eKtab
EN ع
من قضايا اللغة، والأدب، والنقد
اقرأ عينة مجانية

من قضايا اللغة، والأدب، والنقد

بقلم د. عيسى الناعوري

صفحة 1
الأدب والواقعية، والفن
 
في كتاب "سواد في بياض"، للأديبة الدمشقية الصديقة السيدة وداد سكاكيني محاسني، مقال بعنوان: "الأدب المكشوف"، تحدثت فيه حديثاً عابراً عن بعض ألوان الأدب ومذاهبه. ومما جاء فيه قولها:
 
"واشتطّت جماعة في مذهبها، ففرضت على التعبير قيوداً وحدوداً لا تعبأ بمسوّغات البيان، وكان دأبها الهبوط بمعاني الأدب ومثاليّته، إلى مشكلات الشعب ومعيشته. وأخذت هذه الطائفة تردد كلمة (الواقعية) في آثارها ودعوتها، فخلطت بين الموضوعية ومفهومها الخاص من الواقع الذي يقتصر على تصوير المجتمع بسواده وشعبيته، بحرمانه وهوانه، دون اكتراث للفن وقواعد التعبير وإطاره؛ وكأنّ الواقع البائس، والتبرّم الثائر ينبوان عن تذوّق الفن، والإحساس بالجمال، أو أنه تخلى في كفاحه اليومي عن مطالب النفس، حتى استغنى عن كلّ ما يخفّف عن متاعبه هموم العيش والروح (ص92).
 
قرأت هذا وابتسمت، لأن الذين يقولون مثل هذا – وأنا واحد منهم -أصبحوا اليوم جماعة ينكرها جيل الأدباء العرب اليوم، ويرون في تفكيرها "رجعيّة، وعمالة، وخيانة"، وخروجاً على مفاهيم العصر الأدبية، التي تنبع من الشعب، وتصبّ في الشعب"، والتي "تعيش كفاح الجماهير الكادحة"، وما إلى ذلك من التعابير العائمة الهائمة السائبة؛ فكأن معايشة الأدب للشعب والكفاح والجماهير، معناها جفاف الأدب من التعبير الجميل، وخلوّه من سحر الكلمة والعبارة، بل كأن "كفاح الشعب" يعني أن تجعل الشعب كلّه يحمل السلاح ويقتل، ويكون كله ثائراً، لا يعرف غير الصراع الطبقي، وغير الحقد والنقمة، وكأننا حين نضع في كلّ يد بندقية، نجعل الكلام الهائج وحده كل الأدب وكل الفن.
 
ثم إن هذه المدارس الفكرية، والمفاهيم الأدبية التي نتعامل بها، إنما نأخذها عن الغرب؛ ولكننا نأخذها (ألفاظاً) دون روح، وعبارات، وكليشيهات جامدة دون حياة.
 
إن الواقعية مدرسة أدبية أخذناها – كما أخذنا أشياء كثيرة غيرها – عن الغرب، ولكنا لم نأخذ معها روحها ومحتواها، بل اكتفينا بالكلمة، وفسّرناها على هوانا، حين لم نجد لدينا من لطف الحسّ ومن جمال الأسلوب ما يعيننا على أن نترسّمها حسّاً وروحاً – أي: نترسمها (فنّاً).
 
الواقعية، عندنا، معناها أن نقدّم شرائح من حياة الجماهير،، ومن حياة الكادحين والمتألمين والمناضلين، بعبارة جافة، وأسلوب سردي تقريري، خال من الروح التي تجعل الأدب أدباً، والفن فناً: يتغلغل في أعماق الحس، ويترك أقوى الانفعال بالكلمة والعبارة.
صفحة 2
الغربيون الذين نأخذ عنهم الاتجاهات والمدارس الأدبية والفنية، والذين ننقل أقوالهم أحياناً نقلاً ببغاوياً، دون أنْ نفهمه على وجهه الصحيح، كتبوا أدباً فنياً جميلاً وهم ينقلون أحاسيس الشعب، ويصوّرون حياته، ويعكسون أشواقه وآماله، وأفراحه وآلامه، ولم يقدموا لنا شرائح يابسة ميتة، لا تمضغها أسنان، ولا يبلعها حلقوم.
 
دوستويفسكي قدّم لنا أدباً جماهيرياً شعبياً، ومثله فعل تولستوي، وتورغينيف، وغوركي وباسترناك، وكذلك فعل إميل زولا، وفيكتور هيغو، وبلزاك وفلوبير، وكذلك جفواني فيرغا، وبيرانديللو، وغراتسيا ديليدا، ومثلهم فعل شكسبير، وغوته، وأعداد كبيرة من أعظم أدباء العالم. كلهم استوحوا أدبهم من صميم الحياة فناً جميلاً: التعبير الآسر، والصور الرائعة، والخيالات المحلّقة كانت تزوّق كل ريشة في أجنحتها، وتلون كل عبارة. ولهذا يقرأ القارئ الكتاب من أعمال هؤلاء العمالقة، ويشعر بأنه، وهو يعيش حياة الشعب، بكلّ ما فيها من المآسي، ومن قسوة الصراع اليومي للعيش، يستمتع وينعم بجمال الفن المتمثّل في العبارة، والصورة، والخيال، واللون، والنغمة الموسيقية في الكلام بعيداً عن الخطابية، والصيغ التقريرية في السرد، وفي ثنايا الكلام.
 
إنه يبكي لما يستوجب البكاء، وتهزّه نشوة الفرح لما يستوجب النشوة والفرح، ويثور لما يستوجب الثورة، وهو إنما يحسّ بذلك كله، ويفعل ذلك كلّه بسحر العبارة الفنية، والصورة الفنية، والتأثير الذي يتركه الكاتب البارع الفنان في نفس القارئ، وبما يستحوذ عليه من تناسق العمل الفني، ومن اكتمال عناصره.
 
وأساليب التعبير تختلف بين كاتب وكاتب، وبين شاعر وشاعر وهي تنبع من موهبة أصيلة، غذتها الثقافة الصحيحة، وصقلتها التجارب الإنسانية، فعمقت وتأصلت، وفاضت جمالاً ومتعة وخيراً.
 
رواية (الفهد) الإيطالية، مثلاً – وقد سعدت بأن ترجمتها بنفسي عن الإيطالية إلى العربية – تتحدث عن ثورة غاريبالدي لتوحيد إيطاليا، في منتصف القرن التاسع عشر. ولكنها تتحدث عن اضطراب الحياة، وهياج الجماهير، وعن الحرب، والدماء، وعن تغيّر طبقات المجتمع، بتدهور طبقة النبلاء القديمة، وظهور طبقة نبلاء غيرها من الأسر الشعبية الكادحة. ومع كل ذلك فإن الرواية تمتع القارئ وتجعله ينفعل بالأحداث انفعالاً عميقاً، ويشارك الأشخاص أحاسيسهم وانفعالاتهم، وذلك بفعل سحر العبارة، وجمال الأسلوب الفني المتماسك المتناسق الذي يقدم به المؤلف أحداثه وشخوصه فهو لا يعتمد الأسلوب المباشر، ولا السرد الجاف للأحداث، ولا التقديم الباهت للأشخاص وأحاسيسهم وانفعالاتهم.
صفحة 3
وتقرأ كذلك روايتي الكاتب الإيطالي الواقعي جوفاني فيرغا: (المعلم السيد جيزوالدو – وأسرة مالافوليا) وهما من أهم الروايات الواقعية التي ظهرت في إيطاليا في الربع الأول من هذا القرن العشرين، فتدهشك مقدرة الكاتب الفنية على معالجة الكفاح المرير في حياة المعلم جيزوالدو وأسرة مالافوليا، وما عانوه من فقر شنيع، كان يسوق المعلم جيزوالدو، والأسرة البائسة بسياط من لبيب، وصمودهم العجيب في الكفاح، رغم المآسي الشديدة التي تواردت عليهم.
 
كلّ هذا من الأدب الواقعي الذي يصوّر كفاح الجماهير الشعبية الفقيرة المتألمة. ولكنه وهو يصور كل ذلك، لا يقدمه في سرد جاف مباشر، يقتل الرغبة في القراءة، بل في أسلوب مؤثر: للكلمة فيه سحرها، وللعبارة فيه أسرها، وللفقرة فيه تأثيرها القوي، بالصورة المعبرة بقوة، وبالخيال الذي يلوّن حقيقة الواقع فيشعر القارئ بأنه يعيش حياة الشخوص وانفعالاتهم، وتتعاقب عليه الأحداث عينها التي تتعاقب عليهم، وتتحلّل أحاسيسه وانفعالاته في تحليل أحاسيسهم وانفعالاتهم.
 
كذلك يفهم الغربيون الواقعة الأدبية، وكذلك يمارسونها. أفنفهمها نحن ونمارسها كذلك؟ أم أن الواقعية عندنا هي رمي (الدبش) في الكلمات، باعتبار أن الواقعية لا تعرف التزويق والتلوين والخيالات، ولا تؤمن بسحر الكلمة، ولا أسر العبارة، ولا تناسق العمل الفني.
 
وشكراً للصديقة السيدة وداد سكاكيني محاسني التي أوحى إليّ كتابها "سواد في بياض" بهذا المقال.
صفحة 4
جولات حرة مع رباعيات عمر الخيام
 
يحار المرء وهو يقرأ رباعيات عمر الخيام في ترجماتها المختلفة: العربية والغربية، في كثرة عدد هذه الرباعيات لدى البعض، وقلّتها لدى البعض الآخر. ويحار كذلك وهو يرى الكثير من هذه الرباعيات مكرراً مراراً كثيرة بمعناه، أو بمعناه ولفظه تقريباً. ولست أعرف كتاباً ضاع فيه الأصل، وكثرت الروايات، وتعددت الآراء، مثل رباعيات عمر الخيام.
 
وأمامي الآن، وأنا أكتب هذه الجولة، ثلاث ترجمات عربية للرباعيات، هي: ترجمة وديع البستاني – وقد جاءت على شكل سباعيات – ويقال أنها أفضل الترجمات العربية، وترجمة أحمد رامي، وترجمة إبراهيم العريض.
 
وكانت لديّ من قبل كذلك ترجمات السباعي، وأحمد الصافي النجفي – وهذه عندي أجود هذه الترجمات عبارة وصياغة – وترجمة فرح، وترجمة مصطفى وهبي التل – وهما نثريّتان – ومن الترجمات الأجنبية كانت لديّ ترجمة فتزجرالد، الإنجليزية – ويقال أنها أجود الترجمات في كلّ اللغات – وترجمة ألمانية، وأخرى فرنسية، وواحدة بالأصل الفارسي. وكل واحدة من هذه الترجمات تختلف عن الأخرى اختلافاً كثيراً أو قليلاً، من حيث أداء المعنى الأصلي.
 
ومثلما تختلف الأصول التي أخذ عنها المترجمون، من حيث الكثرة أو القلة، ومن حيث التكرار الكثير أو القليل، يختلف قرب المترجمين أو بعدهم عن المعنى الأصلي، لكثرة تصرفهم أو قلّته في معنى الأصل الذي ترجموا عنه.
 
أما الاختلاف في عدد الرباعيات فقد قيل في تفسيره الشيء الكثير؛ ولكننا نلخصه فيما يلي:
 
1- "كان عمر يرسل هذه الرباعيات في خلوته، ثم ينشدها لأصحابه في المجالس، فتحفظ وتنشر.. وإنما ضاع الكثير من هذه الرباعيات لعدم تشجيع النسّاخ لآرائه الجريئة، وضاعت مخطوطاتها، لأن نيسابور – بلد الخيّام – تعرضت، بعد موت عمر، للغزو والإحراق على يد المغول والتتار. وتناقلتها الألسنة حتى دخلها التحوير والتبديل. وتعاقب عليها النسّاخ، فغيّروا الكثير من معالمها، ودسّوا في شعره من شعر غيره، وأثبتوا له من القول ما برئ منه لسانه. (أحمد رامي، ص21/22).
 
2- "بعض المنحول من رباعياته دسه عمداً في شعره خصومه ومخالفوه.. فلإثارة الفتنة عليه من العوام، دُسّ في شعره هذا الذي، وإن كان يشبه رباعياته من بعض الوجوه، إلا أن عدم المبالاة فيه بما يقدمه الناس من دين، أشد بروزاً.. والبعض الآخر نسبه إليه سهواً بعض ناسخي رباعياته، لمشابهته لأغراضها ومعانيها من وجوه عدّة، وأحياناً لمجرد تشابه الأوزان" (إبراهيم العريض، ص19/20).
صفحة 5
3- "لم يُعثَر بعد على النسخة الأصلية من الرباعيات. وأقدم نسخة هي المنسوبة إلى السير أوسلي، في مكتبة بولدوين، في أكسفورد، وفيها 158 رباعية فقط. وفي كمبردج نسخة أخرى فيها 800 رباعية ورباعية، وفي المكتبة الأهلية في باريس نسخة تتضمن 349 رباعية. وفي المكتبة العمومية في بنكيبور نسخة، عدد رباعياتها 604، وهناك نسخ كثيرة مختلفة في عدد رباعياتها، منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر" (البستاني، ص24/25).
 
4- "في عام 1892 ظهر مقال للمستشرق الروسي كراشكوفسكي، أثبت فيه أن 82 رباعية منسوبة إلى الخيام واردة في دواوين غيره من شعراء الفرس، ونحو نصف هذا العدد لثلاثة من كبارهم، وهم: فريد الدين العطّار، وحافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وأما النصف الآخر فإنه لأربعين آخرين من الشعراء.. أما عدد الرباعيات المنسوبة إلى الخيام فيصل إلى 1200 رباعية، في حين أن الرباعيات التي لا ريب في نسبتها إليه لا تزيد على إحدى عشرة رباعية.. الأنصار والخصوم هم الذين نسبوا إليه رباعيات ليست له" (البستاني، ص25/26).
 
***
 
هذه الأقوال وحدها، لثلاثة من مترجمي الرباعيات العرب، كافية للدلالة على مدى ما لحق برباعيات الخيام من تحوير وتبديل، ومن زيادة وتضخيم على مدى العصور، سواء من أنصاره ومحبيه، أم من أعدائه وشانئيه.
 
ولم يكن الخيّام شاعراً فحسب، وإن تكن رباعياته الشعرية قد نالت شهرة تكاد لا تضاهيها شهرة، سواء في الغرب أم في الشرق. لقد كان رياضياً وفلكياً في الدرجة الأولى، وكانت له في ذلك مكانة كبيرة في بلده وفي عصره. ولكن شهرته الرياضية والفلكية تضاءلت، وكادت تضيع، أمام الشهرة الواسعة الطاغية التي بلغتها رباعياته: الداعرة منها والعفيفة، والكافرة والمؤمنة، والسكرى منها والصاحية على السواء، بل لعل الكفر والخمرة وقلة العفة في تلك الرباعيات المنسوبة إليه، كانت السبب الأكبر في شهرة الرباعيات وسعة انتشارها.
 
ولكن حيرة القارئ لا تقتصر على عدد الرباعيات – بل تتعداها إلى أسلوب هذه الرباعيات في ترجماتها المتعددة، وكذلك إلى ترتيب هذه الرباعيات. وحسبنا الترجمات العربية منها في هذا المقام. وسأقتصر في تقديم النماذج على ترجمات وديع البستاني – وهي عن ترجمة فتزجوالد الإنجليزية – وأحمد رامي، وإبراهيم العريّض، وهما ترجمتان عن الفارسية مباشرة.
صفحة 6
قلت في ما تقدم أن وديع البستاني قد جعل رباعيات الخيام سباعيات، في حين أن إبراهيم العريض وأحمد رامي جعلاها رباعيات، كما في الأصل.
 
السباعيّة الأولى لدى البستاني هي:
 
بِتُّ في حانتي سفير المدام
 
وقيل انهزام جند الظلام
 
هتف الطيف بالندامى النيام:
 
أيها الغافلون هبّوا قياما
 
وارشفوها، وودعوا الأياما
 
قبل أن تجرعوا كؤوس المنايا
 
وتعافوا، والخمر عزّت شرابا
 
والرباعية الأولى عند أحمد رامي هي:
 
سمعت صوتاً هاتفاً في السحر نادى
 
من ألحان الغيب: غُفاة البشر
 
هبّوا، املأوا كأس الطلاى المنى
 
قبل أن تفعم كأسَ العمر كفُّ القدر
 
ولدى إبراهيم العريّض
 
أفق يا نديم، استهلّ الصباح
 
وباكر صبوحك نخب الملاح
 
فمكثك بين الندامى قلي
 
ولا رجعة لك بعد الرواح
صفحة 7
لكن الرباعية الثانية لدى العريض هي التي تقرب في معناها من معنى الرباعية الأولى لدى أحمد رامي، ويبدو فيها شيء يشبه بعض سباعية البستاني، وهي:
 
لقد صاح بي هاتف في السبات:
 
أفيقوا لرشف الطلى يا غفاة
 
فما حقّق الحلم مثل الحباب
 
ولا جدّد العمر مثل السقاة
 
***
 
وحين نصل إلى الرباعية الأخيرة لدى العريّض، نجدها كما يلي:
 
فإن طفت بالكأس بعدي مرة
 
على المحتفين بعود وخمرة
 
وحولك زهر زكي شذاه
 
فَعِل لحظة، وأرق لي قطرة
 
وهي عند أحمد رامي:
 
يا عالم الأسرار علم اليقين
 
يا كاشف الضر عن البائسين
 
يا قابل الأعذار، فئنا إلى
 
ظلك، فاقبل توبة التائبين
 
***
 
إن هاتين الرباعيتين مختلفتان كل الاختلاف: فبينما الرباعية لدى العريض حصرية، نجدها عند رامي صوفية، فيها إيمان وتوبة.
 
أما عند البستاني فقد جاءت السباعية الأخيرة كما يلي:
 
يا نديمي وطال عمر النديم
 
بدموع العذراء بنت الكروم
صفحة 8
جولات حرة
 
في ذكرياتي مع محمود سيف الدين الإيراني
 
بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة المرحوم محمود سيف الدين الإيراني، خاطبني الصديق خليل السواحري بالهاتف، طالباً إليّ أن تكون جولتي لهذا الأسبوع عن ذكرياتي مع المرحوم الإيراني. فكدت أن لا أصدق ما أسمع: أحقاً مضت عشر سنوات على وفاة الإيراني؟
 
ما أسرع ما تمرّ الأيام، وكأنّ الذي كان ما كان، وكأنّ كل ما في الوجود سراب وقبض ريح! ورأيتني أتساءل في لحظة عابرة خاطفة: كم سنة طالت صلتي بالإيراني؟ إنّني أريد أن أجيب إلى طلب أبي عروة بأن أكتب للدستور العزيزة، وفي هذه الجولات الحرة، أشياء مما كان بين الإيراني وبيني وقد كان بينه وبيني مودة، لم تلبث أن انتقلت منه ومنّي إلى أسرتينا، فكانت بيننا زيارات متبادلة كثيرة. ثم لا أدري لماذا شاءت الظروف أن تكدّر علاقاتنا في الأعوام الأخيرة من عمره، حتى قضى، وفي نفس كل منا على الآخر حزازات، يشهد الله أنني لم أكن سبباً فيها، أو – إن كنت – لم أتعمد قط أن أكون سبباً فيها.
 
أول ما عرفت الإيراني أديباً – وكان يكبرني بستّ سنوات أو سبع، فهو مولود عام 1912، وأنا عام 1918 – كان في فلسطين، وكنت أعمل معلماً في القدس، وكان الإيراني يصدر في يافا مجلة (الفكر). وكنت أقرأ (الفجر)، وأتتبع أعدادها خلال الفترتين القصيرتين اللتين صدرت فيهما. ثم قرأت كتاب الإيراني الأول (أول الشوط)، حين صدوره عام 1937، وكان يحتوي على مجموعة صغيرة من أقاصيص الإيراني، ومعها عدد من الدراسات والبحوث الأدبية. وكان الإيراني من الرعيل الأول من أدباء فلسطين الذين كانوا على اطلاع على الأدب الفرنسي، وعلى أشياء من الأدب الروسي والأدب الإنجليزي. وأعجبت بهذه البحوث التي وجدت فيها ثقافة حقيقية، تتجاوز حدود آداب اللغة العربية وحدها، وتتصل بآداب الشعوب الحية الأخرى. لقد كان الإيراني – وهو خريج مدرسة الفرير – يجيد الفرنسية، و – إلى حد دون ذلك – يعرف الإنجليزية. وعن طريق الفرنسية اطّلع على أدب عمالقة الروس، وعلى الأخص دوستويفسكي. والأديب – في يقيني – لا يكون مثقفاً ثقافة حقيقية إنْ لم يُجد لغة أجنبية واحدة على الأقل، يطلّ منها على آداب الغرب المتقدمة الحية.
 
إلى هنا لم أكن أعرف الإيراني بشخصه، ولا أتيح لي أن أعرفه حين كنت أزور يافا، وألتقي أحياناً بمصطفى الدباغ، ومحمود الحوت، ومحمود الأفغاني، من أدباء يافا البارزين في تلك الأيام.
صفحة 9
ثم كانت النكبة الفلسطينية عام 1948، وكان الإيراني قد غادر يافا منذ عام 1941، وجاء يعمل في شرقي الأردن. وغادرت أنا القدس مع من غادروها من اللاجئين عام 1948 إلى شرقي الأردن – بلدي الأصلي – وهنا، في عمان، لقيت الإيراني أول مرة، وأذكر أن لقاءنا ذاك كان أمام (مقهى البرازيل) – مبنى البنك العربي اليوم – ثم تكررت اللقاءات بعد ذلك، حتى تحول الأمر إلى مودة بيننا، وإلى احترام متبادل.
 
كنت أقدر ثقافته ومقدرته الأدبية – في القصة القصيرة وفي المقال - وكان يبادلني هذا التقدير الأدبي.
 
وتزاملنا في العمل في وزارة التربية والتعليم منذ أواسط عام 1954، وزادت هذه الزمالة من عرى الصداقة بيننا، كما زاد عنها الجوار – فقد كنا – في فترة من الزمن – نقيم معاً في جبل الحسين، وكانت الزيارات متواترة بين أسرتينا. وفي هذه الفترة رأيت أن أعقد ندوات أدبية في بيتي مرة في كل أسبوع. وكان الإيراني، وأمين فارس ملحس، وعبد الرحيم عمر من روادها الدائمين. واتسعت الندوة حيناً، ولكنها لم تعمر طويلاً، أسابيع قليلة ثم تتبعثر – كما يتبعثر كل شيء جميل عندنا، فنحن أمة تكره الاتفاق الطويل المدى، في جميع أمورها.
 
خلال مدة صداقتنا، صدرت جميع مؤلفات الإيراني، بعقد (أول الشوط): من (مع الناس) عام 1955 إلى (أصابع في الظلام) – آخر مجموعات الإيراني القصصية – وصدرت لي في هذه الفترة مؤلفات كذلك. وكنت أكتب عن مؤلفاته، وكان يكتب عن مؤلفاتي. وكان مما كتبه دراسة تحليلية جيدة عن روايتي (بيت وراء الحدود)، نشرها في جريدة (الحياة) البيروتية، واعتبر الرواية فيها من أجود ما صدر في الرواية العربية، إذ قال: "... تقف قصة بيت وراء الحدود بين أحسن القصص في أدبنا الحديث" (جريدة الحياة، بيروت - العدد 4015 بتاريخ 28/5/1959).
 
ولست أريد أن أحلل أعمال الإيراني القصصية الآن، فقد وقفت عليها في دراسة طويلة في كتابي (نحو نقد أدبي معاصر)، الذي صدر في منشورات الدار العربية للكتاب (تونس / ليبيا) عام 1981، وكانت هذه الدراسة قد نشرت أولاً في مجلة (الفجر الاقتصادي) في عمان. فليرجع من شاء إلى تلك الدراسة في مكانها من الكتاب، فلن أستطيع أن أضيف إليها شيئاً جديداً في تحليل أعمال الإيراني القصصية، ولكنني أقتصر ههنا على ما كان بين الإيراني وبيني.
 
وفي عام 1960 أتيحت لي فرصة لزيارة إيطاليا، في بعثة أدبية من اليونسكو لمدة ستة أشهر، في برنامج كان يدعى (برنامج التبادل الثقافي بين الشرق والغرب)، وأتيحت للإيراني فرصة (حلم العمر) لزيارة باريس مدة أربعة أشهر، في برنامج خاص بوزارة التربية والتعليم التي كنا نعمل فيها معاً.
 
في إيطاليا كان همي أن أتعرف بالكتّاب والشعراء البارزين، وبالحركة الأدبية الإيطالية الحاضرة، سواء عن طريق دور النشر، أم عن طريق الصحف والمجلات الأدبية، والمحافل الفكرية. وقد وُطّدت علاقات صداقة مع أكبر أدباء إيطاليا وشعرائها – مما كان يحسدني عليه الكثير من الأدباء الإيطاليين أنفسهم -، وتعرفت فعلاً على الأجواء الأدبية، وعلى نخبة المستشرقين والمستعربين هناك، في جميع المدن الإيطالية، وعدت بثروة ضخمة من الصداقات التي أعتز بها فعلاً.
صفحة 10
وفي فرنسا لم يحاول الإيراني أن يتقرب إلى الأجواء الأدبية، أو يعرف أحداً من الأدباء والشعراء، أو يطّلع على الحركة الأدبية المعاصرة. وأشهد أن الإيراني كان يومئذ يجيد الفرنسية أفضل كثيراً من معرفتي للغة الإيطالية، وكان ذلك يسمح له بسهولة أن يتعرّف بأكبر أدباء فرنسا وشعرائها لو أراد. ولكنه أكد لي – بعد عودتنا – أنه لم يقم بأية محاولة من هذا النوع، وأنه عاد من فرنسا مثلما ذهب، لم يعرف غير باريس، في نهارها وليلها، ولم يحاول أن يوطّد فيها أية صداقة، أدبية أو غيرها.
 
وحكيت له حكاية علاقاتي الأدبية الكثيرة جداً في إيطاليا، مع أدباء من كل الأجيال، نتيجة الجولة الواسعة التي قمت بها في جميع أنحاء إيطاليا: بالقطار حيناً، وبالطائرة حيناً، وبالباخرة حيناً ثالثاً، ونتيجة لزياراتي للكثيرين من أعلام الأدباء والمستشرقين في بيوتهم ومكاتبهم ومعاهدهم.
 
وفجأة، ودون أن يخطر ببالي أنَّ مثل هذا الحديث يثير شجوناً في نفس الإيراني، قال أبو روشن: "انته أناني يا أبو سمير!" فسألته مبهوتاً: "ليش يا أبو روشن؟" فقال: "بتعرّف بنفسك في الغرب وما بتعرّف بغيرك".
 
لقد فاجأني هذا الرد من الإيراني، فقلت له: "يا أبا روشن! أنت تعرف الفرنسية أفضل من معرفتي بالإيطالية، والفرنسية لغة واسعة الانتشار، أكثر كثيراً من الإيطالية. وكنت في فرنسا أربعة أشهر، وكان في وسعك أن تعرّف بنفسك في فرنسا كما عرفتُ بنفسي في إيطاليا، كما كان في وسعك أن توطد العلاقات مع أدباء فرنسا وصحافتها، كما فعلت أنا في إيطاليا، وأن تترجم من أدبك ما شئت إلى الفرنسية، فيعرفك الناس هناك. فلماذا لم تفعل شيئاً من هذا كما فعلت أنا في إيطاليا؟
 
ومنذ ذلك الحين صرت أحسّ بأن صلة أبي روشن بي قد أخذت تختلف، وبدأ يصيبها الفتور. وحسبت أن الأيام ثقيلة بأن تعيد الصلة كما كانت ولكنني كنت مخطئاً.
 
وجاءت مناسبة تلفزيونية، فقد دعي الإيراني، وأمين فارس ملحس، والدكتور نهاد الموسى من أساتذة الجامعة الأردنية، إلى تقديم كتابي (أدب المهجر) في برنامج (من المكتبة)، الذي كانت تديره الآنسة زاهية عنا. فاغتنم الإيراني الفرصة، وعدم وجودي بين المشاركين في الندوة للدفاع عن نفسي، وتوضيح بعض ما يحتاج إلى توضيح، وراح يحرق الكتاب بنقده اللاذع، وباتهاماته التي لم تقف عند حد، وذلك بعد أن قال إن هذا الكتاب أفضل ما كتبه الناعوري". وما دام هذا أفضل كتاب لي، وهذا رأي الإيراني فيه، فأنا إذن لست من الأدب في كثير ولا قليل، ولم أكتب في كل ما صدر لي من أعمال أدبية غير التفاهات الفارغة..
 
ومرّ الأمر لم أرد عليه.