صفحة 1
عندما بِعْتُ كَرْمَ الزيتون
على مدى عقودٍ من الزمن كان الكرْم لنا. هكذا عرفْتُه منذ أن وعَيْتُ الحياة وأصبحتُ أرافقُ أبي وأمّي إليه في أيّامِ العطلةِ المدرسيةِ لمساعدتِهما في مَشْقِ حبّاتِ الزيتونِ اليانِعَةِ عن أغصانِها، ولَمِّ ما سقطَ منها عن الأرضِ، وجمْعِه في أكياسٍ منَ القِنَّبِ لم تكنْ لتمتلئَ حتى ينْضَبَ من أجسادِنا، قُبَيْلَ مَغيبِ الشمسِ، آخِرُ ما تبقّى فيها من نشاطٍ وهمّة.
نهارُ الزيتونِ كان مُتعِباً. إلّا أنَّ تقطُّعَ ظهورِنا المنحنيةِ طيلةَ النهارِ ونحن نلتقطُ الحبّاتِ عنِ الأرضِ، أو نبحثُ عنها بأصابعِنا الطريّةِ بينَ العُشبِ وأحياناً بين الشَوكِ، لم يكنْ بِذي أهميّةٍ أمامَ تعبِ أقدامِنا ونحنُ نسيرُ صعوداً خلفَ الدَوابِّ المثقَلَةِ بأحمالِها على طريقٍ ضيّقٍ متعرّجٍ بَرَتِ الأقدامُ والحوافرُ على مرِّ السنينَ حجارتَه فأصبحت ملساءَ زَلِقَة. هذا الطريقُ كان يَصِلُ ما بينَ كَتِفِ الوادي حيث يمتدُّ كرْمُنا وكرومُ جيرانِنا من الفلاحين، والقريةِ العاليةِ البعيدةِ التي كان علينا أن نرفعَ رؤوسَنا إلى فَوْقُ، نحوَ السماءِ، حتى نرى بيوتَها المشكوكةَ في خاصرةِ الجبل.
كان نهارُ العطلةِ في موسمِ الزيتونِ يبدأُ باكراً جدّاً. ما إن يصيحُ الديكُ قُبَيْلَ انبِلاجِ الفجرِ حتى ينهضَ أبي، ويُعِدَّ العُدّةَ من أكياسٍ وأربطةٍ و"مَفاريطَ"، ثم يحمِّلُ ظَهرَ الدابّةِ كلَّ شيءٍ، ويَمضي نزولاً. وكنت وأخي وأختيَّ وأمّي نلحقُ به بعدَ ساعةٍ أو أقلّ.
ليسَ أجملُ من الذهابِ إلى الحقولِ والكرومِ قبلَ شروقِ الشمس. كنا ننحدِرُ مستعينين على وعورةِ الدربِ ومَزالِقِها بعِصِيٍّ من السنديانِ متينةٍ غيرَ مفكّرين في التعبِ الآتي، ناسينَ تعبَ اليومِ الذي مضى. لقد كانت أمّي تقولُ: "يا وْلادْ التعبْ وَسَخْ، بِحمّامْ مَيّْ سِخْنة المسا بيروح". وكان كلامُها صحيحاً. ولكن من الفجرِ حتى المساءِ هناكَ نهارٌ طويلٌ منَ التعبِ لا بُدَّ من أن ينقضي.
كانت شمسُ الخريفِ تجدُ لها منفذاً ضيّقاً بين الغيومِ الرماديةِ، وتدرِكُنا في منتصَفِ الطريقِ الذي كان الفلاحون يقُصّون بمناجِلِهم كلَّ غصنٍ تجرّأ وامتدَّ من شجرةٍ فوقَه، ويرفعون عنه كلَّ حجرٍ سقطَ من منحَدَرٍ فباتَ يشكّلُ عَثْرَةً لهم ولدوابِّهم، أو يُعيدون تثبيتَه في موضعِه إذا كان دَرَجُ الطريقِ يحتاجُه. وأكثرُ ما كان يروقُني، عَبَقُ أريجِ الزهورِ البريّةِ من كِلا الجانبين، واستيقاظُ العصافيرِ في أعشاشِها، واستقبالُ نورِ الشمسِ بالصُداحِ والتغريدِ، وسَماعُ خريرِ النهرِ الآتي من نبعِ الصفا زارعاً الحياةَ على ضِفّتيه في ذلك الوادي السحيق. سكّانُ المدينةِ يقرأون عن هذه الطبيعةِ الساحرةِ في الكتبِ، أما نحن، أبناءُ القرى، فنشاهدُها كلَّ يومٍ، ونسمعُ هَمَساتِها وأغنياتِها في كلِّ يومٍ لأننا نعيشُ في حُضْنِها، ونغفو ونستيقظُ في سريرِها، ونتأرجحُ فوقَ ذراعَيْها. إنها حياةٌ قاسيةٌ لكنها هانئةٌ وجميلة.
ما زلتُ أذكرُ كيف كانت أمّي تَعِدُنا، ونحن صغارٌ، بخمسةِ قروشٍ لكلِّ واحدٍ منّا عن كلِّ سَلٍّ كبيرٍ يملأُه بالزيتون. كانت تساعدُنا، وتضعُ بعضاً من حفناتِها في سلالِنا إذا أحسّتْ منّا تعباً وتمَلْمُلاً، فنفرحُ لأن القروشَ الخمسةَ، وربما العشرةَ، ستسقطُ مساءً في الجَيْب. إنها مبلغٌ لم نكن لنحصلَ عليه دائماً. به نستطيعُ أن نشتريَ من دُكّانِ "راشد" الكثيرَ منَ الفستقِ أو الملبّسِ على لوز.
خمسةُ قروشٍ! يا أللهُ كيفَ تغيّرَ الزمنُ، وانقلبتِ الدنيا رأساً على عَقب! القرشُ اليومَ، والليرةُ، والمئةُ، والألفُ، لم تَعُدْ تساوي شيئاً. حتى الخمسةُ آلافٍ إذا أعطيتَها مُتَسَوِّلاً على الطريقِ فإنه يأخذُها بيدٍ نصفِ ممدودةٍ لأنه لا يستطيعُ أن يشتريَ بها ما يملأُ مَعِدَتَه ويسندُ قلبَه.
أجل. لقد تغيّرَ الزمن. الكرْمُ كلُّه اشتراه جدّي من الأخوين موسى وحنّةَ بمئةِ ليرةٍ كانوا يسمّونَها الورقةَ الزرقاءَ تبجيلاً لها وتعظيماً. ورقةٌ زرقاءُ كان لها إطلالةٌ إذا خرجتْ من عَتْمةِ الجَيبِ إلى النورِ كإطلالةِ عنترةَ بنِ شدّادَ بسيفِه وحصانِه في ساحةِ القتال.
بعَرَقِ الجبينِ كنّا نأكلُ خبزَنا. وهذه حالُ كلِّ فلاحٍ في جبلِ لبنانَ. ولشجرةِ التوتِ وشجرةِ الزيتونِ علاقةُ قَرابَةٍ ومودّةٍ بكلِّ قريةٍ من قُرى هذا الجبل. تلكَ تُطعِم دودةَ القزِّ، وتحرّكُ النَوْلَ، وتفي الديونَ المستحِقّة. وهذه تضيءُ المسارجَ، وتملأُ الخوابي، وتفي النذور. وأيضاً تعمّرُ البيتَ، وتشتري رغيفَ الخبزِ والكساءَ والدواءَ وكتابَ المدرسة.
كنا نحن، مثلَ كلِّ الناسِ، نربّي دودَ القزِّ، ونتعاونُ وأهلَ القريةِ في جني مواسمِهم ومواسمِنا. وكان "مكتبُ الحريرِ" يشتري الشرانقَ، ويقدّمُ إلى الأهالي المَشُورَةَ والمساعداتِ. و"المشروعُ الأخضرُ" يفتحُ الطرقاتِ، ويزرعُ النضارةَ في الهضابِ والوديان. لكنْ ما بينَ ليلةٍ وضُحاها، لم تَعُدْ نساءُ الجبلِ ينهضْنَ فجراً لنثرِ ورقِ التوتِ على الأطباقِ المصنوعةِ منَ القصبِ، ولا الرجالُ يذهبون لجمعِ أغصانِ الوزّالِ والشوحِ لتتزيّنَ بالشرانقِ البيض. لقد توقّفتْ تربيةُ القزِّ في الجبلِ؛ فيبسَ التوتُ أو اقتُلعَ، واستُبدلَ بزراعاتٍ أخرى؛ فبقيتْ شجرةُ الزيتونِ وحدَها سيّدةَ الكرومِ لا تنازعُها في سيادتِها وزعامتِها شجرةٌ أخرى، ولا يحيطُ الفلاحُ بهالةٍ من التقديسِ سواها، لأنها كريمةٌ معطاءُ، إنْ أهملَها مرّةً فلا تبخَلُ عليه بموسَمِها، وإنْ أكرمَها وتعهّدَها بالحراثةِ وتقليمِ اليابسِ من أغصانِها، جادتْ عليه وردّتْ أتعابَه. إنها شجرةٌ وفيّةٌ، تطلبُ القليلَ، وتعطي الكثير. صبورةٌ ومقاومة. في الكرْمِ تنمو، كما في الحُرْجِ تعيشُ؛ فلا العطشُ يقتلُها، ولا عناصرُ الطبيعةِ تقوى عليها؛ حتى النارُ إذا أحرقتْها فإنها ترفضُ الموتَ، وتعودُ لتنبُتَ مجدّداً من تحتِ التراب.
على مدى عقودٍ من الزمن كان الكرْم لنا. هكذا عرفْتُه منذ أن وعَيْتُ الحياة وأصبحتُ أرافقُ أبي وأمّي إليه في أيّامِ العطلةِ المدرسيةِ لمساعدتِهما في مَشْقِ حبّاتِ الزيتونِ اليانِعَةِ عن أغصانِها، ولَمِّ ما سقطَ منها عن الأرضِ، وجمْعِه في أكياسٍ منَ القِنَّبِ لم تكنْ لتمتلئَ حتى ينْضَبَ من أجسادِنا، قُبَيْلَ مَغيبِ الشمسِ، آخِرُ ما تبقّى فيها من نشاطٍ وهمّة.
نهارُ الزيتونِ كان مُتعِباً. إلّا أنَّ تقطُّعَ ظهورِنا المنحنيةِ طيلةَ النهارِ ونحن نلتقطُ الحبّاتِ عنِ الأرضِ، أو نبحثُ عنها بأصابعِنا الطريّةِ بينَ العُشبِ وأحياناً بين الشَوكِ، لم يكنْ بِذي أهميّةٍ أمامَ تعبِ أقدامِنا ونحنُ نسيرُ صعوداً خلفَ الدَوابِّ المثقَلَةِ بأحمالِها على طريقٍ ضيّقٍ متعرّجٍ بَرَتِ الأقدامُ والحوافرُ على مرِّ السنينَ حجارتَه فأصبحت ملساءَ زَلِقَة. هذا الطريقُ كان يَصِلُ ما بينَ كَتِفِ الوادي حيث يمتدُّ كرْمُنا وكرومُ جيرانِنا من الفلاحين، والقريةِ العاليةِ البعيدةِ التي كان علينا أن نرفعَ رؤوسَنا إلى فَوْقُ، نحوَ السماءِ، حتى نرى بيوتَها المشكوكةَ في خاصرةِ الجبل.
كان نهارُ العطلةِ في موسمِ الزيتونِ يبدأُ باكراً جدّاً. ما إن يصيحُ الديكُ قُبَيْلَ انبِلاجِ الفجرِ حتى ينهضَ أبي، ويُعِدَّ العُدّةَ من أكياسٍ وأربطةٍ و"مَفاريطَ"، ثم يحمِّلُ ظَهرَ الدابّةِ كلَّ شيءٍ، ويَمضي نزولاً. وكنت وأخي وأختيَّ وأمّي نلحقُ به بعدَ ساعةٍ أو أقلّ.
ليسَ أجملُ من الذهابِ إلى الحقولِ والكرومِ قبلَ شروقِ الشمس. كنا ننحدِرُ مستعينين على وعورةِ الدربِ ومَزالِقِها بعِصِيٍّ من السنديانِ متينةٍ غيرَ مفكّرين في التعبِ الآتي، ناسينَ تعبَ اليومِ الذي مضى. لقد كانت أمّي تقولُ: "يا وْلادْ التعبْ وَسَخْ، بِحمّامْ مَيّْ سِخْنة المسا بيروح". وكان كلامُها صحيحاً. ولكن من الفجرِ حتى المساءِ هناكَ نهارٌ طويلٌ منَ التعبِ لا بُدَّ من أن ينقضي.
كانت شمسُ الخريفِ تجدُ لها منفذاً ضيّقاً بين الغيومِ الرماديةِ، وتدرِكُنا في منتصَفِ الطريقِ الذي كان الفلاحون يقُصّون بمناجِلِهم كلَّ غصنٍ تجرّأ وامتدَّ من شجرةٍ فوقَه، ويرفعون عنه كلَّ حجرٍ سقطَ من منحَدَرٍ فباتَ يشكّلُ عَثْرَةً لهم ولدوابِّهم، أو يُعيدون تثبيتَه في موضعِه إذا كان دَرَجُ الطريقِ يحتاجُه. وأكثرُ ما كان يروقُني، عَبَقُ أريجِ الزهورِ البريّةِ من كِلا الجانبين، واستيقاظُ العصافيرِ في أعشاشِها، واستقبالُ نورِ الشمسِ بالصُداحِ والتغريدِ، وسَماعُ خريرِ النهرِ الآتي من نبعِ الصفا زارعاً الحياةَ على ضِفّتيه في ذلك الوادي السحيق. سكّانُ المدينةِ يقرأون عن هذه الطبيعةِ الساحرةِ في الكتبِ، أما نحن، أبناءُ القرى، فنشاهدُها كلَّ يومٍ، ونسمعُ هَمَساتِها وأغنياتِها في كلِّ يومٍ لأننا نعيشُ في حُضْنِها، ونغفو ونستيقظُ في سريرِها، ونتأرجحُ فوقَ ذراعَيْها. إنها حياةٌ قاسيةٌ لكنها هانئةٌ وجميلة.
ما زلتُ أذكرُ كيف كانت أمّي تَعِدُنا، ونحن صغارٌ، بخمسةِ قروشٍ لكلِّ واحدٍ منّا عن كلِّ سَلٍّ كبيرٍ يملأُه بالزيتون. كانت تساعدُنا، وتضعُ بعضاً من حفناتِها في سلالِنا إذا أحسّتْ منّا تعباً وتمَلْمُلاً، فنفرحُ لأن القروشَ الخمسةَ، وربما العشرةَ، ستسقطُ مساءً في الجَيْب. إنها مبلغٌ لم نكن لنحصلَ عليه دائماً. به نستطيعُ أن نشتريَ من دُكّانِ "راشد" الكثيرَ منَ الفستقِ أو الملبّسِ على لوز.
خمسةُ قروشٍ! يا أللهُ كيفَ تغيّرَ الزمنُ، وانقلبتِ الدنيا رأساً على عَقب! القرشُ اليومَ، والليرةُ، والمئةُ، والألفُ، لم تَعُدْ تساوي شيئاً. حتى الخمسةُ آلافٍ إذا أعطيتَها مُتَسَوِّلاً على الطريقِ فإنه يأخذُها بيدٍ نصفِ ممدودةٍ لأنه لا يستطيعُ أن يشتريَ بها ما يملأُ مَعِدَتَه ويسندُ قلبَه.
أجل. لقد تغيّرَ الزمن. الكرْمُ كلُّه اشتراه جدّي من الأخوين موسى وحنّةَ بمئةِ ليرةٍ كانوا يسمّونَها الورقةَ الزرقاءَ تبجيلاً لها وتعظيماً. ورقةٌ زرقاءُ كان لها إطلالةٌ إذا خرجتْ من عَتْمةِ الجَيبِ إلى النورِ كإطلالةِ عنترةَ بنِ شدّادَ بسيفِه وحصانِه في ساحةِ القتال.
بعَرَقِ الجبينِ كنّا نأكلُ خبزَنا. وهذه حالُ كلِّ فلاحٍ في جبلِ لبنانَ. ولشجرةِ التوتِ وشجرةِ الزيتونِ علاقةُ قَرابَةٍ ومودّةٍ بكلِّ قريةٍ من قُرى هذا الجبل. تلكَ تُطعِم دودةَ القزِّ، وتحرّكُ النَوْلَ، وتفي الديونَ المستحِقّة. وهذه تضيءُ المسارجَ، وتملأُ الخوابي، وتفي النذور. وأيضاً تعمّرُ البيتَ، وتشتري رغيفَ الخبزِ والكساءَ والدواءَ وكتابَ المدرسة.
كنا نحن، مثلَ كلِّ الناسِ، نربّي دودَ القزِّ، ونتعاونُ وأهلَ القريةِ في جني مواسمِهم ومواسمِنا. وكان "مكتبُ الحريرِ" يشتري الشرانقَ، ويقدّمُ إلى الأهالي المَشُورَةَ والمساعداتِ. و"المشروعُ الأخضرُ" يفتحُ الطرقاتِ، ويزرعُ النضارةَ في الهضابِ والوديان. لكنْ ما بينَ ليلةٍ وضُحاها، لم تَعُدْ نساءُ الجبلِ ينهضْنَ فجراً لنثرِ ورقِ التوتِ على الأطباقِ المصنوعةِ منَ القصبِ، ولا الرجالُ يذهبون لجمعِ أغصانِ الوزّالِ والشوحِ لتتزيّنَ بالشرانقِ البيض. لقد توقّفتْ تربيةُ القزِّ في الجبلِ؛ فيبسَ التوتُ أو اقتُلعَ، واستُبدلَ بزراعاتٍ أخرى؛ فبقيتْ شجرةُ الزيتونِ وحدَها سيّدةَ الكرومِ لا تنازعُها في سيادتِها وزعامتِها شجرةٌ أخرى، ولا يحيطُ الفلاحُ بهالةٍ من التقديسِ سواها، لأنها كريمةٌ معطاءُ، إنْ أهملَها مرّةً فلا تبخَلُ عليه بموسَمِها، وإنْ أكرمَها وتعهّدَها بالحراثةِ وتقليمِ اليابسِ من أغصانِها، جادتْ عليه وردّتْ أتعابَه. إنها شجرةٌ وفيّةٌ، تطلبُ القليلَ، وتعطي الكثير. صبورةٌ ومقاومة. في الكرْمِ تنمو، كما في الحُرْجِ تعيشُ؛ فلا العطشُ يقتلُها، ولا عناصرُ الطبيعةِ تقوى عليها؛ حتى النارُ إذا أحرقتْها فإنها ترفضُ الموتَ، وتعودُ لتنبُتَ مجدّداً من تحتِ التراب.
صفحة 2
هذه الشجرةُ كان علينا أن نحبَّها لأنها مصدرُ رزقِنا. من دونها ما كنا لنستطيعَ أن نؤمّنَ لُقْمَةَ عيشِنا، ونَزيدَ غرفةً في بيتِنا، وننزعَ السقفَ المصنوعَ من جذوعِ الصَنَوْبَرِ والبلّانِ والترابِ المحدولِ، ونستبدلَه بآخَرَ من الإسمنتِ، ونشتريَ تلفزيوناً بالأبيضِ والأسودِ، ونبلّطَ أرضَ الغُرَفِ التي كانت من طين.
ما زلتُ أذكرُ الخواجة بهجت ـ رَحِمَه اللهُ ـ صاحبَ أحدِ معاملِ البِلاطِ في بلدةِ كَفَرْنَبْرَخْ المجاورةِ، يومَ جاءَ إلى بيتِنا في أحدِ الأماسي لشراءِ مؤونتِه منَ الزيتون. عندما فتحَ مِحفظةَ نقودِه في ذلكَ المساءِ ليدفعَ ثمنَ ما اشتراه، قالَ أبي له: لا نريدُ مالاً، بل بِلاطاً للبيتِ، فرحّبَ الخواجة، وفرِحْنا نحن لأنه سيكونُ لنا بيتٌ يشبِهُ بيوتَ أقاربِنا وجيرانِنا. أما أمّي، التي دمَعَتْ عيناها فرحاً لأنها سترتاحُ من "مَرْحِ" الأرضِ بالطينِ، فقالت للرجلِ: " يا أخي بهجت، أنت صاحبْ ضميرْ. بحياتكْ خلِّ البلاطْ يكونْ مليح. بدي إذا مسحتُه، يلمعْ لمعْ"؛ فابتسمَ الخواجة، وقال: "يا ستّْ أمّ إميلْ، سأعطيكم بلاطاً تشكرونني عليه مدى الحياة". فيا ألفَ رحمةِ اللهِ عليك يا خواجة بهجت. عندما عُدْنا إلى قريتِنا ومنازلِنا بعدَ هجْرِها لعشْرِ سنواتٍ بسببِ الحربِ القذرةِ، وجدْنا الصَدَأَ قد أكلَ حديدَ الشبابيكِ، وبعضَ الجدرانِ تفسّخَ بفعلِ الثلجِ والمطرِ والشمسِ، أما البلاطُ فوجدناه سالماً، صامداً، لا ضررَ فيه.
في كرْمِ الزيتونِ كنّا نجوعُ باكراً، فما إن ترتفعُ الشمسُ في السماءِ، وقبلَ أن يتقلّصَ ظلُّ الأشجارِ ويتراجعَ ليتكوّرَ تحتَها، حتى تبدأُ عصافيرُ بطونِنا بالزقزقةِ؛ فلا نعودُ نطيقُ بعدَ ذلكَ صبراً. إنه التعبُ يفعلُ في الأجسادِ الطريّةِ فعلَه؛ فيمدُّ إلى كلِّ جزءٍ منه يداً. أو هي الطبيعةُ تحرّكُ الشهيّةَ، وتُثيرُ النَهَم. وما غداؤنا؟ طعامٌ بسيطٌ لكنْ لذيذ. لذيذٌ لأننا نتناولُه في البريّة. فما كنا نأنفُه في البيتِ، كنا في حُضْنِ الطبيعةِ نجدُه شهيّاً طيّباً. فإن كنتَ يا صديقي ممّن يقضون نهارَ عملِهم جُلوساً على كرسيٍّ في مكتبٍ يمدُّه المكيِّفُ بالهواءِ المبرَّدِ، وممّن يُمضون أصيلَ نهارِهم على شرفةٍ ضيّقةٍ لا يبصرون منها، في أيِّ اتّجاهٍ نظروا، إلّا كتلاً هائلةً منَ الإسمنتِ، وإذا كنتَ من الذين يتناولون معظمَ طعامِهم محفوظاً في عُلَبٍ من المعدنِ، فإني أدعوك إلى زيارةِ قريتي في الجبلِ، حيث بإمكانِك أن تستحمَّ بنورِ الشمسِ، وتفتحَ ذراعَيك للنسمةِ المتأرجحةِ على أغصانِ الشجرِ، وتملأَ رئتيك بالهواءِ النقيِّ، وتشنّفَ أذنيك بصفيرِ البلابلِ وهديلِ اليَمامِ، وترسلَ نظرك بعيداً بعيداً إلى قِمَمِ الجبالِ، وأطرافِ السهولِ، وأعماقِ الوديان. هناكَ ضيعتي التي أحببتُها، وعشتُ طفولتي فيها. وعلى كَتِفِ واديها يمتدُّ كرْمُ الزيتونِ الذي كان لنا. ولا تنسَ، يا صديقي، أن تحمِلَ زادَك، وحيثُما تجدْ شجرةً وارفةَ الظلالِ، اجلسْ في فَيْئِها، والقِ بظهرِك إلى جذعِها، فإنك ستجدُ لُقْمَةَ الخبزِ طيّبةً، وحبّةَ الزيتونِ لذيذة. وإن نسيتَ زادَك في بيتِك فلا تهتمّ. كلُّ أبناءِ ضيعتي الذين ستصادفُهم وتُلقي التحيّةَ عليهم، سيدعونك إلى بيوتِهم ويكرمونك، وفي دعْوَتِهم صِدْقٌ وطِيبة. إنهم لا يشبهون أكثريّةَ سكّانِ المدينةِ الذين قلّما يردّون السلام. أعرفُ أنك، صديقي القارئَ، تتساءلُ الآن إن كنا نَغْسِلُ أيدينا قبل تناوُلِ الطعامِ كما يفعلُ أولادي وأولادُك وأنا وأنت اليوم. جوابي لك هو لا، لم نكن نغسلُها. كنا ننفُضُها من الترابِ وكفى. الترابُ، هذا الذي يغذّي جذورَ الشجرِ، ويستنبِتُ الزرعَ، ومنه يخرُجُ الخيرُ والبَرَكةُ، ما كنا نحسَبُه قذراً. والأيادي التي تتلطّخُ به ليست قذرةً، بل أنظفُ بكثيرٍ من تلك التي تأنَفُه، فلا تتعاملُ معه، ولا هي تعرفُه.
وكنا إذا ظمِئْنا نرتوي بمياهٍ باردةٍ من نبعٍ قريبٍ نملأُ القِرَبَ بها فتعرَق. هذا النبعُ كان عند الظهيرةِ مَوْرِدَ الطيرِ والحيوانِ والإنسانِ في تلك البريّةِ العطشى. الكلُّ يأتي إليه ليبرّدَ غليلَه، وينعمَ بقِسْطٍ من عليلِ النسماتِ في فَيْءِ شجرةِ الصنوبرِ الكبيرةِ التي تظلّلُه. أجَل، الإنسانُ أيضاً كان يشربُ من ذاك الجرنِ؛ فالذي يعملُ طيلةَ النهارِ في جِوارِ الوحشِ، وتحتَ سماءِ العُقْبانِ والنسورِ، يصبحُ صديقاً لها وشريكاً. وإذا سألتَني عن نظافةِ تلك المياهِ ونقاوتِها، فأقولُ لك إنها أنظفُ وأنقى وأطيبُ من تلك التي نشربُها اليومَ معبّأةً بالقناني.
وما كنا نتناولُه في الكرْمِ بعد الغداءِ، فـ"عروس" تينٍ مطبوخٍ، أو بضعةُ أكوازٍ شُقْرٍ من تينةٍ لا أدري أيَّ يدٍ مباركةٍ زرعتها في تلكَ الأرضِ، أو خُصَلٌ من العنبِ في داليةٍ "معربشة" على زيتونةٍ هرمةٍ، وقد سَلِمَ بعضُ حبّاتِها فلم يَطَلْه ابنُ آوى، أو يفتكْ به الدبّور. وإذا كان حظُّنا جيّداً، مرَّ أنطون ـ ابنُ عمِّ أمّي ـ آتياً من الوادي عبر "شقفان العرايس"، حتى إذا ما أدركَنا، أوقفَ دابّتَه، وأنزلَ من الخُرْجِ الذي على ظهرِها الكثيرَ من الليمونِ، وألقى به بيننا، ثم جلسَ ليستريحَ، ولفَّ سيجارةً وأشعلَها، ولفَّ أخرى، ودفعَ بها إلى أمّي: "خذي يا بنت عمّي. ولعيلك سيجارة". رحمةُ اللهِ عليكَ يا عمّي أنطون.
أمّي كانت مثلَ كلِّ نساءِ تلكَ الأيّام: امرأةً مكافحةً، نشيطةً، وصبورة. لا مساعدةُ أبي في قطفِ المواسمِ تؤخّرُها عن شُغْلِ بيتِها، ولا التعبُ ينالُ من همّتِها. كان عليها أن تنهضَ مع "نجمة الصبح" قبلَ الفجرِ، وتُطْعِمَ "القزّات" ـ قبلَ أن تتوقّفَ تربيةُ دودِ القزِّ في الجبلِ ـ و"تلقّمَ" الخروفَ، وتطهوَ، وتَلحقَ بأبي إلى كرْمِ الزيتون. لا. لم يكنِ العملُ ينتهي بانتهاءِ النهارِ لأنَّ للمساءِ أيضاً عملَه، فهناك غسلُ الثيابِ، وتنظيفُ البيتِ، ورَتْقُ الملابسِ في ضوءِ قنديلِ الكازِ، وربما غَرْبَلَةُ القمحِ، ونخْلُ الطحينِ... وأيضاً التضرُّعُ سرّاً إلى اللهِ وقدّيسيه بأن يرسِلَ مَن يشتري موسمَ الزيتِ والزيتون. ألا باركَ اللهُ في نساءِ ذلكَ الزمان.
وإذا كانَ نهارُ أمّي لا ينتهي مع غيابِ الشمسِ، فإن نهارَنا، نحنُ الأولادَ، كانَ ينتهي عندَ وصولِ الظلِّ، في الجبلِ المقابلِ لكرْمِنا، إلى منتصَفِ "المنشار". والمنشارُ هو جرْفٌ صخريٌّ عظيمٌ يمتدُّ من أسفلِ الوادي حتى خاصرةِ الجبل. أما لماذا سُمّيَ بهذا الاسمِ، فلأنَّ رؤوسَ صخورِه مسنّنةٌ كالمنشار. على هذه الرؤوسِ كانَ الظلُّ يزحفُ بطيئاً من تحتُ إلى فوقُ كلّما هبطتِ الشمسُ أعمقَ خلفَ الجبلِ الذي يقومُ كرْمُنا في سفحِه.
كنا نخافُ إذا ما قرّرَ أبي البقاءَ في الكرْمِ لوقتٍ أطول. الأساطيرُ القديمةُ والحكاياتُ المفزِعةُ كانت تستيقظُ فجأةً في أذهانِنا لتقبضَ على قلوبِنا، وتخطُفَ أنفاسَنا. لقد أخبرَنا العمُّ أنطونُ مرّةً أنَّ ضَبُعاً رافقتْه على الدربِ في أحدِ الأماسي من الوادي إلى مشارفِ الضيعة. وللضَبُعِ عندَ أهلِ الجبلِ مَهابةٌ ليست لوحشٍ آخر. فهي في اعتقادِهم "تسبع" الإنسانَ فيمشي خلفَها إلى وِجارِها كأنه يمشي في نومِه، وهي تميّزُ صوتَ الخائفِ فتنقضُّ عليه. لذلك حملَ العمُّ أنطونُ قلبَه على كفِّه، وشيئاً في "شرواله" كما أخبرَنا، ومضى في طريقِه من غيرِ أن يكلّمَ دابّتَه حتّى. وقد نجّاه ربُّه لأنَّ ساعتَه لم تكنْ قد حانتْ بعد.
وحدّثَنا آخَرُ في إحدى سهراتِ الشتاءِ حولَ الموقدِ أنَّ امرأةً لم يرَ بجمالِها وقَوامِها قَطُّ، قد وقفتْ في دربِه وهو عائدٌ من الكرْمِ ليلاً في ضوءِ القمرِ، فلما ابتسمتْ له ونادتْه باسمِه، ارتعدتْ فَرائصُه، وهربَ قلبُه من بينِ ضلوعِه. وعندما ذكرَ اسمَ الربِّ، اختفتْ من أمامِه؛ فتابعَ دربَه يصلّي، ويستعيذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم.
وهذا "شقفان العرايس" على مرمى حجرٍ منّا. هضبةٌ يُحكى أنها كانت مرتَعاً للجِنّ. فيها يُحيون احتفالاتِهم، ويقيمون أعراسَهم. وإذ لعنَها راهبٌ تقيٌّ، تحوّلتْ عرائسُها إلى حجارةٍ، وسكتَ المكانُ إلى الأبد. لكنَّ بعضَ مَن كان يمرُّ من هناكَ في الليلِ مضطرّاً، يُقسِمُ بأنه سمعَ صدى غناءٍ خافتٍ غريب. ربما هو الخوفُ، وربما هي اللعنةُ لم تكنْ قويّةً جدّاً. فمَن يدري في أيِّ ليلةٍ يعودُ كلُّ شيءٍ إلى ما كانَ عليه! لذلك كنا نُلِحُّ على أمّي سرّاً لتطلُبَ من أبي الرحيلَ في ضوءِ النهارِ، فتستجيبُ وتناديه: "ياللهْ نطلعْ نسرّبْ. الولادْ عندُنْ درسْ بعدْ". وكان أبي ينزِلُ عندَ رَغبتِها.
لم يكنْ نهارُ الزيتونِ صَحْواً دائماً. ففي أحيانٍ كثيرةٍ كان أبي يخطئُ في قراءةِ طقسِ الخريفِ، وإذا النَسَماتُ الخفيفةُ تنقلبُ ريحاً شديدةً باردةً، والغيومُ الرماديةُ الممزّقةُ تتلبّدُ سوداً في سماءٍ نَخالُها وقعتْ على رؤوسِ الجبالِ من حولِنا. ثم ينهمرُ المطرُ وابلاً فتبتلُّ ثيابُنا قبلَ أن نتمكّنَ من اللجوءِ إلى مغارةٍ حفرتْها كفُّ الطبيعةِ في بطنِ الجبل. هناكَ كنا نشعِلُ ناراً نصطليها حتى يتوقّفَ هطولُ المطرِ؛ فنخرجَ للعملِ من جديدٍ، ولكنْ هذه المرّةُ في جلولٍ تحوّلتْ بُقَعٌ منها إلى مستنقعاتٍ نلتقطُ منها حبّاتِ الزيتونِ بأصابعَ يكادُ الدمُ يتجمّدُ فيها.
* * *
ما زلتُ أذكرُ الخواجة بهجت ـ رَحِمَه اللهُ ـ صاحبَ أحدِ معاملِ البِلاطِ في بلدةِ كَفَرْنَبْرَخْ المجاورةِ، يومَ جاءَ إلى بيتِنا في أحدِ الأماسي لشراءِ مؤونتِه منَ الزيتون. عندما فتحَ مِحفظةَ نقودِه في ذلكَ المساءِ ليدفعَ ثمنَ ما اشتراه، قالَ أبي له: لا نريدُ مالاً، بل بِلاطاً للبيتِ، فرحّبَ الخواجة، وفرِحْنا نحن لأنه سيكونُ لنا بيتٌ يشبِهُ بيوتَ أقاربِنا وجيرانِنا. أما أمّي، التي دمَعَتْ عيناها فرحاً لأنها سترتاحُ من "مَرْحِ" الأرضِ بالطينِ، فقالت للرجلِ: " يا أخي بهجت، أنت صاحبْ ضميرْ. بحياتكْ خلِّ البلاطْ يكونْ مليح. بدي إذا مسحتُه، يلمعْ لمعْ"؛ فابتسمَ الخواجة، وقال: "يا ستّْ أمّ إميلْ، سأعطيكم بلاطاً تشكرونني عليه مدى الحياة". فيا ألفَ رحمةِ اللهِ عليك يا خواجة بهجت. عندما عُدْنا إلى قريتِنا ومنازلِنا بعدَ هجْرِها لعشْرِ سنواتٍ بسببِ الحربِ القذرةِ، وجدْنا الصَدَأَ قد أكلَ حديدَ الشبابيكِ، وبعضَ الجدرانِ تفسّخَ بفعلِ الثلجِ والمطرِ والشمسِ، أما البلاطُ فوجدناه سالماً، صامداً، لا ضررَ فيه.
في كرْمِ الزيتونِ كنّا نجوعُ باكراً، فما إن ترتفعُ الشمسُ في السماءِ، وقبلَ أن يتقلّصَ ظلُّ الأشجارِ ويتراجعَ ليتكوّرَ تحتَها، حتى تبدأُ عصافيرُ بطونِنا بالزقزقةِ؛ فلا نعودُ نطيقُ بعدَ ذلكَ صبراً. إنه التعبُ يفعلُ في الأجسادِ الطريّةِ فعلَه؛ فيمدُّ إلى كلِّ جزءٍ منه يداً. أو هي الطبيعةُ تحرّكُ الشهيّةَ، وتُثيرُ النَهَم. وما غداؤنا؟ طعامٌ بسيطٌ لكنْ لذيذ. لذيذٌ لأننا نتناولُه في البريّة. فما كنا نأنفُه في البيتِ، كنا في حُضْنِ الطبيعةِ نجدُه شهيّاً طيّباً. فإن كنتَ يا صديقي ممّن يقضون نهارَ عملِهم جُلوساً على كرسيٍّ في مكتبٍ يمدُّه المكيِّفُ بالهواءِ المبرَّدِ، وممّن يُمضون أصيلَ نهارِهم على شرفةٍ ضيّقةٍ لا يبصرون منها، في أيِّ اتّجاهٍ نظروا، إلّا كتلاً هائلةً منَ الإسمنتِ، وإذا كنتَ من الذين يتناولون معظمَ طعامِهم محفوظاً في عُلَبٍ من المعدنِ، فإني أدعوك إلى زيارةِ قريتي في الجبلِ، حيث بإمكانِك أن تستحمَّ بنورِ الشمسِ، وتفتحَ ذراعَيك للنسمةِ المتأرجحةِ على أغصانِ الشجرِ، وتملأَ رئتيك بالهواءِ النقيِّ، وتشنّفَ أذنيك بصفيرِ البلابلِ وهديلِ اليَمامِ، وترسلَ نظرك بعيداً بعيداً إلى قِمَمِ الجبالِ، وأطرافِ السهولِ، وأعماقِ الوديان. هناكَ ضيعتي التي أحببتُها، وعشتُ طفولتي فيها. وعلى كَتِفِ واديها يمتدُّ كرْمُ الزيتونِ الذي كان لنا. ولا تنسَ، يا صديقي، أن تحمِلَ زادَك، وحيثُما تجدْ شجرةً وارفةَ الظلالِ، اجلسْ في فَيْئِها، والقِ بظهرِك إلى جذعِها، فإنك ستجدُ لُقْمَةَ الخبزِ طيّبةً، وحبّةَ الزيتونِ لذيذة. وإن نسيتَ زادَك في بيتِك فلا تهتمّ. كلُّ أبناءِ ضيعتي الذين ستصادفُهم وتُلقي التحيّةَ عليهم، سيدعونك إلى بيوتِهم ويكرمونك، وفي دعْوَتِهم صِدْقٌ وطِيبة. إنهم لا يشبهون أكثريّةَ سكّانِ المدينةِ الذين قلّما يردّون السلام. أعرفُ أنك، صديقي القارئَ، تتساءلُ الآن إن كنا نَغْسِلُ أيدينا قبل تناوُلِ الطعامِ كما يفعلُ أولادي وأولادُك وأنا وأنت اليوم. جوابي لك هو لا، لم نكن نغسلُها. كنا ننفُضُها من الترابِ وكفى. الترابُ، هذا الذي يغذّي جذورَ الشجرِ، ويستنبِتُ الزرعَ، ومنه يخرُجُ الخيرُ والبَرَكةُ، ما كنا نحسَبُه قذراً. والأيادي التي تتلطّخُ به ليست قذرةً، بل أنظفُ بكثيرٍ من تلك التي تأنَفُه، فلا تتعاملُ معه، ولا هي تعرفُه.
وكنا إذا ظمِئْنا نرتوي بمياهٍ باردةٍ من نبعٍ قريبٍ نملأُ القِرَبَ بها فتعرَق. هذا النبعُ كان عند الظهيرةِ مَوْرِدَ الطيرِ والحيوانِ والإنسانِ في تلك البريّةِ العطشى. الكلُّ يأتي إليه ليبرّدَ غليلَه، وينعمَ بقِسْطٍ من عليلِ النسماتِ في فَيْءِ شجرةِ الصنوبرِ الكبيرةِ التي تظلّلُه. أجَل، الإنسانُ أيضاً كان يشربُ من ذاك الجرنِ؛ فالذي يعملُ طيلةَ النهارِ في جِوارِ الوحشِ، وتحتَ سماءِ العُقْبانِ والنسورِ، يصبحُ صديقاً لها وشريكاً. وإذا سألتَني عن نظافةِ تلك المياهِ ونقاوتِها، فأقولُ لك إنها أنظفُ وأنقى وأطيبُ من تلك التي نشربُها اليومَ معبّأةً بالقناني.
وما كنا نتناولُه في الكرْمِ بعد الغداءِ، فـ"عروس" تينٍ مطبوخٍ، أو بضعةُ أكوازٍ شُقْرٍ من تينةٍ لا أدري أيَّ يدٍ مباركةٍ زرعتها في تلكَ الأرضِ، أو خُصَلٌ من العنبِ في داليةٍ "معربشة" على زيتونةٍ هرمةٍ، وقد سَلِمَ بعضُ حبّاتِها فلم يَطَلْه ابنُ آوى، أو يفتكْ به الدبّور. وإذا كان حظُّنا جيّداً، مرَّ أنطون ـ ابنُ عمِّ أمّي ـ آتياً من الوادي عبر "شقفان العرايس"، حتى إذا ما أدركَنا، أوقفَ دابّتَه، وأنزلَ من الخُرْجِ الذي على ظهرِها الكثيرَ من الليمونِ، وألقى به بيننا، ثم جلسَ ليستريحَ، ولفَّ سيجارةً وأشعلَها، ولفَّ أخرى، ودفعَ بها إلى أمّي: "خذي يا بنت عمّي. ولعيلك سيجارة". رحمةُ اللهِ عليكَ يا عمّي أنطون.
أمّي كانت مثلَ كلِّ نساءِ تلكَ الأيّام: امرأةً مكافحةً، نشيطةً، وصبورة. لا مساعدةُ أبي في قطفِ المواسمِ تؤخّرُها عن شُغْلِ بيتِها، ولا التعبُ ينالُ من همّتِها. كان عليها أن تنهضَ مع "نجمة الصبح" قبلَ الفجرِ، وتُطْعِمَ "القزّات" ـ قبلَ أن تتوقّفَ تربيةُ دودِ القزِّ في الجبلِ ـ و"تلقّمَ" الخروفَ، وتطهوَ، وتَلحقَ بأبي إلى كرْمِ الزيتون. لا. لم يكنِ العملُ ينتهي بانتهاءِ النهارِ لأنَّ للمساءِ أيضاً عملَه، فهناك غسلُ الثيابِ، وتنظيفُ البيتِ، ورَتْقُ الملابسِ في ضوءِ قنديلِ الكازِ، وربما غَرْبَلَةُ القمحِ، ونخْلُ الطحينِ... وأيضاً التضرُّعُ سرّاً إلى اللهِ وقدّيسيه بأن يرسِلَ مَن يشتري موسمَ الزيتِ والزيتون. ألا باركَ اللهُ في نساءِ ذلكَ الزمان.
وإذا كانَ نهارُ أمّي لا ينتهي مع غيابِ الشمسِ، فإن نهارَنا، نحنُ الأولادَ، كانَ ينتهي عندَ وصولِ الظلِّ، في الجبلِ المقابلِ لكرْمِنا، إلى منتصَفِ "المنشار". والمنشارُ هو جرْفٌ صخريٌّ عظيمٌ يمتدُّ من أسفلِ الوادي حتى خاصرةِ الجبل. أما لماذا سُمّيَ بهذا الاسمِ، فلأنَّ رؤوسَ صخورِه مسنّنةٌ كالمنشار. على هذه الرؤوسِ كانَ الظلُّ يزحفُ بطيئاً من تحتُ إلى فوقُ كلّما هبطتِ الشمسُ أعمقَ خلفَ الجبلِ الذي يقومُ كرْمُنا في سفحِه.
كنا نخافُ إذا ما قرّرَ أبي البقاءَ في الكرْمِ لوقتٍ أطول. الأساطيرُ القديمةُ والحكاياتُ المفزِعةُ كانت تستيقظُ فجأةً في أذهانِنا لتقبضَ على قلوبِنا، وتخطُفَ أنفاسَنا. لقد أخبرَنا العمُّ أنطونُ مرّةً أنَّ ضَبُعاً رافقتْه على الدربِ في أحدِ الأماسي من الوادي إلى مشارفِ الضيعة. وللضَبُعِ عندَ أهلِ الجبلِ مَهابةٌ ليست لوحشٍ آخر. فهي في اعتقادِهم "تسبع" الإنسانَ فيمشي خلفَها إلى وِجارِها كأنه يمشي في نومِه، وهي تميّزُ صوتَ الخائفِ فتنقضُّ عليه. لذلك حملَ العمُّ أنطونُ قلبَه على كفِّه، وشيئاً في "شرواله" كما أخبرَنا، ومضى في طريقِه من غيرِ أن يكلّمَ دابّتَه حتّى. وقد نجّاه ربُّه لأنَّ ساعتَه لم تكنْ قد حانتْ بعد.
وحدّثَنا آخَرُ في إحدى سهراتِ الشتاءِ حولَ الموقدِ أنَّ امرأةً لم يرَ بجمالِها وقَوامِها قَطُّ، قد وقفتْ في دربِه وهو عائدٌ من الكرْمِ ليلاً في ضوءِ القمرِ، فلما ابتسمتْ له ونادتْه باسمِه، ارتعدتْ فَرائصُه، وهربَ قلبُه من بينِ ضلوعِه. وعندما ذكرَ اسمَ الربِّ، اختفتْ من أمامِه؛ فتابعَ دربَه يصلّي، ويستعيذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم.
وهذا "شقفان العرايس" على مرمى حجرٍ منّا. هضبةٌ يُحكى أنها كانت مرتَعاً للجِنّ. فيها يُحيون احتفالاتِهم، ويقيمون أعراسَهم. وإذ لعنَها راهبٌ تقيٌّ، تحوّلتْ عرائسُها إلى حجارةٍ، وسكتَ المكانُ إلى الأبد. لكنَّ بعضَ مَن كان يمرُّ من هناكَ في الليلِ مضطرّاً، يُقسِمُ بأنه سمعَ صدى غناءٍ خافتٍ غريب. ربما هو الخوفُ، وربما هي اللعنةُ لم تكنْ قويّةً جدّاً. فمَن يدري في أيِّ ليلةٍ يعودُ كلُّ شيءٍ إلى ما كانَ عليه! لذلك كنا نُلِحُّ على أمّي سرّاً لتطلُبَ من أبي الرحيلَ في ضوءِ النهارِ، فتستجيبُ وتناديه: "ياللهْ نطلعْ نسرّبْ. الولادْ عندُنْ درسْ بعدْ". وكان أبي ينزِلُ عندَ رَغبتِها.
لم يكنْ نهارُ الزيتونِ صَحْواً دائماً. ففي أحيانٍ كثيرةٍ كان أبي يخطئُ في قراءةِ طقسِ الخريفِ، وإذا النَسَماتُ الخفيفةُ تنقلبُ ريحاً شديدةً باردةً، والغيومُ الرماديةُ الممزّقةُ تتلبّدُ سوداً في سماءٍ نَخالُها وقعتْ على رؤوسِ الجبالِ من حولِنا. ثم ينهمرُ المطرُ وابلاً فتبتلُّ ثيابُنا قبلَ أن نتمكّنَ من اللجوءِ إلى مغارةٍ حفرتْها كفُّ الطبيعةِ في بطنِ الجبل. هناكَ كنا نشعِلُ ناراً نصطليها حتى يتوقّفَ هطولُ المطرِ؛ فنخرجَ للعملِ من جديدٍ، ولكنْ هذه المرّةُ في جلولٍ تحوّلتْ بُقَعٌ منها إلى مستنقعاتٍ نلتقطُ منها حبّاتِ الزيتونِ بأصابعَ يكادُ الدمُ يتجمّدُ فيها.
* * *
صفحة 3
ومرّتِ الأيّامُ وكَبِرْنا. ثم أطلّّتِ الحربُ برأسِها، فنزحْنا معِ النازحينَ إلى بيروتَ، أو بالأحرى إلى لا مكان. بيروتُ ليست لنا. إنها للذينَ اعتادوا الحياةَ الصاخبةَ، أما نحن فلنا قريتُنا المطمئنّةُ الهادئة. لقد كانت القريةُ قلبَ عالمِنا الصغيرِ الذي ينتهي عند مشارفِها، والسفوحِ المحيطةِ بها.
سنواتٌ عشرٌ مريرةٌ عشناها في الغُربة. أجَل لقد كنا مغتربين في وطنِنا، غرباءَ في بلادِنا. الناسُ الذين التقيناهم وعشنا بينهم في المدينةِ لا يشبهون أهلَ ضيعتِنا في شيء. أولئك تجّارٌ وصناعيون يحسبون للغدِ ألفَ حسابٍ لأنْ لا أحدَ منهم يُعينُ أحداً. أما هؤلاءِ ففلاحون متضامنون يطلبون خبزَهم كفافَ يومِهم.
وعندما ألقتِ الحربُ أوزارَها، عُدنا إلى قرانا؛ فوجدناها كئيبةً، يسكنُها الصمتُ والوحشةُ، وهي التي كانت من قبلُ ضاحكةً تضجُّ بالحياة. البيوت التي كانت شامخةً بقرميدِها، زاهيةً بقناطرِها وشُرُفاتِها، سقطَ منها ما سقطَ، وتحوّلَ أكواماً من حجارةٍ يعانقُ بعضُها بعضاً كأنها تكره الفراق. والبساتينُ التي كانت تَرْفُلُ خُضْرَةً ونضارةً، يبست أشجارُها، وهجرتها أطيارُها. والكرْمُ... ما تراه قد أصابه؟ سؤالٌ ظلَّ يُلحُّ عليّ أيّاماً، حتى كان صباحٌ انحدرتُ فيه إلى كرْمِنا فوجدتُه في حالٍ يُرثى لها. أشجارُه التي كانت في ما مضى دائمةَ الخُضْرَةِ، اشتعلت يباساً رؤوسُ أغصانِها، هذه التي كان أبي يضحّي بالكثيرِ من حبّاتِ الزيتونِ العنيدةِ المتشبّثةِ بها، فيتركُه للطيرِ، مخافةَ أن يكسرَ المفراطُ طربوناً من طرابينِها. والحيطانُ العاليةُ سقطتْ أجزاءٌ منها، وتدحرجتْ حجارتُها إلى أواسطِ الجلولِ، فانكشفتْ جذورُ الشجرِ بعدما انهارَ الترابُ الذي كان يحضنُها ويغطّيها.
لو كان البيتُ قد تهدّمَ بفعلِ الحربِ، لما حزنتُ حزني لمرأى كرمِ الزيتونِ على هذه الحال. لقد كان مصدرَ رزقِنا الأوّلَ؛ لذلك قرّرتُ ألّا أُسْلِمَ إلى الموتِ ما كان يؤمّنُ لنا العيشَ، ويبقينا على قيدِ الحياة. وعندما أبديتُ لأبي رغبتي في العملِ على إعادةِ الكرْمِ إلى سالفِ عزِّه، هزَّ رأسَه، ثم قالَ بصوتٍ ينزفُ أسفاً: كيف نحيي العظامَ وهي رميم! ثم أضاف: لقد أدركتْني الشيخوخةُ يا ابني، ولم أعُدْ قادراً على العملِ الشاقِّ، وأنت وأخوك لا خبرةَ لكما، ولا وقتَ لديكما للقيامِ بمثلِ هذه الأعمال. وعندما سألتُه عن الحلِّ، خفضَ رأسَه، ثم قالَ بصوتٍ خرجَ غَصْباً من بينِ شفتيه: جِدَا مَن يشتريه. وعندما نظرتُ إلى أمّي، هزّت رأسَها موافقةً، ثم مسحت دمعةً من عينها. وإذ رفضتُ فكرةَ البيعِ، وأبديتُ تصميماً على إحياءِ الكرْمِ، قالَ أبي: كرْمُ موسى لك، وكرْمُ حَنّةَ لأخيك. إفعلا بهما ما تريدان.
لم يمضِ أسبوعٌ واحدٌ حتى كان بضعةٌ من العمّالِ في الكرْم. هذا يقلِّمُ الأغصانَ اليابسةَ، وذاك يحرثُ الأرضَ على الجرّارِ الآليِّ، وذلك يضعُ أغراساً في الفسحاتِ الواسعةِ بينَ الأشجارِ الكبيرةِ، وآخرون يعمّرون الحيطانَ الخَرِبة. لقد أعدتُ إلى الكرْمِ خَفَقانَ قلبِه وجَرَيانَ الحياةِ في شرايينِه، إلّا أنني أنفقتُ على ذلك مالاً كثيراً، ولم يكنْ المردودُ على قَدْرِ المجهود. ولكنْ ما الهمُّ، فما أردتُه هو أن أسْكَرَ في رؤيةِ الكرْم نَضِراً، ومَن يريدُ أن يسكرَ لا ينبغي أن يَعُدَّ الكؤوس.
وانقضت بعد ذلك سنتان. وأطلَّ خريفُ الثالثةِ، وهو فصلُ الجنى؛ فدعوتُ أولادي لمرافقتي إلى الكرْمِ، ومساعدتي في قطفِ الموسمِ لأن ذَيْنِكَ اللذين كانت لهما الهمّةُ للعملِ، لم تَعُدْ لهما همّةٌ. لقد هرِمَ أبواي، وما عادَ بوِسْعِهما النزولُ إلى الكرْمِ وبذلُ التعبِ فيه. إلّا أنَّ أولادي لم تَرُقْهم الدعوةُ؛ فاختلقوا للتملّصِ منها ألفَ عذرٍ وحجّة.
ـ يا أبي، عليّ أن أُتِمَّ واجباتي المدرسيةَ، لذلك لن أتمكّنَ من الصعودِ برفقتِك إلى القرية. قالَ أصغرُهم، وهو في الثانيةَ عشْرَةَ من عمرِه.
ـ كنا يا بنيَّ أصغرَ منك سنّاً عندما بدأنا ننزلُ إلى الكرْمِ، ونعملُ فيه طيلةَ النهارِ، ثم نعودُ مساءً إلى كتبِنا ودفاترِنا، وكنّا الأوائلَ في صفوفِنا.
ـ الزمنُ تغيّرَ يا أبي. أتريدُنا أن نعيشَ في الضيعةِ، ونمتهنَ الفلاحةَ والزراعة!
ـ لا. لا أريدُكم أن تمتهنوا الفلاحةَ والزراعةَ؛ لكن أريدُكم ألّا تنسلخوا عن القريةِ فتنسوها وتنساكم. ألّا تهملوا أرضَكم من بعدي فتتنكّرَ لكم. باستطاعتِكم أن تحذوا حذوي، وتفعلوا مثلي. ألا ترون أنَّ معظمَ جَهْدي وتعبي تستأثرُ به وظيفتي؟ لكنني أخصّصُ بعضَ الوقتِ للقريةِ وأرزاقِنا فيها لتبقى حيّةً فلا يمتدَّ الخرابُ إليها. حرامٌ يا ابني أن تخرَبَ أرزاقُنا وييبسَ كرْمُنا، هذا الذي عِشنا وتعلّمنا من خيراتِه.
عندئذٍ طأطأ ابني رأسَه فوقَ كتابِه المفتوحِ أمامَه، ولم يقلْ شيئاً، فتركتُه وشأنَه، وتوجهتُ بالسؤالِ إلى ابني الأكبرَ: وأنت، ألا تريدُ أن تتعرّفَ إلى الكرْمِ الذي سيكونُ في أحدِ الأيّامِ لك ولأخيك؟ أجاب: لي ولأخي! لا يا أبي. أعطِه كلَّه لأخي. أنا لا أريدُ حصّةً فيه. نظرتُ إذ ذاك إلى ابنتي وهي أصغرُ الأولادِ، وسألتُها: وأنتِ يا حبيبةَ أبيكِ، أتصعدين معي إلى القريةِ فتتفرّجي على الكرْم؟ ضحكتْ وقالت: الحمدُ للهِ أنّك قسمتَه بين أخويّ.
تطلّعتُ ناحيةَ زوجتي مُحْبَطاً صامتاً. وإذ رأتني أبتسمُ ابتسامةً حزينةً، ضحكتْ عالياً، ثم نهضتْ ودنتْ مني، وأحاطتني بذراعيها، واغرورقتْ بالدمع عيناها، وقالت: لا تحزنْ. سوفَ نصعدُ كلُّنا برفقتِك إلى الكرْمِ غداً.
ـ أصِدْقاً تقولين؟ سألتُها؛ فهزّت رأسَها أنْ أجل. هذه الإشارةُ أعادتِ الفرحَ إلى قلبي، والأملَ إلى نفسي؛ فانفرجتْ أساريري، وخرجتُ أُعِدُّ العُدّةَ إلى يومِ غد.
وكان الغدُ يوماً جميلاً. الشمسُ تستترُ خلفَ الغيومِ البيضِ حيناً، وتُطِلُّ برأسِها أحياناً. والنسيمُ اللطيفُ يلاعبُ أغصانَ الشجرِ. وسيّارتُنا تتمايلُ بنا، وإطاراتُها تقفزُ فوقَ الحجارةِ على تلك الطريقِ الترابيةِ التي تتفرّعُ من الطريقِ العامّةِ تحتَ قريتِنا، وتمتدُّ حتى مشارفِ الكرْم. هذه الطريقُ هي حديثةُ العهد. شقّها المشروعُ الأخضرُ، ولم يُكْمِلْها، لأنَّ الأموالَ التي رُصدتْ لها، ذهبتْ مع الريحِ، كما شاعَ بينَ الأهالي آنذاك، ولا أحدَ يدري أين اختفتْ، وكيفَ اختفت. كلُّ ما عُرفَ أنَّ الطريقَ شُقّت، وتوقّفَ فيها العمل. أما الدربُ التي كنا نسلكُها في ما مضى، فهي تلك الوعرةُ المختصَرةُ التي تصلُ القريةَ بالوادي.
عندَ مشارفِ الكرْمِ ترجّلنا، وحملنا الزادَ والأكياسَ الفارغةَ والمفاريطَ، أو بالأحرى حملتُها أنا. وحملتُ أيضاً قناني المياهِ المختومةَ لأنَّ أولادي ضحكوا عليّ، أجل ضحكوا عليّ، عندما قلتُ لهم صباحاً في البيت أنْ لا داعي لحملِ المياهِ إلى فوقُ لأنَّ النبعَ قريبٌ من الكرْمِ، وبإمكانِنا أن نشربَ منه.
كلُّ ما ساعدني فيه أولادي وزوجتي هناك، هو أنهم فلشوا معي الأكياسَ تحتَ أوّلِ زيتونةٍ، ومشقوا من حولي عليها بضعةَ أغصانٍ صغيرةٍ واطئةٍ، ثم ذهبوا، وانتقوا شجرةً وارفةَ الظلالِ، وفرشوا عند جذعِها الضخمِ حصيراً من القشِّ، وجلسوا عليه، وأداروا جهازَ الراديو، وأخذوا يغنّون مع المغنّي. وبعدَ قليلٍ ناموا على ظهورهم. وكلّما نفذتْ إليهم أشعّةُ الشمسِ من بينِ الأغصانِ، أزاحوا مرقدَهم يَمْنَةً أو يَسْرَةً ليبقوا في الظلّ.
يا أللهُ كيفَ تغيّرَ الزمن! في ما مضى كنا نطرَبُ لسَماعِ "العتابا" و"الميجانا" تصدحُ بها حناجرُ الفلاحينَ بينَ الكروم. وكان ينادي بعضُنا بعضاً بالصوتِ من " قاطع" إلى قاطع. أما اليومَ فها هو الراديو رفيقُ أولادي إلى الكرْمِ يستمعون منه إلى الأغاني الافرنجيةِ. وها هي أجهزةُ الهاتفِ النقّالةُ في أياديهم وإلى خصورِهم يتكلّمون بها من ذلكَ القَفْرِ إلى أيِّ مكانٍ في العالم.
بعدَ قليلٍ نهضَ ابني الأكبرُ. وحملَ البندقية. وذهبَ إلى الصيد. وعادَ بعدَ ساعتين ببضعةِ عصافيرَ صغيرةٍ لا تُسمنُ ولا تغني من جوع. ثم بنى وأخويه موقداً من الحجارةِ أضرموا النارَ فيه. وعندما احمرَّ الجمرُ، صفّتْ زوجتي سياخَ اللحمةِ فوقَه. وفتحوا الزاد. ودعوني إلى تناولِ الطعامِ؛ فأكلتُ معهم من الأطعمةِ ما لم نكن، صغاراً، نعرفُ له اسماً ولا مذاقاً. إلّا أنَّ أولادي استهجنوا مني أنني لَمَمْتُ عن الأرضِ بعضَ حبّاتِ زيتونٍ سودٍ ناضجةٍ، وأكلتُها بقليلٍ من الخبز. أجل. لقد تغيّرَ الزمن.
سنواتٌ عشرٌ مريرةٌ عشناها في الغُربة. أجَل لقد كنا مغتربين في وطنِنا، غرباءَ في بلادِنا. الناسُ الذين التقيناهم وعشنا بينهم في المدينةِ لا يشبهون أهلَ ضيعتِنا في شيء. أولئك تجّارٌ وصناعيون يحسبون للغدِ ألفَ حسابٍ لأنْ لا أحدَ منهم يُعينُ أحداً. أما هؤلاءِ ففلاحون متضامنون يطلبون خبزَهم كفافَ يومِهم.
وعندما ألقتِ الحربُ أوزارَها، عُدنا إلى قرانا؛ فوجدناها كئيبةً، يسكنُها الصمتُ والوحشةُ، وهي التي كانت من قبلُ ضاحكةً تضجُّ بالحياة. البيوت التي كانت شامخةً بقرميدِها، زاهيةً بقناطرِها وشُرُفاتِها، سقطَ منها ما سقطَ، وتحوّلَ أكواماً من حجارةٍ يعانقُ بعضُها بعضاً كأنها تكره الفراق. والبساتينُ التي كانت تَرْفُلُ خُضْرَةً ونضارةً، يبست أشجارُها، وهجرتها أطيارُها. والكرْمُ... ما تراه قد أصابه؟ سؤالٌ ظلَّ يُلحُّ عليّ أيّاماً، حتى كان صباحٌ انحدرتُ فيه إلى كرْمِنا فوجدتُه في حالٍ يُرثى لها. أشجارُه التي كانت في ما مضى دائمةَ الخُضْرَةِ، اشتعلت يباساً رؤوسُ أغصانِها، هذه التي كان أبي يضحّي بالكثيرِ من حبّاتِ الزيتونِ العنيدةِ المتشبّثةِ بها، فيتركُه للطيرِ، مخافةَ أن يكسرَ المفراطُ طربوناً من طرابينِها. والحيطانُ العاليةُ سقطتْ أجزاءٌ منها، وتدحرجتْ حجارتُها إلى أواسطِ الجلولِ، فانكشفتْ جذورُ الشجرِ بعدما انهارَ الترابُ الذي كان يحضنُها ويغطّيها.
لو كان البيتُ قد تهدّمَ بفعلِ الحربِ، لما حزنتُ حزني لمرأى كرمِ الزيتونِ على هذه الحال. لقد كان مصدرَ رزقِنا الأوّلَ؛ لذلك قرّرتُ ألّا أُسْلِمَ إلى الموتِ ما كان يؤمّنُ لنا العيشَ، ويبقينا على قيدِ الحياة. وعندما أبديتُ لأبي رغبتي في العملِ على إعادةِ الكرْمِ إلى سالفِ عزِّه، هزَّ رأسَه، ثم قالَ بصوتٍ ينزفُ أسفاً: كيف نحيي العظامَ وهي رميم! ثم أضاف: لقد أدركتْني الشيخوخةُ يا ابني، ولم أعُدْ قادراً على العملِ الشاقِّ، وأنت وأخوك لا خبرةَ لكما، ولا وقتَ لديكما للقيامِ بمثلِ هذه الأعمال. وعندما سألتُه عن الحلِّ، خفضَ رأسَه، ثم قالَ بصوتٍ خرجَ غَصْباً من بينِ شفتيه: جِدَا مَن يشتريه. وعندما نظرتُ إلى أمّي، هزّت رأسَها موافقةً، ثم مسحت دمعةً من عينها. وإذ رفضتُ فكرةَ البيعِ، وأبديتُ تصميماً على إحياءِ الكرْمِ، قالَ أبي: كرْمُ موسى لك، وكرْمُ حَنّةَ لأخيك. إفعلا بهما ما تريدان.
لم يمضِ أسبوعٌ واحدٌ حتى كان بضعةٌ من العمّالِ في الكرْم. هذا يقلِّمُ الأغصانَ اليابسةَ، وذاك يحرثُ الأرضَ على الجرّارِ الآليِّ، وذلك يضعُ أغراساً في الفسحاتِ الواسعةِ بينَ الأشجارِ الكبيرةِ، وآخرون يعمّرون الحيطانَ الخَرِبة. لقد أعدتُ إلى الكرْمِ خَفَقانَ قلبِه وجَرَيانَ الحياةِ في شرايينِه، إلّا أنني أنفقتُ على ذلك مالاً كثيراً، ولم يكنْ المردودُ على قَدْرِ المجهود. ولكنْ ما الهمُّ، فما أردتُه هو أن أسْكَرَ في رؤيةِ الكرْم نَضِراً، ومَن يريدُ أن يسكرَ لا ينبغي أن يَعُدَّ الكؤوس.
وانقضت بعد ذلك سنتان. وأطلَّ خريفُ الثالثةِ، وهو فصلُ الجنى؛ فدعوتُ أولادي لمرافقتي إلى الكرْمِ، ومساعدتي في قطفِ الموسمِ لأن ذَيْنِكَ اللذين كانت لهما الهمّةُ للعملِ، لم تَعُدْ لهما همّةٌ. لقد هرِمَ أبواي، وما عادَ بوِسْعِهما النزولُ إلى الكرْمِ وبذلُ التعبِ فيه. إلّا أنَّ أولادي لم تَرُقْهم الدعوةُ؛ فاختلقوا للتملّصِ منها ألفَ عذرٍ وحجّة.
ـ يا أبي، عليّ أن أُتِمَّ واجباتي المدرسيةَ، لذلك لن أتمكّنَ من الصعودِ برفقتِك إلى القرية. قالَ أصغرُهم، وهو في الثانيةَ عشْرَةَ من عمرِه.
ـ كنا يا بنيَّ أصغرَ منك سنّاً عندما بدأنا ننزلُ إلى الكرْمِ، ونعملُ فيه طيلةَ النهارِ، ثم نعودُ مساءً إلى كتبِنا ودفاترِنا، وكنّا الأوائلَ في صفوفِنا.
ـ الزمنُ تغيّرَ يا أبي. أتريدُنا أن نعيشَ في الضيعةِ، ونمتهنَ الفلاحةَ والزراعة!
ـ لا. لا أريدُكم أن تمتهنوا الفلاحةَ والزراعةَ؛ لكن أريدُكم ألّا تنسلخوا عن القريةِ فتنسوها وتنساكم. ألّا تهملوا أرضَكم من بعدي فتتنكّرَ لكم. باستطاعتِكم أن تحذوا حذوي، وتفعلوا مثلي. ألا ترون أنَّ معظمَ جَهْدي وتعبي تستأثرُ به وظيفتي؟ لكنني أخصّصُ بعضَ الوقتِ للقريةِ وأرزاقِنا فيها لتبقى حيّةً فلا يمتدَّ الخرابُ إليها. حرامٌ يا ابني أن تخرَبَ أرزاقُنا وييبسَ كرْمُنا، هذا الذي عِشنا وتعلّمنا من خيراتِه.
عندئذٍ طأطأ ابني رأسَه فوقَ كتابِه المفتوحِ أمامَه، ولم يقلْ شيئاً، فتركتُه وشأنَه، وتوجهتُ بالسؤالِ إلى ابني الأكبرَ: وأنت، ألا تريدُ أن تتعرّفَ إلى الكرْمِ الذي سيكونُ في أحدِ الأيّامِ لك ولأخيك؟ أجاب: لي ولأخي! لا يا أبي. أعطِه كلَّه لأخي. أنا لا أريدُ حصّةً فيه. نظرتُ إذ ذاك إلى ابنتي وهي أصغرُ الأولادِ، وسألتُها: وأنتِ يا حبيبةَ أبيكِ، أتصعدين معي إلى القريةِ فتتفرّجي على الكرْم؟ ضحكتْ وقالت: الحمدُ للهِ أنّك قسمتَه بين أخويّ.
تطلّعتُ ناحيةَ زوجتي مُحْبَطاً صامتاً. وإذ رأتني أبتسمُ ابتسامةً حزينةً، ضحكتْ عالياً، ثم نهضتْ ودنتْ مني، وأحاطتني بذراعيها، واغرورقتْ بالدمع عيناها، وقالت: لا تحزنْ. سوفَ نصعدُ كلُّنا برفقتِك إلى الكرْمِ غداً.
ـ أصِدْقاً تقولين؟ سألتُها؛ فهزّت رأسَها أنْ أجل. هذه الإشارةُ أعادتِ الفرحَ إلى قلبي، والأملَ إلى نفسي؛ فانفرجتْ أساريري، وخرجتُ أُعِدُّ العُدّةَ إلى يومِ غد.
وكان الغدُ يوماً جميلاً. الشمسُ تستترُ خلفَ الغيومِ البيضِ حيناً، وتُطِلُّ برأسِها أحياناً. والنسيمُ اللطيفُ يلاعبُ أغصانَ الشجرِ. وسيّارتُنا تتمايلُ بنا، وإطاراتُها تقفزُ فوقَ الحجارةِ على تلك الطريقِ الترابيةِ التي تتفرّعُ من الطريقِ العامّةِ تحتَ قريتِنا، وتمتدُّ حتى مشارفِ الكرْم. هذه الطريقُ هي حديثةُ العهد. شقّها المشروعُ الأخضرُ، ولم يُكْمِلْها، لأنَّ الأموالَ التي رُصدتْ لها، ذهبتْ مع الريحِ، كما شاعَ بينَ الأهالي آنذاك، ولا أحدَ يدري أين اختفتْ، وكيفَ اختفت. كلُّ ما عُرفَ أنَّ الطريقَ شُقّت، وتوقّفَ فيها العمل. أما الدربُ التي كنا نسلكُها في ما مضى، فهي تلك الوعرةُ المختصَرةُ التي تصلُ القريةَ بالوادي.
عندَ مشارفِ الكرْمِ ترجّلنا، وحملنا الزادَ والأكياسَ الفارغةَ والمفاريطَ، أو بالأحرى حملتُها أنا. وحملتُ أيضاً قناني المياهِ المختومةَ لأنَّ أولادي ضحكوا عليّ، أجل ضحكوا عليّ، عندما قلتُ لهم صباحاً في البيت أنْ لا داعي لحملِ المياهِ إلى فوقُ لأنَّ النبعَ قريبٌ من الكرْمِ، وبإمكانِنا أن نشربَ منه.
كلُّ ما ساعدني فيه أولادي وزوجتي هناك، هو أنهم فلشوا معي الأكياسَ تحتَ أوّلِ زيتونةٍ، ومشقوا من حولي عليها بضعةَ أغصانٍ صغيرةٍ واطئةٍ، ثم ذهبوا، وانتقوا شجرةً وارفةَ الظلالِ، وفرشوا عند جذعِها الضخمِ حصيراً من القشِّ، وجلسوا عليه، وأداروا جهازَ الراديو، وأخذوا يغنّون مع المغنّي. وبعدَ قليلٍ ناموا على ظهورهم. وكلّما نفذتْ إليهم أشعّةُ الشمسِ من بينِ الأغصانِ، أزاحوا مرقدَهم يَمْنَةً أو يَسْرَةً ليبقوا في الظلّ.
يا أللهُ كيفَ تغيّرَ الزمن! في ما مضى كنا نطرَبُ لسَماعِ "العتابا" و"الميجانا" تصدحُ بها حناجرُ الفلاحينَ بينَ الكروم. وكان ينادي بعضُنا بعضاً بالصوتِ من " قاطع" إلى قاطع. أما اليومَ فها هو الراديو رفيقُ أولادي إلى الكرْمِ يستمعون منه إلى الأغاني الافرنجيةِ. وها هي أجهزةُ الهاتفِ النقّالةُ في أياديهم وإلى خصورِهم يتكلّمون بها من ذلكَ القَفْرِ إلى أيِّ مكانٍ في العالم.
بعدَ قليلٍ نهضَ ابني الأكبرُ. وحملَ البندقية. وذهبَ إلى الصيد. وعادَ بعدَ ساعتين ببضعةِ عصافيرَ صغيرةٍ لا تُسمنُ ولا تغني من جوع. ثم بنى وأخويه موقداً من الحجارةِ أضرموا النارَ فيه. وعندما احمرَّ الجمرُ، صفّتْ زوجتي سياخَ اللحمةِ فوقَه. وفتحوا الزاد. ودعوني إلى تناولِ الطعامِ؛ فأكلتُ معهم من الأطعمةِ ما لم نكن، صغاراً، نعرفُ له اسماً ولا مذاقاً. إلّا أنَّ أولادي استهجنوا مني أنني لَمَمْتُ عن الأرضِ بعضَ حبّاتِ زيتونٍ سودٍ ناضجةٍ، وأكلتُها بقليلٍ من الخبز. أجل. لقد تغيّرَ الزمن.
صفحة 4
ما كادَ النهارُ ينتصفُ حتى سألتْني ابنتي: في أيِّ ساعةٍ سنغادرُ إلى بيروتَ؟ قلت: ما زالَ النهارُ في أوّلِه؛ فاستاءت واستدارت، وابتعدت تلعنُ الساعةَ التي جاءت فيها معنا. عندئذٍ تولّى الكلامَ أخوها الأوسطُ: "يا أبي، أصحابي يطلبونني على الهاتفِ النقّال. أريدُ أن أنضمَّ إليهم. متى سننزلُ؟". أجبت: ما زالَ الوقتُ باكراً. فامتعضَ هو الآخر. وجاءَ دورُ كبيرِهم. قال: أمضينا نصفَ نهارٍ في هذا القفرِ الموحش. أهذا هو الكرْمُ الذي تريدُ أن تورِثَنا إيّاه يا أبي! باللهِ عليك، دعْنا نغادرُ هذا المكانَ الذي لا تسكنُه إلّا الوحوشُ. قلت: كيفَ ننزِلُ ولم يصلْ الظلُّ إلى وسطِ المنشارِ بعد! فقالوا بصوتٍ واحد: المنشار! أيُّ منشارٍ هو هذا الذي تتكلّمُ عليه!
ـ أنظروا إليه هناك. إنه في سفحِ ذاكَ الجبلِ أمامَنا.
ـ وفي أيّةِ ساعةٍ يصلُ الظلُّ إلى وسطِه يا تُرى؟ سألَ كبيرُ الأولاد.
ـ الفلاحُ يا بنيَّ لا يهتدي إلى الوقتِ بالساعةِ التي اخترعَها الإنسانُ، بل بتلك التي ابتدعَها الله. تلك تتوقّفُ وتتعطّلُ وتخطئُ. أما هذه فلا. الطبيعةُ هي ساعةُ الفلاحِ. وظلالُ الأشياءِ هي عقاربُها التي لا تكفُّ عن الدوران.
ـ وإذا حجبتِ الغيومُ الشمسَ، فبأيِّ عقاربَ يهتدي المسكين؟ سألَ وفي عينيه ابتسامةُ ظَفَرٍ ماكرة.
ـ ساعتئذٍ يبقى في الحقل حتى الدُغْشَة.
ـ ما مَعنى الدُغْشةِ يا أبي؟ سألَ ابني الأصغر.
ـ إنها تعني زمنَ ما بعدَ الغروبِ وقبلَ هبوطِ الظلام.
ـ وكم هو الزمنُ الفاصلُ بينَ وصولِ الظلِّ إلى وسطِ المنشارِ والدُغْشة؟
ـ إنه ليس بطويلٍ في هذا الوادي.
ـ أنا سأنزِلُ إلى بيروتَ سيراً على قدميّ.
ـ وأنا أيضاً. قالَ الأكبر. سنتركُ السيّارةَ لك ولأمّي وأختي.
ـ خذاني معكما. قالت ابنتي.
عندئذٍ نظرتْ إليَّ زوجتي بعينين تسألانني الرحيلَ؛ فقلت: أجل. دعونا نذهب.
وحملنا أمتعتَنا وقليلاً من الزيتونِ وذهبنا. وفي صباحِ اليومِ الثاني كنتُ في الكرْمِ قبلَ شروقِ الشمسِ مع بضعةِ فَعَلة. وتكرّرَ مجيئُنا على مدى أسبوعٍ كاملٍ قرّرتُ في نهايتِه أن أبيعَ الكرْمَ وهو أخضرُ قبلَ أن ييبسَ فلا أجدَ بعدَ ذلكَ مَن يشتريه. وبعتُه.
بعتُه إلى أُناسٍ من قريةٍ مجاورةٍ هي أقربُ من قريتِنا إليه. بعتُه لأنني عرفتُ أنه لو انتقلَ إلى أولادي من بعدي فسيبيعونه يابساً بأبخسِ الأثمان.
أجل، بعتُ الكرْمَ الذي تعبَ فيه جدّي، وارتوى ترابُه بعرقِ أمّي وأبي. بعتُه، وقبضتُ ثمنَه "ثلاثين من الفضّة" وضعتُها في جيبي لكنها أثقلت صدري. في زمنِ الضيقِ كان الكرْمُ يدفقُ علينا خيراتِه فيردُّ عنا العَوَز. وعندما استغنينا، تخلّينا عنه. لا. لقد أنكرناه، وأدرنا ظهورَنا له.
عندما أخبرتُ أبي، ارتجفَ شارباه الغليظان، وأناخَ رأسه، ولم يقلْ كلمة. أما أمّي فمسحت دمعتين ترقرقتا في عينيها، وقالت: ليجعلِ اللهُ البرَكَةَ تفيضُ في بيتِ الذين اشتروه.
في ذلكَ اليومِ نَأيْتُ بنفسي عن الناسِ لأنَّ عيونَهم كانت تلاحقُني وتتّهمُني. لقد اتّهمتني بالتنكّرِ للأرضِ التي دفنَ فيها جدّي تعبَه فأزهرَ وأثمرَ غلالاً وفيرةً ومواسمَ سخيّةً، وتسلّمَها أبي أمانةً لتبقى لنا وتنتقلَ إلى أولادِنا من بعدِنا، فما بقيتْ ولا انتقلت. بل انتقلتْ إلى أُناسٍ لا تربطُهم بالترابِ صِلَةُ الصداقةِ والقُرْبى. هؤلاءِ لم يذهبوا صغاراً إلى الكرْمِ ليملأوا السلّةَ بخمسةِ قروشٍ، ولم يجلسوا ظهراً في ظلالِ شجراتِ الزيتونِ العتيقةِ، ويأكلوا بشهيّةٍ من غيرِ أن يغسلوا أياديَهم من التراب. ولم يشربوا من النبعِ الذي ترتوي منه الطيورُ وكلُّ حيواناتِ البريّة. ولا حتى سمعوا بحكاياتِ الضباعِ وأغاني "شقفان العرايس".
مَن اشترى الكرْمَ مني لم يشترِه لنفسِه، بل لأقرباءٍ له في المهجرِ أرادوا أن يكونَ لهم كرْمٌ من الزيتونِ في خراجِ قريتِهم، فكان لهم ما أرادوا، لكن لا هم أتوا لرؤيتِه، ولا الذي اشتراه اهتمَّ به.
في بيروتَ ظننتُ أنني ابتعدتُ ونجوْتُ ونسيتُ، لكن ما اعتقدتُ أنني فررتُ منه، رأيتُه في المدينةِ ينتظرُني كأنني فررتُ إليه. كلُّ فلاحٍ كنتُ أراه يبيعُ نِتاجَ كرْمِه في السوقِ، كان يذكّرُني بأبي. وكلُّ امرأةٍ تبتسمُ في حانوتٍ لسائليها عن سعرِ زيتوناتِها، تشبهُ أمّي.
لا، لم أنجُ بنفسي كما اعتقدتُ عندما هبطتُ من القريةِ وقبعتُ في بيتي الصغيرِ في تلكَ المدينةِ الكبيرةِ التي لا أحدَ فيها يهتمُّ لأحد. الخُدوشُ التي خلّفَها شوكُ الكرْمِ في يدي، باتت جراحاً تنزفُ كلَّ يومٍ في داخلي. وحبّةُ الزيتونِ التي كانت ناصعةً حتى على الترابِ تحتَ غصنِها، أصبحت دميمةً في الصحنِ الأنيقِ على مائدتي. ونقطةُ الزيتِ التي كانت تضيءُ السراجَ، وتستقبلُ كلَّ مولودٍ أطلَّ على الدنيا، وتسهّلُ طريقَ السماءِ للمشرفين على الموتِ، وتدهنُ رغيفَ الخبزِ إذا عزَّ الإدامُ، باتت كالحنظلِ أغمِسُ فيه لُقمتي.
في القريةِ كانت المرارةُ تزرُعها فيَّ كلُّ عينٍ تنظرُ إليّ. أما في المدينةِ فأصبحت تنبَعُ من أعماقِ نفسي. بعضُ الناسِ يستطيعون بسهولةٍ أن يديروا ظهورَهم للماضي، ويمشوا في طريقهم كأن لا شيءَ وراءَهم. أما أنا، فلعلّةٍ وُلدتْ معي، لا أستطيع. إنها علّةُ الحنينِ الكامنةُ أبداً في قَعْرِ روحي لا أعرفُ متى تثورُ وكيفَ تهدأ. حنينٌ أشبهُ بحنينِ السحابةِ إلى البحرِ الذي خرجتْ منه. تتجمّعُ على نفسِها، ثم تتهالكُ عائدةً إليه لتفني نفسَها فيه. هكذا كان شوقي وحنيني في المدينةِ إلى قريتي، ودروبِها، وعينِ مياهِها، وكرْمِ الزيتونِ في واديها. أماكنُ لي في كلٍّ منها أيّامٌ صَعبةٌ وحكاياتٌ حزينةٌ لا أتمنّى العودةَ إليها لو كان باستطاعتي أن أعودَ، لكنها الآنَ ذكرياتٌ جميلةٌ تسكنُني.
* * *
ـ أنظروا إليه هناك. إنه في سفحِ ذاكَ الجبلِ أمامَنا.
ـ وفي أيّةِ ساعةٍ يصلُ الظلُّ إلى وسطِه يا تُرى؟ سألَ كبيرُ الأولاد.
ـ الفلاحُ يا بنيَّ لا يهتدي إلى الوقتِ بالساعةِ التي اخترعَها الإنسانُ، بل بتلك التي ابتدعَها الله. تلك تتوقّفُ وتتعطّلُ وتخطئُ. أما هذه فلا. الطبيعةُ هي ساعةُ الفلاحِ. وظلالُ الأشياءِ هي عقاربُها التي لا تكفُّ عن الدوران.
ـ وإذا حجبتِ الغيومُ الشمسَ، فبأيِّ عقاربَ يهتدي المسكين؟ سألَ وفي عينيه ابتسامةُ ظَفَرٍ ماكرة.
ـ ساعتئذٍ يبقى في الحقل حتى الدُغْشَة.
ـ ما مَعنى الدُغْشةِ يا أبي؟ سألَ ابني الأصغر.
ـ إنها تعني زمنَ ما بعدَ الغروبِ وقبلَ هبوطِ الظلام.
ـ وكم هو الزمنُ الفاصلُ بينَ وصولِ الظلِّ إلى وسطِ المنشارِ والدُغْشة؟
ـ إنه ليس بطويلٍ في هذا الوادي.
ـ أنا سأنزِلُ إلى بيروتَ سيراً على قدميّ.
ـ وأنا أيضاً. قالَ الأكبر. سنتركُ السيّارةَ لك ولأمّي وأختي.
ـ خذاني معكما. قالت ابنتي.
عندئذٍ نظرتْ إليَّ زوجتي بعينين تسألانني الرحيلَ؛ فقلت: أجل. دعونا نذهب.
وحملنا أمتعتَنا وقليلاً من الزيتونِ وذهبنا. وفي صباحِ اليومِ الثاني كنتُ في الكرْمِ قبلَ شروقِ الشمسِ مع بضعةِ فَعَلة. وتكرّرَ مجيئُنا على مدى أسبوعٍ كاملٍ قرّرتُ في نهايتِه أن أبيعَ الكرْمَ وهو أخضرُ قبلَ أن ييبسَ فلا أجدَ بعدَ ذلكَ مَن يشتريه. وبعتُه.
بعتُه إلى أُناسٍ من قريةٍ مجاورةٍ هي أقربُ من قريتِنا إليه. بعتُه لأنني عرفتُ أنه لو انتقلَ إلى أولادي من بعدي فسيبيعونه يابساً بأبخسِ الأثمان.
أجل، بعتُ الكرْمَ الذي تعبَ فيه جدّي، وارتوى ترابُه بعرقِ أمّي وأبي. بعتُه، وقبضتُ ثمنَه "ثلاثين من الفضّة" وضعتُها في جيبي لكنها أثقلت صدري. في زمنِ الضيقِ كان الكرْمُ يدفقُ علينا خيراتِه فيردُّ عنا العَوَز. وعندما استغنينا، تخلّينا عنه. لا. لقد أنكرناه، وأدرنا ظهورَنا له.
عندما أخبرتُ أبي، ارتجفَ شارباه الغليظان، وأناخَ رأسه، ولم يقلْ كلمة. أما أمّي فمسحت دمعتين ترقرقتا في عينيها، وقالت: ليجعلِ اللهُ البرَكَةَ تفيضُ في بيتِ الذين اشتروه.
في ذلكَ اليومِ نَأيْتُ بنفسي عن الناسِ لأنَّ عيونَهم كانت تلاحقُني وتتّهمُني. لقد اتّهمتني بالتنكّرِ للأرضِ التي دفنَ فيها جدّي تعبَه فأزهرَ وأثمرَ غلالاً وفيرةً ومواسمَ سخيّةً، وتسلّمَها أبي أمانةً لتبقى لنا وتنتقلَ إلى أولادِنا من بعدِنا، فما بقيتْ ولا انتقلت. بل انتقلتْ إلى أُناسٍ لا تربطُهم بالترابِ صِلَةُ الصداقةِ والقُرْبى. هؤلاءِ لم يذهبوا صغاراً إلى الكرْمِ ليملأوا السلّةَ بخمسةِ قروشٍ، ولم يجلسوا ظهراً في ظلالِ شجراتِ الزيتونِ العتيقةِ، ويأكلوا بشهيّةٍ من غيرِ أن يغسلوا أياديَهم من التراب. ولم يشربوا من النبعِ الذي ترتوي منه الطيورُ وكلُّ حيواناتِ البريّة. ولا حتى سمعوا بحكاياتِ الضباعِ وأغاني "شقفان العرايس".
مَن اشترى الكرْمَ مني لم يشترِه لنفسِه، بل لأقرباءٍ له في المهجرِ أرادوا أن يكونَ لهم كرْمٌ من الزيتونِ في خراجِ قريتِهم، فكان لهم ما أرادوا، لكن لا هم أتوا لرؤيتِه، ولا الذي اشتراه اهتمَّ به.
في بيروتَ ظننتُ أنني ابتعدتُ ونجوْتُ ونسيتُ، لكن ما اعتقدتُ أنني فررتُ منه، رأيتُه في المدينةِ ينتظرُني كأنني فررتُ إليه. كلُّ فلاحٍ كنتُ أراه يبيعُ نِتاجَ كرْمِه في السوقِ، كان يذكّرُني بأبي. وكلُّ امرأةٍ تبتسمُ في حانوتٍ لسائليها عن سعرِ زيتوناتِها، تشبهُ أمّي.
لا، لم أنجُ بنفسي كما اعتقدتُ عندما هبطتُ من القريةِ وقبعتُ في بيتي الصغيرِ في تلكَ المدينةِ الكبيرةِ التي لا أحدَ فيها يهتمُّ لأحد. الخُدوشُ التي خلّفَها شوكُ الكرْمِ في يدي، باتت جراحاً تنزفُ كلَّ يومٍ في داخلي. وحبّةُ الزيتونِ التي كانت ناصعةً حتى على الترابِ تحتَ غصنِها، أصبحت دميمةً في الصحنِ الأنيقِ على مائدتي. ونقطةُ الزيتِ التي كانت تضيءُ السراجَ، وتستقبلُ كلَّ مولودٍ أطلَّ على الدنيا، وتسهّلُ طريقَ السماءِ للمشرفين على الموتِ، وتدهنُ رغيفَ الخبزِ إذا عزَّ الإدامُ، باتت كالحنظلِ أغمِسُ فيه لُقمتي.
في القريةِ كانت المرارةُ تزرُعها فيَّ كلُّ عينٍ تنظرُ إليّ. أما في المدينةِ فأصبحت تنبَعُ من أعماقِ نفسي. بعضُ الناسِ يستطيعون بسهولةٍ أن يديروا ظهورَهم للماضي، ويمشوا في طريقهم كأن لا شيءَ وراءَهم. أما أنا، فلعلّةٍ وُلدتْ معي، لا أستطيع. إنها علّةُ الحنينِ الكامنةُ أبداً في قَعْرِ روحي لا أعرفُ متى تثورُ وكيفَ تهدأ. حنينٌ أشبهُ بحنينِ السحابةِ إلى البحرِ الذي خرجتْ منه. تتجمّعُ على نفسِها، ثم تتهالكُ عائدةً إليه لتفني نفسَها فيه. هكذا كان شوقي وحنيني في المدينةِ إلى قريتي، ودروبِها، وعينِ مياهِها، وكرْمِ الزيتونِ في واديها. أماكنُ لي في كلٍّ منها أيّامٌ صَعبةٌ وحكاياتٌ حزينةٌ لا أتمنّى العودةَ إليها لو كان باستطاعتي أن أعودَ، لكنها الآنَ ذكرياتٌ جميلةٌ تسكنُني.
* * *