صفحة 1
قالوا عن (من التائه؟)
يقدِّم جلعاد عتسمون سرداً شائقاً وآسراً لرحلته من قومي إسرائيلي متطرِّف إلى مواطن للإنسانية تجرَّد من الصهيونية، وبات مدافعاً متحمِّساً عن العدالة من أجل الشعب الفلسطيني· إنها قصّة تحوّل يرويها بنزاهة مطلقة، بحيث يتعيّن على كلّ أولئك (خصوصاً اليهود) المهتمّين بالسلام، والمعنيّين بهويِّتهم الخاصة، ألا يقرؤوا الكتاب فحسب، وإنما يتأمّلونه ويناقشونه على نحو واسع·البروفيسور ريتشارد فوك، أستاذ القانون الدولي المتقاعد، جامعة برنستون، له أكثر من 20 مؤلَّفاً، وهو مقرِّر الأمم المتحدة الخاص حول حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلَّة·
وضع جلعاد عتسمون كتاباً رائعاً ومحرِّضاً عن الهوية اليهودية في العالم الحديث؛ حيث يُظهر كيف أنّ الاندماج والليبرالية يجعلان من الصعب، بصورة متزايدة، على اليهود في الدياسبورا (الشتات) المحافظة على حسّ قوي بـ يهوديّتهم · ويجادل بأن الزعماء اليهود المذعورين قد تحوّلوا إلى الصهيونية (الولاء الأعمى لإسرائيل)، ونشر الخوف (من خطر ارتكاب هولوكوست أخرى) وذلك للإبقاء على القبيلة موحَّدة ونائية عن الأغيار المحيطين بهم· وكما تبيِّن حجّة عتسمون، فإن هذه الاستراتيجية فاشلة، حيث تسبِّب الألم للعديد من اليهود· كتاب من التائه؟ يجب أن يُقرأ من قبل اليهود وغير اليهود على حدٍّ سواء·
جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، بالولايات المتحدة·
من التائه؟ لجلعاد عتسمون عبارة عن سلسلة من الإضاءات اللمّاحة والتأمّلات النقدية حول المركزية الإثنية اليهودية، ونفاق أولئك الذين يتحدثون باسم القيم العالمية ويتصرفون على نحو قَبَليّ· من خلال الاعتماد على الخبرة الحياتية الذاتية والخبرة الوجودية، بالإضافة إلى الملاحظات الأساسية الخاصة بالحياة اليومية، المعزَّزة بتصوّرات نفسية عميقة، ينجح عتسمون في القيام بما فشل فيه العديد من نقّاد إسرائيل؛ إذ يميطُ اللثامَ عن الصلة بين سياسة الهوية اليهودية في الدياسبورا (الشتات) والتأييد المتحمِّس للسياسات القمعية التي ترتكبها الدولة الإسرائيلية·
صفحة 2
يطرح عتسمون رؤى وأفكاراً بالغة العمق فيما يتعلق بسياسة الغيتو الجديد؛ إذ يتحلّى بالشجاعة - التي يفتقر إليها المفكرون الغربيّون بشدّة - كي يقول الحقيقة في وجه الصهاينة الكثُر، ذوي المكانة المرموقة، ممّن يصوغون أجندات الحرب والسلام في العالم الناطق بالإنجليزية· إن مواجهة عتسمون المشبوبة بالحماسة، والتي لا تخلو من فطنة وسعة خيال، مع المحافظين الجدد الساعين إلى انتزاع السلطة والليبراليين، الذين يهزّون رؤوسهم بـنعم، خاضعين لكل ما يُملى عليهم، لَتجعل هذا الكتاب يتميّز عن غيره لما يقدِّمه من فهم أصيل للمخاطر المترتّبة على العقول المنغلقة التي تملك النفوذ في دوائر السلطة·
يعدّ هذا الكتاب أكثر من دراسة في سياسة الهوية اليهودية ، من حيث إننا نتعامل مع إطار من النفوذ الذي يؤثر على كل الذين يقدِّسون حق تقرير المصير والحرية الشخصية في وجه الإملاءات الإمبريالية والاستعمارية·
البروفيسور جيمس بتراس، أستاذ علم الاجتماع في جامعة بينغهامتون، بنيويورك، له أكثر من 62 كتاباً، من بينها نفوذ إسرائيل في الولايات المتحدة·
كتاب من التائه؟ لجلعاد عتسمون عمل بارع ومحفِّز للفكر على غرار عنوانه· وهو كتاب مهم أيضاً؛ إذ يقدِّم استنتاجاتٍ بشأن اليهود واليهودية والديانة اليهودية، والتي قد يراها البعض صادمة، لكنها تعتبر ضرورية لفهم سياسة الهوية الإسرائيلية والدور الذي تلعبه على المسرح العالمي·
كارل صباغ، صحفي ومنتج تلفزيوني ومؤلف العديد من الكتب، من بينها قضية رَم؛ وتحويل محطة توليد الطاقة إلى متحف فني؛ وأصفار الدكتور رايمان، وفلسطين: تاريخ شخصي· وهو حالياً ناشر دار هسبريس بريس
تثير رؤية عتسمون بشأن النظام الذي أوجدته الحركة الصهيونية جدلاً هائلاً· يمزِّق كتاب من التائه؟ الحجاب عن الكياسة الظاهرية لإسرائيل، وصداقتها الظاهرية مع الولايات المتحدة، واهتمامها المفرط والصريح بالقوى الغربية، حيث يفضح القاتلَ الكامنَ فيها والمستعد للفتك بأي شيء وكل شيء يتعارض مع غاياتها الموجَّهة قبلياً·
البروفيسور ويليام كوك، أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة لا فيرن في جنوبي كاليفورنيا، ومؤلف كتاب اغتصاب فلسطين·
يقدم من التائه؟ جلعاد عتسمون في أكثر حالاته تألقاً ونفاذ بصيرة: إنه آسر، ومثير، ومقنع·
جيف غيتس، مؤلف كتاب الذنب من خلال الاشتراك: كيف قاد الخداع وخداع الذات أميركا إلى الحرب·
من التائه؟ كتاب رائد من نوعه، يستحق أن يُقرأ، وجلعاد عتسمون يتحلى بالشجاعة لأنه ألّف هذا الكتاب!
د· سمير عبدربه، مؤلف وأستاذ متقاعد في حقل القانون الدولي، مدير مركز الدراسات العربية والإسلامية في براتلبورو، في ولاية فيرمونت بالولايات المتحدة، وهو العميد السابق لكلية القدس للقانون والدبلوماسية·
صفحة 3
مدخل
كان جَدّي شخصاً كاريزمياً شاعرياً، إرهابياً صهيونياً مُخضرماً· وبوصفه قائداً بارزاً سابقاً في منظمة الإرغون(1) اليمينية الإرهابية، يجب أن أعترف بأنه كان له تأثيرٌ هائلٌ عليّ في سني نشأتي الأولى· لقد أظهر ازدراءبالغاً لأي شيء ليس يهودياً؛ فكَرِهَ الألمان، ولم يسمح بالتالي لوالدي بأن يشتري سيارةً ألمانيةَ الصنع· كما احتقر البريطانيين لأنهم استعمروا أرضه الموعودة بيد أنني أعتقد أنه لم يزدرِ البريطانيين بالدرجة ذاتها التي ازدرى فيها الألمان، ذلك أنه سمح لوالدي بقيادة سيارة قديمة من طراز فوكسهول فيـفا، إنجليزية الصنع·
كذلك، كان جَدّي شديد الغضب من الفلسطينيين الذين يعيشون على الأرض التي كان واثقاً أنها تنتمي له ولشعبه· وغالباً ما كان يتساءل: هؤلاء العرب لديهم دولٌ كثيرة، فلماذا يجب أن يعيشوا على الأرض ذاتها التي وهبها الله لنا؟ على أن جدّي كرِهَ اليساريين اليهود أكثر من أي شيء· هنا من المهم الإشارة إلى أنه بما أن اليساريين اليهود لم يصنعوا سيارةً من طراز معروف، فإنّ هذه الكراهية تحديداً لم تتطور إلى صراع مصالح بينه وبين أبي·
ولأن جدي كان من أتباع زئيف جابوتنسكي، اليميني الصهيوني التصحيحي(2)، فمن الواضح أنه أدرك أن الفلسفةَ اليسارية بجانب أي شكل من أشكال منظومةِ القيم اليهودية أمرٌ ينطوي على تناقض· وباعتباره إرهابياً يميناً مخضرماً وصقراً يهودياً معتدّاً بذاته، عرف تماماً أن القبَليّة لا يمكن أن تعيش بسلام مع الإنسانية والكونيّة· وحيث إنه تشرّب مبادئ معلِّمه ومرشده جابوتنسكي، فقد آمن بفلسفة الجدار الحديدي وعلى غرار جابوتنسكي، احترم جدّي الشعب العربي، مُظهِراً تقديراً لثقافتهم وديانتهم، إلا أنه آمن أنه لا بدّ من مواجهة العرب عموماً، والفلسطينيين خصوصاً، بجسارةٍ وضراوة·
مستشهداً بنشيد الحركة السياسية لجابوتنسكي(3)، لطالما كان جدّي يردّد:
من حفرة العفن والتراب
بالدم والعرق
سوف ينهضُ لنا عرقٌ
فخورٌ وكريمٌ وعنيف
صفحة 4
لقد آمن جدّي بإحياء فَخار العِرْق اليهودي، وهو ما آمنتُ به أيضاً في نشأتي الأولى· على غرار أقراني، لم أرَ الفلسطينيين من حولي· لكنهم قطعاً كانوا هناك - فقد أصلحوا سيارة والدي لقاء نصف الثمن، كما شيَّدوا منازلنا، وأزالوا الفوضى التي خلّفناها وراءنا، وحملوا الصناديق في محل بيع الأطعمة في الجوار، لكنهم دائماً ما كانوا يختفون قبل غروب الشمس مباشرةً، ليظهروا ثانيةً قبل الفجر· لم نخالطهم أبداً، ولم نفهم حقاً من هم وما الذي يمثّلونه· لقد كان التفوّق مغروساً في أرواحنا، وكنّا ننظر إلى العالم من خلال منظار شوفيني عنصري، من دون أن نشعر بالخزي إزاء ذلك أيضاً·
في السابعة عشرة من عمري، كنتُ أستعدُّ لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الإسرائيلي· ولمّا كنتُ مراهقاً قويّ البنية مفعماً بالحماسة العسكرية، كان من المقرّر أن ألتحق بوحدة إنقاذ خاصة تابعة لسلاح الجو· لكن حدث ما هو غير متوقَّع· ففي برنامج لموسيقى الجاز كان يُبثّ في وقت متأخر في إحدى الليالي، استمعتُ إلى مقطوعاتٍ من ألبوم بيرْد(4) الذي يحمل الاسم تشارلي باركر وِذْ سْتْرينغْز(5)·
ذُهِلْت· كانت الموسيقى أكثر عضويةً وشاعريةً ووجدانيّة، وأكثر جموحاً من أي شيء آخر سمعتُه في حياتي· اعتاد والدي الاستماع إلى بيني غودمان(6) وآرتي شو(7)، وكلاهما موسيقي بارع يجيد العزف بالتأكيد على الكلارينِت، لكن بيرْد كان حكايةً أخرى مختلفة تماماً· فها هنا موسيقى استثنائية، حادّة، حسيّة، تفيض طاقةً وتعبيراً· صبيحة اليوم التالي تخلّفتُ عن الذهاب إلى المدرسة، وتوجهتُ إلى تسجيلات بيكاديلي، محلّ التسجيلات الموسيقية الأفضل في القدس· عثرتُ على قسم موسيقى الجاز، واشتريت كل ما لديهم من تسجيلات بيبوب(8)، التي لم تتجاوز الألبومين ربما· في الطريق إلى البيت على متن الحافلة، أدركتُ أن باركر رجل أسود فعلياً، وهو أمر لم يفاجئني تماماً، لكنه كان نوعاً من الكشْف· ففي عالمي، اليهود فقط هم الذين لهم علاقة بأي شيء جيد، لذا شكّل بيرْد بداية رحلة·
في ذلك الوقت، كنّا، أقراني وأنا، مقتنعين بأنّ اليهود هم حقاً الشعب المختار· لقد نشأ جيلي على النصر السحري لحرب الأيام الستة· كنّا واثقين تماماً من أنفسنا· ولأننا علمانيون، ربطنا كلَّ نجاح بخصائصنا كليّة القدرة· لم نؤمن بالتدخّل الإلهي، لكننا آمنّا بأنفسنا· لقد آمنّا أنّ قوّتنا نابعةٌ من الأرواح والأجساد العبرية التي تمّ بعثُها· من جانبهم، كان الفلسطينيون يخدموننا طائعين صاغرين، ولم يبدُ في حينه أن هذا الوضع قد يتغيّر؛ إذ لم يُظهروا إشاراتٍ حقيقيةً على المقاومة الجماعية· ولقد عزّزت الهجماتُ الإرهابية المزعومة، التي يشنّونها بصورة متفرِّقة، شعورَنا بأننا محقّون أخلاقياً، وجعلتْنا توّاقين للانتقام· بيد أنّه على نحو ما، وسط هذه العربدة للقوّة المطلقة، ولدهشتي البالغة، أدركتُ أن الناس الذين كانوا يثيرونني أكثر من غيرهم هم فعلياً حفنة أميركيين سود - أناس لا علاقة لهم بالمعجزة الصهيونية أو بقبيلتي الإقصائية الشوفينية·
صفحة 5
بعد يومين، حصلتُ على أول ساكسفون لي· وهي آلة من السهل البدء بالعزف عليها - ولكم في بيل كلينتون (الرئيس الأميركي السابق) خير مثال - لكن تعلُّم العزف مثل بيرْد أو كانُنْبول أدَرْلي(9) بدا مهمةً مستحيلة· بدأت أتدرّب ليل نهار، وكلمّا تدرّبتُ، أُخذتُ أكثر بالمنجز الهائل لتلك العائلة العظيمة من الموسيقيين الأميركيين السود الذين بدأتُ أعرفهم عن قرب· ففي غضون شهر، تعرفت إلى سوني رولينز، وجو هندرسون، وهانك موبلي، وثيلونيوس مونك، وأوسكار بيترسون ودوك إلينغتون(10)، وكلما استمعتُ أكثر، أدركتُ أن تنشئتي المتمحورة حول اليهودية كانت، بصورة ما، مضلِّلة تماماً·
بعد شهر ظلَّ الساكسفون خلاله محشوراً في فمي، تلاشت حماستي للقتال العسكري تماماً· وبدلاً من قيادة طائرات الهليكوبتر خلف صفوف العدوّ، بدأتُ أحلم بالعيش في نيويورك أو لندن أو باريس· كل ما أردته هو أن أستمع لعظماء الجاز يقدِّمون عزفاً حيّاً، إذ كان ذلك في أواخر سبعينات القرن الماضي وقسم كبير منهم كانوا لا يزالون في الجوار·
في الوقت الراهن، يسعى الشباب الذين يريدون عزف الجاز إلى الالتحاق بكليّة موسيقى· لكن الوضع كان مختلفاً جداً في أيامي· فأولئك الذين يريدون تعلم الموسيقى الكلاسيكية كانوا ينضمون إلى معهد موسيقي، أما أولئك الذين يريدون العزف فقط من أجل الموسيقى نفسها فكانوا يظلون في بيوتهم، ويعزفون على مدار الساعة، متلمّسين الإيقاع بحدسهم· لم يكن ثمة تعليم لموسيقى الجاز في إسرائيل آنذاك، وكان في القدس، بلدتي، نادٍ واحد صغير للجاز، كائنٌ في حمام تركي قديم آسر تم تحويله لهذا الغرض· كان النادي، في ظهيرة كل يوم جمعة، يستضيف جلسةَ عزفٍ مُرتجلة لموسيقى الجاز، وخلال أول عامين لي مع الجاز، شكّلت جلساتُ العزف هذه جوهرَ حياتي· لقد توقفتُ عن القيام بأي شيء آخر· كنتُ فقط أتدرّب، طيلة الليل والنهار، بل حتى وأنا نائم، وأحضِّر نفسي لـجمعة الجاز المقبلة؛ مستمعاً إلى الموسيقى، ومترجِماً - بطريقتي - مجموعة من روائع المقطوعات المنفردة· كنتُ أتدرّب أثناء نومي، متخيِّلاً تبدّل النغمات، ومتنقلاً فيما بينها· لقد قررتُ أن أكرِّس حياتي للجاز، متقبِّلاً الحقيقة بأن فرص بلوغي القمة، كإسرائيلي أبيض، قد تكون ضئيلةً نوعاً ما·
لم أكن قد أدركتُ بعد أنّ ولعي المتنامي بالجاز قد تغلّب على ميولي القوميّة اليهودية؛ وأنني عندئذٍ ربما قد أكون تخلّيتُ عن مفهوم أننا مختارون كي أصبح إنساناً عادياً· وبعد سنوات، اكتشفتُ فعلياً أن الجاز كان طريقي للنجاة·
صفحة 6
وفي غضون أشهر، بدأتُ أشعر بأنني أقل ارتباطاً بالواقع المحيط بي، حيث رأيتُ نفسي جزءاً من عائلة أكبر وأشمل بكثير، عائلة من عشّاق الموسيقى، كأناس رائعين معنيّين بالجمال والروح، بدلاً من الأرض والجشع والاحتلال·
على أنني كنتُ ما زلتُ مضطراً للالتحاق بالجيش الإسرائيلي· وعلى الرغم من أن أجيالاً لاحقة من موسيقيّي الجاز الإسرائيليين الشباب هربوا من الجيش ببساطة، فارّين إلى نيويورك، قِبلة الجاز، فإن مثل هذا الخيار لم يكن متاحاً لي، بوصفي فتى شاباً ينحدر من أصول صهيونية في القدس· بل إنّ هذه الإمكانية لم تخطر ببالي·
في يوليو/تموز 1981، التحقتُ بالجيش الإسرائيلي، لكن منذ اليوم الأول لي في الخدمة العسكرية، بذلتُ قصارى جهدي لتجنّب نداء الواجب؛ لا لأني كنتُ داعية سلام، ولا لأني كنت أبالي بشأن الفلسطينيين، بل لأنني فضلتُ فقط أن أكون وحدي مع الساكسفون·
في يونيو/حزيران 1982، عندما بدأ الاجتياح الإسرائيلي للبنان، كان قد مضى عام على انخراطي في العسكرية كجندي· لم تكن ثمة حاجة لعبقري لاكتشاف الحقيقة؛ لقد عرفتُ أن قادتنا يكذبون، والحقّ فإنّ كل جندي إسرائيلي فهم أن هذه الحرب كانت عدواناً إسرائيلياً· شخصياً، لم أعدأشعر بأدنى ارتباط بالقضية الصهيونية، أو بإسرائيل، أو بالشعب اليهودي· ولم يعد الموت على المذبح اليهودي يغريني· ومع ذلك، لم تكن السياسة بعد أو الأخلاق هي التي تحرِّكني، وإنما توْقي كي أكون وحدي مع آلة الساكسفون الجديدة خاصتي، نوع سِلْمر باريس مارك السادس(11)· وبدا أن عزف السلم الموسيقي بسرعة الضوء بالنسبة لي أكثر أهمية بكثير من قتل العرب باسم المعاناة اليهودية· وهكذا، بدلاً من أصبح قاتلاً مؤهَّلاً، أنفقتُ كلَّ جهد ممكن في محاولة الانضمام إلى واحدة من الفرق الموسيقية العسكرية· ولقد استغرق الأمر بضعة شهور، لكنني تمكنتُ في النهاية من الالتحاق بسلام بالفرقة الموسيقية التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي·
وكانت الفرقة الموسيقية لسلاح الجو الإسرائيلي قد تشكلتْ على نحو فريد من نوعه؛ إذ بالإمكان أن تُقبَل بها إما لأنك موسيقي ممتاز أو أنك تملكُ موهبةً واعدة، أو لكونك ابن طيار ميّت· والحقيقة بأنه تمّ قبولي في الفرقة الموسيقية مع معرفة أن والدي لا يزال على قيد الحياة كان مدعاةً لشعوري بالاطمئنان: فللمرّة الأولى، فكّرتُ باحتمال أنني قد أمتلكُ موهبةً موسيقية·
لدهشتي البالغة، لم يكن أيٌّ من أعضاء الفرقة يتعاطون مع الجيش بجديّة؛ فجميعنا كنا معنيّين بشيء واحد فقط: تطوّرنا الموسيقي الشخصي· لقد كرهنا الجيش، ولم يمض وقت طويل قبل أن أبدأ بكراهية الدولة ذاتها التي استلزمت وجود سلاح للجو استلزم بدوره وجود فرقة موسيقية له، الأمر الذي حال بيني وبين التدرّب أربعاً وعشرين ساعة في اليوم على مدى أيام الأسبوع السبعة· وحين كان يتمّ استدعاؤنا للعزف في حدث عسكري، كنا نحاول أن نقدّم أداءً ضعيفاً قدر الإمكان، كي نضمن ألا تتم دعوتنا ثانية· وفي بعض الأحيان، كنا نجتمع بعد الظهيرة فقط كي نتدرّب على العزف بصورة سيئة، حيث أدركنا أنه كلما كان أداؤنا سيئاً كجماعة ظفرنا بحرية شخصية أكبر· في الفرقة الموسيقية العسكرية تعلّمتُ للمرّة الأولى كيف أكون مدمِّراً، كيف أخرِّب النظام كي أحقق هدفاً شخصياً·
صفحة 7
في صيف العام 1984، قبل ثلاثة أسابيع فقط من خلعي الزيّ العسكري، تمّ إرسالنا إلى لبنان في جولة لإحياء حفلات موسيقية· في ذلك الوقت، كان لبنان مكاناً خطيراً كي يوجد المرء فيه· كان الجيش الإسرائيلي متمركزاً في غرف محصَّنة تحت الأرض وفي خنادق، متجنِّباً أية مواجهات مع السكان المحليين· في اليوم الثاني، انطلقنا إلى معتَقل أنصار، وهو معسكر اعتقال إسرائيلي سيّئ السمعة يقع جنوب لبنان· هذه التجربة كان من شأنها أن تغيّر حياتي تماماً·
عند نهاية طريق مغبرّ، في يوم كان يغلي من شدة الحرارة، في أوائل شهر يوليو/تموز، بلغنا جهنّم على الأرض· كان مركز الاعتقال الضخم مطوَّقاً بأسلاك شائكة· حين اقتربنا من مقر قيادة المعتَقَل، لمحنا آلاف المعتقلين في الهواء الطلق، وقد سفعتهم الشمس·
قد يبدو من الصعب تصديق ذلك، لكن الفرق الموسيقية العسكرية تُعامل دائماً كـشخصيات مهمة ما إن وصلنا إلى ثكنات ضباط الجيش حتى أخذونا في جولة حول المعتَقل، حيث مشينا على طول الأسلاك الشائكة اللانهائية وأبراج المراقبة· لم أصدِّق عيني·
من هؤلاء الناس؟، سألتُ الضابط· فأجابني: فلسطينيون، مضيفاً: على اليسار معتقلون ينتمون لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعلى اليمين أتباع أحمد جبريل (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة) - إنهم أخطر بكثير، لذا نبقيهم معزولين·
تفحّصتُ المُعتَقَلين· بدوا مختلفين تماماً عن الفلسطينيين في القدس· فأولئك الذين شاهدتهم في معسكر أنصار كانوا غاضبين· لم يكونوا مهزومين؛ كانوا مقاتلين في سبيل الحرية، وكانوا كثيرين· وإذ واصلنا المسير، متجاوزين الأسلاك الشائكة، واصلتُ التحديق في النزلاء، وتوصلتُ إلى حقيقة لا تُحتَمل: وهي أنني كنتُ أسير في الجانب الآخر، مرتدياً زياً عسكرياً إسرائيلياً· كان المكان معسكر اعتقال، وكان النزلاء هم اليهود، وأنا لم أكن سوى نازيّ احتجتُ إلى سنوات كي أعترف لنفسي أنه حتى فكرة التضاد الكامنة في ثنائية اليهودي/النازي كانت بحدّ ذاتها نتاج التعاليم التي تلقيتُها والمتمحورة حول اليهودية·
بينما كنتُ أتأمل دلالات زيّي، محاولاً التعامل مع الشعور العظيم بالخزي المتنامي في داخلي، وصلنا إلى أرض واسعة، منبسطة، وسط المعتقل· أطلق الضابط الذي كان يرافقنا كدليل العديد من التعليقات المبتذلة والترهات بشأن الحرب الراهنة التي تسعى للدفاع عن ملاذنا اليهودي· وبينما كان يضجرنا - حدّ الموت - بهذه الأكاذيب الدعائية غير ذات الصلة (على طريقة الهاسباراه(12)، لاحظتُ أننا محاطون بدزينتيْن من الكتل الإسمنتية، مساحة كل منها نحو متر مربع وارتفاعها 1.3 متر، مع أبواب معدنية صغيرة كمداخل· روّعتني الفكرة بأن جيشي كان يحبس كلاب الحراسة في هذه الصناديق في الليل· بكل وقاحة تليق بي كإسرائيلي، واجهتُ الضابط بشأن صناديق الكلاب المريعة هذه، فردّ على الفور: هذه المباني المخصصة للعزل الانفرادي لدينا؛ فبعد المكوث يومين في أحدها، تصبح صهيونياً مخلصاً!
صفحة 8
كان هذا كافياً بالنسبة لي· أدركتُ حينها أن علاقتي بالدولة الإسرائيلية وبالصهيونية قد انتهت· ومع ذلك، كنتُ ما أزال أعرف القليل جداً عن فلسطين، وعن النكبة، بل حتى عن الدين اليهودي والأيديولوجيا اليهودية في هذا الشأن· فيما يتعلّق بي، لم أرَ حينئذ سوى أنّ إسرائيل بلدٌ بغيض، وأنني لم أشأ أن تكون لي علاقة بها بعد اليوم· بعد أسبوعين من تلك الواقعة، أرجعتُ زيّي العسكري، حملتُ آلة الآلتو ساكسفون خاصتي، ثم ركبتُ الحافلة إلى مطار بن غوريون وغادرتُ إلى أوروبا لبضعة شهور، كي أعزف الموسيقى في الشارع· كنتُ في الحادية والعشرين من عمري آنذاك، وشعرتُ بأنني حرٌّ للمرة الأولى· لكن شهر ديسمبر/كانون الأول كان شديد البرودة بالنسبة لي، فرجعتُ إلى إسرائيل، وقد عقدتُ العزم على العودة إلى أوروبا· بصورة من الصور، كنتُ أتوق كي أحمل لقب غوي، أو على الأقل أن أكون محاطاً بـالـغوييم(13)·
***
استغرق الأمر عشر سنوات أخرى قبل أن أغادر إسرائيل إلى الأبد· على أنني، في أثناء ذلك، بدأتُ أتعلّم بشأن الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، متقبِّلاً بأنني أعيش على أرض تخصّ شخصاً آخر· استوعبتُ الحقيقة المدمِّرة أنه في العام 1948 لم يترك الفلسطينيون بيوتهم طواعيةً - كما قالوا لنا في المدرسة -بل تم تطهيرهم عرقياً بصورة وحشية على يد جدّي وفصيلته· بدأتُ أدرك بأنّ التطهير العرقي لم يتوقف أبداً في إسرائيل، كلّ ما في الأمر أنه اتّخذ فقط أشكالاً أخرى، معترفاً بالحقيقة أنّ النظام القانوني الإسرائيلي ليس منصفاً، بل إنه عنصري التوجّه (على سبيل المثال، يرحب قانون العودة باليهود في وطنهم من أي بلد جاؤوا منه، وذلك بعد ألفي عام كما هو مُفترض، لكنهم يمنعون الفلسطينيين من العودة إلى قراهم بعد عامين من وجودهم في الخارج)· في الأثناء، كنتُ أتطوّر كموسيقي، حيث أصبحتُ عازفاً رئيسياً في جلسات الجاز، ومنتجاً موسيقياً· لم أكن في الواقع منخرطاً في أي نشاط سياسي، وعلى الرغم من متابعتي خطاب اليسار الإسرائيلي عن كثب، إلا أنني سرعان ما أدركتُ أنه كان إلى حدٍّ كبير نادياً اجتماعياً أكثر منه قوّة أيديولوجية دافعها الوعي الأخلاقي·
بحلول اتفاقيات أوسلو في العام 1993، لم أعد أحتمل الأمر أكثر من ذلك· لقد رأيتُ أن صنع السلام الإسرائيلي لم يكن سوى التفاف على الوضع القائم· ولم تكن الغاية منه التصالح مع الفلسطينيين أو مواجهة خطيئة الصهيونية الأصلية، وإنما تأمين وجود الدولة الإسرائيلية أكثر على حساب الفلسطينيين· بالنسبة لمعظم الإسرائيليين، لا تعني شالوم السلام، بل الأمن، ولليهود فقط· وبالنسبة للفلسطينيين، فأنْ يحتفلوا بـحقّهم في العودة ليس خياراً· قررتُ أن أترك بيتي وعملي· تركتُ كلّ شيء وكلّ شخص ورائي، بمن فيهم زوجتي تالي التي انضمتْ إليّ لاحقاً· كل ما أخذتُه معي هو الساكسفون الخاص بي، صديقي الحقيقي·· الأزلي·
صفحة 9
انتقلتُ إلى لندن، وبدأتُ بمتابعة دراساتي العليا في الفلسفة في جامعة إيسيكس· خلال أسبوع، تمكنتُ من الحصول على موقع لي، كموسيقي، في حانة بلاك ليون، وهي حانة أيرلندية أسطورية في شارع كيلبورن هاي رود، في منطقة كيلبورن شمال غرب لندن· في ذلك الوقت، لم أقدِّر كم كنتُ محظوظاً - إذ لم أكن أعرف صعوبة الحصول على فرصة لتقديم أداء موسيقي في لندن· في الحقيقة، كانت هذه بداية انطلاقة مسيرتي المهنية العالمية كموسيقي جاز· خلال عام، حظيتُ بشعبية كبيرة في بريطانيا، مقدماً مقطوعات بيبوب وبوست بوب(14)· في غضون ثلاث سنوات، كنتُ أعزف بمصاحبة فرقتي في كل أنحاء أوروبا·
بيد أنه لم يمض وقت طويل حتى بدأتُ أشعر بالحنين للوطن· ولدهشتي العظيمة، لم أكن أفتقد إسرائيل، أو تل أبيب، أو حيفا، كما لم أفتقد القدس· لقد افتقدتُ فلسطين· لم أفتقد سائقي الأجرة الإسرائيليين الوقحين، الذين تلعلع أصواتهم بالصراخ، في مطار بن غوريون، أو مراكز التسوق المقيتة في مدينة رامات غان (الكائنة إلى الشرق من تل أبيب)، وإنما إلى محلّ صغير في شارع يفيت بمدينة يافا، يقدّم أشهى طبق حمّص يمكن أن تشتريه الفلوس، كما افتقدتُ القرى الفلسطينية الممتدّة عبر التلال وسط أشجار الزيتون والصبّار· كلما راودتْ خيالي فكرة القيام بزيارة للوطن، في لندن، وجدتني ينتهي بي المطاف في شارع إدجْوَر رود(15)، لأقضي الأمسية في مطعم لبناني· ما إن بدأتُ بالتعبير صراحةً عن أفكاري وآرائي إزاء إسرائيل على الملأ، حتى اتضح لي أن إدجْوَر رود قد يكون أقرب شيء إلى وطني·
***
أعترف أنني حين كنتُ أعيش في إسرائيل، لم أكن مأخوذاً على الإطلاق بالموسيقى العربية· أعتقد أن المستوطنين الكولونياليين نادراً ما يبدون اهتماماً بثقافة سكان البلاد الأصليين· أحببتُ الموسيقى الشعبية، وكنتُ قد نجحتُ في اجتراح سمعة لي في أوروبا والولايات المتحدة كعازف موسيقى الـكْلِزْمَر(16)، ومع مرور السنوات بدأتُ بعزف الموسيقى التركية واليونانية أيضاً· غير أنني أسقطتُ تماماً الموسيقى العربية، والموسيقى الفلسطينية تحديداً· في لندن، وبينما كنتُ أتردّد على تلك المطاعم اللبنانية، بدأ يخطر لي أنني لم أستكشف حقاً موسيقى جيراني، والأكثر مدعاة للقلق أنني تجاهلتها، بل إنني صرفتُ النظر عنها· وعلى الرغم من أنها كانت موجودة حولي، فإنني لم أستمع إليها حقاً· لقد كانت هناك في كل زاوية من حياتي: في صوت الآذان المنبعث من المساجد، في أصوات أم كلثوم وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ· كان يمكن سماعها في الشوارع، وفي التلفزيون، وفي المقاهي الصغيرة في البلدة القديمة في القدس، وفي المطاعم· لقد كانت حولي - لكنني، ومن باب عدم الاحترام، لم أعرها أيّ اهتمام·
صفحة 10
في منتصف الثلاثينات من عمري، بينما كنتُ بعيداً عن منطقة الشرق الأوسط، انجذبتُ إلى موسيقى السكان الأصليين في بلادي· لم يكن الأمر سهلاً؛ بل - للحق - كاد يكون غير ممكن على الإطلاق· فبقدر ما كانت موسيقى الجاز سهلة الاستيعاب بالنسبة لي، فإن الموسيقى العربية كانت شبه مستحيلة· كنتُ أشغِّل الموسيقى، أمسك الساكسفون أو الكلارينت، أحاول أن أدمج صوتي معها، لكن الموسيقى الناتجة في النهاية كانت تبدو أجنبية تماماً· وسرعان ما أدركتُ أن الموسيقى العربية لغة مختلفة بالإجمال· لم أعرف من أين أبدأ أو ما السبيل إلى مقاربتها·
بدرجة ما، تُعدُّ موسيقى الجاز نتاجاً غربياً مع تأثير أفريقي كوبي كبير· ظهرت هذه الموسيقى مطلع القرن العشرين، وتطورّت على هوامش الثقافة الأميركية· تتألف البيبوب، وهي الموسيقى التي تربيتُ عليها، من قطع أو ألحان موسيقية قصيرة نسبياً· ويُعزى قصر هذه المقطوعات اللحنيّة إلى الحقيقة بأنها يجب أن تلائم صيغ التسجيل البالغة مدّتها ثلاث دقائق والمعتَمَدة في أربعينات القرن الماضي· من السهل ترجمة أو نسخ الموسيقى الغربية في محتوى بصري ما من خلال رموز النغمات والنوتة الموسيقية المتعارَف عليها· بالتالي فإن موسيقى الجاز، على غرار معظم أشكال الموسيقى الغربية، رقميّة جزئياً· أما الموسيقى العربية، من جهة أخرى، فهي تناظريّة لا يمكن نسخها أو ترجمتها إلى رموز· وإذا ما حاولنا ذلك فإنها سوف تفقد أصالتها· ما إن بلغتُ ما يكفي من النضج الإنساني لـمواجهة موسيقى موطني بالمعنى الحرفي، حتى وقفتْ معرفتي الموسيقية حائلاً في الطريق·
لم أفهم ما الذي كان يمنعني من إتقان الموسيقى العربية، أو لِمَ لَمْ تبدُ صحيحةً حين حاولتُ أن أعزفها· كنتُ قد أنفقتُ وقتاً كبيراً في الاستماع إليها والتدرّب على عزفها، ومع ذلك لم تكن التجربة ناجحة· مع مرور الوقت، بدأ صحفيو الموسيقى الأوروبيون يعربون عن تقديرهم لموسيقاي الجديدة، ناظرين إليّ كـبطل جديد للجاز تمكنّ من تجاوز الخط الفاصل كخبير في الموسيقى العربية· على أنني كنتُ أعرف أنهم على خطأ - فإنني وإن كنتُ قد بذلتُ جهداً كبيراً سعياً لتجاوز الخط الفاصل المزعوم، فقد كان من السهل أنْ أدرك أنّ موسيقاي وتأويلي دخيلان على الموسيقى العربية الحقيقية·
ثم اكتشفتُ حيلةً سهلة· فأثناء حفلاتي الموسيقية، حين كنتُ أحاول محاكاة هذا الصوت الشرقي المراوغ، كنتُ أغني أولاً بيتاً أو سطراً يذكّرني بالأصوات التي تجاهلتُها في طفولتي· تراني أحاولُ استعادةَ رجع صدى صوت المؤذِّن إذ ينساب في الشوارع من الوديان المحيطة، والأصوات المدهشة التي لا تزال تلازمني لرفيقيّ ظافر يوسف ونزار العيسى، بالإضافة إلى صوت عبدالحليم حافظ الخفيض، متلكئاً في المكان لم يزل· في البداية، كنتُ أغمض عيني فقط وأستمع بأذني الداخلية، لكن دون أن أدرك الأمر، بدأتُ أفتح فمي أيضاً تدريجياً، وأغنّي بصوت مرتفع· ثم أدركتُ أنني إذا غنيتُ بالساكسفون في فمي، قد أصلُ إلى صوتٍ يشبه إلى حدّ كبير الصوتَ المنبعثَ من الأبواق المعدنية للمساجد· لقد حاولتُ لفترة طويلة الاقتراب من الصوت العربي، لكنني الآن نسيتُ ببساطة ماذا كنتُ أسعى إلى تحقيقه، وبدأتُ أستمتع·
بعد فترة من الوقت، لاحظتُ أن أصداء جنين والقدس ورام الله بدأت تنبعث بصورة طبيعية من جرس بوقي· سألتُ نفسي ما الذي حدث، ولماذا بدت الموسيقى أصيلةً فجأة، فخلصتُ إلى أنني تخلّيتُ عن العين كأولوية، وكرّستُ اهتمامي بدلاً من ذلك للأذن كأولوية· لم أبحث عن الإلهام على الورقة، كما لم أبحث عن البصريّ أو التحليليّ في النوتة الموسيقية أو رموز النغمات· استمعتُ، بدلاً من ذلك، إلى صوتي الداخلي· لقد ذكّرتْني معاناتي مع الموسيقى العربية بالسبب الذي جعلني أُقبل على عزف الموسيقى في المقام الأول؛ ففي نهاية المطاف كنتُ قد استمعتُ إلى بيرد في الراديو ولم أشاهده في قناة إم تي في التلفزيونية·
من خلال الموسيقى، وتحديداً صراعي الشخصي جداً مع الموسيقى العربية، تعلّمتُ أن أستمع· بدلاً من النظر إلى التاريخ أو تحليل تطوّره بالمعنى المادّي، فإن الاستماع هو الذي يتجلّى في جوهر الإدراك العميق· ويتبدّى السلوك الأخلاقي حين تُغمض العيون، فتشكّل أصداء الضمير لحناً موسيقياً داخل روح المرء· أن نتعاطف مع الآخر يعني أن نتقبّل أن تكون الأولوية للأذن(17)·