجلوبة القامعة التي يزرعونها في غير مكانها، أم تلك الأنواع من العمارة المتجذّرة في الأرض والمسارات التاريخية للعمران، المتآخية مع المحيط والمتآلفة مع الطبيعة والاجتماع ومتطلّبات البشر والذوق الجمالي.
وأستطيع القول، أيضاً، إن الكتاب كله يتخذ لنفسه هذا البنيان الأدبي الفنيّ: من مدخلٍ يضعك في مواجهة الإشكاليات، إلى احتدام الإشكاليات العمرانية والهندسية التي هي، في واقعها، تعبيرات عن صراعات ومواقع اجتماعية، إلى صياغات للرؤى العامة للكاتب/المعمار التي تنفتح على خلاصات لموضوعات أثارها وطرحها الكاتب عبر فصول هذا الكتاب الغني والجميل والمشوّق أيضاً كما أحبّ أن أقول.
***
يدخل بنا الكاتب إلى موضوعات كتابه هذا عبر الدخول إلى "السراي الحكومي الكبير" أيام وجود رفيق الحريري فيه رئيساً للوزراء.
وإذ نصعد مع الكاتب الدرج العريض إلى البناء الكبير، القامع، في أعلى تلك التلّة المشرفة على بيروت، نرى، عبر عين الكاتب ــــــ اللاقطة ككاميرا سينمائية ذكية ــــــ الحواجز المنصوبة من مثلّثات حديدية إلى جنازير تسدّ معظم الطرقات التي تفضي إلى هذا البناء الكبير، ثم إلى نقاط التفتيش "الدقيق، العصري، الآلي، الفعّال واللائق" ــــــ حسب تعبير الكاتب ــــــ وهنا، يذكر الكاتب، كما أتذكّر أنا معه: إن السراي الكبير هذا لم يكن ــــــ قبل الحرب الأهلية المجيدة! ــــــ محاطاً بالحواجز والسدود، بل كانت أبوابه مفتوحة طوال النهار للناس يدخلون إليه، ويسعون عبر دوائره لتخليص معاملات لهم، وكذلك للناس الذين يتفرّجون، وأيضاً للمتظاهرين الرافعين مطالب لهم الهاتفين لتحقيق هذه المطالب والهازجين لها بالصوت العالي.
اجتاز الكاتب/المعمار حاجز التفتيش ودخل إلى السراي الكبير الواسع جداً وشبه الفارغ، لمناقشة الموضوع الذي جاء للاشتراك بمناقشته.. الموضوع هو: "الاحتفال بإطلاق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية".
كلام رسمي كثير، منمّق جداً. كلام رسمي يربط بإحكام بين بنود الخطة الشاملة وتطبيقها، وما يسميه هذا الكلام الرسمي ويشدد عليه بــــــ"الحسّ الوطني".. بهذا الطرح الفضفاض، الذي يربط تنفيذ الخطة بتزايد "الحس الوطني"، تريد الخطة، حسب الكلام الرسمي: "أن تنقذ الشواطئ، وأن توقف التدهور فيها، وأن تصون الآثار، وأن تحمي التراث"...
ولكن الكاتب/المعمار يؤْثر أن يتجه نحو التحديد الواقعي للأمور والكلمات: فهل هذا "الحس الوطني" هو مفهوم عام واحد، وبالتساوي، بالنسبة لجميع المواطنين؟.. وعند اللبنانيين جميعاً دون تمييز؟.. فإذا تفحّصتَ الأمور كما يقضي علم الاجتماع وعلم الواقع والوقائع، تصطدم بالفوارق الكبيرة والهائلة في حقيقة مفاعيل هذا "الحس الوطني"، هكذا، ودون تمييز "بين مالك كبير ومّن لا يملك شيئاً، بين مستثمرٍ جشع، ومن لا يستطيع أن يؤمّن قوت عياله، بين معتدٍ على الشاطئ وعلى مياه البحر، ومن لا يستطيع أن يصل إليهما، بين مسؤول متسلّط فاسد، وبين محكومين يدفعون الثمن ضرائب، وفقراً، وبطالة، وهجرة..".
ويظهر هذا التفارق واضحاً وصادماً، بين متخالفين، تجاه مشروع الخطة.. ففي حين تتجه إدارة مشروع الخطة إلى نوعٍ من انتقاد "ردم البحر (الإعماري)، في المطار، وفي سوليدير، وفي ضبيّة، الذي دمّر البيئة البحرية في مواقع مميّزة، وعطّل وحدة الشاطئ الطبيعية، وأفقده تواصله واستمراريّته. بالإضافة إلى نقل العديد من الهكتارات المربّعة من الأراضي الجبلية لردم البحر، مع ما سبّبه ذلك من تدمير إحدى ميزات لبنان الأساسية في محيطه وهي: جباله، وصخوره، وغاباته، والغطاء الأخضر الذي يكسوه"..
وفي حين تشدّد الخطة، بكلام إدارة المشروع، على "ضرورة الحفاظ على مناطق الثروة الزراعية الوطنية ووقف التعدّيات على الشاطئ، وحماية المواقع الطبيعية فيه، وضرورة حماية الملّاحات، وحرفة صيد السمك، ومرافئ الصيد الطبيعية الصغيرة"...
إذن، في حين تشير الخطة إلى هذا كله وإلى نواقص عديدة أخرى... يأتي الكلام الرسمي ــــــ عبر كلام رئيس الوزراء هذه المرة ــــــ بمفهومٍ آخر، نقيض، يُراد به طمأنة اللبنانيين بأن كل شيء حسن و"كل شي ماشي"... ويتضمّن كلامه معارضة لما قاله مدير المشروع، ويوضح موقفه بالقول: "إن من يستمع إلى العرض الذي قدّمه مدير المشروع، يخرج بانطباع، وكأن لبنان فارغ من كل شيء، والحقيقة ــــــ يقول رئيس الوزراء ــــــ إن لبنان بلد مليء بكل شيء. فعندنا الكثير من الأمور الموجودة، وهي بحاجة إلى تنظيمها أو توضيحها، وعندنا القليل من الأمور الناقصة، وهي بحاجة إلى عمل لاستكمالها...".
كل شيء إذن موجود، حسب قول رئيس الوزراء، ونحن ــــــ كما يؤكد ــــــ لسنا في فوضى عارمة... وكل ما هو موجود هو جيّد ينبغي استكماله، والخطة الشاملة لترتيب الأراضي عليها ــــــ فقط ــــــ أن تُكمل الموجود!!... إذن: لا مجال للنقد، للملاحظة، للتعديل، أو لإعادة التقويم، لا مجال لأي تصحيح!
... هكذا يجابه رئيس الوزراء الخطة المقترحة لترتيب الأراضي اللبنانية!
صفحة 2
وينهي الكاتب مقالته الأولى هذه بسؤال إشكالي تراجيدي يتجلّى فيه الموقف الطبقي للجانبين: "هل علينا أن نرى في قول رئيس الوزراء دعوة صريحة لمحاصرة الخطة؟.. ولإفراغها من مضمونها؟.. ولتجريدها من كل ما هو إيجابي فيها؟.. وما العمل؟".
لم أقصد بهذا الشكل من تلخيص المقالة الأولى للكاتب أن أعرض فقط هذين المفهومين المختلفين للخطة الإصلاحية الواحدة (أي: ترتيب الأراضي اللبنانية) بل قصدت ــــــ أيضاً وبالأخص ــــــ إلى تبيان ذلك البناء الفنّي للكتابة، الذي أوصل إلى هذه "الخاتمة" التي تُضمر المعنى العميق للقول، وتنفتح على إشكالات تنفتح بدورها على إشكالات جديدة متجدّدة.
فلنترك مسارات عمران المدينة، و"استكمال" هكذا عمران، لأهواء المتموّلين وشراسة البنيان المعولم "الجديد" الذي يحجب الناس عن الناس، ويحجب ناس المدينة عن الطبيعة، ويحجب المدينة (بيروت) عن بحرها؟..
ولكن "المدينة المطلّة على البحر تُنظّم ــــــ عادة ــــــ وكأنها مدرّج لمسرح روماني، تتوجّه كل مقاعده، وليس مقدمته فقط، نحو المشهد الذي أمامه وهو البحر"... فما الذي حدث ويحدث بفعل استئثار الرأسمال وأصحابه بما هو حق طبيعي لناس المدينة؟.. فقد توجّه المتموّلون "إلى بناء الأبراج على أطراف مياه البحر المردومة في قلب المدينة، حيث سيملكون البحر ويحجبونه بكبرياء عن الآخرين، حتى الساكنين في مرتفعات المدينة، فيحجب البحر عنهم برج يقوم على رصيف عين المريْسة بموازاة البحر".. والأبراج سوف يتتابع بنيانها على الشاطئ بحيث لا تكتفي هذه الأبراج بحجب البحر عن سكان ما خلف هذه الأبراج، بل ستتولّى المسابح المترفة حرمان السكان العاديين من الاستمتاع بالبحر أصلاً والسباحة فيه!!
يقدم لنا الكاتب ــــــ كما عبر كاميرا سينمائية ذكية ــــــ صوراً حيّة لمدينة بيروت من الجو ومن جوانبها وعبر حاراتها، ولكن ليس فقط كما هي الآن، بل عبر تحوّلاتها التاريخية وترابط البنيان بالتحوّلات الاجتماعية وحالات السكان فيتجلى، بهذا، المعنى الواسع لكلمة "العمران" التي لا تعني العمارة فقط بل هي تعني ــــــ حسب ابن خلدون ــــــ عمران المجتمع بناسه وبنيانه وحركته وتناميه... وهنا يبذل الكاتب جهداً معرفياً دقيقاً حيث يصوغ تعريفات بما تعنيه أو تدلّ عليه كلمات، مثل: العِمارة ــــــ عَمَرَ المكان ــــــ عَمُرَ المكان ــــــ معْمور الخ.. ثم العمارة بما هي ثلاثية القيم: وظيفية، جمالية، رمزية..
ولكن ما يُبنى أو يُرمّم في وسط المدينة الذي تملكته شركة عقارية واحدة قامت على أنقاض حقوق الناس، والمالكين الأصليين لذلك النسيج الذي كان يشكّل عمراناً حقيقياً لوسط المدينة... أما هذا الذي يُعاد بناؤه أو يُرمّم فليس عمراناً، لا بالمعنى الخلدوني ولا بالمعنى الاجتماعي والحقوقي للعمران!
ذلك أن بيروت الآن ــــــ كما نراها عبر عين الكاتب ــــــ صارت "بلا حيّزٍ عام ملائم، بيروت بلا مركزٍ وبلا قلب، بيروت هذه هي مجموعة أحياء... خسرت بيروت ــــــ بما سُمّي إعمارها ــــــ حيّزها العام، عندما تملّكت شركة عقارية واحدة النواة التاريخيّة للمدينة، فألغت الشركة ساحة البرج (ساحة الشهداء)، الساحة التي رافقت المدينة في تحوّلاتها فتحوّلت معها الساحة إلى مكان اللقاء الوحيد لناس المدينة(...) فخسرت المدينة، بهذا التملّك، قلبها، والحيّز العام فيها ومعظم المعالم الحاملة لذاكرتها الجماعية، فبدت وكأنها فقدت كل العناصر التي توّحدها مدينيّاً"... رُمّمت مباني شارع المعرض بإتقانٍ واضخ، وبحرصٍ على التفاصيل، جعلتنا نخاف من لمسها مخافة أن نشوّههاّ.. رُمّمت بإتقان، فجاءت نظيفة لمّاعة، تندلق النظافة من شبابيك طوابقها العلويّة الفارغة ــــــ نظراً لما صارت عليه من ارتفاع فاحش في إيجارها للسكن ــــــ فكأنها رُمّمت لا لنسكنها، بل لإعطائها صفة مشهدية، متحفية، "فأفرغت نسيجها الاجتماعي بقوة السلطة وقوة المال. فالناس لا يسكنون المتاحف!" ليس من مقيمين اليوم في شارع المعرض ومعظم متفرّعاته، وكل الذين نراهم فيه هم عابرون!
انتُزع قلب بيروت من مالكيه ومن سكانه وشاغلي الدكاين.. والقلب لا يعمره العابرون، فصار قلب بيروت هذا بلا قلب!
***
على أن المعمار رهيف فياض يقدم لنا صورة أخرى، مختلفة، لإعادة الإعمار، حيث دمّر العدوان الإسرائيلي، بين تموز وآب من العام 2006، أبنية ومساحات واسعة من الضاحية الجنوبية.. وإذ طُرحت مسألة إعادة إعمار الضاحية سرعان ما برز مفهومان لإعادة الإعمار: واحد يهدف إلى إعادة إعمار الضاحية عبر إعادة تنظيم بنيان الضاحية كلها، وما يقتضيه هذا من تهديم جديد لكل ما لا يتوافق مع مخطّط إعادة التنظيم والبناء!.. ومفهوم آخر يرى إعادة إعمار وترميم ما هدّمته الحرب بالفعل... "فالتدمير، رغم قساوته ووحشيته، هو تدمير موضعي محدود".. فلا بدّ أن تكون إعادة الإعمار محدودة أيضاً وموضعية، وإعادة ما تهدّم بما يقارب الأشكال والمساحات التي كانت عليها، مع ما يقتضيه هذا من تحديث لواجهات الأبنية، وذلك بالتعاون الدائم والتشاور والتوافق مع المالكين الأصليين والساكنين وأصحاب الحقوق، بحيث يعود السكان إلى ما ألفوه من أبنية ودكاكين ومؤسسات وشوارع وطرقات فرعية، فيظلّ أكثر هؤلاء الناس حيث كانوا يسكنون... أي يعْمرون هم الأمكنة نفسها بما تقتضيه الحقيقة الاجتماعية للعمران... فلا يُقتلع الناس من أماكنهم ولا يبتعدون هم عن هذه الأماكن، بل يشاركون هم في تحديث وتحسين وتصويب ما يحتاج منها إلى ما هو ضروري لها في هذه المجالات.
ويرى الكاتب/المعمار في هذا التوجّه بأنه، في تفاعله المباشر مع الناس، يقدّم لهم، ولمعنى إعادة الإعمار: "شكلاً من أرقى أشكال الديمقراطية المباشرة، ورؤية متقدّمة لإعداد التصميم المعماري بمشاركة المنتفعين مباشرة"... وذلك بعد أن رأينا ذلك التفريغ "السوليديريّ" الاستئثاري لقلب بيروت من سكان قلب بيروت، وتحويل هذا "القلب" إلى فراغات نظيفة لمّاعة للعابرين، مُفْرَغة من الحركة المجتمعية ومن المعنى الحقيقي لمدينيّة قلب المدينة!
***
ولعل ما يميّز هذا الكتاب هو تلك المقالات الطالعة من قلب التجربة العملية للمعمار فياض، سواء بمشاركته الأساسية في مشروع إعادة إعمار ما هدّمته حرب إسرائيل على الضاحية الجنوبية لبيروت، والشروع العملي في تحقيق هذا المشروع.. ثم الإسهام الأساسي في عدد من المؤتمرات التي نظّمتها "هيئة المعماريين العرب"، ومنها، بشكلٍ خاص، المؤتمر الذي يكتسب أهمية استثنائية كونه عُقد في مدينة حلب تحت عنوان "حلب بين التراث والمعاصرة"... ففي مدينة حلب بالذات مِثَال عمراني لافت، لذلك التدامج والتآخي والتفاعل الخلاق بين ما يعْمر مدينة حلب من أبنية تراثية وطرائق تنظيم "المدينة العربية الإسلامية"، وحركة عمران جديدة لا تبتعد عن التراث المعماري العربي، ولا تتجمّد فيه.. بل تضيف إلى القيم العمرانية العربية التراثية قيماً وأشكالاً حداثية معاصرة تستفيد من جماليات البنيان التراثي ووظائفه وتآخيه مع حقائق الطبيعة، وطبائع الناس، وخصائصهم الاجتماعية التي تكوّنت، وتتقدّم، وتجدّد نفسها بين عهود من التاريخ وأخرى منبثقة عنها طالعة منها متجاوزة لها ومطوّرة لوظائفها وجماليّاتها، فلا هي تتجمّد عندها ولا هي تتغرّب عنها.
وأُلفت النظر، هنا، إلى ذلك الفصل الهام، في هذا المجال، والذي يحمل عنوان "ما هو التاريخي وما التراثي في مدننا، ولماذا نحافظ عليه؟"، حيث تنفتح الكتابة على ذلك التوجّه للحفاظ على التراث البنائي الأصيل الحامل لتاريخ العمارة وتاريخ العيش وأحواله وتحوّلاته، ويميل إلى عمارة لا تقطع مع هذا التراث بل تطوّر فيه حسب حاجات العصر وضرورات الحفاظ على الطابع العام المميّز لهذه المدينة وتلك، وهذه البلاد وتلك، وهو توجّه يطلق عليه الكاتب صفة: العمارة المقاومة والعمران المقاوم.
ويشير الكاتب، هنا، إلى واقع أن "الأجزاء التاريخية في مدننا هي تراثية بامتياز، إنها جزء هام من الإرث الأصيل، ولهذا الإرث قيم متعدّدة ــــــ (جمالية ــــــ تاريخية ــــــ معماريّة ــــــ اجتماعية ــــــ رمزية ــــــ تعليمية ــــــ اقتصادية، الخ..) ــــــ لذلك ندافع عن هذا الإرث ونجهد للمحافظة عليه بكل الوسائل، دفاعاً عن القيم التي تتجسّد فيه"... ويدعو الكاتب إلى دراسة هذه العمارات التراثية ومجالاتها، بأهداف تعليمية وجمالية، وتبيان ما تتمايز به في طابعها عن غيرها... ثم "للتوصّل إلى ما هو جديد وجيّد لمجتمعاتنا العربية في هذا الحقل. علينا أن نبحث في ما هو موجود، في ما هو قائم، وفي التنظيم المديني الموروث، وفي العمارة التراثية، لا لننقلها، بل لنتعلّم منها، ولنوسّع قدراتنا على الاختيار وعلى الإبداع في آن ".
ولعلّ في تكاثر البناء ذي "الطرز الدولي المعوْلم" الذي لا يتسم ولو ببعض السمات المتفاعلة مع المحيط ومع الجماليات التراثية، ما يجعل مدينة بيروت أكثر تعرّضاً للفقدان المتسارع لذلك الطابع العمراني الناهض من مميّزات الطبيعة الخاصة لتراث هذا الوطن وتاريخه وتطلّعات بنيانه العمراني إلى آفاق حداثية وأصيلة.
(تشرين الثاني 2009)
محمد دكروب
لم أقصد بهذا الشكل من تلخيص المقالة الأولى للكاتب أن أعرض فقط هذين المفهومين المختلفين للخطة الإصلاحية الواحدة (أي: ترتيب الأراضي اللبنانية) بل قصدت ــــــ أيضاً وبالأخص ــــــ إلى تبيان ذلك البناء الفنّي للكتابة، الذي أوصل إلى هذه "الخاتمة" التي تُضمر المعنى العميق للقول، وتنفتح على إشكالات تنفتح بدورها على إشكالات جديدة متجدّدة.
فلنترك مسارات عمران المدينة، و"استكمال" هكذا عمران، لأهواء المتموّلين وشراسة البنيان المعولم "الجديد" الذي يحجب الناس عن الناس، ويحجب ناس المدينة عن الطبيعة، ويحجب المدينة (بيروت) عن بحرها؟..
ولكن "المدينة المطلّة على البحر تُنظّم ــــــ عادة ــــــ وكأنها مدرّج لمسرح روماني، تتوجّه كل مقاعده، وليس مقدمته فقط، نحو المشهد الذي أمامه وهو البحر"... فما الذي حدث ويحدث بفعل استئثار الرأسمال وأصحابه بما هو حق طبيعي لناس المدينة؟.. فقد توجّه المتموّلون "إلى بناء الأبراج على أطراف مياه البحر المردومة في قلب المدينة، حيث سيملكون البحر ويحجبونه بكبرياء عن الآخرين، حتى الساكنين في مرتفعات المدينة، فيحجب البحر عنهم برج يقوم على رصيف عين المريْسة بموازاة البحر".. والأبراج سوف يتتابع بنيانها على الشاطئ بحيث لا تكتفي هذه الأبراج بحجب البحر عن سكان ما خلف هذه الأبراج، بل ستتولّى المسابح المترفة حرمان السكان العاديين من الاستمتاع بالبحر أصلاً والسباحة فيه!!
يقدم لنا الكاتب ــــــ كما عبر كاميرا سينمائية ذكية ــــــ صوراً حيّة لمدينة بيروت من الجو ومن جوانبها وعبر حاراتها، ولكن ليس فقط كما هي الآن، بل عبر تحوّلاتها التاريخية وترابط البنيان بالتحوّلات الاجتماعية وحالات السكان فيتجلى، بهذا، المعنى الواسع لكلمة "العمران" التي لا تعني العمارة فقط بل هي تعني ــــــ حسب ابن خلدون ــــــ عمران المجتمع بناسه وبنيانه وحركته وتناميه... وهنا يبذل الكاتب جهداً معرفياً دقيقاً حيث يصوغ تعريفات بما تعنيه أو تدلّ عليه كلمات، مثل: العِمارة ــــــ عَمَرَ المكان ــــــ عَمُرَ المكان ــــــ معْمور الخ.. ثم العمارة بما هي ثلاثية القيم: وظيفية، جمالية، رمزية..
ولكن ما يُبنى أو يُرمّم في وسط المدينة الذي تملكته شركة عقارية واحدة قامت على أنقاض حقوق الناس، والمالكين الأصليين لذلك النسيج الذي كان يشكّل عمراناً حقيقياً لوسط المدينة... أما هذا الذي يُعاد بناؤه أو يُرمّم فليس عمراناً، لا بالمعنى الخلدوني ولا بالمعنى الاجتماعي والحقوقي للعمران!
ذلك أن بيروت الآن ــــــ كما نراها عبر عين الكاتب ــــــ صارت "بلا حيّزٍ عام ملائم، بيروت بلا مركزٍ وبلا قلب، بيروت هذه هي مجموعة أحياء... خسرت بيروت ــــــ بما سُمّي إعمارها ــــــ حيّزها العام، عندما تملّكت شركة عقارية واحدة النواة التاريخيّة للمدينة، فألغت الشركة ساحة البرج (ساحة الشهداء)، الساحة التي رافقت المدينة في تحوّلاتها فتحوّلت معها الساحة إلى مكان اللقاء الوحيد لناس المدينة(...) فخسرت المدينة، بهذا التملّك، قلبها، والحيّز العام فيها ومعظم المعالم الحاملة لذاكرتها الجماعية، فبدت وكأنها فقدت كل العناصر التي توّحدها مدينيّاً"... رُمّمت مباني شارع المعرض بإتقانٍ واضخ، وبحرصٍ على التفاصيل، جعلتنا نخاف من لمسها مخافة أن نشوّههاّ.. رُمّمت بإتقان، فجاءت نظيفة لمّاعة، تندلق النظافة من شبابيك طوابقها العلويّة الفارغة ــــــ نظراً لما صارت عليه من ارتفاع فاحش في إيجارها للسكن ــــــ فكأنها رُمّمت لا لنسكنها، بل لإعطائها صفة مشهدية، متحفية، "فأفرغت نسيجها الاجتماعي بقوة السلطة وقوة المال. فالناس لا يسكنون المتاحف!" ليس من مقيمين اليوم في شارع المعرض ومعظم متفرّعاته، وكل الذين نراهم فيه هم عابرون!
انتُزع قلب بيروت من مالكيه ومن سكانه وشاغلي الدكاين.. والقلب لا يعمره العابرون، فصار قلب بيروت هذا بلا قلب!
***
على أن المعمار رهيف فياض يقدم لنا صورة أخرى، مختلفة، لإعادة الإعمار، حيث دمّر العدوان الإسرائيلي، بين تموز وآب من العام 2006، أبنية ومساحات واسعة من الضاحية الجنوبية.. وإذ طُرحت مسألة إعادة إعمار الضاحية سرعان ما برز مفهومان لإعادة الإعمار: واحد يهدف إلى إعادة إعمار الضاحية عبر إعادة تنظيم بنيان الضاحية كلها، وما يقتضيه هذا من تهديم جديد لكل ما لا يتوافق مع مخطّط إعادة التنظيم والبناء!.. ومفهوم آخر يرى إعادة إعمار وترميم ما هدّمته الحرب بالفعل... "فالتدمير، رغم قساوته ووحشيته، هو تدمير موضعي محدود".. فلا بدّ أن تكون إعادة الإعمار محدودة أيضاً وموضعية، وإعادة ما تهدّم بما يقارب الأشكال والمساحات التي كانت عليها، مع ما يقتضيه هذا من تحديث لواجهات الأبنية، وذلك بالتعاون الدائم والتشاور والتوافق مع المالكين الأصليين والساكنين وأصحاب الحقوق، بحيث يعود السكان إلى ما ألفوه من أبنية ودكاكين ومؤسسات وشوارع وطرقات فرعية، فيظلّ أكثر هؤلاء الناس حيث كانوا يسكنون... أي يعْمرون هم الأمكنة نفسها بما تقتضيه الحقيقة الاجتماعية للعمران... فلا يُقتلع الناس من أماكنهم ولا يبتعدون هم عن هذه الأماكن، بل يشاركون هم في تحديث وتحسين وتصويب ما يحتاج منها إلى ما هو ضروري لها في هذه المجالات.
ويرى الكاتب/المعمار في هذا التوجّه بأنه، في تفاعله المباشر مع الناس، يقدّم لهم، ولمعنى إعادة الإعمار: "شكلاً من أرقى أشكال الديمقراطية المباشرة، ورؤية متقدّمة لإعداد التصميم المعماري بمشاركة المنتفعين مباشرة"... وذلك بعد أن رأينا ذلك التفريغ "السوليديريّ" الاستئثاري لقلب بيروت من سكان قلب بيروت، وتحويل هذا "القلب" إلى فراغات نظيفة لمّاعة للعابرين، مُفْرَغة من الحركة المجتمعية ومن المعنى الحقيقي لمدينيّة قلب المدينة!
***
ولعل ما يميّز هذا الكتاب هو تلك المقالات الطالعة من قلب التجربة العملية للمعمار فياض، سواء بمشاركته الأساسية في مشروع إعادة إعمار ما هدّمته حرب إسرائيل على الضاحية الجنوبية لبيروت، والشروع العملي في تحقيق هذا المشروع.. ثم الإسهام الأساسي في عدد من المؤتمرات التي نظّمتها "هيئة المعماريين العرب"، ومنها، بشكلٍ خاص، المؤتمر الذي يكتسب أهمية استثنائية كونه عُقد في مدينة حلب تحت عنوان "حلب بين التراث والمعاصرة"... ففي مدينة حلب بالذات مِثَال عمراني لافت، لذلك التدامج والتآخي والتفاعل الخلاق بين ما يعْمر مدينة حلب من أبنية تراثية وطرائق تنظيم "المدينة العربية الإسلامية"، وحركة عمران جديدة لا تبتعد عن التراث المعماري العربي، ولا تتجمّد فيه.. بل تضيف إلى القيم العمرانية العربية التراثية قيماً وأشكالاً حداثية معاصرة تستفيد من جماليات البنيان التراثي ووظائفه وتآخيه مع حقائق الطبيعة، وطبائع الناس، وخصائصهم الاجتماعية التي تكوّنت، وتتقدّم، وتجدّد نفسها بين عهود من التاريخ وأخرى منبثقة عنها طالعة منها متجاوزة لها ومطوّرة لوظائفها وجماليّاتها، فلا هي تتجمّد عندها ولا هي تتغرّب عنها.
وأُلفت النظر، هنا، إلى ذلك الفصل الهام، في هذا المجال، والذي يحمل عنوان "ما هو التاريخي وما التراثي في مدننا، ولماذا نحافظ عليه؟"، حيث تنفتح الكتابة على ذلك التوجّه للحفاظ على التراث البنائي الأصيل الحامل لتاريخ العمارة وتاريخ العيش وأحواله وتحوّلاته، ويميل إلى عمارة لا تقطع مع هذا التراث بل تطوّر فيه حسب حاجات العصر وضرورات الحفاظ على الطابع العام المميّز لهذه المدينة وتلك، وهذه البلاد وتلك، وهو توجّه يطلق عليه الكاتب صفة: العمارة المقاومة والعمران المقاوم.
ويشير الكاتب، هنا، إلى واقع أن "الأجزاء التاريخية في مدننا هي تراثية بامتياز، إنها جزء هام من الإرث الأصيل، ولهذا الإرث قيم متعدّدة ــــــ (جمالية ــــــ تاريخية ــــــ معماريّة ــــــ اجتماعية ــــــ رمزية ــــــ تعليمية ــــــ اقتصادية، الخ..) ــــــ لذلك ندافع عن هذا الإرث ونجهد للمحافظة عليه بكل الوسائل، دفاعاً عن القيم التي تتجسّد فيه"... ويدعو الكاتب إلى دراسة هذه العمارات التراثية ومجالاتها، بأهداف تعليمية وجمالية، وتبيان ما تتمايز به في طابعها عن غيرها... ثم "للتوصّل إلى ما هو جديد وجيّد لمجتمعاتنا العربية في هذا الحقل. علينا أن نبحث في ما هو موجود، في ما هو قائم، وفي التنظيم المديني الموروث، وفي العمارة التراثية، لا لننقلها، بل لنتعلّم منها، ولنوسّع قدراتنا على الاختيار وعلى الإبداع في آن ".
ولعلّ في تكاثر البناء ذي "الطرز الدولي المعوْلم" الذي لا يتسم ولو ببعض السمات المتفاعلة مع المحيط ومع الجماليات التراثية، ما يجعل مدينة بيروت أكثر تعرّضاً للفقدان المتسارع لذلك الطابع العمراني الناهض من مميّزات الطبيعة الخاصة لتراث هذا الوطن وتاريخه وتطلّعات بنيانه العمراني إلى آفاق حداثية وأصيلة.
(تشرين الثاني 2009)
محمد دكروب
صفحة 3
القسم الأول
ترتيب الأراضي اللبنانية
1- ورشة عمل في السراي الكبير حول: الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية.
2- الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية: تأثير الخطة المقترحة في المجال العام، وفي علاقة الإنسان بمحيطه.
1
ورشة عمل في السراي الكبير حول:الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية
I ـ الدخول إلى السراي الكبير
السبت 18 أيلول 2004، الساعة التاسعة والربع صباحاً.
كان عليَّ في ذلك الصباح، أن أشارك في ورشة عمل حول "الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية"، تعقد في السراي الكبير، برعاية وحضور دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري. لم يسبق لي أن دخلت إلى السراي الكبير، لا قبل الحرب الأهلية ولا بعدها. فأنا أعيش في بيروت منذ نصف قرن تماماً، أتيتها في خريف العام 1954 لأدرس العمارة في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ألبا)، ولا أزال أعيش فيها إلى الآن. تعلمت فيها، وعملت فيها، وعشت فيها كل حياتي بحلوها وبمرها، في أيام السلم وفي أيام الحروب وما أكثرها، وكبرت فيها أيضاً. غادرتها كثيراً لأسباب عديدة، في شبابي أثناء الدراسة وبعدها، وأثناء عملي، لأسبوع، لأسبوعين، أو ربما لشهر، لكنني كنت دائماً أعود إليها. إذ فيها بيتي، ومكاتبي، والجامعة التي أدرِّس فيها. فيها أهلي، وأحبائي، وأصدقائي ومعارفي، فيها كل ما صنع حياتي ويستمر إلى الآن في صنعها. لم أهاجر منها أبداً، ولن أهاجر. نصف قرن من العيش الكامل الغني في بيروت، ولم أدخل مرَّة إلى السراي الكبير.
كانت ساحة السراي الكبير قبل الحرب الأهلية، مفتوحة على الطريق الذي يجاوره، وكانت مجموعات الناس الآتية إلى وزارة الداخلية، تدخل السراي من البوابة الجنوبية المطلة على شارع الجيش. أما مجموعات المستائين، والشاكين، والمتذمرين، والمحتجين، وذوي الحقوق الضائعة، والمتظاهرين، فكانت تدخل الساحة دون أي عائق، حتى تصل إلى البوَّابة الرئيسة في الشمال، فيُطلُّ عليها رئيس الوزراء من فوق الشرفة، مخاطباً، ومهدئاً، ومطمئناً وربما واعداً أيضاً. شاركتُ في الكثير من هذه التجمعات، إلا أنني لم أدخل إلى السراي أبداً. وكان عليَّ ذلك الصباح أن أدخل إليه.
يبدو السراي من ساحة رياض الصلح ومن حديقة شارع المصارف، ضخماً قامعاً. وتذكِّر عمارته بشبابيكها العامودية المتشابهة، المتكررة بلا نهاية بأصله العسكري، رغم رشاقة الأعمدة والأقواس الحجرية التي تزين الشرفات الناتئة في واجهتيه الشرقية والشمالية. إلا أن الشوارع التي تحوط مجمَّع السراي الكبير في جنوبه، في شرقه، وفي شماله، والأسوار المزينة بالحجر الأصفر المشغول، ونوافير المياه، والأشجار الوارفة، والأدراج العريضة الموصلة إلى ساحته من كل الجهات، إن كل ذلك، يجعلك تتوهم أن السراي، مرحِّبٌ مضيافٌ، رغم الجبروت الطالع من ضخامته، ورغم القسوة الملازمة لعمارته.
ولكن ما إن تقترب منه، حتى تدرك أن كل المداخل إليه قد سدَّت بإحكام. فشارع الجيش مسدود في بدايته بالحواجز الحديدية المثلثة الركائز والملونة بالأحمر والأبيض، وبالأسلاك الشائكة، والطريق الشرقي المحاذي لسور الساحة مزروع بالحواجز الحديدية ذاتها، وبالأسلاك الشائكة ذاتها، وفوق كل ذلك بالسلاسل المعدنية الغليظة المعلقة بين حاجز وآخر.
والأدراج العريضة، في الشرق بين الأشجار الوارفة بجانب نصب عمر الأنسي، وفي الشمال بمحاذاة العدلية السابقة مجلس الإنماء والأعمار اليوم، فهي مسدودة بدورها بحشد كثيف من الحواجز الحديدية الملونة. أما الدرج الوسطي الموصل إلى ساحة مجلس الإنماء والأعمار فتقفله في أعلاه بوابة السور.
ماذا تريد أن ترى؟ سألني بالفرنسية سائح كان يحاول مثلي أن يجتاز الحواجز، والسور، والبوابات......! لا شيء لأراه قلت، بل أريد أن أدخل السراي. فأجابني، من هناك، مشيراً إلى الطريق المقطوع والمزروع بالحديد الملون حواجز وسلاسل. كان علي أن اجتاز الحواجز، وأن أقفز فوق السلاسل، لأصل إلى مدخل الساحة المتلطّي بإتقان خلف السور الشرقي، حيث الحاجز الثاني للحرس وللرقابة.
ترتيب الأراضي اللبنانية
1- ورشة عمل في السراي الكبير حول: الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية.
2- الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية: تأثير الخطة المقترحة في المجال العام، وفي علاقة الإنسان بمحيطه.
1
ورشة عمل في السراي الكبير حول:الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية
I ـ الدخول إلى السراي الكبير
السبت 18 أيلول 2004، الساعة التاسعة والربع صباحاً.
كان عليَّ في ذلك الصباح، أن أشارك في ورشة عمل حول "الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية"، تعقد في السراي الكبير، برعاية وحضور دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري. لم يسبق لي أن دخلت إلى السراي الكبير، لا قبل الحرب الأهلية ولا بعدها. فأنا أعيش في بيروت منذ نصف قرن تماماً، أتيتها في خريف العام 1954 لأدرس العمارة في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ألبا)، ولا أزال أعيش فيها إلى الآن. تعلمت فيها، وعملت فيها، وعشت فيها كل حياتي بحلوها وبمرها، في أيام السلم وفي أيام الحروب وما أكثرها، وكبرت فيها أيضاً. غادرتها كثيراً لأسباب عديدة، في شبابي أثناء الدراسة وبعدها، وأثناء عملي، لأسبوع، لأسبوعين، أو ربما لشهر، لكنني كنت دائماً أعود إليها. إذ فيها بيتي، ومكاتبي، والجامعة التي أدرِّس فيها. فيها أهلي، وأحبائي، وأصدقائي ومعارفي، فيها كل ما صنع حياتي ويستمر إلى الآن في صنعها. لم أهاجر منها أبداً، ولن أهاجر. نصف قرن من العيش الكامل الغني في بيروت، ولم أدخل مرَّة إلى السراي الكبير.
كانت ساحة السراي الكبير قبل الحرب الأهلية، مفتوحة على الطريق الذي يجاوره، وكانت مجموعات الناس الآتية إلى وزارة الداخلية، تدخل السراي من البوابة الجنوبية المطلة على شارع الجيش. أما مجموعات المستائين، والشاكين، والمتذمرين، والمحتجين، وذوي الحقوق الضائعة، والمتظاهرين، فكانت تدخل الساحة دون أي عائق، حتى تصل إلى البوَّابة الرئيسة في الشمال، فيُطلُّ عليها رئيس الوزراء من فوق الشرفة، مخاطباً، ومهدئاً، ومطمئناً وربما واعداً أيضاً. شاركتُ في الكثير من هذه التجمعات، إلا أنني لم أدخل إلى السراي أبداً. وكان عليَّ ذلك الصباح أن أدخل إليه.
يبدو السراي من ساحة رياض الصلح ومن حديقة شارع المصارف، ضخماً قامعاً. وتذكِّر عمارته بشبابيكها العامودية المتشابهة، المتكررة بلا نهاية بأصله العسكري، رغم رشاقة الأعمدة والأقواس الحجرية التي تزين الشرفات الناتئة في واجهتيه الشرقية والشمالية. إلا أن الشوارع التي تحوط مجمَّع السراي الكبير في جنوبه، في شرقه، وفي شماله، والأسوار المزينة بالحجر الأصفر المشغول، ونوافير المياه، والأشجار الوارفة، والأدراج العريضة الموصلة إلى ساحته من كل الجهات، إن كل ذلك، يجعلك تتوهم أن السراي، مرحِّبٌ مضيافٌ، رغم الجبروت الطالع من ضخامته، ورغم القسوة الملازمة لعمارته.
ولكن ما إن تقترب منه، حتى تدرك أن كل المداخل إليه قد سدَّت بإحكام. فشارع الجيش مسدود في بدايته بالحواجز الحديدية المثلثة الركائز والملونة بالأحمر والأبيض، وبالأسلاك الشائكة، والطريق الشرقي المحاذي لسور الساحة مزروع بالحواجز الحديدية ذاتها، وبالأسلاك الشائكة ذاتها، وفوق كل ذلك بالسلاسل المعدنية الغليظة المعلقة بين حاجز وآخر.
والأدراج العريضة، في الشرق بين الأشجار الوارفة بجانب نصب عمر الأنسي، وفي الشمال بمحاذاة العدلية السابقة مجلس الإنماء والأعمار اليوم، فهي مسدودة بدورها بحشد كثيف من الحواجز الحديدية الملونة. أما الدرج الوسطي الموصل إلى ساحة مجلس الإنماء والأعمار فتقفله في أعلاه بوابة السور.
ماذا تريد أن ترى؟ سألني بالفرنسية سائح كان يحاول مثلي أن يجتاز الحواجز، والسور، والبوابات......! لا شيء لأراه قلت، بل أريد أن أدخل السراي. فأجابني، من هناك، مشيراً إلى الطريق المقطوع والمزروع بالحديد الملون حواجز وسلاسل. كان علي أن اجتاز الحواجز، وأن أقفز فوق السلاسل، لأصل إلى مدخل الساحة المتلطّي بإتقان خلف السور الشرقي، حيث الحاجز الثاني للحرس وللرقابة.
صفحة 4
II ـ في داخل السراي
عند البوابة الشمالية الرئيسة للسراي، التفتيش الدقيق، عصري، آلي، فعَّال، ولائق. وما أن تجتاز البوابة إلى الداخل، حتىَّ يبدو لك السراي رغم عظمته وكأنه فارغ أو مهجور. لا أحد في المدخل الفسيح بعد نقطة التفتيش، وكل الأبواب مغلقة في الممر الممتد شرقاً. العملقة والفخامة وحدهما تسكنان المكان، المساحة المتمدِّدة، والمبالغة بالزينة وبالزخرف، والارتفاع المهيب. من بهو المدخل، تبدو لك الفسحة الداخلية بعيدة، وقد تجمَّع فيها بعض من سبقوني. الموقف في الخارج قبالة البوابة الرئيسة المكتظ بالسيارات الفخمة الداكنة، يُشير إلى أنهم قد دخلوا بسياراتهم رغم الحواجز، فتذكــــــَّرت عندها بوابة الساحة المتلطية بعناية عند الزاوية الجنوبية الشرقية للسور، وفهمت أن المدعويين من روَّاد السراي، العارفين بأسراره، قد دخلوا بسياراتهم من تلك البوابة.
تنظيم هذا الجزء من السراي يقوم على محورين متعامدين، محور من الشمال إلى الجنوب وفيه بهو المدخل، والفسحة الكبيرة، ثم بهو ثانٍ يطل على الفناء الداخلي المكشوف للسراي، ومحور ثانٍ متجه من الغرب إلى الشرق وفيه لؤلؤتا المكان: قاعة الاستقبال الرسمية إلى الشرق، وقبالتها قاعة المآدب الرسمية إلى الغرب، وفق ما جاء في كتاب "السراي الكبير"، الصادر عن مؤسسة الحريري. وتشير تجمعات الحاضرين، الضائعة في قاعة المآدب الرسمية العملاقة، إلى أن ورشة العمل التي سيرعاها رئيس مجلس الوزراء، ستجري فيها.
القاعة ضخمة، مهيبة، كل مكوناتها مبالغ فيها. بواباتها، مشربياتها الخشبية المتقنة، مساحتها (750 م2) ارتفاعها (9 أمتار)، الجسور الخرسانية التي تحمل سقفها، أعمدة الزينة الرخامية، الزخرف الخشبي الرائع في السقف، الأرض الرخامية البيضاء المطعمة بالخطوط السوداء، والفسيفساء الرخامية المزركشة على الجدران. تختلف الرسومــــــات والألوان من فسيفساء رخاميــــــة إلى جارتهــــــا، ومن جدار إلى الجدار المقابل.
لا شيء في القاعة يراعي واقع الحال في البلد، (المديونية، والعجز المالي) وبين الناس، (الفقر، والضرائب، والبطالة والهجرة) بل على العكس من ذلك، كل ما فيها ينضح بالثراء الفاحش، وبالإنفاق بدون حساب. وكأن الحاضرين القلائل، قد تنبهوا مسبقاً لثراء المكان ورهبته، فارتدوا الألبسة الرسمية الداكنة، وربطات العنق الفاخرة، اللماعة، الملونة. القاعة الفارعة بدت فارغة، إلا من الستائر المخملية المزركشة المتدلــــــِّية أمام النوافذ الضيقة، من تحت السقف حتى رخام الأرض.
أعدَّت القاعة على عجل لتستقبل المناسبة، "ورشة عمل حول الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية برعاية رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري"، كما جاء في بطاقة الدعوة. في طرف القاعة الغربي، منصة صغيرة إلى اليسار أمام الستارة المخملية، بجانبها طاولة وأربعة كراسٍ، وشاشة صغيرة إلى اليمين. بضعة صفوف من الكراسي الخشبية الداكنة احتلت طرف القاعة الغربي. وفي طرفها الشرقي معرض دائري لوثائق الخطة الشاملة. ممر عريض وسطي يوصل المنصَّة والشاشة ببوابة القاعة، قسَّم المعرض وصفوف الكراسي إلى نصفين. لا شيء لــــــُحِظ قبالة الممر في محور القاعة، فبقي فارغاً. وحدها الستائر المتدلية احتلت الصدارة، وبدت القاعة بهذا الإعداد المستعجل والمقتضب وكأنها لا تزال فارغة.
عند البوابة الشمالية الرئيسة للسراي، التفتيش الدقيق، عصري، آلي، فعَّال، ولائق. وما أن تجتاز البوابة إلى الداخل، حتىَّ يبدو لك السراي رغم عظمته وكأنه فارغ أو مهجور. لا أحد في المدخل الفسيح بعد نقطة التفتيش، وكل الأبواب مغلقة في الممر الممتد شرقاً. العملقة والفخامة وحدهما تسكنان المكان، المساحة المتمدِّدة، والمبالغة بالزينة وبالزخرف، والارتفاع المهيب. من بهو المدخل، تبدو لك الفسحة الداخلية بعيدة، وقد تجمَّع فيها بعض من سبقوني. الموقف في الخارج قبالة البوابة الرئيسة المكتظ بالسيارات الفخمة الداكنة، يُشير إلى أنهم قد دخلوا بسياراتهم رغم الحواجز، فتذكــــــَّرت عندها بوابة الساحة المتلطية بعناية عند الزاوية الجنوبية الشرقية للسور، وفهمت أن المدعويين من روَّاد السراي، العارفين بأسراره، قد دخلوا بسياراتهم من تلك البوابة.
تنظيم هذا الجزء من السراي يقوم على محورين متعامدين، محور من الشمال إلى الجنوب وفيه بهو المدخل، والفسحة الكبيرة، ثم بهو ثانٍ يطل على الفناء الداخلي المكشوف للسراي، ومحور ثانٍ متجه من الغرب إلى الشرق وفيه لؤلؤتا المكان: قاعة الاستقبال الرسمية إلى الشرق، وقبالتها قاعة المآدب الرسمية إلى الغرب، وفق ما جاء في كتاب "السراي الكبير"، الصادر عن مؤسسة الحريري. وتشير تجمعات الحاضرين، الضائعة في قاعة المآدب الرسمية العملاقة، إلى أن ورشة العمل التي سيرعاها رئيس مجلس الوزراء، ستجري فيها.
القاعة ضخمة، مهيبة، كل مكوناتها مبالغ فيها. بواباتها، مشربياتها الخشبية المتقنة، مساحتها (750 م2) ارتفاعها (9 أمتار)، الجسور الخرسانية التي تحمل سقفها، أعمدة الزينة الرخامية، الزخرف الخشبي الرائع في السقف، الأرض الرخامية البيضاء المطعمة بالخطوط السوداء، والفسيفساء الرخامية المزركشة على الجدران. تختلف الرسومــــــات والألوان من فسيفساء رخاميــــــة إلى جارتهــــــا، ومن جدار إلى الجدار المقابل.
لا شيء في القاعة يراعي واقع الحال في البلد، (المديونية، والعجز المالي) وبين الناس، (الفقر، والضرائب، والبطالة والهجرة) بل على العكس من ذلك، كل ما فيها ينضح بالثراء الفاحش، وبالإنفاق بدون حساب. وكأن الحاضرين القلائل، قد تنبهوا مسبقاً لثراء المكان ورهبته، فارتدوا الألبسة الرسمية الداكنة، وربطات العنق الفاخرة، اللماعة، الملونة. القاعة الفارعة بدت فارغة، إلا من الستائر المخملية المزركشة المتدلــــــِّية أمام النوافذ الضيقة، من تحت السقف حتى رخام الأرض.
أعدَّت القاعة على عجل لتستقبل المناسبة، "ورشة عمل حول الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية برعاية رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري"، كما جاء في بطاقة الدعوة. في طرف القاعة الغربي، منصة صغيرة إلى اليسار أمام الستارة المخملية، بجانبها طاولة وأربعة كراسٍ، وشاشة صغيرة إلى اليمين. بضعة صفوف من الكراسي الخشبية الداكنة احتلت طرف القاعة الغربي. وفي طرفها الشرقي معرض دائري لوثائق الخطة الشاملة. ممر عريض وسطي يوصل المنصَّة والشاشة ببوابة القاعة، قسَّم المعرض وصفوف الكراسي إلى نصفين. لا شيء لــــــُحِظ قبالة الممر في محور القاعة، فبقي فارغاً. وحدها الستائر المتدلية احتلت الصدارة، وبدت القاعة بهذا الإعداد المستعجل والمقتضب وكأنها لا تزال فارغة.
صفحة 5
III ـ الاحتفال بالخطة الشاملةلترتيب الأراضي اللبنانية
قاعة المآدب الرسمية في السراي الكبير أعدَّت على عجل، وبدت، رغم الحضور والتجهيزات المختصرة، فارغة، أكرر. والاحتفال بإطلاق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، الذي رعاه وحضره دولة رئيس الوزراء ومعه حشد من الوزراء والمسؤولين تم على عجل أيضاً، بدقة ووفق البرنامج. فالتوقيت صارم، والكلمات الإفتتاحية جاءت عامة وشديدة الإقتضاب.
رئيس مجلس الإنماء والأعمار عدَّد المراحل التي سبقت الصيغة النهائية الأولى للخطة الشاملة، موضوع الإحتفال، وموضوع ورشة العمل أيضاً. وممثل الإئتلاف الإستشاري دار الهندسة - إيوريف، أشار إلى أن الخطة، هي مرجع أساس لكل المخططات المناطقية والمحلية، والإطار العام لبرمجة الإستثمارات. إنها، كما قال، خطوة نحو الإنماء المتوازن. واللافت في الإستعجال، الإختصار الشديد في العرض الذي قدمه مدير المشروع، الدكتور فؤاد عواضة. فبدا الإختصار وكأنه خطوة إحترازية من ردود فعل سلبية قد تصدر عن المسؤولين الحاضرين، أو كأنه خطوة إستباقية لتلافي ما قد يصدر عنهم لاحقاً. فقد خصَّص البرنامج للعرض ثلاثين دقيقة، لم يستعمل منها الدكتور عواضة، سوى إثني عشرة دقيقة فقط. وانتهى الجزء الأول من الإحتفال - الورشة في الساعة الحادية عشرة إلا ثلثاً، أي عشرين دقيقة قبل الوقت المحدَّد لانتهائه، رقم قياسي، مقارنة بالمناسبات المماثلة.
كان مجلس الإنماء والأعمار، قد وزع على المشاركين في الإحتفال - الورشة ملخصاً عن الخطة الشاملة تضمَّن الغايات، والوجهة المقترحة لاستعمال الأراضي، والخيارات الرئيسة. نقرأ في الملخص، في باب الأهداف كعنوان عريض، كلاماً جميلاً عن أرض الوطن، كإرث مشترك للشعب اللبناني، من واجب كل جيل أن يسلمها بشمولية ثرواتها، إلى الأجيال القادمة.مع التشديد على أن ذلك لا يتحقق إلا بترشيد استعمالات الأراضي وتنميتها. فيتجنَّب الملخص كلمــــــة استثمارها التي تبدو له فجة، ويشدِّد على أن تتم هذه التنمية بالطرق التي لا تغيِّر من طبيعتها أو تبدِّل من فرص استعمالها في المستقبل. فنتساءل ونحن نقرأ بمتعة، كيف يتم ذلك!؟ ويذكــــــِّر الملخَّص اللبنانيين في باب الأهداف ذاته كعنوان عريض، بأن عددهم كان مليوناً، وهو اليوم أربعة ملايين وسوف يرتفع هذا العدد قريباً ليتعدَّى الخمسة ملايين، في حين أن مساحة أرض الوطن ثابتة لا تتغيَّر، وهذه حقيقة لها تأثير قوى على استغلال الموارد غير القابلة للتجدد، بما فيها الشواطىء والمواقع الطبيعية ومعالم التراث الطبيعي والإنساني، يشدِّد الملخَّص. ونتساءل بصدق بعد الإقرار بهذه الحقيقة، وهل ينفرد وطننا الصغير بهذه المعادلة؟ (ثبات مساحة الأرض وزيادة عدد السكان ) أم أنها ظاهرة عامة نتشارك فيها وإن بنسب مختلفة مع سائر الأوطان؟كالأردن، وسوريا، وفلسطين، وقبرص، وغيرها.
وفي ظل هذه المعادلة التي اعتبرت حاسمة، يطالعنا الملخص بكلام جميلٍ آخر، مفاده، أن المسائل المرتبطة بالحس الوطني، واحترام الأنظمة، تكتسب اهمية كبرى تزداد مع ازدياد عدد السكان فنتساءل للمرة الثالثة، متمتعين بالقراءة وصادقين للمرة الثالثة أيضاً، وهل ينفرد وطننا بازدياد اهمية الحس الوطني مع ازدياد عدد السكان في مسائل استعمال الموارد غير المتجددة، أم أنها قاعدة عامة صالحة لكل الأوطان التي هي مثلنا وقد سبق وذكرنا بعضها. بالحس الوطني إذاً، تريد الخطة أن تنقذ الشواطىء، وأن توقف التدهور فيها، وأن تصون الآثار، وأن تحمي التراث. بالحس الوطني عند اللبنانيين جميعاً دون تمييز، بين مالك كبير ومن لا يملك شيئاً، بين مستثمر جشع، ومن لا يستطيع أن يؤمن قوت عياله، بين معتد على الشاطىء وعلى مياه البحر، ومن لا يستطيع أن يصل إليهما، بين مسؤول متسلط فاسد، وبين محكومين يدفعون الثمن ضرائب، وفقراً، وبطالة، وهجرة. وفي حين أن إحصاءات الخطة تشير إلى أن 90% من الأراضي اللبنانية هي أراضٍ غير منظمة، يؤكد الملخص أن الخطــــــَّة تسعى إلى تعزيز كافة أوجه الحرية، من خلال توسيع الخيارات المتاحة للسكن والإستثمار في كافة أنحاء الوطن. فالخطة لا تتناقض مع المبادرات الفردية، تؤكد الوثائق المعروضة في يوم الإحتفال - الورشة. إذ إن أقصى ما تطمح إليه هو أن توجِّه هذه المبادرة، في إطار مشروع مرن قائم على تشجيع المواطنية. وعلى اللبنانيين جميعاً، أن يتحملوا نتائج مرونة المشروع باسم المواطنية مرة أخرى، إذ لا تمييز في المواطنية، بالتأكيد.
فالعدو الأول للحرية يكمن في الفوضى يؤكد الملخَّص، حيث إن حرية الأشخاص معرّضة للإنتقاص، بفعل تصرفات فردية من أقلية غير مسؤولة... إلخ (بالمعنى الأخلاقي بالتأكيد)، ويجب الحفاظ بالتالي على حد أدنى مقبول من القوانين والأنظمة.
علينا أن نقبل بالحد الأدني من القوانين والأنظمة، لأن التصرفات التي قد تكون مجرمة بحق الوطن وأراضيه، هي تصرفات أقلية غير مسؤولة. نقبل بالتأكيد بوجود مثل هؤلاء، ولكن ما العمل إذا كانت الأقلية المسيئة هي أقلية مسؤولة بالفعل!؟ نتساءل صادقين للمرة الرابعة؟ مسؤولة في تملكها كل شيء، الأراضي، والثروة، والنفوذ، وربما السلطة أيضاً، وصناعة القوانين، وتعديلها، وتبديلها، وإلغاؤها؟ وفقاً لمصالحها!
أما العدو الثاني للحرية، يؤكد الملخص، فهو الحواجز والفواصل بين المناطق لذلك تتضمَّن الخطة الشاملة، اقتراحات لتعزيز الإتصال بين المناطق، ولتشجيع المبادلات بينها، مؤكدة على ضرورة تسهيل التنقل فوق كافة الراضي اللبنانية.
ويتخلــــــَّى الملخص عن هذا الخطاب التطميني الطوباي، المبشــــــِّر بخَّطةٍ تريد أن تكتفي بتوجيه المبادرات الفردية، لتعزِّز كافة أوجه الحرية في السكن والإستثمار، في ظل الحد الأدنى من القوانين والأنظمة، يتخلــــــَّى الملخَّص عن هذا الخطاب، عندما يواجه مسألة الأهداف الفعلية للخطة، فيحدِّد لها تسعة أهداف معظمها اقتصادي اجتماعي سياسي، وهي: (1) وحدة الأراضي اللبنانية، (2) الإنماء المتوازن للمناطق، (3) ترشيد استغلال الموارد لضمــــــان التنميــــــة المستدامة، (4) خفض الدين العام، (5) تحسين الإنتاجية وزيادة معدَّل النمو الاقتصادي، (6) تحسين ميزان التجــــــارة، (7) تحسين الأوضــــــاع المعيشية، (8) المحافظة على البيئة، (9) المحافظة على التراث.
من الواضح أن معظم هذه الأهداف تضع ما سمي بسنوات الأعمار، في دائرة المساءلة، وربما ذهبت أبعد من ذلك، فوضعتها عن غير قصد، في دائرة النقد. إذ تتحدَّث الخطة صراحة عن الفقر المتزايد كمعيق أساس للوحدة الوطنية، مشيرة إلى أن أسرة متوسطة العدد، تحتاج إلى ضعف حصة الفرد من الناتج المحلي الحالي لتعيش في مساحة الفقر، متجنّبة خط َّ الفقر المدقع. ولا ترى حلا لذلك إلا بالإنماء المتوازن الحقيقي، الذي يضمن مشاركة المناطق في العملية الاقتصادية. مع الإهتمام بالصناعة، وبزيادة الإنتاجية، وبتحسين القدرة التنافسية. تؤكد الخطــــــَّة ضرورة هذا المنحى العام، في الوقت الذي تعلن فيه جمعية الصناعيين، عن إغلاق جماعي لمؤسسات صناعية، فقدت قدرتها على المنافسة نتيجة السياسات الاقتصادية المتبعة، التي اعتمدت الإبهار بما سمي الإعمار، والحرية، والإنفتاح.
وتنتقد الخطة ردم البحر "الإعماري"، في المطار، وفي سوليدير، وفي ضبيه، الذي دمَّر البيئة البحرية في مواقع مميزة، وعَّطل وحدة الشاطىء الطبيعية، وافقده تواصله واستمراريته. بالاضافة إلى نقل العديد من الهكتارات المربعة من الأراضي الجبلية لردم البحر، مع ما سببه ذلك من تدمير إحدى مميزات لبنان الأساسية في محيطه وهي: جباله، وصخوره، وغاباته، والغطاء الأخضر الذي يكسوه.
قاعة المآدب الرسمية في السراي الكبير أعدَّت على عجل، وبدت، رغم الحضور والتجهيزات المختصرة، فارغة، أكرر. والاحتفال بإطلاق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، الذي رعاه وحضره دولة رئيس الوزراء ومعه حشد من الوزراء والمسؤولين تم على عجل أيضاً، بدقة ووفق البرنامج. فالتوقيت صارم، والكلمات الإفتتاحية جاءت عامة وشديدة الإقتضاب.
رئيس مجلس الإنماء والأعمار عدَّد المراحل التي سبقت الصيغة النهائية الأولى للخطة الشاملة، موضوع الإحتفال، وموضوع ورشة العمل أيضاً. وممثل الإئتلاف الإستشاري دار الهندسة - إيوريف، أشار إلى أن الخطة، هي مرجع أساس لكل المخططات المناطقية والمحلية، والإطار العام لبرمجة الإستثمارات. إنها، كما قال، خطوة نحو الإنماء المتوازن. واللافت في الإستعجال، الإختصار الشديد في العرض الذي قدمه مدير المشروع، الدكتور فؤاد عواضة. فبدا الإختصار وكأنه خطوة إحترازية من ردود فعل سلبية قد تصدر عن المسؤولين الحاضرين، أو كأنه خطوة إستباقية لتلافي ما قد يصدر عنهم لاحقاً. فقد خصَّص البرنامج للعرض ثلاثين دقيقة، لم يستعمل منها الدكتور عواضة، سوى إثني عشرة دقيقة فقط. وانتهى الجزء الأول من الإحتفال - الورشة في الساعة الحادية عشرة إلا ثلثاً، أي عشرين دقيقة قبل الوقت المحدَّد لانتهائه، رقم قياسي، مقارنة بالمناسبات المماثلة.
كان مجلس الإنماء والأعمار، قد وزع على المشاركين في الإحتفال - الورشة ملخصاً عن الخطة الشاملة تضمَّن الغايات، والوجهة المقترحة لاستعمال الأراضي، والخيارات الرئيسة. نقرأ في الملخص، في باب الأهداف كعنوان عريض، كلاماً جميلاً عن أرض الوطن، كإرث مشترك للشعب اللبناني، من واجب كل جيل أن يسلمها بشمولية ثرواتها، إلى الأجيال القادمة.مع التشديد على أن ذلك لا يتحقق إلا بترشيد استعمالات الأراضي وتنميتها. فيتجنَّب الملخص كلمــــــة استثمارها التي تبدو له فجة، ويشدِّد على أن تتم هذه التنمية بالطرق التي لا تغيِّر من طبيعتها أو تبدِّل من فرص استعمالها في المستقبل. فنتساءل ونحن نقرأ بمتعة، كيف يتم ذلك!؟ ويذكــــــِّر الملخَّص اللبنانيين في باب الأهداف ذاته كعنوان عريض، بأن عددهم كان مليوناً، وهو اليوم أربعة ملايين وسوف يرتفع هذا العدد قريباً ليتعدَّى الخمسة ملايين، في حين أن مساحة أرض الوطن ثابتة لا تتغيَّر، وهذه حقيقة لها تأثير قوى على استغلال الموارد غير القابلة للتجدد، بما فيها الشواطىء والمواقع الطبيعية ومعالم التراث الطبيعي والإنساني، يشدِّد الملخَّص. ونتساءل بصدق بعد الإقرار بهذه الحقيقة، وهل ينفرد وطننا الصغير بهذه المعادلة؟ (ثبات مساحة الأرض وزيادة عدد السكان ) أم أنها ظاهرة عامة نتشارك فيها وإن بنسب مختلفة مع سائر الأوطان؟كالأردن، وسوريا، وفلسطين، وقبرص، وغيرها.
وفي ظل هذه المعادلة التي اعتبرت حاسمة، يطالعنا الملخص بكلام جميلٍ آخر، مفاده، أن المسائل المرتبطة بالحس الوطني، واحترام الأنظمة، تكتسب اهمية كبرى تزداد مع ازدياد عدد السكان فنتساءل للمرة الثالثة، متمتعين بالقراءة وصادقين للمرة الثالثة أيضاً، وهل ينفرد وطننا بازدياد اهمية الحس الوطني مع ازدياد عدد السكان في مسائل استعمال الموارد غير المتجددة، أم أنها قاعدة عامة صالحة لكل الأوطان التي هي مثلنا وقد سبق وذكرنا بعضها. بالحس الوطني إذاً، تريد الخطة أن تنقذ الشواطىء، وأن توقف التدهور فيها، وأن تصون الآثار، وأن تحمي التراث. بالحس الوطني عند اللبنانيين جميعاً دون تمييز، بين مالك كبير ومن لا يملك شيئاً، بين مستثمر جشع، ومن لا يستطيع أن يؤمن قوت عياله، بين معتد على الشاطىء وعلى مياه البحر، ومن لا يستطيع أن يصل إليهما، بين مسؤول متسلط فاسد، وبين محكومين يدفعون الثمن ضرائب، وفقراً، وبطالة، وهجرة. وفي حين أن إحصاءات الخطة تشير إلى أن 90% من الأراضي اللبنانية هي أراضٍ غير منظمة، يؤكد الملخص أن الخطــــــَّة تسعى إلى تعزيز كافة أوجه الحرية، من خلال توسيع الخيارات المتاحة للسكن والإستثمار في كافة أنحاء الوطن. فالخطة لا تتناقض مع المبادرات الفردية، تؤكد الوثائق المعروضة في يوم الإحتفال - الورشة. إذ إن أقصى ما تطمح إليه هو أن توجِّه هذه المبادرة، في إطار مشروع مرن قائم على تشجيع المواطنية. وعلى اللبنانيين جميعاً، أن يتحملوا نتائج مرونة المشروع باسم المواطنية مرة أخرى، إذ لا تمييز في المواطنية، بالتأكيد.
فالعدو الأول للحرية يكمن في الفوضى يؤكد الملخَّص، حيث إن حرية الأشخاص معرّضة للإنتقاص، بفعل تصرفات فردية من أقلية غير مسؤولة... إلخ (بالمعنى الأخلاقي بالتأكيد)، ويجب الحفاظ بالتالي على حد أدنى مقبول من القوانين والأنظمة.
علينا أن نقبل بالحد الأدني من القوانين والأنظمة، لأن التصرفات التي قد تكون مجرمة بحق الوطن وأراضيه، هي تصرفات أقلية غير مسؤولة. نقبل بالتأكيد بوجود مثل هؤلاء، ولكن ما العمل إذا كانت الأقلية المسيئة هي أقلية مسؤولة بالفعل!؟ نتساءل صادقين للمرة الرابعة؟ مسؤولة في تملكها كل شيء، الأراضي، والثروة، والنفوذ، وربما السلطة أيضاً، وصناعة القوانين، وتعديلها، وتبديلها، وإلغاؤها؟ وفقاً لمصالحها!
أما العدو الثاني للحرية، يؤكد الملخص، فهو الحواجز والفواصل بين المناطق لذلك تتضمَّن الخطة الشاملة، اقتراحات لتعزيز الإتصال بين المناطق، ولتشجيع المبادلات بينها، مؤكدة على ضرورة تسهيل التنقل فوق كافة الراضي اللبنانية.
ويتخلــــــَّى الملخص عن هذا الخطاب التطميني الطوباي، المبشــــــِّر بخَّطةٍ تريد أن تكتفي بتوجيه المبادرات الفردية، لتعزِّز كافة أوجه الحرية في السكن والإستثمار، في ظل الحد الأدنى من القوانين والأنظمة، يتخلــــــَّى الملخَّص عن هذا الخطاب، عندما يواجه مسألة الأهداف الفعلية للخطة، فيحدِّد لها تسعة أهداف معظمها اقتصادي اجتماعي سياسي، وهي: (1) وحدة الأراضي اللبنانية، (2) الإنماء المتوازن للمناطق، (3) ترشيد استغلال الموارد لضمــــــان التنميــــــة المستدامة، (4) خفض الدين العام، (5) تحسين الإنتاجية وزيادة معدَّل النمو الاقتصادي، (6) تحسين ميزان التجــــــارة، (7) تحسين الأوضــــــاع المعيشية، (8) المحافظة على البيئة، (9) المحافظة على التراث.
من الواضح أن معظم هذه الأهداف تضع ما سمي بسنوات الأعمار، في دائرة المساءلة، وربما ذهبت أبعد من ذلك، فوضعتها عن غير قصد، في دائرة النقد. إذ تتحدَّث الخطة صراحة عن الفقر المتزايد كمعيق أساس للوحدة الوطنية، مشيرة إلى أن أسرة متوسطة العدد، تحتاج إلى ضعف حصة الفرد من الناتج المحلي الحالي لتعيش في مساحة الفقر، متجنّبة خط َّ الفقر المدقع. ولا ترى حلا لذلك إلا بالإنماء المتوازن الحقيقي، الذي يضمن مشاركة المناطق في العملية الاقتصادية. مع الإهتمام بالصناعة، وبزيادة الإنتاجية، وبتحسين القدرة التنافسية. تؤكد الخطــــــَّة ضرورة هذا المنحى العام، في الوقت الذي تعلن فيه جمعية الصناعيين، عن إغلاق جماعي لمؤسسات صناعية، فقدت قدرتها على المنافسة نتيجة السياسات الاقتصادية المتبعة، التي اعتمدت الإبهار بما سمي الإعمار، والحرية، والإنفتاح.
وتنتقد الخطة ردم البحر "الإعماري"، في المطار، وفي سوليدير، وفي ضبيه، الذي دمَّر البيئة البحرية في مواقع مميزة، وعَّطل وحدة الشاطىء الطبيعية، وافقده تواصله واستمراريته. بالاضافة إلى نقل العديد من الهكتارات المربعة من الأراضي الجبلية لردم البحر، مع ما سببه ذلك من تدمير إحدى مميزات لبنان الأساسية في محيطه وهي: جباله، وصخوره، وغاباته، والغطاء الأخضر الذي يكسوه.
صفحة 6
IV ـ الخطة، الإعمار، وقراءة رئيس مجلس الوزراء
لن أستعرض كل ما جاء في الملخص، أو في الخطة الشاملة. ففيها مثلاً ضرورة الحفاظ على مناطق الثروة الزراعية الوطنية، في البقاع والكورة وعكار خاصة، وحصرية استعمال الأراضي في هذه المناطق للأغراض الزراعية. وفيها ضرورة حماية مناطق الثروة الطبيعية الوطنية، في القمم، وفي شريط الأرز اللبناني، وفي الأودية الكبرى والغابات. وفيها ضرورة وقف التعديات على الشاطىء، وحماية المواقع الطبيعية فيه، في شكا وفي أنفه، وفي الشاطىء الرملي في سهل عكار. وفيها أيضاً ضرورة حماية الملاحات في أنفه، (ونضيف الملاحات في الشيخ زناد في عكار)، وحرفة صيد السمك ومرافىء الصيد الطبيعية الصغيرة.
سأكتفي بهذا القدر، لأعود إلى ورشة العمل، وإلى عرض الدكتور فؤاد عواضه للخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، إذ حدَّد في ضوء الأهداف التسعة للخطة المذكورة آنفاً، ثلاثة خيارات رئيسة بنيت عليها الخطة الشاملة وهي: (1) وحدة لبنان أي وحدة الاقتصاد والمجتمع والأراضي كما قال، (2) الإنماء المتوازن مؤكداً المفهوم الأساسي لإنماء متوازن قائم على إشراك المناطق في العملية الاقتصادية الوطنية، (3) وترشيد استخدام الموارد ومنها بشكل خاص الأراضي، خاصة وأن ترتيب هذه الأراضي، هو موضوع الخطة، وموضوع الورشة. وأكد أن الإستعمال الأفضل للأراضي يقوم على ثلاثة معايير هي: (1) تصنيف الأراضي وفق طبيعتها وموقعها، (2) ميزاتها، (3) المعوقات التي تتحكم بتطويرها. وقسَّم الأراضي في باب تصنيفها، إلى مناطق وهي: (1) المناطق المدينية، (2) مناطق الثروة الطبيعية، (3) مناطق الثروة الزراعية، (4) المناطق المختلطة. وعدَّد المميزات في بعض المناطق، من وجودٍ للآثار وللتراث، أو للمواقع الطبيعية، وخصَّ الشاطىء بتوقف طويل نسبياً. وعدَّد بعد ذلك المعوقات الطبيعية، من فيضانات، وانزلاق للتربة، وتلوث للمياه الجوفية. ثم عرض المقترحات لتنظيم الأراضي وتجهيزها، وعدَّد أخيراً، مراحل التنفيذ كي تأخذ الخطة طريقها إلى النجاح.
ربَّما بدا في كلمة رئيس مجلس الوزراء التي تلت العرض، أنه غير راضٍ عن ما جاء فيه، وربما بدا أيضاً أنه غير راضٍ عن ما جاء في الملخص الموزَّع على المشاركين في الورشة، أو أنه غير راض عن الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية كما أعدَّت، بكاملها.
فالخطة، وملخصها بالأهداف وبالتفاصيل، قد تجاهلت سنوات الإعمار. وربما رأي رئيس مجلس الوزراء، أن العرض المقدَّم في الجزء الإحتفالي من الورشة لم يصحِّح، أو أنه، في أقل تقدير، لم يعط سنوات الإعمار حقها، ولم يسلِّط الضوء على إنجازاتها. ورئيس مجلس الوزراء، العائد من لشبونة مع رهط كبير من الوزراء، وعلى صدره جائزة الشرف الخاصة للعام 2004، التي منحها له برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية تقديراً لدوره في إطلاق إعمار لبنان بعد الحرب، رئيس مجلس الوزراء هو إذاً المعمِّر العالمي الأول في العام 2004، ونهجه في الإعمار مثالي، وهو بالتالي لا يقبل بديلاً عن هذا النهج، أو تعديلاً له. فلماذا كل هذا الكلام عن التنظيم، والتصنيف، والحماية، والإنماء المتوازن، وإشراك المناطق في العملية الاقتصادية!؟ والتغلب على العوائق الطبيعية التي تفصل المناطق ووصلها بالطرقات، وتجهيزها، ومحاربة الفقر فيها!؟
لم يقتنع رئيس مجلس الوزراء بالتأكيد، بالكلام المنمَّق عن الحرية، والإبتعاد عن الإكراه في السكن وفي الإستثمار. وهو لم يقتنع أيضاً، بالتلطي خلف العوائق الطبيعية عند تأكيد الخطة على وحدة البلد في الاقتصاد والمجتمع والأراضي. فمفهومه للوحدة مختلف، ومفهومه لإستعمال الأراضي مختلف أيضاً، وموقفه من الشاطىء، والقمم، وشريط الأرز اللبناني، ومناطق الثروة الزراعية الوطنية، ومناطق الثروة الطبيعية الوطنية، موقفه من كل هذه المسائل مختلف كلياً عن ما جاء في الخطة الشاملة، أو في ملخصها، أو في العرض الذي سمعه.
بدا رئيس مجلس الوزراء، وكأنه رافض لكل ذلك، أو كأنه غير مرتــــــاح له في أقل تقديــــــر، فاعتلى المنصة وارتجل كلمة مقتضبة قاسية بعض ما قاله فيها:
"اعتقد أن هناك عملاً واضحاً، وجهداً بذله جميع القيمين على المشروع. لكنني اريد أن أوضح نقطتين:
النقطة الأولى: وهي أن من يستمع إلى العرض الذي قدَّمه الأستاذ فؤاد، يخرج بانطباعٍ وكأن لبنان فارغ من كل شيء. والحقيقة أن لبنان ليس بلداً فارغاً من كل شيء، بل هو بلدٌ مليءٌ بكل شيء. فعندنا الكثير من الأمور الموجودة، وهي بحاجة إلى تنظيمها أو توضيحها، وعندنا القليل من الأمور الناقصة، وهي بحاجة إلى عمل، ومن الضروري تسليط الضوء عليها لإستكمالها.
و النقطة الثانية: هي أنني ألاحظ كأننا نقول إن البلد في حال فوضى عارمة. والبلد ليس في حال فوضى عارمة. هناك أمور عديدة جداً موجودة، سواء أخذنا مشاريع الري، أو مشاريع الطرق، أو مشاريع المياه.
فكل الأمور التي ذُكِرَت موجودة، ولكنها تحتاج إلى استكمال. إن هذه الرؤية أو الخطة التي هي أمامنا أنجزت لكي تضيء على المناطق التي هي في حاجة إلى استكمال... إلخ" (انتهى حديث رئيس مجلس الوزراء) دون الحاجة إلى ذكر ما قاله عن ضرورة إقرار الخطة في مجلس الوزراء، وعرضها بعد ذلك على مجلس النواب، ومراحل التنفيذ والتشريعات.
لن أستعرض كل ما جاء في الملخص، أو في الخطة الشاملة. ففيها مثلاً ضرورة الحفاظ على مناطق الثروة الزراعية الوطنية، في البقاع والكورة وعكار خاصة، وحصرية استعمال الأراضي في هذه المناطق للأغراض الزراعية. وفيها ضرورة حماية مناطق الثروة الطبيعية الوطنية، في القمم، وفي شريط الأرز اللبناني، وفي الأودية الكبرى والغابات. وفيها ضرورة وقف التعديات على الشاطىء، وحماية المواقع الطبيعية فيه، في شكا وفي أنفه، وفي الشاطىء الرملي في سهل عكار. وفيها أيضاً ضرورة حماية الملاحات في أنفه، (ونضيف الملاحات في الشيخ زناد في عكار)، وحرفة صيد السمك ومرافىء الصيد الطبيعية الصغيرة.
سأكتفي بهذا القدر، لأعود إلى ورشة العمل، وإلى عرض الدكتور فؤاد عواضه للخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، إذ حدَّد في ضوء الأهداف التسعة للخطة المذكورة آنفاً، ثلاثة خيارات رئيسة بنيت عليها الخطة الشاملة وهي: (1) وحدة لبنان أي وحدة الاقتصاد والمجتمع والأراضي كما قال، (2) الإنماء المتوازن مؤكداً المفهوم الأساسي لإنماء متوازن قائم على إشراك المناطق في العملية الاقتصادية الوطنية، (3) وترشيد استخدام الموارد ومنها بشكل خاص الأراضي، خاصة وأن ترتيب هذه الأراضي، هو موضوع الخطة، وموضوع الورشة. وأكد أن الإستعمال الأفضل للأراضي يقوم على ثلاثة معايير هي: (1) تصنيف الأراضي وفق طبيعتها وموقعها، (2) ميزاتها، (3) المعوقات التي تتحكم بتطويرها. وقسَّم الأراضي في باب تصنيفها، إلى مناطق وهي: (1) المناطق المدينية، (2) مناطق الثروة الطبيعية، (3) مناطق الثروة الزراعية، (4) المناطق المختلطة. وعدَّد المميزات في بعض المناطق، من وجودٍ للآثار وللتراث، أو للمواقع الطبيعية، وخصَّ الشاطىء بتوقف طويل نسبياً. وعدَّد بعد ذلك المعوقات الطبيعية، من فيضانات، وانزلاق للتربة، وتلوث للمياه الجوفية. ثم عرض المقترحات لتنظيم الأراضي وتجهيزها، وعدَّد أخيراً، مراحل التنفيذ كي تأخذ الخطة طريقها إلى النجاح.
ربَّما بدا في كلمة رئيس مجلس الوزراء التي تلت العرض، أنه غير راضٍ عن ما جاء فيه، وربما بدا أيضاً أنه غير راضٍ عن ما جاء في الملخص الموزَّع على المشاركين في الورشة، أو أنه غير راض عن الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية كما أعدَّت، بكاملها.
فالخطة، وملخصها بالأهداف وبالتفاصيل، قد تجاهلت سنوات الإعمار. وربما رأي رئيس مجلس الوزراء، أن العرض المقدَّم في الجزء الإحتفالي من الورشة لم يصحِّح، أو أنه، في أقل تقدير، لم يعط سنوات الإعمار حقها، ولم يسلِّط الضوء على إنجازاتها. ورئيس مجلس الوزراء، العائد من لشبونة مع رهط كبير من الوزراء، وعلى صدره جائزة الشرف الخاصة للعام 2004، التي منحها له برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية تقديراً لدوره في إطلاق إعمار لبنان بعد الحرب، رئيس مجلس الوزراء هو إذاً المعمِّر العالمي الأول في العام 2004، ونهجه في الإعمار مثالي، وهو بالتالي لا يقبل بديلاً عن هذا النهج، أو تعديلاً له. فلماذا كل هذا الكلام عن التنظيم، والتصنيف، والحماية، والإنماء المتوازن، وإشراك المناطق في العملية الاقتصادية!؟ والتغلب على العوائق الطبيعية التي تفصل المناطق ووصلها بالطرقات، وتجهيزها، ومحاربة الفقر فيها!؟
لم يقتنع رئيس مجلس الوزراء بالتأكيد، بالكلام المنمَّق عن الحرية، والإبتعاد عن الإكراه في السكن وفي الإستثمار. وهو لم يقتنع أيضاً، بالتلطي خلف العوائق الطبيعية عند تأكيد الخطة على وحدة البلد في الاقتصاد والمجتمع والأراضي. فمفهومه للوحدة مختلف، ومفهومه لإستعمال الأراضي مختلف أيضاً، وموقفه من الشاطىء، والقمم، وشريط الأرز اللبناني، ومناطق الثروة الزراعية الوطنية، ومناطق الثروة الطبيعية الوطنية، موقفه من كل هذه المسائل مختلف كلياً عن ما جاء في الخطة الشاملة، أو في ملخصها، أو في العرض الذي سمعه.
بدا رئيس مجلس الوزراء، وكأنه رافض لكل ذلك، أو كأنه غير مرتــــــاح له في أقل تقديــــــر، فاعتلى المنصة وارتجل كلمة مقتضبة قاسية بعض ما قاله فيها:
"اعتقد أن هناك عملاً واضحاً، وجهداً بذله جميع القيمين على المشروع. لكنني اريد أن أوضح نقطتين:
النقطة الأولى: وهي أن من يستمع إلى العرض الذي قدَّمه الأستاذ فؤاد، يخرج بانطباعٍ وكأن لبنان فارغ من كل شيء. والحقيقة أن لبنان ليس بلداً فارغاً من كل شيء، بل هو بلدٌ مليءٌ بكل شيء. فعندنا الكثير من الأمور الموجودة، وهي بحاجة إلى تنظيمها أو توضيحها، وعندنا القليل من الأمور الناقصة، وهي بحاجة إلى عمل، ومن الضروري تسليط الضوء عليها لإستكمالها.
و النقطة الثانية: هي أنني ألاحظ كأننا نقول إن البلد في حال فوضى عارمة. والبلد ليس في حال فوضى عارمة. هناك أمور عديدة جداً موجودة، سواء أخذنا مشاريع الري، أو مشاريع الطرق، أو مشاريع المياه.
فكل الأمور التي ذُكِرَت موجودة، ولكنها تحتاج إلى استكمال. إن هذه الرؤية أو الخطة التي هي أمامنا أنجزت لكي تضيء على المناطق التي هي في حاجة إلى استكمال... إلخ" (انتهى حديث رئيس مجلس الوزراء) دون الحاجة إلى ذكر ما قاله عن ضرورة إقرار الخطة في مجلس الوزراء، وعرضها بعد ذلك على مجلس النواب، ومراحل التنفيذ والتشريعات.
صفحة 7
V ـ ما العمل؟
في الصحف الصادرة يوم الأحد في 19 أيلول 2004، تغطية واسعة لفعاليات "ورشة العمل حول الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية"، رغم إنشغال الجميع بالتمديد وبقرار مجلس الأمن. والبارز في هذه التغطية، أن معظم الصحف نشرت النص الكامل لكلمة رئيس مجلس الوزراء، وفيها موقفه من الخطة، وخاصة موقفه من العرض الذي قــــــُدِّم في الورشة، ومفهومه للخطة ولدورها. في حين غاب عن التغطية كلياً، جوهر الخطة ومضمونها، وأهدافها، والخطوات العملية المقترحة لإقرارها، كما عرضها مدير المشروع الصديق الدكتور فؤاد عواضه.
كل شيء موجود، يقول رئيس مجلس الوزراء، ونحن لسنا في حال فوضى عارمة يؤكد، وكل ما هو موجود هو جيد ينبغي استكماله، والخطة الشاملة لترتيب الأراضي عليها أن تكمل الموجود.
لا مجال للنقد، للملاحظة، للتعديل، أو لإعادة التقويم. لا مجال لأي تصحيح.
هل علينا أن نرى في ذلك دعوة واضحة لمحاصرة الخطة؟ ولإفراغها من مضمونها؟ ولتجريدها من كل ما هو إيجابي فيها...!؟وما العمل؟
السفير 8/10/2004 2
2
الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية:
تأثير الخطة المقترحة في المجال العام،وفي علاقة الإنسان بمحيطه.
1 - في المقدمــــــة تعريــــــف. المجال، والمجال العام.
- المجال في التعريف، هو امتدادٌ غيرُ محدود، يحوي كلَّ الأشياء ويُحيط بها. ويمكن لصيغة غير محدود، أن تكون مرادفة لصيغة لا نهائي، أو لصيغة لا نستطيع تحديده. وفي مقاربة أخرى، يمكن فهم المجال، بكونه خاصية يتمَّيز بها شئٌ ما، فتجعله يحتل امتداداً محدداً، ولكن داخل امتدادٍ آخرٍ أوسع منه.
- أما المجال العام، فهو مفهوم جديد في التنظيم المديني، لا يحظى غالباً بتعريف دقيق. وربما استطعنا أن نعتبر المجال العام، جزءً من الأملاك العامة غير المبنية، مخصصاً لاستعمالات عامة. كما يمكننا أن نعيد نشوء مفهوم المجال العام، إلى تكوُّن مفهوم المجال الخاص في المدن، والمنظَّم حول مؤسسة الأسرة أو العائلة. وكردّ على تنظيم المجالات وتخصيصها لاستخدامات الأسر، يأتي تنظيم المجالات لاستخداماتٍ عامة، مشكلاً بذلك المجال العام، حيث الإغفال، والذوبان، واللقاءَات العابرة.
والمجال العام كما نعرفه اليوم هو مجال المرور، والنزهة، والتجارة، والتلاقي، والتجمع، والتبادل.
في الصحف الصادرة يوم الأحد في 19 أيلول 2004، تغطية واسعة لفعاليات "ورشة العمل حول الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية"، رغم إنشغال الجميع بالتمديد وبقرار مجلس الأمن. والبارز في هذه التغطية، أن معظم الصحف نشرت النص الكامل لكلمة رئيس مجلس الوزراء، وفيها موقفه من الخطة، وخاصة موقفه من العرض الذي قــــــُدِّم في الورشة، ومفهومه للخطة ولدورها. في حين غاب عن التغطية كلياً، جوهر الخطة ومضمونها، وأهدافها، والخطوات العملية المقترحة لإقرارها، كما عرضها مدير المشروع الصديق الدكتور فؤاد عواضه.
كل شيء موجود، يقول رئيس مجلس الوزراء، ونحن لسنا في حال فوضى عارمة يؤكد، وكل ما هو موجود هو جيد ينبغي استكماله، والخطة الشاملة لترتيب الأراضي عليها أن تكمل الموجود.
لا مجال للنقد، للملاحظة، للتعديل، أو لإعادة التقويم. لا مجال لأي تصحيح.
هل علينا أن نرى في ذلك دعوة واضحة لمحاصرة الخطة؟ ولإفراغها من مضمونها؟ ولتجريدها من كل ما هو إيجابي فيها...!؟وما العمل؟
السفير 8/10/2004 2
2
الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية:
تأثير الخطة المقترحة في المجال العام،وفي علاقة الإنسان بمحيطه.
1 - في المقدمــــــة تعريــــــف. المجال، والمجال العام.
- المجال في التعريف، هو امتدادٌ غيرُ محدود، يحوي كلَّ الأشياء ويُحيط بها. ويمكن لصيغة غير محدود، أن تكون مرادفة لصيغة لا نهائي، أو لصيغة لا نستطيع تحديده. وفي مقاربة أخرى، يمكن فهم المجال، بكونه خاصية يتمَّيز بها شئٌ ما، فتجعله يحتل امتداداً محدداً، ولكن داخل امتدادٍ آخرٍ أوسع منه.
- أما المجال العام، فهو مفهوم جديد في التنظيم المديني، لا يحظى غالباً بتعريف دقيق. وربما استطعنا أن نعتبر المجال العام، جزءً من الأملاك العامة غير المبنية، مخصصاً لاستعمالات عامة. كما يمكننا أن نعيد نشوء مفهوم المجال العام، إلى تكوُّن مفهوم المجال الخاص في المدن، والمنظَّم حول مؤسسة الأسرة أو العائلة. وكردّ على تنظيم المجالات وتخصيصها لاستخدامات الأسر، يأتي تنظيم المجالات لاستخداماتٍ عامة، مشكلاً بذلك المجال العام، حيث الإغفال، والذوبان، واللقاءَات العابرة.
والمجال العام كما نعرفه اليوم هو مجال المرور، والنزهة، والتجارة، والتلاقي، والتجمع، والتبادل.
صفحة 8
2 - تأثير المخطط العام المقترح في المجال العام المديني والشاطئي
2-1- المجال العام المديني
يبدأ تأثير المخطط التوجيهي لترتيب الأراضي اللبنانية في المجال العام، بمقاربته لمفهوم المجال.
فهو يرى بدايةً، أن أراضي الوطن، هي إرثٌ مشتركٌ لجميع أبنائه، يحق للأجيال الحالية أن تستخدمها، ولكن من واجبها أن تسلمها إلى الأجيال القادمة بكل ثرواتها. فأراضي الوطن بهذا المعنى، مجالات عامة بكاملها.
ثم يرى بعد ذلك، أن لبنان بمساحته، هو البلد العربي الصغير الثاني. إلا أن عدد سكانه يتعدى الأربعة ملايين، يعيش ثلثاهم على ثلث أراضيه، في المدن الساحلية، وفي البلدات فوق الهضاب المطلة على البحر. وفي هذه المعطيات، دلالات عدة على مضمون مقاربة المخطط لمفهوم المجال، وعلى تأثيره فيه.
أولها، دلالةٌ حول ندرة المجال. فيشدِّد المخطط، على أن الواجب يقضي بأن ننظم استغلاله عقلانياً، لا أن نستهلكه. وندرةُ المجالات تظهر بشكل حادٍ في مدننا. وهي أي الندرة، مضافة إلى الملكية الخاصة للأراضي، تعقــــــِّد عندنا تنظيم استغلال المجال، الذي أشار إليه المخطط.
و ثانيها، دلالة مزدوجة حول الكثافة السكانية. فهي مرتفعة نسبياً على المستوى الوطني، رغم قلة عدد السكان في الداخل وفي الأطراف، إلا أنها شديدة الإرتفاع على الشريط الساحلي المديني.
إن هذه المعطيات تجعل المجال العام في لبنان، مجالاً عاماً مدينياً بالأساس. وهو يضم أولاً، شبكات النقل والمواصلات التي تساهم في توحيد الوطن، من أوتوسترادات، وطرق أخرى. فهي مجالات علاقات اقتصادية، وإنسانية، ومجالات هيكلة أو إعادة هيكلة، للأراضي الوطنية.
وهو يضم أيضاً الشوارع بداية، باصطفافِ المباني فيها على حدود التراجعات، بعِمارة الشوراع وبواجهاتها، بالأرصفة خاصةً. كما يضم الساحات، والأروقة، والممرات المسقوفة، والفسحات، والمنتزهات، والحدائق، والمقابر، وغيرها.
في المخطط، اهتمام محدود بالمجال العام المديني، وسيكون تأثيره فيه بالتالي، محدوداً.
فهو يرى بحق، أن اصطفاف المباني عند حدود التراجعَات هو اصطفافٌ إلزاميٌّ، وأن المبنيَّ الجديد، عليه أن يُحسِن الإندماج في المحيط حيث يقوم، وأن عِمارة المدينة، عليها أن تكون متجانسة بأشكالها، وبألوانها، وبموادها. ولهذه الرؤية حضورُها عند مقاربة المخطط لقانونَيْ التنظيم المديني والبناء. رغم إغفاله لمكونات المجال العام المديني الأخرى، كالساحات، والحدائق، والمجالات الخضراء، والأرصفة.
إلا أن مقياس اهتمام المخطط بالمجال العام المديني، هو التزامه الصريح بأن جودة هذا المجال، هي المعيار الأول لجودة العيش في المدينة.
أن مدننا الساحلية، هي مدنٌ تاريخية. ولا مقاربة للمجال فيها، بمعزل عن الزمن، الذي يتدخل في استعمال المجال على منسوب آخر، إنه الزمن التاريخي. يكتب التاريخ الزمن في المدن، ويترك فيها المعالمَ حيث حدث هذا التاريخ. وعلى مدننا التاريخية أن تُدير مجالها، ولكن عليها أيضاً أن تُدير تاريخها. وهذا يقود إلى مسألة المحافظة على المعالم التاريخية البارزة، وعلى محيط هذه المعالم، وهي أحياءٌ بكاملها. إن مقاربة موضوع المجال في مدننا بعلاقته بالزمن، يقودُ إلى مفهوم الآثار ومفهوم التراث. ففي مدننا التاريخية آثارٌ قيمة، يُحافَظُ عليها، وإرثٌ مبنيٌ غنيٌّ يحافظُ عليه أيضاً. إنها مجالات عامة مدينية بامتياز، حرص المخطط على التوصية بحمايتها ضمن محيطين، محيط واسع وآخر ضيق.
كما حرص المخطط على إبراز المشاهد الطبيعية التي تختزنها مدننا الساحلية، وهي ثروة حقيقية. إلا أنه لم يذكر أن التعديات المستمرَّة والتي تحميها المراسيم، لم تُبقِ من مكونات هذه الثروة إلا القليل. والمتبقي من هذه الثروة، هي مجالات عامة مدينية بامتياز، يُبرِز المخطَّط دورها.
2-2- الأملاك العامة البحرية، أو المجال العام على الشاطئ.
لقد عرَّف القانون الأملاك العامة البحرية، بكونها تضمُّ، إلى البحر، جزءاً من اليابسة يمتد من المياه، إلى أبعدِ نقطةٍ تصلها الأمواج في فصل الشتاء. وقد تبنَّى المخطط هذا التعريف، ورأى أن هذا الشريط الشاطئي، هو وحدة طبيعية لا يجوز قطعها أو التعدي عليها. والأملاك البحرية هذه هي أملاك عامة، الوصول إليها حرٌ، واستخدامها حرٌّ أيضاً. إنها مجال عام وطني بامتياز.
وتوجد على شواطئنا، مجمعات تراثية حرفية هامة، ومواقع طبيعية مميزة. يلاحظ المخطط، أن هذه المواقع مهددةٌ دائماً بضغط الريع العقاري، وذلك على حساب هوية الأمكنة، ودورها في كتابة هوية لبنان الطبيعية والسياحية.
ففي أنفه يوجد أكبر مجمَّع حرفيٍّ للملاَّحات. وفي الشواطىء الفاصلة بين أنفه وشكا، ملاحات فريدة محفورة في الصخر. وفي الشيخ زناد في عكار، مجمَّع آخر. والملاحات في الموقعين، حرفة ثمينة وتراث عريق. وسيكون لتوصية المخطط بحمايتها، دورٌ كبيرٌ في الحفاظ على هوية الأمكنة، وعلى علاقة الإنسان بمحيطه هناك.
وفي شكا، يدهشنا رأس الشقعة بنتوئه في البحر وبسطحه المنبسط. وفي البربارة - كفركده، مصاطب صخرية متوسطية نموذجية، ذات قيمة علمية عالية. وفي المنصف مسابح اللؤلؤ الحصوية الفريدة. وفي بيروت معلمها الطبيعي الأبرز صخرة الروشة. وبعد الدامور رأس السعديات، وفي الجنوب تلال البياضة، تذكرنا برأس الشقعة في الشمال. وعلى الشاطىء أيضاً مصبات الأنهر الرئيسة.
إن هذه المواقع تساهم في صنع ميزات الشاطىء اللبناني، وهي مجالات عامة طبيعية، من الضروري إبرازها وحمايتها بكل الطرق الممكنة. وسيكون لتوصيات المخطط حول الشاطىء، تأثيرٌ واضحٌ في المجال العام، وفي علاقة الناس به.
إلا أنني أود أن أشير هنا، إلى أن المخطط لم يُضف الكثير إلى دراسةٍ للشواطىء الشمالية، اُعدتها مؤسسة الدراسات المعمارية والمدينية (رهيف فياض ومشاركوه) بطلبٍ من المديرية العامة للتنظيم المديني، أُنجِزت في العام 2001، ونُشِِر بحثٌ عنها في جريــــــدة السفيــــــر في 22/12/2001. لقد اصطدمت الدراسة بالكثير من المعِّوقات، خاصة عندما أوصت، ومنذ خمس سنوات، بقطع التمدد الشريطي للبنيان على الشاطىء بفواصل خضراء متكررة، أو بإقامة المحميات الحرفية والطبيعية الشاطئية، أو بحماية مصبات الأنهر. لم يشر المخطط إلى الدراسة، ولم يشر أيضاً إلى الآلية التي سيعتمدها لتخطِّي المعِّوقات المذكورة، خاصة وأن معظم مقترحاته، قد سبق ووردت في الدراسة.
2-1- المجال العام المديني
يبدأ تأثير المخطط التوجيهي لترتيب الأراضي اللبنانية في المجال العام، بمقاربته لمفهوم المجال.
فهو يرى بدايةً، أن أراضي الوطن، هي إرثٌ مشتركٌ لجميع أبنائه، يحق للأجيال الحالية أن تستخدمها، ولكن من واجبها أن تسلمها إلى الأجيال القادمة بكل ثرواتها. فأراضي الوطن بهذا المعنى، مجالات عامة بكاملها.
ثم يرى بعد ذلك، أن لبنان بمساحته، هو البلد العربي الصغير الثاني. إلا أن عدد سكانه يتعدى الأربعة ملايين، يعيش ثلثاهم على ثلث أراضيه، في المدن الساحلية، وفي البلدات فوق الهضاب المطلة على البحر. وفي هذه المعطيات، دلالات عدة على مضمون مقاربة المخطط لمفهوم المجال، وعلى تأثيره فيه.
أولها، دلالةٌ حول ندرة المجال. فيشدِّد المخطط، على أن الواجب يقضي بأن ننظم استغلاله عقلانياً، لا أن نستهلكه. وندرةُ المجالات تظهر بشكل حادٍ في مدننا. وهي أي الندرة، مضافة إلى الملكية الخاصة للأراضي، تعقــــــِّد عندنا تنظيم استغلال المجال، الذي أشار إليه المخطط.
و ثانيها، دلالة مزدوجة حول الكثافة السكانية. فهي مرتفعة نسبياً على المستوى الوطني، رغم قلة عدد السكان في الداخل وفي الأطراف، إلا أنها شديدة الإرتفاع على الشريط الساحلي المديني.
إن هذه المعطيات تجعل المجال العام في لبنان، مجالاً عاماً مدينياً بالأساس. وهو يضم أولاً، شبكات النقل والمواصلات التي تساهم في توحيد الوطن، من أوتوسترادات، وطرق أخرى. فهي مجالات علاقات اقتصادية، وإنسانية، ومجالات هيكلة أو إعادة هيكلة، للأراضي الوطنية.
وهو يضم أيضاً الشوارع بداية، باصطفافِ المباني فيها على حدود التراجعات، بعِمارة الشوراع وبواجهاتها، بالأرصفة خاصةً. كما يضم الساحات، والأروقة، والممرات المسقوفة، والفسحات، والمنتزهات، والحدائق، والمقابر، وغيرها.
في المخطط، اهتمام محدود بالمجال العام المديني، وسيكون تأثيره فيه بالتالي، محدوداً.
فهو يرى بحق، أن اصطفاف المباني عند حدود التراجعَات هو اصطفافٌ إلزاميٌّ، وأن المبنيَّ الجديد، عليه أن يُحسِن الإندماج في المحيط حيث يقوم، وأن عِمارة المدينة، عليها أن تكون متجانسة بأشكالها، وبألوانها، وبموادها. ولهذه الرؤية حضورُها عند مقاربة المخطط لقانونَيْ التنظيم المديني والبناء. رغم إغفاله لمكونات المجال العام المديني الأخرى، كالساحات، والحدائق، والمجالات الخضراء، والأرصفة.
إلا أن مقياس اهتمام المخطط بالمجال العام المديني، هو التزامه الصريح بأن جودة هذا المجال، هي المعيار الأول لجودة العيش في المدينة.
أن مدننا الساحلية، هي مدنٌ تاريخية. ولا مقاربة للمجال فيها، بمعزل عن الزمن، الذي يتدخل في استعمال المجال على منسوب آخر، إنه الزمن التاريخي. يكتب التاريخ الزمن في المدن، ويترك فيها المعالمَ حيث حدث هذا التاريخ. وعلى مدننا التاريخية أن تُدير مجالها، ولكن عليها أيضاً أن تُدير تاريخها. وهذا يقود إلى مسألة المحافظة على المعالم التاريخية البارزة، وعلى محيط هذه المعالم، وهي أحياءٌ بكاملها. إن مقاربة موضوع المجال في مدننا بعلاقته بالزمن، يقودُ إلى مفهوم الآثار ومفهوم التراث. ففي مدننا التاريخية آثارٌ قيمة، يُحافَظُ عليها، وإرثٌ مبنيٌ غنيٌّ يحافظُ عليه أيضاً. إنها مجالات عامة مدينية بامتياز، حرص المخطط على التوصية بحمايتها ضمن محيطين، محيط واسع وآخر ضيق.
كما حرص المخطط على إبراز المشاهد الطبيعية التي تختزنها مدننا الساحلية، وهي ثروة حقيقية. إلا أنه لم يذكر أن التعديات المستمرَّة والتي تحميها المراسيم، لم تُبقِ من مكونات هذه الثروة إلا القليل. والمتبقي من هذه الثروة، هي مجالات عامة مدينية بامتياز، يُبرِز المخطَّط دورها.
2-2- الأملاك العامة البحرية، أو المجال العام على الشاطئ.
لقد عرَّف القانون الأملاك العامة البحرية، بكونها تضمُّ، إلى البحر، جزءاً من اليابسة يمتد من المياه، إلى أبعدِ نقطةٍ تصلها الأمواج في فصل الشتاء. وقد تبنَّى المخطط هذا التعريف، ورأى أن هذا الشريط الشاطئي، هو وحدة طبيعية لا يجوز قطعها أو التعدي عليها. والأملاك البحرية هذه هي أملاك عامة، الوصول إليها حرٌ، واستخدامها حرٌّ أيضاً. إنها مجال عام وطني بامتياز.
وتوجد على شواطئنا، مجمعات تراثية حرفية هامة، ومواقع طبيعية مميزة. يلاحظ المخطط، أن هذه المواقع مهددةٌ دائماً بضغط الريع العقاري، وذلك على حساب هوية الأمكنة، ودورها في كتابة هوية لبنان الطبيعية والسياحية.
ففي أنفه يوجد أكبر مجمَّع حرفيٍّ للملاَّحات. وفي الشواطىء الفاصلة بين أنفه وشكا، ملاحات فريدة محفورة في الصخر. وفي الشيخ زناد في عكار، مجمَّع آخر. والملاحات في الموقعين، حرفة ثمينة وتراث عريق. وسيكون لتوصية المخطط بحمايتها، دورٌ كبيرٌ في الحفاظ على هوية الأمكنة، وعلى علاقة الإنسان بمحيطه هناك.
وفي شكا، يدهشنا رأس الشقعة بنتوئه في البحر وبسطحه المنبسط. وفي البربارة - كفركده، مصاطب صخرية متوسطية نموذجية، ذات قيمة علمية عالية. وفي المنصف مسابح اللؤلؤ الحصوية الفريدة. وفي بيروت معلمها الطبيعي الأبرز صخرة الروشة. وبعد الدامور رأس السعديات، وفي الجنوب تلال البياضة، تذكرنا برأس الشقعة في الشمال. وعلى الشاطىء أيضاً مصبات الأنهر الرئيسة.
إن هذه المواقع تساهم في صنع ميزات الشاطىء اللبناني، وهي مجالات عامة طبيعية، من الضروري إبرازها وحمايتها بكل الطرق الممكنة. وسيكون لتوصيات المخطط حول الشاطىء، تأثيرٌ واضحٌ في المجال العام، وفي علاقة الناس به.
إلا أنني أود أن أشير هنا، إلى أن المخطط لم يُضف الكثير إلى دراسةٍ للشواطىء الشمالية، اُعدتها مؤسسة الدراسات المعمارية والمدينية (رهيف فياض ومشاركوه) بطلبٍ من المديرية العامة للتنظيم المديني، أُنجِزت في العام 2001، ونُشِِر بحثٌ عنها في جريــــــدة السفيــــــر في 22/12/2001. لقد اصطدمت الدراسة بالكثير من المعِّوقات، خاصة عندما أوصت، ومنذ خمس سنوات، بقطع التمدد الشريطي للبنيان على الشاطىء بفواصل خضراء متكررة، أو بإقامة المحميات الحرفية والطبيعية الشاطئية، أو بحماية مصبات الأنهر. لم يشر المخطط إلى الدراسة، ولم يشر أيضاً إلى الآلية التي سيعتمدها لتخطِّي المعِّوقات المذكورة، خاصة وأن معظم مقترحاته، قد سبق ووردت في الدراسة.
صفحة 9
3 - تأثير المخطط التوجيهي لترتيب الأراضي في المجال العام الوطني.
يبدو المخطط أكثر تأثيراً في المجال العام، عندما يعرض توصياته حول تصنيف الأراضي اللبنانية، انطلاقاً من مؤهلاتها ومن استعمالاتها الفضلى. بل يبدو وكأنه يحاول بذلك، صنع المجال العام. فهو يوصي بتصنيف الأراضي اللبنانية، إلى مناطق مدينية، ومناطق ريفية، ومناطق زراعية، ومناطق طبيعية.
1-3 المجالات العامة الطبيعية.
فعلى منسوب 1500 م، وفيه كورِّيدور الأرز، وبساتين الأشجار المثمرة الجبلية، يوصي المخطط بحماية ملائمة لهذا الكورِّيدور، في امتدادته من الباروك حتى أطراف جبال عكار، ويسمح بأن تقام فيه محطَّات التزلج. إنها مجالات عامة، طبيعية، بامتياز.
ويُحصي المخطط، المناطق اللبنانية المتميزة بمناظرها الجميلة، وبمزاياها الطبيعية، فيوصي بالحفاظ عليها وبإبرازها، كما يُوصي بإقامة نوع من "الباركات" أو المنتزهات، بمقاييس من الحماية اللينة المتعارف عليها دولياً، فيصنع بذلك مجالاتٍ عامة طبيعية بامتياز. إنها بالتأكيد صناعة ناجحة.
ثم يلاحظ المخطط، أن لا عيش في لبنان فوق منسوب الــــــ 1500م إلا نادراً. خطُّ القمم يمتدُّ من منسوب 1900م إلى مناسيب اكثر ارتفاعاً. القمم حسَّاسة، بالغةُ الأهمية بيئياً، لكونها الخزان الكبير لمياه لبنان. وهي تتمتع بسحرٍ مشهديٍّ حاضن، فيصنِّفها المخطط، ويمنع كل أشكال البنيان فوقها، باستثناء منشآت الاتصال الضرورية والمنشآت العسكرية، وطرق العبور الوطنية بين الساحل والبقاع. ويقيمُ بذلك مجالات عامة طبيعية ومشهدية بامتياز.
3-2- المجالات العامة الزراعية.
ثم يلاحظ المخطط، أن نصف أراضي لبنان صالحة للزراعة، إلا أنها مجزأة ومبعثرة. فيرى وسط هذه التجزئة، أربع مناطق زراعية يسميِّها كبرى: الأولى في الجنوب، والثانية في البقاع، والثالثة في الشمال في الكورة، والرابعة في سهل عكار. يصنِّف المخطط هذه المناطق بكونها مناطق زراعية كبرى، ويوصي بحمايتها بهذه الصفة، ويقترح شروطاً قاسية للفرز والبناء فيها. وسوف تشكل هذه المناطق بفعل هذا التصنيف، مجالات عامة مشهدية وطبيعية.
3-3- المجالات العامة الريفية.
ويجزم المخطط، بأن ثلث اللبنانيين الذين يعيشون في ثلثي أراضيه خارج المناطق المدينية، انما يعيشون في أكثر من ألف بلدة وقرية منتشرة في كل لبنان. كما يجزم بأن 80% إلى 90% من هذه المناطق، هي غير منظمة. إلا أن هذا الواقع، لا يعني أن لا بنيان فيها، بل الواقع هو عكس ذلك تماماً. فإن طفرات البنيان خلال الحرب الأهلية وبعد انتهائها خاصة، إنما طالتها بالدرجة الأولى، فاستباحت ودمَّرت، لأن أراضيها رخيصة، وعواملُ الاستثمار فيها ومعَّدلاته مرتفعة، عملاً بما يعرف بالمناطق غير المنظمة العادية (8،0 و 40%)، ومناطق الاصطياف (9،0 و 30%).
يقترح المخطط قراءة للأراضي، انطلاقاً من استعمالاتها الكبرى الحالية، ومن أهليتها لاستمرار هذه الاستعمالات، ويصنّفها مناطق مدينية (U) ، ومناطق ريفية (R) ، ومناطق زراعية (A) ، ومناطق طبيعية (N) من ثلاثة مكونات: القمم (N1) ، وكوريدور الأرز (N2) ، والوديان (N3). فهو يحمي بهذا، المناطق الزراعية الكبرى، والمناطق الطبيعية الأساسية بمكوناتها الثلاثة. أما في المناطق الريفية فهو يقترح إلغاء مفهوم المناطق غير المنظمة، ويستبدله بتنظيم مديني مؤقت. فيحصر توسع القرى والبلدات في امتداداتها المباشرة، ويمنع بعثرة المباني في المناطق الزراعية أو الطبيعية فيها، ويحدّد عدد الطوابق، ويحرص على تناغم النسيج المبني الجديد بمواده وألوانه،مع النسيج القائم في البلدة أو القرية.
يحاول المخطط في كل هذا، حماية المتبقي من الطابع الريفي في بعض البلدات والقرى. إذ إن المتبقي من الطابع الريفي هذا، هو ثروة وطنية، وقيمة إنسانية كبيرة، على اللبنانيين أن يحافظوا عليها، لتشكل مجالاً عاماً ريفياً بامتياز، يُفرحُ الزائر بصرياً، وإنسانياً.
إلا أن الناتج الإيجابي لهذه التوجهات، قد تعطِّله ثغرات ثلاث: أولها عدم الالتفات إلى قياسات الكتل في كل ما سيبنى مقارنة بقياسات الكتل القائمة، و ثانيها الإصرار غير المفهوم على أن تكون المباني في مركز البلدة أو القرية، أكثر ارتفاعاً من المباني في أطرافها، (وما العمل، إذا كان لهذا المركز قيمة تاريخية أو معمارية؟) و ثالثها السماح ببناء المجمعات الكبرى في هذه البلدات والقرى، وإنْ ضمن بعض الضوابط الصعبة التحقيق. ربما يعرف بعضُنا بلدات برسا، وضهر العين، وقرية النخلة الصغيرة في الكورة، وما آلت إليه بطبيعتها وبعمرانها، بفعل تشييد هذه المجمَّعات فيها.
يبدو المخطط أكثر تأثيراً في المجال العام، عندما يعرض توصياته حول تصنيف الأراضي اللبنانية، انطلاقاً من مؤهلاتها ومن استعمالاتها الفضلى. بل يبدو وكأنه يحاول بذلك، صنع المجال العام. فهو يوصي بتصنيف الأراضي اللبنانية، إلى مناطق مدينية، ومناطق ريفية، ومناطق زراعية، ومناطق طبيعية.
1-3 المجالات العامة الطبيعية.
فعلى منسوب 1500 م، وفيه كورِّيدور الأرز، وبساتين الأشجار المثمرة الجبلية، يوصي المخطط بحماية ملائمة لهذا الكورِّيدور، في امتدادته من الباروك حتى أطراف جبال عكار، ويسمح بأن تقام فيه محطَّات التزلج. إنها مجالات عامة، طبيعية، بامتياز.
ويُحصي المخطط، المناطق اللبنانية المتميزة بمناظرها الجميلة، وبمزاياها الطبيعية، فيوصي بالحفاظ عليها وبإبرازها، كما يُوصي بإقامة نوع من "الباركات" أو المنتزهات، بمقاييس من الحماية اللينة المتعارف عليها دولياً، فيصنع بذلك مجالاتٍ عامة طبيعية بامتياز. إنها بالتأكيد صناعة ناجحة.
ثم يلاحظ المخطط، أن لا عيش في لبنان فوق منسوب الــــــ 1500م إلا نادراً. خطُّ القمم يمتدُّ من منسوب 1900م إلى مناسيب اكثر ارتفاعاً. القمم حسَّاسة، بالغةُ الأهمية بيئياً، لكونها الخزان الكبير لمياه لبنان. وهي تتمتع بسحرٍ مشهديٍّ حاضن، فيصنِّفها المخطط، ويمنع كل أشكال البنيان فوقها، باستثناء منشآت الاتصال الضرورية والمنشآت العسكرية، وطرق العبور الوطنية بين الساحل والبقاع. ويقيمُ بذلك مجالات عامة طبيعية ومشهدية بامتياز.
3-2- المجالات العامة الزراعية.
ثم يلاحظ المخطط، أن نصف أراضي لبنان صالحة للزراعة، إلا أنها مجزأة ومبعثرة. فيرى وسط هذه التجزئة، أربع مناطق زراعية يسميِّها كبرى: الأولى في الجنوب، والثانية في البقاع، والثالثة في الشمال في الكورة، والرابعة في سهل عكار. يصنِّف المخطط هذه المناطق بكونها مناطق زراعية كبرى، ويوصي بحمايتها بهذه الصفة، ويقترح شروطاً قاسية للفرز والبناء فيها. وسوف تشكل هذه المناطق بفعل هذا التصنيف، مجالات عامة مشهدية وطبيعية.
3-3- المجالات العامة الريفية.
ويجزم المخطط، بأن ثلث اللبنانيين الذين يعيشون في ثلثي أراضيه خارج المناطق المدينية، انما يعيشون في أكثر من ألف بلدة وقرية منتشرة في كل لبنان. كما يجزم بأن 80% إلى 90% من هذه المناطق، هي غير منظمة. إلا أن هذا الواقع، لا يعني أن لا بنيان فيها، بل الواقع هو عكس ذلك تماماً. فإن طفرات البنيان خلال الحرب الأهلية وبعد انتهائها خاصة، إنما طالتها بالدرجة الأولى، فاستباحت ودمَّرت، لأن أراضيها رخيصة، وعواملُ الاستثمار فيها ومعَّدلاته مرتفعة، عملاً بما يعرف بالمناطق غير المنظمة العادية (8،0 و 40%)، ومناطق الاصطياف (9،0 و 30%).
يقترح المخطط قراءة للأراضي، انطلاقاً من استعمالاتها الكبرى الحالية، ومن أهليتها لاستمرار هذه الاستعمالات، ويصنّفها مناطق مدينية (U) ، ومناطق ريفية (R) ، ومناطق زراعية (A) ، ومناطق طبيعية (N) من ثلاثة مكونات: القمم (N1) ، وكوريدور الأرز (N2) ، والوديان (N3). فهو يحمي بهذا، المناطق الزراعية الكبرى، والمناطق الطبيعية الأساسية بمكوناتها الثلاثة. أما في المناطق الريفية فهو يقترح إلغاء مفهوم المناطق غير المنظمة، ويستبدله بتنظيم مديني مؤقت. فيحصر توسع القرى والبلدات في امتداداتها المباشرة، ويمنع بعثرة المباني في المناطق الزراعية أو الطبيعية فيها، ويحدّد عدد الطوابق، ويحرص على تناغم النسيج المبني الجديد بمواده وألوانه،مع النسيج القائم في البلدة أو القرية.
يحاول المخطط في كل هذا، حماية المتبقي من الطابع الريفي في بعض البلدات والقرى. إذ إن المتبقي من الطابع الريفي هذا، هو ثروة وطنية، وقيمة إنسانية كبيرة، على اللبنانيين أن يحافظوا عليها، لتشكل مجالاً عاماً ريفياً بامتياز، يُفرحُ الزائر بصرياً، وإنسانياً.
إلا أن الناتج الإيجابي لهذه التوجهات، قد تعطِّله ثغرات ثلاث: أولها عدم الالتفات إلى قياسات الكتل في كل ما سيبنى مقارنة بقياسات الكتل القائمة، و ثانيها الإصرار غير المفهوم على أن تكون المباني في مركز البلدة أو القرية، أكثر ارتفاعاً من المباني في أطرافها، (وما العمل، إذا كان لهذا المركز قيمة تاريخية أو معمارية؟) و ثالثها السماح ببناء المجمعات الكبرى في هذه البلدات والقرى، وإنْ ضمن بعض الضوابط الصعبة التحقيق. ربما يعرف بعضُنا بلدات برسا، وضهر العين، وقرية النخلة الصغيرة في الكورة، وما آلت إليه بطبيعتها وبعمرانها، بفعل تشييد هذه المجمَّعات فيها.
صفحة 10
4 - شبكات المواصلات والنقل وتأثيرها في المجال العام وفي علاقة الإنسان بمحيطه.
يولي المخطط اهتماماً كبيراً بشبكة المواصلات والنقل، ويبالغ بدورها في إعادة هيكلةِ الوطن، وفي بناء وحدته الوطنية. فيبدو لبنان في أفق 2030، مزدحماً بالسيارات، وبالأوتوسترادات وبالطرقات أيضاً.
وينصبُّ هذا الاهتمام على أهداف عدة، أهمها معالجة الاختناق عند المدخل الشمالي للمجال المديني المركزي (بيروت وجبل لبنان)، وإزالة كل المعِّوقات أمام تقصير المسافات بينه وبين المدن الأقطاب، وبين المدن الأقطاب بعضها مع البعض الآخر، أو مع مدن الربط المتعددة. ويُصرُّ المخطط على فكرةٍ أساسية مفادها، أنه لا يمكن مقاربة موضوع المسافات بين المدن بمعزل عن الوقت، ويبدو حريصاً على إدارة المعادلة مسافة - وقت، كما يدير المعادلة مسافة - نقد. فيشدد على الوقت، في الصلة بين المجال المديني المركزي والمدن الأخرى: ثمانون دقيقة، ستون دقيقة، ثلاثون دقيقة، وكأنه يريد، أن يجتاز واحدنا البلد من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، بساعتين اثنتين.
يعاين المخطط الإتصال مع الجنوب، فلا يرى مشكلة. فالأوتوستراد الموجود يعمل بثلث طاقته، وهو كافٍ حتى العام 2030. ولا مشكلة في الإتصال مع الشمال البعيد، فالأوتوستراد كافٍ أيضاً. ومداخل بيروت من الجنوب متعددة، وتكاد تكون فارغة. فتنحصر المشكلة في الاختناق عند مدخل بيروت الشمالي - الشرقي، فيقترح لذلك حلاًمركباً يقوم على عدة تدابير أهمها: منع البنيان على جانبي الأوتوستراد، واستحداث طريق بحري مكان السكة الحديد في منطقة جل الديب - انطلياس، واستحداث جسر أو نفق، في منطقة الزوق - المعاملتين.
وخلافاً للتدابير التي يقترحها المخطَّط، فإن الحل الوحيد أمام المدن عندما يخترقُ الأوتوسترادُ نسيجَها، هو امتصاصُه، وتحويله الى مجرد سوق. هذا ما فعله التجمع السكاني الكبير من الزلقا حتى الضبية، وهذا ما فعلته منطقة الزوق - المعاملتين، وهذا ما ستفعله جبيل غداً، لأن الأوتوستراد الحالي، يفصلها عن امتداداتها الطبيعية إلى التلال، شرقها.
أما النفق أو الجسر المقترح في منطقة الزوق - المعاملتين، فانه سيقلب علاقة الناس بمحيطهم في حال تنفيذه، راساً على عقب. ولنا في أوتوستراد المطار الجديد، خير دليل على ذلك. لقد قيل وكتب في حينه، أن إحدى مزايا هذا الأوتوستراد المديني، هي تمكين القادمين عبر المطار، من الوصول إلى وسط المدينة، خلال مدة لا تتجاوز السبع دقائق.
وفي واقعنا اليوم، وغداً، وربما بعد غد أيضاً، والقادمون قلَّة كما يجزُم المخطَّط، يستعمل أوتوستراد المطار معظم القادمين من الجنوب، أو الذاهبين إليه. يمر أوتوستراد المطار داخل المدينة في وادٍ بداية، بين جدارين شاهقين، ثم في نفقٍ، يليه نفقٌ آخر، ثم يظهرُ جسراً يتمايل أمام الشرفات والنوافذ، قبل أن يغيب مجدداً في نفق طويلٍ، مظلمٍ، خانقٍ، ليُطلَّ على ساحة رياض الصلح من فتحة ضيقة، لا نخالها بّوابة بيروت الرئيسة.
لقد دمَّر الأوتوستراد نسيج المدينة الحي، وحفر في جسدها جرحاً لن يندمل، وأحدث انقلاباً جذرياً في علاقة الإنسان بمحيطه. فالعابرون فيه لا علاقة لهم بالمدينة. والمدينة بكاملها مكان عبور شطرها الوادي، ولا علاقة طبيعية بين الناس على ضفتيها، أو فوق الانفاق. وما الداعي إلى كل ذلك؟ ولماذا كان على المدينة أن تختبىء حتى لا يراها القادمون؟ وهل يستحق عددهم اليوم، وغداً، وبعد غدٍ، أن ندمر مدينتنا، كي يصل بعضهم إلى وسط المدينة، خلال سبع دقائق؟
سيكون للجسر أو النفق، في منطقة الزوق - المعاملتين، الأثر ذاته، في حياة الناس هناك.
لقد أشار المخطط إلى سوء حظِّ صيدا بكونها شديدة القرب من بيروت. والتدابير المقترحة لشبكة الطرقات في حال تنفيذها، ستجعل كل المدن شديدة القرب من بيروت، أي ستجعلها سيئة الحظ. وهي ستكون سيئة الحظ فعلاً، إذ إن ما ستشهده سيكون عكس ما يُخطَّط له. سيطغى وزن المجال المديني المركزي (بيروت وجبل لبنان)، وسنشهد حركةً باتجاهٍ واحدٍ، باتجاه بيروت، وسيزداد ازدحام الناس عند مداخلها. والحل يمر بالضرورة بتقليص دور بيروت. ربما باتخاذ تدابير ارادية على كل الصعد، الادارية، والاقتصادية، والمالية، والثقافية،... إلخ. وربما تكون الاجراءات الادارية أسهلها، بأن نحافظ مثلاً على مقرات الوزارات الأساسية في بيروت، وأن ننقل مقرات معظم الوزارات الأخرى مع إداراتها إلى المناطق، وأن نعزِّز شبكة طرقات التواصل بين المناطق الكبرى، دون المرور في بيروت. عندها ربما يستفيد الناس من المعادلة مسافة - وقت.
يولي المخطط اهتماماً كبيراً بشبكة المواصلات والنقل، ويبالغ بدورها في إعادة هيكلةِ الوطن، وفي بناء وحدته الوطنية. فيبدو لبنان في أفق 2030، مزدحماً بالسيارات، وبالأوتوسترادات وبالطرقات أيضاً.
وينصبُّ هذا الاهتمام على أهداف عدة، أهمها معالجة الاختناق عند المدخل الشمالي للمجال المديني المركزي (بيروت وجبل لبنان)، وإزالة كل المعِّوقات أمام تقصير المسافات بينه وبين المدن الأقطاب، وبين المدن الأقطاب بعضها مع البعض الآخر، أو مع مدن الربط المتعددة. ويُصرُّ المخطط على فكرةٍ أساسية مفادها، أنه لا يمكن مقاربة موضوع المسافات بين المدن بمعزل عن الوقت، ويبدو حريصاً على إدارة المعادلة مسافة - وقت، كما يدير المعادلة مسافة - نقد. فيشدد على الوقت، في الصلة بين المجال المديني المركزي والمدن الأخرى: ثمانون دقيقة، ستون دقيقة، ثلاثون دقيقة، وكأنه يريد، أن يجتاز واحدنا البلد من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، بساعتين اثنتين.
يعاين المخطط الإتصال مع الجنوب، فلا يرى مشكلة. فالأوتوستراد الموجود يعمل بثلث طاقته، وهو كافٍ حتى العام 2030. ولا مشكلة في الإتصال مع الشمال البعيد، فالأوتوستراد كافٍ أيضاً. ومداخل بيروت من الجنوب متعددة، وتكاد تكون فارغة. فتنحصر المشكلة في الاختناق عند مدخل بيروت الشمالي - الشرقي، فيقترح لذلك حلاًمركباً يقوم على عدة تدابير أهمها: منع البنيان على جانبي الأوتوستراد، واستحداث طريق بحري مكان السكة الحديد في منطقة جل الديب - انطلياس، واستحداث جسر أو نفق، في منطقة الزوق - المعاملتين.
وخلافاً للتدابير التي يقترحها المخطَّط، فإن الحل الوحيد أمام المدن عندما يخترقُ الأوتوسترادُ نسيجَها، هو امتصاصُه، وتحويله الى مجرد سوق. هذا ما فعله التجمع السكاني الكبير من الزلقا حتى الضبية، وهذا ما فعلته منطقة الزوق - المعاملتين، وهذا ما ستفعله جبيل غداً، لأن الأوتوستراد الحالي، يفصلها عن امتداداتها الطبيعية إلى التلال، شرقها.
أما النفق أو الجسر المقترح في منطقة الزوق - المعاملتين، فانه سيقلب علاقة الناس بمحيطهم في حال تنفيذه، راساً على عقب. ولنا في أوتوستراد المطار الجديد، خير دليل على ذلك. لقد قيل وكتب في حينه، أن إحدى مزايا هذا الأوتوستراد المديني، هي تمكين القادمين عبر المطار، من الوصول إلى وسط المدينة، خلال مدة لا تتجاوز السبع دقائق.
وفي واقعنا اليوم، وغداً، وربما بعد غد أيضاً، والقادمون قلَّة كما يجزُم المخطَّط، يستعمل أوتوستراد المطار معظم القادمين من الجنوب، أو الذاهبين إليه. يمر أوتوستراد المطار داخل المدينة في وادٍ بداية، بين جدارين شاهقين، ثم في نفقٍ، يليه نفقٌ آخر، ثم يظهرُ جسراً يتمايل أمام الشرفات والنوافذ، قبل أن يغيب مجدداً في نفق طويلٍ، مظلمٍ، خانقٍ، ليُطلَّ على ساحة رياض الصلح من فتحة ضيقة، لا نخالها بّوابة بيروت الرئيسة.
لقد دمَّر الأوتوستراد نسيج المدينة الحي، وحفر في جسدها جرحاً لن يندمل، وأحدث انقلاباً جذرياً في علاقة الإنسان بمحيطه. فالعابرون فيه لا علاقة لهم بالمدينة. والمدينة بكاملها مكان عبور شطرها الوادي، ولا علاقة طبيعية بين الناس على ضفتيها، أو فوق الانفاق. وما الداعي إلى كل ذلك؟ ولماذا كان على المدينة أن تختبىء حتى لا يراها القادمون؟ وهل يستحق عددهم اليوم، وغداً، وبعد غدٍ، أن ندمر مدينتنا، كي يصل بعضهم إلى وسط المدينة، خلال سبع دقائق؟
سيكون للجسر أو النفق، في منطقة الزوق - المعاملتين، الأثر ذاته، في حياة الناس هناك.
لقد أشار المخطط إلى سوء حظِّ صيدا بكونها شديدة القرب من بيروت. والتدابير المقترحة لشبكة الطرقات في حال تنفيذها، ستجعل كل المدن شديدة القرب من بيروت، أي ستجعلها سيئة الحظ. وهي ستكون سيئة الحظ فعلاً، إذ إن ما ستشهده سيكون عكس ما يُخطَّط له. سيطغى وزن المجال المديني المركزي (بيروت وجبل لبنان)، وسنشهد حركةً باتجاهٍ واحدٍ، باتجاه بيروت، وسيزداد ازدحام الناس عند مداخلها. والحل يمر بالضرورة بتقليص دور بيروت. ربما باتخاذ تدابير ارادية على كل الصعد، الادارية، والاقتصادية، والمالية، والثقافية،... إلخ. وربما تكون الاجراءات الادارية أسهلها، بأن نحافظ مثلاً على مقرات الوزارات الأساسية في بيروت، وأن ننقل مقرات معظم الوزارات الأخرى مع إداراتها إلى المناطق، وأن نعزِّز شبكة طرقات التواصل بين المناطق الكبرى، دون المرور في بيروت. عندها ربما يستفيد الناس من المعادلة مسافة - وقت.