صفحة 1
المقدمة
من المقالات التي تنشرها الصحف اليومية ما يمر أثره في ذهن القارئ مرور الحوادث العابرة، والمناسبات الطارئة، ومنها ما يبقى راسخاً لا يمحى ولا يزول·
من هذا النوع الثاني ما كان يكتبه الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة من مقالات علمية وسياسية وأدبية واجتماعية صدرت في الأيام خلال السنين الأخيرة التي سبقت احتجاجها على غير إرادة منها·
ولئن كان الكتاب الذين ساهموا في كتابه يوميات الأيام من أكبر وأشهر رجال الفكر والأدب والمعرفة في سورية والعالم العربي، وكان لكل واحد منهم جولاته الصادقة، وصيحاته الموفقة، فمقالات الدكتور أبي غنيمة كانت من مقالات الطليعة حقاً· ولا غرو فيراعة أبي غنيمة تؤلف بين عقل الطبيب العالم، وشعور الأديب الشاعر، وروح المجاهد الصادق، وعناية المؤرخ الأمين·
إن رسوخ الأثر الذي خلفته مقالات أبي غنيمة في نفوس الكثيرين من قراء الأيام حفزهم على إبداء الرغبة في جمعها بكتاب يفيد منه مجتمعنا العربي في ظرف اشتدت الحاجة إلى تنوير وتوعية الجيل العربي الصاعد بفيض من ألوان الثقافة الواسعة، والرأي الناضج، والتجربة المديدة· والخبرة الشاملة، والتوجيه الرشيد·
لقد استجابت طائفة من قادة وجنود الفكر والأدب إلى هذه الرغبة فاختارت من مقالات أبي غنيمة في الأيام عيونها وغررها، وأخرجتها في هذا الكتاب ليكون في متناول الجميع عنواناً جميلاً لمدرسة الحياة، وأمثولة حية لواقعها، ونوراً يلقيه الماضي القريب على دروب المستقبل البعيد·
إن لكل مقال يضمه هذا الكتاب صورة، وان في كل صورة درساً أو عبرة، فمن حق المواطنين العرب، ولا سيما من يقف منهم في عتبة التجربة, ويواجه أولى مراحل المسؤولية، أن يتأثروا بما كتبه ويكتبه أبو غنيمة وأمثاله الذين سبقوهم إلى دفع ضريبة الحياة، دماً وعرقاً، جهداً وجهاداً، بذلاً وتضحية، صبراً على الشدائد والمحن·
صفحة 2
الدكتور صبحي أبو غنيمة;في يومياته
سألني فريق من الأصدقاء: لماذا انقطع الدكتور أبو غنيمة عن يومياته قلت لهم: الدكتور لا ينقطع عن الكتابة، لأن الانقطاع عنها بالنسبة إلى رجل من طرازه إنما معناه الانقطاع عن الحياة كلها، فالدكتور أبو غنيمة حياته قراءة وكتابة، فهما في نظره متلازمان والعمر لا معنى له في رأيه إلا بهما, فليطمئن جمهور القراء فانه سيعود إليهم بفوائد يومياته
بقي علي أن أبسط بعض الأسباب في اهتمام القراء بيوميات الدكتور أبو غنيمة ولقد تحفظت فقلت: بعض الأسباب ولم أقل: كل الأسباب لأن هذا المقام لا يتسع للإفاضة في الكلام على أسلوب مثل أسلوب الدكتور·
أشارت طائفة من الفضلاء إلى جمع الدكتور أبو غنيمة في يومياته بين العلم والأدب، وفي هذا الجمع شيء من انفراده بأسلوبه ومن أصالته في هذا الأسلوب، ولكني أرى براعته من وراء هذا كله، فليس المهم أن نطلع على أبواب من العلم وإنما المهم أن ننتفع بهذا الاطلاع فنستخرج من أبواب العلم صوراً تتصل بحياتنا، وهذا ما يفعله الدكتور أبو غنيمة·
نستطيع مثلاً أن نلم ببعض الرياضيات فنعرف ما هو المثلث المتساوي الساقين ولكنا إذا اقتصرنا على هذه المعرفة وحدها دون استنباط صورة منها تتصل بالحياة كانت معرفتنا جافة·
لما وقعت عين أمام الكتاب في فرنسة وأعني به، أناتول فرانس على مثلث متساوي الساقين لم يجد تشبيهاً محسوساً يصور به الحياة مثل الخطوط التي تذهب من قاعد هذا المثلث وتنتهي إلى رأسه فإن الإنسان إذا نظر إلى هذه الخطوط كيف تصغر كلما دنت من الرأس أدرك أن أيامه تقصر كلما دنت من خاتمة حياته حتى إذا مست الخطوط رأس المثلث غابت فيه كما تغيب الحياة في ظلمات الأرض·
لقد استطاع الأدب أن يستخرج من صورة المثلث الجامدة صورة متحركة ولا ريب في أن الأدب إذا انفصل عن العلم كان أجوف لأن العلم إنما هو مادة الأدب وأن العلم إذا انفصل عن الأدب كان ثقيلاً على الطبع، غير مصقول·
وهذا ما فطن إليه الدكتور أبو غنيمة في يومياته وفي كتاباته كلها فسلم علمه من ثقل على الطبع وسلم أدبه من باطن أجوف·
صفحة 3
ومثل آخر في هذا المعنى، فقد نستطيع أن نعرف خصائص المرايا في الفيزياء، المستوية منها والمحدودبة والمقعرة، فكل واحدة من هذه المرايا تعكس صور الأشياء على شكل خاص، فإذا وقفنا في هذه المعرفة عند هذا الحد وحده كانت معرفتنا جرداء، إلا أن الأدب قد يستخرج من هذه المعرفة صوراً تتعلق بالحياة، لنرجع إلى أناتول فرانس ماذا يقول في كلامه على المجانين، إنه يقول أن أفكار المجانين صحيحة مثل أفكار العقلاء إنهم يتصورون العالم الخارجي بحسب الصور التي ترتكز في دماغ كل واحد منهم وهذا ما يفعله معاشر العقلاء فإن العالم ينعكس على المجانين على غير الصورة التي ينعكس فيها على العقلاء، فيقول المجانين أن تصوراتهم هي الصحيحة ويقول العقلاء أن تصوراتهم هي الصحيحة والحقيقة أن لا نجد صورة صحيحة على وجه الإطلاق ولا نجد صورة غير صحيحة على وجه الإطلاق، فصور المجانين صحيحة في نظر المجانين وصور العقلاء صحيحة في نظر العقلاء، ولم يجد أناتول فرانس ما يؤيد به هذا الرأي إلا الرجوع إلى المرايا في الفيزياء، فكل واحدة من هذه المرايا تعكس صور الأشياء على شكل خاص، إلا أن الصور إنما هي واحدة لا تتغير ولكن الذي يتغير إنما هو خصائص المرايا·
فالدكتور أبو غنيمة قد استخرج من العلم الذي أحاط به عبراً في الحياة أو صوراً مختلفة تتصل بهذه الحياة على نحو ما يفعله الأدباء المحيطون بالعلم، ويومياته الأخيرة الديدان آخر شاهد على ما أقول وقد ذهبت شهرتنا في القراء، فإنه بعد أن وصف ديدان الأمعاء لجأ إلى تشبيه بعض البشر بهذه الديدان في حقارة شأنهم وصغر نفوسهم ورذالة طبائعهم ولهذا عملت يومياته في القراء عملها، فاشتد إعجابهم بها وقد استطاع الدكتور من وراء هذا العلم الذي سهل بعض نظراته أن يصل إلى أعمق الأشياء كما استطاع أن يتحصن بها فيضرب أشد الضربات في سنين صادروا فيها الكتاب على ألسنتهم·
وقد أعانته على بسط النظرات العلمية سهولة فنه فلم يتقعر في هذا الفن لأن التقعر يذهب برونق الأفكار ويفسد على العلم جلالته·
ومزية الدكتور أبو غنيمة بعد هذه المزايا كلها إنما هي خوضة في الموضوعات التي يشعر بها القارئ ويحتاج إلى من يبسطها له، فالدكتور لا يعيش على سطح المريخ إنما يعيش على وجه الأرض مع الناس في سياستهم واجتماعهم وأخلاقهم ولذلك نجحت يومياته فيهم لأنها صادفت هوى في أفئدتهم·
إن كاتباً هذا علمه وهذا أدبه وهذه تجاربه لا ينبغي له أن تغيب أفكاره عن الناس، فإذا كان في هذه الأفكار نفع للناس فإن فيها لذة لروحه وشعوره·
شفيق جبري
صفحة 4
تأدب!!
في المكان الذي يسمونه (الكون) والذي تشكل أرضنا نجماً صغيراً من نجومه يؤكد العلماء رؤية ألف وخمسمائة مليون نجم ويسجلون بمراصدهم وحساباتهم أن هذا الرقم لا يشمل إلا سديماً واحداً من سدم هذا الفضاء·· هناك سدم تحتوي على ألفي مليون نجم!
في هذا المكان الذي هو الكون يقرر أولئك العلماء أنفسهم وجود مليونين من هذه السدم! إذا ضربت هذه الملايين من السدم بآلاف الملايين من النجوم الموجودة فيها ظهر لك العدد الذي لا يحصى لمجموعة النجوم التي في الكون·
كل هذه الآلاف من ملايين الملايين من النجوم تجري بسرعة رهيبة لمستقر لها على محور ثابت وقانون ثابت!
ولا خوف من خطر التصادم بين كل هذه المجموعة وذلك لسبب واحد وهو أن هذا الكون هو من السعة والامتداد بحيث لا تشغل كل هذه الأرقام الفلكية من النجوم الفلكية إلا ما تشغله عشر نحلات موزعة على فضاء الأربع أنحاء من الكرة الأرضية!
ولكي نأخذ فكرة أوضح عن سعة الكون وامتداده تصور أنك لو أرسلت موجة لاسلكية إلى المريخ لوصلت إليه في ظرف دقيقتين فقط ولكن هناك نجوم في أطراف هذا الفضاء لو أرسلت إليها هذه الموجة وهي بسرعة 681 ألف ميل في الثانية لاحتيج للوصول إلى مدة لا تقل عن 041 مليون سنة ضوئية!
.. في هذا المكان بالذات أي في هذا الكون·· يعيش مخلوق ضئيل يسمى (الإنسان)·
هذا الإنسان يشغل من الكون متراً وبعض المتر ويزن جزءاً من عشر آلاف مليون مليون مليون جزء من أي كوكب صغير فيه!
في هذا المكان·· كم وكم حاول هذا الإنسان أن يتطاول على صاحب المكان تارة بالغرور وبالبهتان تارة بالظلم والطغيان··
أيها الإنسان :
تأدب!!
صفحة 5
شكوى ··!
تلقيت الرسالة التالية
استجبت مرة إثر عودتي من سفر طويل بالأستاذ (الأحمر) محرر زاوية (ورود وأشواك) في جريدة النصر الغراء ليجيرني من الكلاب التي كانت تحرم عيني لذيذ النوم بنباحها المتواصل· وقلت لعله يضم صوته إلى صوتي فتجرد محافظة العاصمة حملة للفتك بها وإراحة الناس من شرورها ولكن الأستاذ سامحه الله انتهزها فرصة للنيل من صحفي له عنده ثارات فكاد أن يوقعني في مأزق لولا لطف الله ولباقة الصحفي·· والآن بعد عودتي مرة أخرى من سفر طويل لجأت إلى بيت صغير لي متواضع في الغوطة التمس فيه الهدوء بعيداً عن الضجيج وإذا بالكلاب إياها تلاحقني حتى ··· صياح الديك! وقد فكرت طويلاً بمن أستجير فلم أجر أقدر منك فقد عودتنا على تلبية كل ملهوف بما تطلع علينا من قصائد ومقالات ويوميات منذ أكثر من ثلاثين سنة فيها راحة للصدور وبلسم للنفوس فتداوي بها الأرواح كما برعت في مداواة الأجساد طيلة نهارك··
صديق
***
هذه هي الرسالة والصديق صاحبها لم يكن بحاجة للاستنجاد، لا بي، ولا حتى بوزير بلديتنا المحبوب صديقنا الأستاذ سهيل الخوري وذلك لأنه يعرف حق المعرفة بأن أي جلواز في المحافظة على استعداد لتلبية طلبه بالقضاء على الكلاب الشاردة عند أول إشارة ولذا فأغلب ظني أنه رغم قصة الأستاذ الأحمر ورغم طلبه الصريح بالحملة على·· الكلاب فإن هدفه هو أبعد وأسمى من ذلك!! ولكي تتأكد من هذا سنلقي على موضوع الشكوى نظرة تجرد واستقراء:
المطلوب في هذه الشكوى هو القضاء على الكلاب·· بحملة·· ولكن بالله عليك ما الذي تصنعه هذه الحيوانات الضعيفة المسكينة لتستحق منا السم أو الرصاص؟إنها تقلق الناس بنباحها وهذا صحيح ولكن هذا النباح لا يختلف عن صراخ طفل جارنا الذي يقلقني طوال الليل والطفل عندما يصرخ إنما يفعل ذلك إما عن جوع أو عطش وإما عن ألم ونحن نعرف ذلك عنه فلماذا نتجاهل ذلك في الحيوان المسكين ونطلب تسميمه في الحال ؟!!
هذا ظلم صارخ وأكثر منه ظلما هو نظرتنا البشعة إلى هذا المخلوق منذ الأزل فهي نظرة ليس فيها ذرة من الحق والعدل· ولتتحقق من هذا أرجوك أن تصغي إلى هذين البيتين لشاعر قديم إذ يقول:
شاتمني عبد بني مسمع
فصنت عنه النفس والعرضا
ولم اجبه لازدرائي له
من ذا يعض الكلب إذا عضا؟!
فهل سمعت؟ نحن نضن على الكلب المسكين حتى بالضرب والعض عندما يعضنا أو يؤذينا وذلك امتهاناً له واحتقاراً لشأنه فهل بعد هذا القتل الأدبي قتل!!كل ذلك يفعله (الإنسان) ذلك المخلوق المهذب المثقف إزاء (الحيوان) الذي لم يهبه الله إلا العقل والوسائل التي ترفعه وتسمو به إلى مرتبة·· الإنسان ومع أننا لو رفعنا القناع عن وجه هذا وذاك، لظهر لنا الوجهان على حقيقتهما بدون زيف وسأفعل لك هذا بهاتين القصتين:
صفحة 6
القصة الأولى من اليابان ·· إن هذا قصة الكلب يعرفها كل سكان المدينة :
كان صاحبه طبيباً وكان يصطحبه معه صباح كل يوم إلى القطار حيث يذهب إلى عمله فإذا ما عاد في المساء وجده جاثماً على باب المحطة في انتظاره ومرت على ذلك أعوام وأعوام ·· وحدث ذات يوم أن تدهور القطار وأصيب الكثيرون من ركابه وكان بين القتلى الطبيب صديق الكلب المذكور··
وطبيعي أن يأتي هذا لاستقبال صاحبه الذي لن يرجع وكان من الطبيعي أيضاً أن ينسى مع الوقت ومرور الزمن هذا الواجب غير أن الذي حدث هو خلاف ذلك تماماً··
إن هذا الكلب الوفي ظل مثابرا على ذلك طوال عشرة أعوام في الصباح والمساء إلى أن نفق على رصيف المحطة وهو في الانتظار!
.. والآن لنستمع إلى القصة الثانية وهي من بلادنا وكل حرف من حروفها حقيقي وواقع ــ وان لم أذكر الأسماء !ــ:
نشأ (الفتى) في عزبة ·· وظهرت علية أمائر النباهة مما استرعى انتباه سيد العزبة فكلفه وقام بتعليمه والإنفاق عليه حتى أتم دراسته في القرية وكان هذا منتهى ما يتمناه أبو الفتى والفتى، ولكن السيد الشهم صاحب المروءة والأريحية رأى أن لا يضن على الفتى على الفتى النابه بأكثر من هذا··
فسأله ان كان يود أن يتم تحصيله فشهق الفتى شهقة الفرح وأكب على أقدام سيده يقبلها شكراً وتكيماً وما كان من السيد إلا أن امتطى سيارته وقال له( اركب إلى جانب السائق!) وأخذه في الحال إلى العاصمة حيث سجله في الكلية·· التي يريد الانتساب إليها وحيث ظل يرعاه كما لو كان ولده وينفق عليه بسخاء إلى أن أنهى تحصيله وخرج·· بالشهادة التي كان يتلهف عليها··
ويدور الفلك وتتغير الظروف وتنقلب الأيام وإذا بصاحبنا الفتى يصبح شيئاً فخماً·· ضخماً يقيم ويقعد ويتصرف تصرف المالك في كل شؤون بلاده··
وكان مما أن تصرف به أن أصدر القوانين التي تجيز له ولمن معه الاستيلاء على أموال البعض وأملاكهم والتصرف بها على حسب أموالهم!
والغرابة ليست في هذا كله بل بالأمر التالي:
ان أول رجل طبق عليه ذلك القرار كان هو السيد النبيل الذي أحسن إلى ذلك الفتى ذلك الإحسان الذي جعل منه ·· الشيء الفخم والضخم وصاحب الألقاب!
ولقد شوهد المحسن المسكين يبكي في الطرقات بعد أن جرد من كل ما يملك· ولما عوتب ربيبه على سوء فعلته كان جوابه هكذا:
_ لا يمكن أن أنسى ــ بأي حال من الأحوال! ــ قوله لي (اركب إلى جانب السائق!)·
أيها القارئ العزيز :
من المقارنة بين هاتين الحادثتين تستطيع أن تدرك الكثير ·· ومن هاتين القصتين أيضاً يمكن الحكم بأن صديقنا المحترم صاحب الشكوى لم يهدف في شكواه إلى الكلب الذي صرح عنه بل أنه أراد تنبيهنا إلى أمثال هذه الحوادث التي يعرف من أمثالها الكثير· وهدفه من ذلك أن نشير إلى أننا في بعض الأحيان نكون مدينين بالاعتذار إلى ·· الكلاب من بعض الناس ومنهم بعض أصحاب الألقاب الفخمة فهؤلاء بالرغم من ألقابهم فإنهم لا يصلون إلى مرتبة الشرف التي يصل إليها وفاء الكلب·
صفحة 7
أيها المنطق لا كنت
قبل ألفين وأربعمائة عام قذفت الأقدار بحفنة من العباقرة إلى شواطئ اليونان فكانوا وما زالوا حتى اليوم نغماً رائعاً في العلم والحكمة والأجيال· أحدهم (ارسطو) عرف بأنه (الرجل الذي زود العقل البشري بأكبر قسط من المعرفة) و (بقراط) لقب (بأعظم طبيب في العالم جاء وسيجيء)، و (أفلاطون) هو مضرب المثل بالحكمة وفصل الخطاب ·· ورفاق هؤلاء هم من حملة المشاعل التي لا تزال مضيئة حتى الآن··
إن السر في عبقرية هؤلاء، ليس في اختلاف أدمغتهم ودمهم عن الناس بل في شيء آخر هو مثار الإعجاب فهو سر·· ونجده في الكوخ الذي كان يجتمع فيه بعضهم وفي الشرط الذي اشترطوه للدخول إليه وكان منقوشاً على بابهم وهو هذا: (لا مكان عندنا لمن لا يعرف الهندسة!) والمقصود بالهندسة هنا ليس العلم ولا الشهادة بل المنطق المهندس والرياضي، فالمنطق السليم، بما فيه من حقائق، مبني على الأرقام· ومن هنا جاء التعبير (أرقام تتكلم) بدلاً من الكلمة (حقائق تتكلم) ·· فالعلم التام الكامل هو علم الرياضيات ومثله يجب أن يكون كل علم وإلا فهو ناقص·· ومن هنا توصل أولئك الحكماء إلى وضع الدساتير لكل الحقائق فالعلوم لها قوانينها، والجمال له دستوره والانسجام هو معادلة رقمية، والشعر والشاعرية هي أرقام لها دستور وقانون حتى الحظ ــ كما يقول هنري بوانكاريه ــ له قانون ودستور، فكل عالم وكل محترف و·· كل إنسان بحاجة في الحياة إلى المنطق الهندسي السليم وإلا فهو معرض للزلل وتعس كل رجل حرم من المنطق·· هذا المنطق الذي كان سبباً في عظمة تلك الحفنة من العباقرة والذي يحتاجه الناس في كل آن والذي أطريته لك حتى الآن بما استطعته من الوصف·· هذا المنطق بالذات يكون في بعض الأحيان بلاء على صاحبه وأنا شخصياً مررت بحادثتين نقمت فيهما على سقراط وبقراط وبقية الشلة وتمنيت لو أن هذا المنطق لم يكن·· بالمرة!! وها أنا أصف لك الحادثتين:
كنت أسير يوماً كعادتي في أكثر الأيام، من بيتي في أبي رمانة إلى المرجة حيث أتناول بريدي وأرجع مشياً على الأقدام، وهذه هي رياضتي· وفي يوم، وبينما أنا في الطريق إذا بي أسمع قهقهة جلبت انتباهي كثيراً!! كان الصوت لطفلة·· وكان رنين ونغمة القهقهة من ألذ وأوقع ما سمعت في حياتي·· إنها ضحكة الطفولة العذبة البريئة وهي صافية اللحن كأبدع ما تكون نقرات البيانو·· والضحكات، أصباغ وأشكال بعضها ينعش القلب ويثير النشوة وبعضها يزعج همهمة الضبع·· وقد التفت إلى ناحية الصوت وكان قادماً من وراء قافلة من السيارات ترابط أمام إحدى البنايات فازددت طرباً بصاحبة النغمة البلورية إذ كانت طفلة جميلة الوجه، بسامة المحيا إلى أبعد حد·· كان يحتضنها (أبو راشد) الذي بدا لي وكأنه من عمال أهلها وظهر لي أنها تأنس بها وتطمئن إليه ويمكن أن يكون غائباً مدة فرأته في تلك اللحظات فكانت لها مفاجأة حلوة وزقزقت كالعصافير وهو يرفعها إلى رأسه ثم يضم بحنان إلى صدره··
لقد كانت تغمره بسيل من الكلمات والأسئلة والقهقهات البريئة العذبة··
كان هذا المنظر من أسعد ما رأيت منذ زمن غير قليل، ولكن سعادتي لم تدم طويلاً إذ أن الرجل لم يكد ينزلها من بين ذراعيه إلى الأرض حتى فوجئت بما أحزنني في الحال إذ تبين لي أن هذه الطفلة ذات الوجه الجميل الجذاب والتي ملأت الشارع سعادة ومرحاً وإشراقاً كانت ·· عرجاء!
صفحة 8
لا أدري ماذا دهاني إذ ذاك ولا أدري لماذا قفز الخيال بي إلى الأمام فأراني إياها وقد كبرت وكبرت معها العاهة·· فشعرت بالنقص و·· اليأس·· الخيبة و·· التعاسة!
إنها في لحطة واحدة بدت لي وقد غاضت الإشراقة من وجهها وذهب الرواء الباسم من محياها وامتلأت مقلتاها بدمعتين كبيرتين وظهرت وكأنها عابسة تملأ نفسها النقمة على البشر والناس والبشر··
واستعذت بالله من نفسي ومن هذه الصورة وأطرقت برأسي وسرت·· ولكني لم ألبث أن التفت مرة ثانية و·· مرغماً:
إن أبا راشد الذي يعرف طبائعها جيداً قد داعب شعورها بكلمات بارعة وإذا بها تنطلق بضحكة مجلجلة رنانة فيها كل العذوبة والحلاوة والصفاء ووقفت املأ عيني من هذا المنظر الفاتن ولكن لم يلبث الشبح الذي ظهر لي قبل برهة أن انتصب مرة أخرى أمام عيني·· مدفوعاً·· بمنطلق التفكير في المستقبل وإذ ذاك رأيتني أتمتم بلا اختيار وبألم ونزق: (أيها المنطق·· لا كنت!)··
هذه هي الحادثة الأولى وهي كما ترى شخصية وفردية أما الحادثة الثانية التي دعوت فيها على المنطق بالحق فهي ليست كذلك·· إنها تهمني وتهمك وتهم كل مخلص ولا أطيل عليك الوصف فأنت وأنا وكل محب لأمته يتمنى أن لا يمر بمراحل شبيهة بتلك التي مرت بها في زم ما فانهارت وكان من أمرها ما كان·
تلك النكبة وصفها التاريخ وصفاً شاملاً أما شاعرنا فقد حدد علائمها ببيت واحد فكان موفقاً إذ قال:
وتفرقوا شيعاً فكل قبيلة
فيها أمير المؤمنين ومنبر
إنني لا أدعوك إلى المقارنة بين أيامنا في تلك النكبة وأيامنا هذه فالأمر بإمارة المؤمنين ولكننا ·· دول·· ودويلات ولنا بحمد الله (إذاعات) وكل واضح لديك! وصحيح أننا لسنا اليوم قبائل وليس لنا منابر ولا نطالب واحدة منها تزعم بأن صاحبها هو حامي حمى العروبة الأمين وأنه هو صاحب الرأي ومنقذ فلسطين وبطل حطين وكل واحدة تؤكد ــ والله العظيم ــ بأنه ابن عم أو شبيه أو أعظم من·· صلاح الدين وأن الجميع غيره هم من الرجعيين والانهزاميين والمارقين والضالين·· إلى يوم الدين!!
كل هذه هي علائم الانحلال التي نعرفها وليس أمامنا إلا واحدة من ثلاث: إما أن نصدق هؤلاء المنافقين وهذا مالا نفعله·· وإما أن نفكر بالمنطق وهذا يأباه علينا العلم·· وإما (وهذا ما بقي لنا) أن ندعو على المنطق بالمحق· ونقف أنا وأنت ونهتف··
أيها المنطق·· لا كنت!!
صفحة 9
نحو أمنية عذبة
لا إله إلا العلم
كان هذا هو الشعار الذي اتخذه لنفسه فريق من الناس إبان الثورة الافرنسية وبعدها·· والعلم ــ كما قال الأستاذ الكبير محمد المبارك في محاضرته الرائعة منذ أيام ــ لم يبتدعه الإنسان فهو مخلوق مثله وفضل العلماء فيه هو الكشف عن السنن والقوانين التي فيه لاستغلالها في الحياة بما يؤمن الحاجة والرغبات ومصباح علاء الدين أسطورة بل حقيقة ثابتة· وهكذا سيطر الإنسان على المادة سيطرة تامة· فالكيمياء في حجر الفيلسوف لم تعد سراً إذ بات بالإمكان قلب الزئبق إلى ذهب والذهب إلى زئبق والخشب إلى سكر والسكر إلى زبدة وغيرها وغيرها·· إن (وحدة الوجود) لم تعد لجنة صوفيا فحسب بل وصفة مخبرية أيضاً وبعد (المادة) جاء دور (المخفيات) فجمد الصوت ووضع على اسطوانة وحفظت (الطاقة) فكا منها المصباح والقنبلة الذرية والصاروخ والمعمل وغيره ما لا يدخل تحت عد ولا حصى· واتضح بعد هذا أن للإنسان منذ الأزل أهرافه الكبرى في الحياة ومنها السيطرة على شيئين لا ثالث لهما:
(الزمان والمكان !)
وقد حلت المشكلة الأولى وهي (وحدة المكان) فأصبح بوسعك وأنت في دمشق أن تبصر من في لندن وأن تصغي إليك كما أصبح بإمكان رجال كماركوني أن يذهب في مكان ما في ايطاليا فيضغط على زر هنا ليضيء مصباحاً·· هناك في (سيدني) في اوستراليا··!
وجاء دور (الزمن) والبحث يبدأ باستعراض تجارب علمية لعالمين كبيرين هما (مورلي فولد) و(هيلده براند) ومهمتهما هي تعيين مرة الزمن التي تمضي عند حدوث الحلم!
فمن تجارب (مورلي) هذه التجربة:
أوصى بأن ينشق (ماء كولونيا) وإذا به يحلم بأنه ·· في القاهرة وأنه يتجول في أسواقها الكثيرة هنا وهناك·· ودخل مخزناً لبيع الروائح العطرية·· وانتبه إلى أن الدكان فرع من المحلات التجارية الكبرى المعروفة باسم (جان ماري فرنيا) ·· وفي وسط حدثت·· عدة (مغامرات!) نحن في غنى عن بحثها!! إن الزمن الذي مر بين الاستنشاق ونهاية الحلم هو أقل من عشر ثانية! فلنتذكر هذا ولننظر في تجارب العالم (هيلده براند):
هذا العالم حاول دراسة الأحلام عن طريق إثارتها بالساعة (المنبه) وضوضائها ومن تجاربه هذه التجربة التي بدا حلمه فيها عند رنين المنبه:
صفحة 10
رأى نفسه في أيام الربيع·· إنه يتنزه بين الحقول والرياض الغناء حيث يمتد الطريق الجميل حتى القرية المجاورة فظل متابعاً السير حتى وصل فرادى وأزواجاً نحو الكنيسة وتذكر أن اليوم كان يوم أحد وأن صلاة القداس ستبدأ فقرر الاشتراك بالصلاة مع الجمهور وشعر بأن الحر يضايقه والعرق يتصبب منه فرأى أن يلجأ إلى المقبرة التي في ميدان الكنيسة ليترطب في جوها المنعش من نسمات الهواء العليل وهكذا تدرج إلى هناك حيث بدأ باستعراض القبور وقراءة أسمائها وما كتب على أحجارها ولاحت منه التفاتة فرأى مكان الناقوس ورأى الناقوس وقد تدلى إلى جانبه حبل الناقوس وشاهد إذ ذاك ضارب الناقوس يتقدم بخطى وئيدة ليمسك به وليدق دقاً بدأ ضعيفاً ولكنه ما عتم حتى صار قوياً له أركان المكان·· وآفاق على إثر ذلك·· من النوم!!
بهذه التجارب عرف كيف (يستغل) (الزمن) القليل للقيام بعمل طويل وهذا بحث له مراحله ودراساته ونتائجها··
يقابل هذا أمر على جانب كبير من الأهمية·· ذلك هو (تجميد) الزمن أو بمعنى أوضح (إيقاف) الزمن!
الأمر يبدو معجزاً في البداية ولكن لنذكر قصة أهل الكهف وقد أسهبت الكتب السماوية في سردها بالرغم من أن (الطبيعيين) لا يؤمنون بذلك ولكن أنظار هؤلاء تنبهت منذ زمن غير بعيد إلى ظواهر تلفت الأنظار·· من ذلك أن الجنرال (طاونسند) الانجليزي ــ وهو الذي قاد حملة كوت العمارة في الحرب الأولى ووقع أسيراً ــ يستظيع إيقاف قلبه ونبضه مدة خمس دقائق وهذا موضوع بالنسبة لنا نحن الأطباء ليس بالموضوع الذي نتساهل في تصديقه ومع ذلك فلا بد من تصديقه لأن الخبر على الأقل صحيح ثم هناك (فقراء الهند) الذين يدفنون أنفسهم تحت التراب ساعات وأياماً·· كل هذه الأمور ليست مما يجوز الاستخفاف به بعد أن علمنا التجارب استحالة·· المستحيل!
أما أنا فإني لا أرى في الوصول إلى النتائج الحاسمة في هذا الصدد نصراً علمياً فحسب بل ونصراً للأخلاق أيضاً إذ أن السيطرة على الزمن معناه الوصول إلى وسيلة يوضع بها ميزان الكذب والدجل والتهريج وذلك لأن هذه كلها أمور لا بد وأن يفضح أمرها مع الزمن تأييداً لقول الشاعر:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم!!
فكل كذاب وكل دجال وكل مهرج ــ وما أكثر هؤلاء في دنيا العرب! ــ سيكشف عنه القناع بين ·· إغماض العين·· وفتح العين!··
ولعل القارئ العزيز يدرك مثلي بمزيد الألم والحسرة أن الوصول إلى هذا الهدف لا يزال بعيداً·· ولكن:
ماذا يمنع؟!
إنها والله أمنية عذبة!