eKtab
EN ع
من الحطب الى الذهب
اقرأ عينة مجانية

من الحطب الى الذهب

بقلم د.محمد الجويلي

صفحة 1

شكر

جزيل الشكر أتوجّه به إلى وزارة التعليم العالي بالمملكة العربيّة السعوديّة لتبنّيها هذا الكتاب ضمن إصداراتها العلمية، متمنّيا لها مزيدا من التوفيق في مواصلة رسالتها التعليميّة والعلميّة النبيلة.

صفحة 2

الإهداء

في البدء كانت حكاية إلى سيّدة سعوديّة

سيّدتي. نحن لا نعرف لك اسما، ما نعرفه عنك فقط هو أنّك سعوديّة. في البدء كانت حكاية. لم يمض على حلولي بالرياض أنا وعائلتي الصغيرة إلّا بضعة أيّام. كان ذلك في سبتمبر 2010. قصدت وزوجتي وطفلينا الأورومارشيه لقضاء بعض الحاجات الضروريّة. ولم يكن يدر بخلدنا أنّ طفلنا الذي لم يتجاوز الخمس سنوات من العمر والذي كان يستعدّ للدخول في سنة دراسيّة إعداديّة بإحدى مدارس الرياض كان مشغولا بأدواته المدرسيّة أكثر من انشغالي ووالدته بتوفير القوت له ولشقيقته! سحب طفلنا في غفلة منّا محفظة جميلة واتّبعنا. انتبهت والدته إلى الأمر وكنت أمامهما فقالت له "لم يحن الوقت بعد للدراسة سنشتريها لك لاحقا" وأخذتها منه فأثار ذلك حسرة شديدة في نفسه. لقد تبيّن أنّ ثمنها يفوق ما أخذناه معنا من الأموال. عندما هممنا بالخروج من السوق ظلّت عينا الطفل وقلبه وهذا ما فهمناه لاحقا مشدودين إلى الخلف، إلى المحفظة التي تركها وراءه مكرها أخاك، لا بطل. لقد تبيّن أنّه ثمّة سيّدة سعوديّة كانت تصطفّ وراءنا تراقب المشهد عن كثب. أومأت إلى ابننا خفية فقصدها يحثّ الخطى. التفتنا إلى الوراء فرأيناه يجرّ المحفظة ذاتها وراءه ما أثار استنكارنا ودهشتنا. أمرناه بأن يرجع المحفظة إلى مكانها. تراجع الصبيّ إلى الوراء واقترب من هذه السيّدة وأومأ بيده إليها. لقد فهمنا في تلك اللّحظة أنّها اقتنتها له. ذهبت زوجتي إلى المرأة لتشكرها. فقالت لها: "هي هديّة منّي يتذكّرني بها ويتذكّر السعوديّة والسعوديين عندما يكبر ويتفوّق في دراسته" ثمّ انصرفت بعد أن تمنّت لنا إقامة طيّبة في الرياض بين أهلنا وذوينا. سيّدتي كانت هديّتك أوّل محفظة يحملها ابننا ياسين إلى المدرسة وهو لا يزال يذكرك بها وهديّتك مازلنا نحافظ عليها كقطعة ثمينة في بيتنا.

إليك نهدي هذا الكتاب ومن خلالك نهديه إلى كلّ النساء السعوديات، أمّهات وجدّات من اللّواتي مازلن يحافظن على تقليد سنّته أمّهاتنا وجدّاتنا عبر العصور، أن يكنّ دائما وأبدا ينبوعا لا ينضب من المحبّة والعطاء، ينذرن أنفسهنّ إلى تربية الطفل والسهر عليه وحمايته ليقوى عوده ويشقّ طريقه في الحياة متحدّيا محنها وصعابها مستعملين الهديّة، "هديّة حبّ": أغلى الهدايا، محفظة أو حكاية حفظتها ذاكرتهنّ، قنديلا يضيء لأطفالنا دروب المعرفة المتشعّبة ومسالك الحياة الوعرة.

صفحة 3

مقدمة

هذه الدراسة المقارنة هي ثمرة بحث في الحكاية الشفوية والتراث الشعبـي السعودي بصفة عامة قمت به في السنة الجامعية 2010- 2011 لـمّا أقمت بمدينة الرياض أستاذا بكلّ من كلية اللغات والترجمة وكلّية السياحة والآثار بجامعة الملك سعود، أمّا الحكايات الفرنسية حكايات بيرو (Perrault) وغيرها من التراث الشفوي الفرنسي، فبعضها قد اطّلعت عليه منذ صباي بحكم معرفتي بالفرنسية منذ سنوات دراستي الأولى في تونس وبعضها الآخر اكتشفته منذ انشغالي بمسألة المخيال (imaginaire) التي أعددت حولها أطروحة دكتوراه في جامعة السوربون (Sorbonne) بباريس في تسعينات القرن الماضي.

إنّ الحكاية الشعبية هي بالطبع جزء مهمّ من المخيال البشري والذاكرة الإنسانية. في الرياض لم تكن الحكايات السعودية التي جمعها الجهيمان في أربعة أجزاء قادرة لوحدها أن تطفئ ظمئي لهذا الموروث الذي قد لا يضاهيه موروث آخر ثراء من حيث مادته التربوية والتخييليّة في بناء شخصية الطفل وفي تنشئته الاجتماعية والوجودية. ولم يكن اطّلاعي كذلك على الحكايات التي جمعتها لمياء باعشن في مدينة جدّة ونشرتها بعنوان جميل ذي مضامين عميقة استعارته من قفلة الحكاية الشعبية السعودية "الثبات والنبات"، سأعود إليه بالتحليل في فصل كامل في مؤلّف أعدّه الآن عن الحكاية الشعبية في الخليج العربـي كافيا أيضا ليفي بالغرض، فعقدت العزم على النـزول إلى العمل الميداني كما فعلت ذلك من قبل في تونس لإنجاز مؤلّفي الذي صدر بعنوان "انتروبولوجيا الحكاية: دراسة انتروبولوجية في حكايات شعبية تونسية"، وبدأت أعقد الصلات لذلك مع زملائي السعوديين من المنتمين إلى جمعية الحفاظ على التراث بجامعة الملك سعود. غير أنّ الظروف حالت دون ذلك نظرا إلى اضطراري للعودة إلى تونس على عجل بعد سنة فقط من الإقامة في المملكة. غير أنّه من حسن حظّي أن مدّني طلبة اللغة الفرنسية بكلية اللغات والترجمة الذين درّستهم مقرّر "الثقافات المقارنة" ببعض السوالف[1]التي استقوها في لهجاتها العامية السعودية من رواتها مباشرة.

وفي الحقيقة لم أفاجأ بردّة فعل طلبتي في هذا المقرّر لأوّل وهلة لـمّا أعلمتهم بأنّنا سنتناول بالدرس "سوالف" سعودية وفرنسية ضمن منهجية مقارنة. لقد كان ردّ فعلهم مطابقا تماما لأوّل ردّ فعل للطلبة التونسيين الذين درّستهم في جامعة تونس والمعهد العالي للطفولة بقرطاج منذ أكثر من عقد من الزمن. فهؤلاء الطلبة لم يعتادوا على دراسة "سوالف" الجدّات في الجامعة حتى وإن كان تناولها يتمّ باللغة الفصحى سواء كانت عربية أو فرنسية.

صفحة 4

سوالف الجدّات خرافات وأساطير هي جزء من ماضيهم الطفولي ولكن أن تكون جزء من حاضرهم ومستقبلهم، فهو أمر غير مفهوم ويبعث على الحيرة! لقد عادت بـي الذاكرة لا إلى تونس فقط، وإنما إلى نيويورك حيث درّست في جامعتها الحكاية الشعبية العربية في شمال إفريقيا في السنة الجامعية 1999-2000. لقد كان ردّ الطلبة الأمريكيين مختلفا ولم يبدُ عليهم أيّ نوع من الاستغراب أو الحيرة لأنهم اعتادوا على دراسة الفولكلور العريق في الجامعات الأمريكية والغربية عموما. لكن بمجرّد أن تقدّمنا حصّة في التأصيل النظري والمنهجي لهذه المقارنة والغوص في دلالات هذه الحكايات ومضامينها الثقافية والتربوية التي لا تقلّ قيمة عمّا يوجد في أمّهات الكتب ومدوّنات علماء التربية والنفس، حتى طفق هؤلاء الطلبة في جمع السوالف من تراث أجدادهم ومحاولة ترجمتها ومقارنتها بالحكايات الفرنسية، خاصة حكايات بيرّو، ما حفّزهم أكثر على ذلك هو تمكينهم من وسيلة ناجعة لمزيد تعلّم اللغة الفرنسية وإتقانها.

فحكايات بيرو منجم ثمين يتوفر على كل جواهر اللغة الفرنسية النفيسة سواء فيما يتعلق بثراء الألفاظ أو جمالية الأسلوب أو تقنيات السرد وفنونه واستعمال أزمنة مثل ماضي الماضي (l’imparfait) والماضي التامّ (plus-que-parfait) وغيرهما من الأزمنة الغريبة عن اللغة العربية وعن طلبة يدرسون اللغة الفرنسية باعتبارها لغة أجنبية وغريبة عنهم ومختلفة اختلافا تاما عن العربية لغتهم الأمّ.

كما لا ننسى أنّ بيرّو (1628-1703) كان أديبا متميّزا في عصره ومن خيرة متعلّمي زمنه نال شرف العضويّة في الأكاديميّة الفرنسيّة التي لا يدخلها إلى اليوم إلّا صفوة العلماء من سائر الاختصاصات علاوة على أنه رجل قانون انصرف إلى نقل الحكايات التي عُرف بها من التراث الشعبـي الفرنسي إلى الفصحى، بعد أن تقاعد من وظيفته مستشارا متميّزا في بلاط الملك لويس الرابع عشر، في لغة فرنسية متينة فيها نفس تجديدي ونبرة تحديثيّة دافع عنها ضمن كوكبة من الأدباء كان ملهمهم ورائدهم. لقد وجدت ضالتي أنا وطلبتي في هذه الحكايات بوصفها وسيلة بيداغوجية ناجعة إن لم نقل أنجع الوسائل على الإطلاق للغوص في أسرار اللغة الفرنسية وجماليتها. ولا غرابة في ذلك حين نعلم أنّ أفضل طريقة- وهذا ما نعتقده دون مبالغة- لتعلّم لغة شعب من الشعوب، هي الاطّلاع على حكاياته وخرافاته في لغتها الأصلية، لا سيما زمن الصبا والشباب الأوّل.

وهكذا وجدت نفسي أقارن في هذا المقرّر حكاية "الغول والإخوان الثلاثة" التي استقاها عبد الكريم الجهيمان من التراث الشعبـي السعودي بحكاية الاصبع الصغير لبيرّو، ولكن حصة واحدة لم تكن لتفي بالحاجة لغزارة المادة المقارنة، لا سيما وأنه كانت لنا مادة سعودية وأخرى فرنسية تنتظر بدورها أن نهتمّ بها وقرّرت أن أترك الإبحار في هذه المقارنة إلى دراسة كاملة في متسع من الوقت وبعد بحث وتفكير.

ولدت فكرة القيام بهذه المقارنة إذن في هذا الظرف المخصوص من إقامتي بالمملكة وفي السياق الذي بدأ من فرنسا مرورا بنيويورك وتونس والبحرين، حيث نـزلت ضيفا لمدة أسبوع على وزارة الثقافة البحرينية للإشراف على حلقات تكوينية لثلّة من إطاراتها في جمع الحكايات الشعبية وحفظها وتصنيفها وتحليلها وذلك في متحف التراث الوطني في شهر مايو من سنة 2009، وصولا في نهاية الرحلة إلى الرياض.

صفحة 5

كان شغلي الشاغل هو لفت الانتباه إلى المزيد من العناية بالتراث الشفوي، بالبحث الجادّ والتدريس العلمي المستند إلى أهمّ المناهج الحديثة والعلوم الإنسانية المختلفة في الجامعات العربية التي مازال ينقصها الكثير للوصول إلى مستوى الجامعات العالمية لاسيما الغربية منها وبعض الجامعات الأخرى التي تعدّ على أصابع اليد الواحدة، ولعلّ جامعة الملك سعود مثلها في ذلك مثل جامعة القاهرة، على سبيل المثال لا الحصر تعتبر استثناء مقارنة بالجامعات العربية الأخرى لكونها تعير مسألة التراث الشفوي أهمية بالغة وتصدر عنها مجلّة مختصّة في هذا المجال بكلية الآداب.

غير أنه لا ينبغي أن يكون تدريس الحكايات الشفوية حكرا على كليات الآداب واللغات والترجمة وأقسام الاجتماع والانتروبولوجيا بل ينبغي أن يشمل كذلك أقسام التربية وعلم النفس الطفل بل الطبّ النفسي. لا يجب أن نغفل عن هذه الحقيقة هو أنّ الحكاية الشفوية هي موجّهة أساسا إلى الطفل وبصفة لاواعية لا تعمل على تربيته وتنشئته فقط، بل تساعده على التغلّب على مخاوفه وقلقه وحيرته وتمكّنه من الأجوبة على أسئلته المحيّرة التي لا يجد لها جوابا دونها، ما يجعلها تقوّي من عزمه على مغالبة الصعاب ومقارعة المحن وتذهب أكثر من ذلك بأن توفّر له الحماية وتضمّد جراحه في حالة الصدمات وهي كثيرة في الحياة الدنيا، مثل يتم مفاجئ أو طلاق للوالدين كثيرا ما تكون وطأته بالغة القسوة عليه أو فقر مدقع أو اعتداء فظيع عليه يهدّده بالتدمير والتلاشي أو أن يجد نفسه في أتون حرب ضروس، لا ناقة له ولا جمل فيها.

لقد كان لبرونو بيتلهايم (Bruno Bettelheim) (1903- 1990) فضل كبير في إبراز أهمية الحكايات الشعبية في معالجة "تروما" (Trauma) الأطفال نظريا في العديد من مؤلفاته[2]وعمليا في المدرسة التي أنشأها في جامعة شيكاغو في منتصف القرن الماضي وهي مدرسة مختصّة في الطفولة خاصة في معالجة الأطفال الانطوائيّين والذين يعانون من صدمات نفسيّة قاسية. فسنّ بذلك تقليدا أكاديميا عالميا مازالت تحافظ عليه العديد من الجامعات في العالم، لاسيما في الغرب، بحيث أنه لا ينبغي أن نفاجأ بعد أن خلنا أن دراسة الحكايات الشفوية قد طويت درسا طولا وعرضا في العديد من الاختصاصات: اللسانية والأدبية والانتروبولوجية والاجتماعية والنفسية ولم يعد ثمّة ما يدرس فيها، أن يصدر كتاب منذ أشهر في فرنسا (مايو 2013) بعنوان "الطفل الـمُعْتدى عليه والحكاية المبدعة" من تأليف جامعيّة وباحثة مختصّة في علم النفس السريري (clinical psychology) وفي الطفولة[3]يضيف جديدا ويسلّط الضوء على الأهميّة البالغة للحكاية الشفوية في تكوين رجال المستقبل ونسائه وفي معالجة الأطفال الذين عصفت بهم ظروف الزمان وغدر البعض بهم من بني الإنسان. نقرأ في الصفحة الخارجية لهذا المؤلف وبالخطّ الأحمر اللافت للانتباه "الحكاية المبدعة هي أداة علاجية جذّابة للعناية بأطفال يعانون من شتى أنواع المشاكل والمعاناة، من أقلّها وطأة عليهم إلى أشدّها ضراوة على نفوسهم وأكثرها وقعا عليها. ليس علماء النفس العلاجي فقط، بل كذلك كلّ المختصّين في الطفولة يمكن أن يستعملوا الحكاية "المبدعة" كلّ حسب اختصاصه سواء على المستوى الفردي أو الجماعي".

حكاية "الغول والإخوان الثلاثة" السعوديّة وحكاية "الإصبع الصغير" الفرنسيّة، بل قل الحكاية الواحدة السعوديّة الفرنسيّة في روايتيها: رواية الجهيمان ورواية "بيرّو" هي أفضل ما يمكن أن نعثر عليه في الحكايات الخرافيّة العالميّة لمعالجة "تروما" الأطفال في الحالات المرضيّة التي تتحدّث عنها "غريسون جهانسارت" مؤلّفة هذا الكتاب الجديد وفي الحالات العاديّة لتخليصهم من عقدة الصغر وتهيئتهم لأن يكونوا كبارا كأحسن ما يكون الكبر. فهي بقدر ما تشوّق الأطفال المستمعين إليها وتفتح لهم في عتمة الوجود بصيصا من النور والأمل وتطمئنهم أنّه بعد الشدّة يأتي الفرج وأنّ الانكسار يتلوه، لا محالة بالكدّ والجدّ الانتصار، بقدر كلّ ذلك تكشف عن حقيقة بسيطة ولكن كثيرا ما يقع تجاهلها في التاريخ البشري، لاسيما عند استفحال الأزمات وهيمنة الأحكام المسبقة أنّ مخاوف الإنسان وقلقه ومشاغله هي ذاتها وأنّ خياله أو مخياله هو نفسه، مهما اختلفت الثقافات واللّغات والأديان، بل أنّ هذه الثقافات كثيرا ما تلتقي بالخواطر والأفكار والقيم بصفة عفويّة حتّى وإن لم تلتق في الزمان والمكان.

باريس- تونس
اكتوبر 2013

صفحة 6

1- حكاية الغول مع الإخوان الثلاثة

ملاحظة: عمد الجهيمان في جمعه للحكايات الشفويّة السعوديّة عموما إلى نقلها في لغة ثالثة تتوسّط العامية والفصحى محاولة منه الحفاظ أكثر ما يمكن على أصالتها الشعبيّة وفي ذات الوقت تقريبها من اللّغة الفصحى حتّى يسهل فهمها من القرّاء العرب غير السعوديين ولذلك لم يعر عن وعي أهمّية كبيرة للالتزام بقواعد اللّغة العربيّة الفصحى نحوا وصرفا وأسلوبا.

كانت الجدة في هذه الليلة ظاهرة السرور مبتهجة الخاطر لأن أحد أولادها الكبار قدم من سفر.. ولهذا فقد استقبلت الأطفال بسرور.. وقالت لهم أنني سوف أقصّ عليكم هذه الليلة سبحونة الغول مع الإخوان الثلاثة وهي سبحونة لم تسمعوها من قبل..

فقال الأطفال بصوت واحد نعم قصّيها علينا

فقالت الجدة حبا وكرامة وشرعت قائلة:

هنا هاك الواحد والواحد الله سبحانه في سماه العالي وإلى هنا هاك الرجّال الفقير الذي تزوج إحدى بنات قريته.. وكان يعتمد في معيشته ومصاريف بيته على ما يكسبه من الحطب والأعشاب التي يأتي بها من الصحراء فيبيعها إلى من يريدها في مدينة مجاورة..

ورزق الرجل من زوجته بالمولود الأول فسماه محمدا وفرح به.. وفرحت به زوجته على الرغم من أنه سوف يكون عبئا ثقيلا عليهم في معيشته والإنفاق عليه..

ثم بعد فترة غير طويلة رزق الرجل بمولود ثان فاستقبله الرجل بفتور.. لأنه سوف يقاسمهم لقمة العيش القليلة التي لا ينالونها إلا بشق الأنفس ولكن الرجل صبر على مضض.

وبعد وقت أيضا غير طويل حملت زوجته فأنجبت المولود الثالث فسماه سعيدا تفاؤلا بأن يأتي إليهم بالرزق والسعادة لأن زوجته قالت له إن الله سوف يرزق هؤلاء الأطفال وسوف يرزقنا برزقهم.. واقتنع الرجل بهذا الكلام واستمر في الكفاح والجهاد من أجل إعاشة هذه الأسرة التي بدأ يكبر أفرادها.. وبدأت تكبر متطلبات حياتهم.!

صفحة 7

ولكن الرزق كان شحيحا.. والمعيشة كانت ضنكا وكان الرجل يبذل كل ما يستطيع من جهد ولكنها يد واحدة واليد الواحدة لا تصفق.. فالمرأة لا تساعد زوجها ببذل أي مجهود.. والأطفال صغار لا نفع فيهم.. فهم يأخذون ولا يعطون.. ويأكلون فلا يشبعون.. ويلعبون فيتعبون ولا يتعبون.!!

وضاق الرجل بهؤلاء الأولاد.. لأن كسبه لا يكفيه هو وإياهم.. ولهذا فقد صمم على الخلاص من هؤلاء الأولاد وقال لزوجته بفكرته. فجزعت الأم وخافت على أولادها من الهلاك أو الضياع.. إلا أنها رأت تصميم زوجها على هذا الأمر وهي ضعيفة أمامه لا تستطيع مقاومته.. ولا الوقوف في وجهه.. ولهذا فقد رأت أن تلجأ إلى الحيلة والتلطف بزوجها.. فقالت له:

- وماذا تريد أن تصنع بهم.؟!

فقال أنني أريد أن أذهب بهم إلى بعض الشعاب في قلب الصحراء فأتركهم هناك.. ورزقهم على خالقهم فقالت له زوجته إنهم الآن صغار.. فأصبر قليلا حتى يكبروا وتشتد سواعدهم.. وصبر الوالد فترة من الزمن ثم قال لزوجته إنني سوف أنفذ ما قلته لك سابقا وسأتخلص من الأولاد بتركهم في أحد الوديان.!!

وحاولت زوجته أن تمدد المدة ولكنها لم تستطع.. وكان الولد الصغير يسمع هذا الكلام.. وعلم أن والده مصمم على التخلص منهم.. وأن والدته تريد بقاءهم وتبكي على فراقهم.. ولكن الأمر ليس في يدها بل هي مغلوبة على أمرها.!!

وقال الزوج لزوجته.. إننا غدا سوف نخرج بالأولاد إلى الوادي الفلاني.. ثم نلتمس إحدى غفلاتهم.. فننسلّ من بينهم ونتركهم في ذلك الوادي ونقول:- تحت الله يازرع الله.!!

وبكت الوالدة بكاء مرا ولكن بكاءها لم يغير من الأمر شيئا وجاء الموعد.. وكانت أسماء الأولاد حسب كبر سنهم محمد وسعد وسعيد أما ألقابهم فهي أيضا جربوع وزفير وصفير..

وكان صفير هو الصغير وهو أذكى الإخوة الثلاثة.. وهو الذي سمع كلام والده وعرف ماذا يدبر لهم في الخفاء.. فذهب قبل الموعد إلى مكان حجارته بيضاء.. فالتقط من تلك الحجارة حتى ملأ جيوبه.

وحان موعد الرحيل.. ونادى الوالد أولاده بألقابهم قائلا جربوع زفير صفير.. فلبى الأولاد الثلاثة نداء والدهم.. وجاءوا إليه مسرعين.!!

وقال لأولاده استعدوا فإننا سوف نذهب جميعا إلى الوادي لجمع الحطب والأعشاب..

واستعدّ الأولاد ووالدتهم.. ومشوا في طريقهم إلى الوادي. تأخر الولد الصغير الذي اسمه صفير عن القافلة الصغيرة.. فصار يمشي في المؤخرة.. وكلما مشى فترة من الوقت ألقى حصاة بيضاء.. وكلما جاء في مفترق طرق ألقى حصاة أيضا.!!

ووصلت القافلة الصغيرة إلى ذلك الوادي السحيق.. يتقدمّها الأب وتتوسطها الأم وفي مؤخرتها صفير.!!

صفحة 8

وانتشر الأولاد في الوادي.. وانتهز الوالدان فرصة غفلة الأولاد فانسلوا وعادوا إلى منـزلهم وأشبع الأولاد فضولهم وأشبعوا رغبتهم في العبث واللعب.. ثم عادوا يبحثون عن والديهم.. فلم يجدوهما.. وصوبوا وبحثوا يمينا وشمالا فلم يعثروا لهما على أثر..

وبكى الإخوة الكبار.. وأحسوا بالخطر الذي يهدد حياتهم.. وأيقنوا بالهلاك.. ولكن صفيرا قال لأخويه على رسلكم.. وعلام تبكون.. فقالا نبكي خوفا من الهلاك. فقال وماذا تريدان.. فقالا نريد العودة إلى بلدنا وإلى والدينا..

فقال وكيف تريدون من لا يريدكم.. فقالا إن والدتنا تريدنا.. وأما والدنا فهو ملزم برعايتنا حتى نبلغ مبلغ الرجال فقال صفير إذا كان الأمر كذلك فكفوا عن البكاء وهيا معي اتبعوني وسوف أدلكم على بلدكم وأهلكم..

ومشى الأولاد الثلاثة وفي مقدمتهم صفير.. الذي صار يتتبع تلك الأحجار البيضاء ويمشي في اتجاهها حتى أوصلته إلى البلد..

وسار الإخوة حتى وقفوا عند باب دارهم وجعلوا ينظرون من شقوق الباب من بداخل الدار ويستمعون ما يدور من حديث بين والدهم ووالدتهم

رأوا أن والديهم يأكلون ويتحدثون.. وسمعوا أمهم تقول لأبيهم.. ياليت أولادنا معنا.. إذا لأكلوا وشربوا.. ومرحوا.. وملؤوا البيت بهجة وفرحا ومرحا.. وقد كنت قلت لك لا تيأس فإن مع العسر يسرا وبعد الضيق الفرج.!!

وصاح الأولاد من خلف الباب ها نحن ياأماه قد عدنا إليكم فافتحوا لنا الباب.. وقامت أمهم مسرعة وفتحت لهم الباب... وعانقت كل واحد منهم وهي تبكي أحر البكاء ودموعها تتساقط من عينيها وقدمت لهم والدتهم طعاما فأكلوا وشربوا وفرحوا ولعبوا..

ثم ضاقت بالوالدين المعيشة.. وأقلقهم الجوع.. وملّوا حتى من أنفسهم..

وقال الوالد أننا سوف نتخلص من الأولاد فليس في إمكاننا أن نقيت أنفسنا ونقيتهم.. فبكت الأم وقالت اتركهم عندنا فرزقهم على الله وأنا مستعدة أن أترك نصيبـي من الطعام لهم.. فقال الأب وإذا تركت طعاما لأولادك عرضت نفسك للمرض والموت.. وإذا مت شقيت أنا بالأولاد وحدي.. ولكن لابد أن نتخلص منهم.!!

لم تستطع المرأة أمام تصميم زوجها أن تقول شيئا.. وكان صفير يسمع هذا الكلام فعزم على أن يعد للأمر عدته.. وأن يهيئ وسائل الخلاص كما هيأها في المرّة السابقة..

لكن والدهم طلب منهم أن يستعدوا حالا للمسير ولم يجد صفير مجالا لأي عمل وسارت القافلة الصغيرة متجهة إلى ذلك الوادي.. الوالد في المقدمة والأم في الوسط وصفير الولد الصغير في المؤخرة..

وكانت الوالدة قد أعطت كلّ واحد من أولادها كسرة خبز ليأكلها.. ويتقوى بها في مسيره إلى الوادي فأما الأولاد الكبار فأكلوا نصيبهم من الخبز وأما صفير فإنه لم يأكلها بل قطعها قطعا صغيرة..

وصار يرميها شيئا فشيئا في منعطفات الطريق وفي مجاهله.. لتكون دليلا لهم في العودة.. وعلامات يهتدون بها.!!

وصلت القافلة إلى ذلك الوادي.. وتعمق الوالد في الوادي أكثر من المرة السابقة.. وذلك ليضمن عدم عودتهم وعندما وصلوا إلى مكان في الوادي سحيق توقف سير القافلة.. وتشاغل الوالدان أو تظاهرا بأنهما يعملان غداء للجميع..

وعندما انشغل الأولاد باللهو واللعب.. انسل الوالدان من عندهم.. وعادوا إلى البلد.. وجاء الأطفال إلى مكان والديهم فلم يجدوا لهم أثرا.. وبكى الإخوة الكبار.. ولكن صفيرا قال لهم لا تبكوا فالبكاء لا يجديكم ولا يطعمكم.. وإنما عليكم أن تتبعوني. وسوف أوصلكم إلى البلد في هذه المرة كما أوصلتكم إياها في المرة السابقة.!!

وسكت الإخوة وسار صفير في الطريق الذي رسمه وسار خلفه إخوته الكبار.. ونظر صفير.. وبحث عن فتات الخبز التي ألقاها لتكون معالم للطريق.. ولكنه لم يجدها..

لقد جاءت بعده الطيور والعصافير فأكلت فتات الخبز الذي كان ألقاه.. وبقى الطريق بلا رسوم ولا علامات تدل عليه ودار صفير عدة دورات وحاول أن يسير إلى البلد.. ولكن هيهات لقد انفلت الخيط من يده.. وأمسى بلا دليل.. ولا علم له ولا خبرة بتلك المجاهل..

أخبر صفير إخوانه بأنه أضاع الطريق وأنه لا أمل لهم في العودة إلى البلد.. فبكى الإخوة جميعا ومن جملتهم صفير ثم عادوا أدراجهم إلى الوادي فهو أحسن لهم من الصحراء القاحلة.. لأنهم سيجدون فيه صيدا وسيجدون فيه حطبا.. وسيجدون فيه أعشابا يأكلونها..

وعاد الإخوة الثلاثة إلى الوادي يهيمون فيه.. ويستظلون بأشجاره نهارا.. ويتقون بها الرياح ليلا..

صفحة 9

بقوا على هذه الحال أياما وهم ينتظرون أن يروا أحدا أو يراهم أحد فيدلهم على البلد.. ولكن لا أحد يمر بذلك الوادي.. فهو واد مجهول.. وليس حوله مكان مأهول وازداد الكرب بالإخوة.. وملّوا حياة الصحراء وشعروا بوحشة شديدة تلازمهم في النهار وتخيم عليهم في الليل..

وفي ذات يوم صعد صفير على مرتفع من الأرض.. ونظر إلى ما حوله.. ورأى منـزلا صغيرا لا يبعد عنهم كثيرا فجاء مسرعا إلى أخويه وقال لهما هيا بنا إلى منـزل صغير رأيته عن بعد..

وفرح الإخوة بهذا الاكتشاف الجديد وساروا خلف صفير.. وجدوا في السير حتى وصلوا ذلك المنـزل.. فوجدوا عند بابه سيدة

فسلموا عليها وردت عليهم السلام.. وتقدم صفير إلى المرأة فقال لها:

- أيها السيدة المحترمة.. إننا أطفال ضائعون.. وفي متاهة هذا الوادي هائمون.. وقد رأينا منـزلك ففرحنا به.. وجئنا إليه.. وكأنه بيتنا.. فنرجّو أن تسمحي لنا بالدخول إلى الصباح.. وبعد ذلك سوف نذهب إلى بلدنا.!!

فقالت لهم السيدة إنني أرحب بكم وأفتح لكم باب البيت على مصراعيه.. ولكن قبل أن تدخلوا لا بد أن تعرفوا أن المنـزل منـزل غول شرس.. وأنا أخشى عليكم منه وأخاف على شبابكم أن يحطمه هذا الغول.!!

فقال لها صفير افتحي لنا الباب.. وسوف نخبئ عنه فلا يرانا فأدخلتهم المرأة في المنـزل وأطعمتهم وسقتهم.. وأخبرتهم بموعد مجيء الغول ليأخذوا حذرهم.!!

وجاء موعد حضور الغول فدخل الإخوة الثلاثة تحت السرير لأنه آمن مكان يختبئون فيه..

وحضر الغول الذي هو زوج المرأة.. وشوى خروفا كان أحضره معه فأكله.. ثم نام في سريره.. ولم يحس بوجود هؤلاء الإخوة.. مع أنه مرهف الحس.. شديد الشم.. كما أنه يتمتع بكثير من الحواس التي لا يتمتع بها البشر وله سبعة رؤوس في كل رأس عينان وأذنان.. وأنف وشفتان.. ومع ذلك فإن هذا الغول لم يستطع أن يحس بوجودهم تحت سريره.!!

وجلس الأخ الصغير صفير في أثناء الليل من غير شعور.. فارتطم رأسه بالسرير فقال اح.! قالها من شدة الألم مكرها.. فسمع الغول هذه الكلمة.. وقال لزوجته.. من الذي عندك في هذا البيت؟!

وقام الغول من فوق السرير.. وذهب ليغلق الأبواب والنوافذ حتى لا يخرج من البيت أحد وفي هذه الأثناء.. قال صفير لأخويه اذهبا من هذه النافذة واختبئا خارج القصر.. وكان بجوار السرير سكين حاد فأخذها صفير.. واستعد لمنازلة الغول لعله يقضي عليه فيسلم من شروره.. وينقذ المسلمين أيضا من أضراره.. فإنه طالما اختطف أولاد الناس ومواشيهم.. وطال فجعهم في محبيهم.!!

وقالت زوجة الغول لصفير اضربه من رأسه الصغير ضربة واحدة ولا تزده على ذلك مهما حاول الزيادة.. ومهما أغراك بالمال.. واختفى صفير خلف الباب الذي سوف يعود منه الغول والسكين في يده وقد استعد لمنازلة الغول.. والقضاء عليه..

وعاد الغول بعد أن أغلق جميع الأبواب والنوافذ.. وكان صفير جاهزا فتقدم إليه وضرب رأسه الصغير فقطعه.. وبقى الغول بعد قطع رأسه لا يستطيع الحراك وإنما بقي فيه رمق من الحياة.. يستطيع معه أن يتكلم فقط.. وأن يعد وأن يغري.. وأن يتوعد ويهدد.. ولكنه لا يستطيع أن يفعل مما يقول شيئا.!!

صفحة 10

وقال الغول لصفير زدني زادك الله فلم يزده صفير.. وأعاد الغول القول بطلب الزيادة.. وأغرى صفيرا بأنه سوف يعطيه الكنـز الذي في المكان الفلاني.. ولكنّ صفيرا لم يزده على الضربة الأولى وجعل الغول يغري صفيرا بشتى الإغراءات ويعده بمختلف الوعود.. ولكن صفيرا لا يستجيب لتلك الإغراءات.. ولا ينخدع بالوعود!!

وأخيرا خر الغول صريعا لليدين وللفم.!!

وخرج صفير مسرعا يبحث عن إخوانه فوجدهم غير بعيد.. ودعاهم وأخبرهم بما جرى.. وعاد الأخوة الثلاثة إلى زوجة الغول التي احتضنت كل واحد منهم وقبلته قبلا حارة وهنأتهن تهنئة مخلصة بنجاتهم من ذلك الغول الشرس الذي لا يكاد ينجو منه أحد..

ثم أخبرتهم زوجة الغول بأنه أخذها من أهلها قسرا وتزوج بها قسرا.. وبقيت تعيش معه كزوجة.. ولكنه من حسن حظها أنها لم ترزق منه بذرية.!!

فهنأ الأطفال الثلاثة تلك السيدة.. على نجاتها من ذلك الغول.. وقالوا لها إننا سوف نكون أولادا لك وسوف نكون طوع أمرك في كل ما تريدينه..

وشكرتهم المرأة على مشاعرهم الكريمة.. وقالت لهم هيا نبحث عن تلك الكنوز التي وعدكم بها في آخر حياته وذهبوا إلى تلك الكنوز فاكتشفوها واحدا إثر واحد.. ووجدوا فيها أموالا لا تحصى...

فأخذوا ما استطاعوا حمله.. ثم ذهبوا إلى البلد مع المرأة التي هي زوجة الغول وهم لا يسمونها إلا أمهم وهي لا تدعوهم إلا أولادها.

وعندما وصلوا البلد المقصود اشتروا بيتا وأثثوه أحسن أثاث وأجمله.. وافتتحوا حانوتا فصاروا يبيعون فيه ويشترون.. ويتعرفون بالتجار الكبار.. والقادة الأخيار.!!

وكان أمر والديهم يحزّ في أنفسهم كثيرا فعلى الرغم مما فعله الوالدان فإن الأولاد يحنون إليهما ويبحثون عنهما.. ويسألون عن أخبارها.. ولكنهم لا يعثرون على خبر.. ومضى على ذلك عدة سنوات... وهم يسألون فلا يهتدون إلى ما يريدون وتجارتهم تنمو وتزيد يوما بعد يوم.. وزوجة الغول تقوم بشؤونهم المنـزلية.. وكأنها والدتهم..

وفي يوم من الأيام قال الأخ الصغير الذي هو صفير.. إنني سوف أسافر إلى بلاد بعيدة.. وربما لا أعود إليكم مرة ثانية... فلم يأذن له إخوانه بهذا السفر.. ولكنه ألحّ عليهم إلحاحا متواصلا.. وقال إنني رجل قد بلغت رشدي.. وأنا أعرف منكم بمصلحة نفسي.. ولا حق لكم في منعي.. وأصرّ على رأيه في السفر..

وأمام إصرار صفير وإلحاحه لم يجد الأخوة بدّا من السماح له فاستعد للسفر وأعطاه إخوته كلما يحتاجه في سفره.. وزوّدوه بأموال كثيرة لتكون عونا له فيما قد يعترضه في طريقه من عقبات.!!

وسافر صفير للبحث عن والديه.. وصار يسير من قرية إلى قرية ومن بلد إلى بلد وهو يسأل عن اسم بلده وأخيرا وصل إلى البلد التي ظن أنها بلده.. فصار يتجول في شوارعها.. وأزقتها الضيقة.. ويحاول أن يتعرف على بعض بيوتها.. ولكن طول الغياب أنسته معالم البلد..

وبينما كان سائرا في أحد الأزقة.. وإذا به يرى بيتا صغيرا مهدما.. فتذكر بيت أهله.. إن هذا البيت المهدم يشبه بيت أهله كل الشبه.. والزقاق كذلك ليس غريبا عنه.. ووقف عند هذا البيت وتأمله طويلا.. فلم يزده تأمله إلا ثقة ويقينا بأن هذا البيت هو بيت والديه.. ومع ذلك فإنّ ظلالا من الشك لا تزال تعاوده بين لحظة وأخرى..

وقال في نفسه لماذا لا أدخل هذه الخربة فأزيل الشك باليقين وأرى ما بداخلها رأي العين.!!

ودق الباب الذي تلعب به الرياح.. ونادى ياأهل البيت وفوجئ صفير بصوت ضعيف يجيبه من أقصى الخربة ويقول اصبر قليلا لأفتح لك الباب..