eKtab
EN ع
من وحي القلم
اقرأ عينة مجانية

من وحي القلم

بقلم مصطفى صادق الرافعي

صفحة 1
من وحي قلم الرافعي
 
أيهـا البحـر ..
 
إذا احتَدَمَ الصيفُ، جعَلتَ أنت أيها البحرُ للزمنِ فصلاً جديداً يُسمَى "الربيعَ المائي ".
 
وتنتقِلُ إلى أيامِك أرواحُ الحدائق، فتَنبُتُ في الزمنِ بعضُ الساعاتِ الشهيةِ كأنها الثمرُ الحُلوُ الناضجُ على شجرِه.
 
ويُوحي لونُكَ الأزرقُ إلى النفوسِ ما كانَ يُوحيهِ لونُ الربيعِ الأخضر، إِلا أتَه أرق وألطف.
 
ويرى الشعراءُ في ساحلِكَ مثلَ ما يرَونَ في أرضِ الربيع، أنوثة ظاهرة، غيرَ أنها تلِدُ المعانيَ لا النبات.
 
ويُحِسُّ العشاقُ عندَك ما يُحسونَهُ في الربيع: أنَّ الهواءَ يتأؤَه...
 
****
 
في الربيع، يتحّركُ في الدمِ البشري سرُّ هذِه الأرض، وعندَ "الربيعِ المائي " يتحزكُ في الدمِ سزُ هذهِ السحب.
 
نوعانِ مِنَ الخمرِ في هواءِ الربيعِ وهواءِ البحر، يكونُ منهما سكر واحدٌ مِنَ الطرَب. وبالربيعَينِ الأخضرِ والأزرقِ ينفتحُ بابانِ للعالمِ السحري العجيب: عالمِ الجمالِ الأرضيّ الذي تدخلُهُ الروحُ الإنسانيةُ كما يدخلُ القلبُ المحب في شعاعِ ابتسامةٍ ومعناها.
 
***
 
في "الربيع المائي"، يجلسُ المرء، وكأنه جالسٌ في سحابةِ لا في الأرض.
 
ويشعرُ كأنهُ لابسْ ثياباً مِنَ الظلّ لا مِنَ القُماش، ويجدُ الهواءَ قد تنزهَ عن أن يكونَ هواءَ التراب.
 
وتَخِفُّ على نفسِهِ الأشياء، كأنَّ بعضَ المعاني الأرضيةِ انتُزِعتْ مِنَ المادة.
 
وهنا يُدركُ الحقيقة: أن السرورَ إِنْ هو إِلا تنبهُ معاني الطبيعةِ في القلب.
 
وللشمسِ هنا معنًى جديد ليسَ لها هناك في "دنيا الرزق ".
 
تُشرِق الشمسُ هنا على الجسم، أما هناك فكأنما تطلُعُ وتَغرُبُ على الأعمالِ التي يعملُ الجسمُ فيها.
 
تطلعُ هناك على ديوانِ الموظفِ لا الموظف، وعلى حانوتِ التاجرِ لا التاجر، وعلى مصنَعِ العاملِ، ومدرسةِ التلميذِ، ودارِ المرأة.
 
تطلُعُ الشمسُ هناك بِالنور، ولكنَّ الناسَ- وا أسفاه- يكونونَ في ساعاتِهمُ المظلمة...
 
الشمسُ هنا جديدة، تُثبِتُ أنَّ الجديدَ في الطبيعةِ هو الجديدُ في كيفيةِ شعورِ النفسِ به.
صفحة 2
والقمرُ زاهٍ رفاف مِنَ الحُسن، كاْنهُ اغتسلَ وخرجَ مِنَ البحر.
 
أو كأتهُ ليس قمراً، بل هو فجرٌ طلَعَ في أوائلِ الليل، فحصرَتْهُ السماءُ في مكانِه ليستمرَ الليل.
 
فجرٌ لا يُوقِظُ العيونَ من أحلامِها، ولكنه يُوقِظُ الأرواحَ لأحلامِها.
 
ويُلقي من سحرِهِ على النجومِ فلا تظهرُ حولَهُ إِلَأ مُستَبهِمَةَ كأنها أحلائم معلقة.
 
للقمرِ هنا طريقةْ في إبهاجِ النفسِ الشاعرة، كطريقةِ الوجهِ المعشوقِ حينَ تقبلُهُ أولَ مرة.
 
****
 
و"للربيعِ المائي" طيورُهُ المغزدةُ وفَراشُهُ المتنقل:
 
افا الطيورُ فنساغ يَتَضَاحَكنَ، وأما الفَراشُ فأطفال يتواثبون.
 
نساءٌ إذا اَنغَمسنَ في البحر، خُيلَ إليّ أنَّ الأمواجَ تَتَشاحَنُ و تتخاصم على بعضهن...
 
رأيتُ منهُن زهراءَ فاتنةً قد جلسَت على الرملِ جِلْسَةَ حوّاءَ قبلَ اَختراعِ الثياب، فقالَ البحر: يا إلهي! قدِ اَنتقلَ معنى الغَرَق إلى الشاطىء...
 
إِن الغريقَ مَن غَرِقَ في مَوجةِ الرملِ هذه...
 
*****
 
والأطفالُ يلعبونَ ويصرخُونَ ويضِجونَ كأَنَّما أتسعَت لهُمُ الحياةُ والدنيا.
 
وخُيلَ إليهم أئهم أقلقوا البحرَ كما يُقلقونَ الذار، فصاحَ بهم: وَيْحَكُم يا أسماكَ التراب...! ورأيتُ طفلأ منهم قد جاءَ فَوَكَزَ البحرَ برِجلِهِ! فضحِكَ البحرُ وقال: اَنظروا يا بني آدم!!
 
أعَلى اللهِ أن يَغبَأَ بالمغرورِ منكم إذا كَفَرَ بِه؟ أعَلَيّ أنْ أعبأَ بهذا الطفلِ
 
كيلا يقولَ إِئه ركلَني برجلِه...؟
 
أَيها البحر، قد ملأتك قوةُ اللَّهِ لتُثبِتَ فراغَ الأرضِ لأَهلِ الأرض.
 
ليسَ فيك ممالِكُ ولا حدود، وليس عليك سلطان لهذا الإنسانِ المغرور.
 
وتجيشُ بِالناسِ وبِالسفُنِ العظيمة، كائكَ تحملُ من هؤلاءِ وهؤلاءِ قشا ترَمي به. والاختراعُ الإنسانيُ مهما عَظُمَ لا يُقني الإنسانَ فيك عن إيمانِه.
 
وأنت تملأُ ثلاثةَ أرباعِ الأرضِ بالعظمَةِ والهَول، ردا على عَظمةِ الإنسانِ وهولِهِ في الربعِ الباقي، ما أعظمَ الإنسانَ وأصغَرَه!
 
***
 
ينزل في الناسِ ماؤك فيتساوَون حتى لا يختلفَ ظاهر عن ظاهر.
 
ويركبونَ ظهرَك في السفُنِ فيحِنُ بعضُهم إلى بعضِ حتى لا يختلفَ باطن عن باطن. تُشعرُهم جميعاً انهم خرجوا مِنَ الكُرَةِ الأرضية ومِن أحكامِها الباطِلة.
 
وتُفقرُهم إلى الحب والصداقةِ فقراَ يُريهمُ النجومَ نفسَها كانها أصدقاء، إذ عرفوها في الأرض.
 
يا سحرَ الخوف، أنت أنت في اللجَّةِ كما أنت أنت في جهنم.
صفحة 3
وإذا ركبَك المُلحِدُ أيها البحر، فرَجَقتَ من تحتِه، وهَدَزتَ عليه وثُرتَ بِه، وأرْيتَة رأيَ العين كأنهُ بين سماءينِ ستنطبقُ إحداهُما على الأخرى فَتُقفَلانِ عليه - تركْتَه يَتَطأطَأُ ويَتَواضع، كائكَ تهزُّهُ وتهز أفكارَه معاَ، وتُدَحرِجُهُ وتُدحرُجُها. وأطَرتَ كل ما في عقلِهِ فيلجأُ إلى اللهِ بعقلِ طِفل.
 
وكشفتَ له عنِ الحقيقة: أن نسيانَ اللهِ ليسَ عمَلَ العقل، ولكنهُ عملُ الغَفلةِ والأمنِ وطولِ السلامة.
 
***
 
ألا ما أشبَهَ الإنسانَ في الحياةِ بِالسفينةِ في أمواجِ هذا البحر!
 
إنِ أرتفعَتِ السفينةُ، أوِ اَنخفضت، أو مادَتْ ، فليسَ ذلك منها وحدَها، بل مما حولَها.
 
ولن تستطيعَ هذهِ السفينةُ أن تملِكَ من قانونِ ما حولَها شيئاَ، ولكنَّ قانونَها هوَ الثباتُ، والتوازنُ، والاهتداءُ إلى قصدِها، ونجاتُها في قانونِها.
 
فلا يَعتِبَنَّ الإنسانُ على الدنيا وأحكامِها، ولكق فَلْيَجتهذ أن يحكمَ نفسَه.
صفحة 4
في الربيع الأزرق
 
ما أجملَ الأرضَ على حاشيةِ الأزرقَينِ البحرِ والسماء، يكادُ الجالسُ هنا يظنُّ نفسَه مرسومأ في صورةٍ إلهية.
 
***
 
نظرتُ إلى هذا البحرِ العظيم بعينَي طفل يتخيَّلُ أن البحرَ قد مُلِىءَ بالأمس، وأن السماءَ كانَتا إناءً له، فاتكفأَ الإناءُ فأندفَقَ البحر، وتَسرَحْتُ مع هذا الخيالِ الطفلي الصغيرِ فكأنما نالني رَشاش مِنَ الإناءِ....
 
إننا لن نُدركَ رَوعةَ الجمالِ في الطبيعةِ إِلا إذا كانَتِ النفسُ قريبةَ من طفولَتِها، ومرَحِ الطفولةِ، ولَعبِها، وهَذَيانِها.
 
تبدو لك السماءُ على البحر ِأعظمَ مِما هي، كما لوكنْتَ تنظُر إليها مِنْ سماءٍ أخرى لا مِنَ الأرض.
 
***
 
إذا أنا سافرْتُ فجِئْتُ إلى البحر، أو نزلتُ بِالصحراء، أو حلَلْتُ بِالجبل، شعَرْتُ أولَ وَهْلَةِ من دهشةِ السرورِ بِما كنْتُ أشَعرُ بمثلِهِ لو أن الجبلَ أوِ الصَّحراءَ أوِ البحرَ قد سافَرَت هي وجاءَتْ إِلي.
 
في جمالِ النفسِ يكونُ كل شيءٍ جميلاً، إذْ تُلقي النفسُ عليهِ من ألوانِها، فتنقلِبُ الدارُ الصغيرةُ قصراً لأَئها في سَعَةِ النفسِ لا في مساحتِها هي، وتَعرِفُ لِنورِ النهارِ عُذوبةَ كعذوبةِ الماءِ على الظمأ، ويظهرُ الليلُ كأَئه معرضُ جواهرَ أُقيمَ للحورِ العِينِ في السماوات، ويبدو الفجرُ بألوانِهِ وأنوارِهِ ونسماتِهِ كأنهُ جنة سابحةْ في الهواء.
 
في جمالِ النفسِ ترى الجمالَ ضرورةَ من ضروراتِ الخليقة، وَي كأنَّ اللهَ أمرَ العالَمَ أَلأ يَعبَسَ للقلبِ المبتسم.
 
***
 
أيامُ المصِيفِ هي الأيامُ التي ينطلقُ فيها الإنسانُ الطبيعيُّ المحبوسُ في الإنسان، فيرتذ إلى دهرِهِ الأول، دهرِ الغاباتِ والبحارِ والجبال.
 
إن لم تكُن أيامُ المصيفِ بمثلِ هذا المعنى، لم يكُن فيها معنًى.
 
***
 
ليَستِ اَللذةُ في الراحةِ ولا الفراغ، ولكنها في التعبِ والكَدحِ والمشقةِ حينَ تتحولُ أياماً إلى راحةٍ وفراغ.
 
***
 
لا تتمُ فائدةُ اَلانتقالِ من بلدِ إلى بلد إِلا إذا انتقَلتِ النفسُ من شعورٍ إلى شعور، فإذا سافَرَ معكَ الهُم فأنت مقيم لم تَبَرح.
 
***
 
الحياةُ في المصيفِ تُثبِتُ للإنسانِ انها إِنَّما تكونُ حيثُ لا يُحفَلُ بها كثيراً.
 
***
 
يشعرُ المرءُ في المُدُنِ أنهُ بينَ آثارِ الإنسانِ وأعمالِه، فهو في رُوحِ العَناءِ والكَذحِ والنزاع، أما في الطبيعةِ فيُحِس أنَّهُ بينَ الجمالِ والعجائبِ الإلهية، فهو هنا في رُوحِ اللذةِ والسرورِ والجلال.
صفحة 5
إذا كنتَ في أيام الطبيعةِ فَاَجعل فِكرَك خالياً وفَرّغهُ للنبتِ والشجر، والحجَرِ والمَدَر، والطيرِ والحيوان، والزهرِ والعُشب، والماءِ والسَّماء، ونورِ النهار، وظلامِ الليل، حينئذٍ يَفتحُ العالَمُ بابَهُ ويقول: ادخل...
 
***
 
لُطفُ الجمال صورة أخرى من عَظَمةِ الجمال، عرفتُ ذلك حينَما أبصَزتُ قطرةً منَ الماء تلمعُ في غصن، فخُيلَ إِلي أن لها عَظمَةَ البحرِ لو صَغُرَ فعُلقَ على ورقة.
 
***
 
في لحظةٍ مِنَ لحظاتِ الجسدِ الروحانيةِ حينَ يفورُ شِعرُ الجمالِ في الدم، أطَفتُ النظرَ إلى وردةٍ في غُصنِها زاهيةِ عَطِرة، متأنقة، متأتثَة، فكِذتُ أقولُ لها: أنتِ أيِتُها المرأة، أنتِ يا فلانة....
 
***
 
أليسَ عجيبأ أن كل إنسانِ يرى في الأرضِ بعضَ الأمكنةِ كأنها أمكنةٌ للروح خاصة، فهل يدل هذا على شيءٍ إِلا أن خيالَ الجنةِ منذُ اَدمَ وحواء، لا يزالُ يعمل في النفسِ الإنسانية؟
 
***
 
الحياة في المدينةِ كشُرب الماءِ في كُوب مِنَ الخَزَف، والحياةُ في الطبيعةِ كَشُرب الماءِ في كُوبٍ مِنَ البَلورِ الساطعَ، ذاك يحتويً الماءَ وهذا يحتويه وُيبدي جمالَه لِلعين.
 
***
 
وا أسفاه، هذه هي الحقيقة: إِن دِقةَ الفهمِ لِلحياةِ تُفسدُها على صاحبِها كدقةِ الفهمِ للحُبّ، وإِن العقلَ الصغيرَ في فهمِهِ لِلْحُسب والحياة، هو العقل الكاملُ في اَلتذاذِ بهما. وا أسفاه، هذه هي الحقيقة!
 
***
 
في هذه الأيامِ الطبيعيةِ التي يجعلُها المصيفُ أيامَ سرورٍ ونسيان، يشعرُ كل إنسانِ أنه يستطيعُ أن يقولَ للدنيا كلمةَ هَزْلٍ ودُعابة....
 
***
 
مَنْ لم يُرزقِ الفكرَ العاشقَ لم يرَ أشياءَ الطبيعةِ إِلأ في أسمائِها وشِيَاتِها، دون حقائقِها ومعانيها، كالرجلِ إذا لم يعشق رأى النساءَ كلهن سواء، فإذا عَشِقَ رأى فيهن نساءً غيرَ مَن عرَف، وأصبحنَ عندَه أدِلة على صفاتِ الجمالِ الذي في قلبِه.
 
***
 
تقومُ دنيا الرزقِ بما تحتاجُهُ الحياة، أما دنيا المصيفِ فقائمهّ بما تلَذهُ الحياة، وهذا هو الذي يغيرُ الطبيعةَ ويجعلُ الجو نفسَهُ هناك جو مائدةِ ظُرفاءَ وظريفات....
صفحة 6
تعملُ أيامُ المصيفِ بعدَ انقضائِها عملاً كبيراً، هو إدخالُ بعضِ الشّعرِ في حقائقِ الحياة.
 
هذه السماءُ فوقَنا في كل مكان، غيرَ أن العجيبَ أن أكثرَ الناسِ يرحلونَ إلى المصايفِ ليَزوا أشياءَ منها السماء..
 
***
 
إذا استقبلتَ العالَمَ بالنفسِ الواسعةِ رأيتَ حقائقَ السرورِ تزيدُ وتتَسع، وحقائقَ الهمومِ تصغُرُ وتَضيق، وأدركتَ أن دنياك إِن ضاقتْ فأنت الضيقُ لا هي.
 
***
 
في الساعةِ التاسعةِ أذهبُ إلى عملي، وفي العاشرة أعملُ كَيْت، وفي الحاديةَ عشرةَ أعملُ كَيتَ وكَيت، وهنا في المصيفِ تفقِدُ التاسعةُ وأخواتُها معانيَها الزمينةَ التي كانت تضعُها الأيامُ فيها، وتَستبدِلُ منها المعانيَ التي تضعُها فيها النفسُ الحرة. هذه هي الطريقةُ التي تُصنَعُ بها السعادةُ أحياناً، وهي طريقةٌ لا يقدرُ عليها أحذ في الدنيا كصغارِ الأطفال.
 
***
 
إذا تلاقَى الناسُ فىِ مكان على حالةٍ متشابهة منَ السرورِ وتَوَهمِهِ والفكرةِ فيه، وكانَ هذا المكانُ مُعَدا بطبيعتهِ الجميلةِ لِنسيانِ الحياةِ ومَكارِهِها- فتلك هي الروايةُ وممثلوها ومَسرَحُها، أما الموضوعُ فالسخريةُ من إنسانِ المدنيةِ ومدنيةِ الإنسان.
 
***
 
ما أصدَقَ ما قالوه: إن المرئيَّ في الرائي. مرضتُ مدة في المصيف، فانقلَبتِ الطبيعةُ العَروسُ التي كانَت تتزينُ كل يوم إلى طبيعةٍ عجوزِ تذهبُ كل يوم إلى الطبيب
صفحة 7
الطفولتـان ...
 
(عصمت) ابنُ فلان باشا طفل مُترَف يكادُ ينعصرُ لِيناً، وتراهُ يَرِف رَفيفاَ مما نشأَ في ظلالِ العز، كأن لروحِهِ مِنَ الرَقةِ مثلَ ظل الشجرةِ حول الشجرة. وهو بين لِداتهِ (أصدقائه) منَ الصّبيانِ كالشَوكةِ الخضراءِ في أمُلودِها (غصنها) الريان (الطري)، لها منظرُ الشوكةِ، على مِجسةِ لينة ناعمةٍ تكَذّبُ أنها شوكةٌ إِلَا أنْ تَيبسَ وتَتَوَقَّح.
 
وأبوهُ "فلان " مديرٌ لمديريةِ كذا، إذا سُئلَ عنه ابنُه قال: إنه مديرُ المديرية. لا يكادُ يعدو هذا التركيب، كأنه من غُرورِ النعمةِ يأبى إِلا أن يجعلَ أباه مديراً مرَتين... وكثيراً ما تكونُ النعمةُ بذيئةً وَقَاحاً سيّئةَ الأدب في أولادِ الأغنياء، وكثيراً ما يكون الغِنى في أهلهِ غِنى مِنَ السيئاتِ لا غير!
 
وفي رأي (عصمت) أن أباه من عُلُو المنزلةِ كأنهُ على جَناحِ النسرِ الطائرِ في مَسبَحِهِ إلى النجم، أما آباءُ الأطفالِ مِنَ الناسِ فهم عنَدهُ من سُقوطِ المنزلةِ على أجنحةِ الذبابِ والبَعوض!
 
ولا يغدو ابنُ المديرِ إلى مدرستِهِ ولا يَترَوَحُ منها إلا وراءَهُ جُنْديٌ يمشي على أثرِهِ في الغَدوةِ والروحةِ إذْ كانَ ابنَ المدير، أي ابنَ القوّةِ الحاكمة، فيكونُ هذا الجنديُ وراءَ الطفل كالمَنبَهةِ له عندَ الناس، تُفصِحُ شارتُهُ العسكريةُ بلغاتِ السابِلَةِ (المارة) جَمعَاءَ أن هذا هو ابنُ المدير. فإذا رآه العربي أو اليونانيُ، أو الطليانيُ أو الفرنسيُ، أو الإنجليزي أو كائن مَن كانَ من أهلِ الألسنةِ المتنافِرةِ التي لا يَفهَمُ لسانْ منها عن لسانٍ - فهموا جميعاً من لغةِ هذه الشارةِ أن هذا هو ابنُ المدير، وانهُ منَ الجندي الذي يَتبعُهُ كالمادةِ منَ القانونِ وراءَها الشرحِ...!
 
ولقد كان يجبُ لابنِ المديرِ هذا الشرفُ الصبياني. لو أنهُ يومَ وُلِد لم يولْد ابنَ ساعتِه كأطفالِ الناس، بل وُلِدَ ابنَ عشرِ سنينَ كاملةِ لتشهَد له الطبيعةْ أنه كبير قدِ آنصَدعت (جائت) به مُعجزة! وإلا فكيف يمشي الجنديُ من جنودِ الدولةِ وراءَ طفل ويخدمُهُ ويَنصاعُ لأمِره (يطيعه)، وهذا الجنديُ لو كان طَريدَ هَزيمةِ قد فرَ في معركةِ منَ معارك الوطن، وأريدَ تخليدُه فى هزيمتِهِ وتخليدُها عليه بالتصوير- لما صُورَ إلا جنديّاً في شارتِهِ العسكريةِ منقاداً لمثلِ هذا الطفلِ الصغيرِ كالخادم، في صورةٍ يُكتَب تحتها: "نُفَايَة عسكرية!".
 
***
 
ليس لهذا المنظرِ الكثيرِ حدوثُه في مصرَ إِلا تأويلٌ واحد: هو أن مكانَ الشخصياتِ فوقَ المعاني، وِانْ صَغُرت تلك وجَلًت هذه، ومِن هنا يكذبُ الرجلُ ذو المنصب، فيُرفَع شخصُه فوقَ الفضائلِ كلها، فيكبُر عن أن يكذبَ فيكونَ كَذِبُه هو الصدق، فلا يُنكَرُ عليه كَذِبُه أيْ صِدقُه...! ويخرجُ من ذلك أنْ يتقرَر في الأمةِ أن كَذِبَ القوةِ صدق بالقوة!
 
وعلى هذِهِ القاعدةِ يُقاسُ غيرُها من كل ما يُخذَلُ فيهِ الحق. ومتى كانتِ الشخصياتُ فوقَ المعاني الساميةِ طَفِقَت (بدأت) هذِهِ المعاني تموجُ مَوجَها محاوِلةً أن تعلو، مُكرَهَة على أن تنزل، فلا تستقيمُ على جهةٍ ولا تنتظمُ على طريقة، وتُقْبِلُ بالشيءِ على موضعِه، ثم تَكُرُ كَرَها فتُدبِرُ بِهِ إلى غيرِ موضعِه، فتضل كل طبقةِ منَ الأمةِ بكُبرائها، ولا تكونُ الأمةُ على هذه الحالةِ في كلً طبقاتِها إِلا صغاراَ فوقَهم كبارُهم، وتلك هي تهيئةُ الاْمةِ للاستعبادِ متى أبَتُلِيَت بالذي هو أكبرُ من كبارِها، ومن تلك تَنشأُ في الأمةِ طبيعةُ النفاقِ يحتمي بهِ الصغَرُ من الكِبَر، وتنتظمُ به ألْفةُ الحياةِ بينَ الذلةِ والصولة (الغلبة و القهر)!
صفحة 8
وتخلَفَ الجنديُ ذاتَ يوم عن موعدِ الرواحِ مِنَ المدرسة، فخرج (عصمت) فلم يجدْه، فبدا له أن يتسكَّعَْ (يتجول على غير هدى) في بعضِ طرقِ المدينةِ لِينطلقَ فيه ابنُ آدمَ لا ابنُ المدير، وحن حنينَه إلى المغامرةِ في الطبيعة، ولبسَتِ الطرقُ في خيالِهِ الصغيرِ زينتَها الشعريةَ بأطفالِ الأزقةِ يلعبونَ ويَتهوَشون ويَتعابَثون ويتشاحنون (يتشاجرون)، وهم شتَى وكأنهم أبناءُ بيتٍ واحدِ مستْ بكل منْ كل رَحِمٌ ، إذ لا ينتسبونَ في اللهو إِلا إلى الطفولةِ وحدَها.
 
وانساقَ (عصمت) وراءَ خيالِه، وهرَبَ على وجهِهِ من تلكَ الصورةِ التي يمشي فيها الجندي وراءَ ابنِ المدير، وتَغَلْغَلَ في الأزِقةِ (توغل) لا يُبالي ما يعرفُهُ منها وما لا يعرفُه، إِذ كان يسيرُ في طرقٍ جديدةٍ على عينهِ كأنَما يَحلُمُ بها في مدينةٍ من مدنِ النوم.
 
وأنتهى إلى كَبكَبَةٍ (جماعة) مِنَ الأطفالِ قدِ اَستجمعوا لشأنِهمُ الصبيانيّ، فانْتَبذَ (انزوى) ناحيةً ووقفَ يُصغي إليهم متهيّباَ أنْ يُقدِمَ، فاَتَّصلَ بسمعِه ونظرِهِ كالجبان، وتسمَّعَ فإِذا خبيثٌ منهم يعلمُ الآخرَ كيف يضربُ إذا اعتدَى أو اعتُدِيَ عليه، فيقول له: اضربْ اْينَما ضرَبت، من رأسِه، من وجهِه، منَ الْحُلقوم، من مَرَاق البطن، قال الآخر: وإذا مات؟ فقال الخبيث: فإذا مات فلا تقُلْ إني أنا علَّمتُك...!
 
وسمع طفلاً يقول لصاحبه: أمَا قلتُ لك: إنه تعلَّمَ السرقةَ من رؤيتَهِ اللصوصَ في السيمإ؟ فأجابَهُ صاحبُه: وهل قال له أولئك اللصوصُ الذين في السيّما كن لصا واعمل مثلَنا؟
 
وقام منهم شيطان فقال: يا أولادَ البلد، أنا المدير! تعالَوا وقولُوا لي: "يا سعادةَ الباشا، إِن أولادنا يُريدونَ الذهابَ إلى المدارس، ولكنا لا نستطيعُ أنْ ندفعَ لهم المصروفات.. " فقالَ الأولادُ في صوب واحد: "يا سعادةَ الباشا، إِن أولادَنا يُريدونَ الذهابَ إلى المدارس، ولكنا لا نستطيعُ أن ندفَعَ لهمُ المصروفات " فرد عليهم (سعادته): اشتروا لأولادِكم أحذيةَ وطرابيشَ وثياباَ نظيفة، وأنا أدفعُ لهمُ المصروفات.
 
فنظرَ إليه خبيث منهم وقال: يا سعادةَ المدير، وأنت فلِماذا لم يشترِ لك أبوك حذاء؟
 
وقال طفلْ صغير: أنا ابنُك يا سعادةَ المدير، فأَرسلْني إلى المدرسةِ وقتَ الظهر فقَط...!
 
***
 
وكان (عصمت) يسمعُ ونفسُه تعتز بإحساسِها، كالورقةِ الخضراءِ عليها طَل الندى، وأخذَ قلبُه يتفتح في شعاعِ الكلامِ كالزهرةِ في الشمس، وسَكِرَ بما يسكَرُ بهِ الأطفالُ حين تُقدمُ لهمُ الطبيعةُ مكانَ اللهوِ مُعَدا مهيَّا، كالحانةِ ليسَ فيها إلا أسبابُ السكرِ والنَّشوة، وتمامُ لذتها أن الزمنَ فيها منسي، وأن العقلَ فيها مُهمَل..ْ.
 
وأحس ابنُ المديرِ أنَّ هذه الطبيعةَ حين ينطلقُ فيها جماعة الأطفالِ على سَجيّتهِم وسجيَّتِها - إنما هي المدرسةُ التي لا جُدرانَ لها، وهي تربيةُ الوجودِ للطفلِ تربيةً تتناوَلُهُ من أدق أعصابهِ فتُبَددُ قواهُ ثم تجمعُها له أقوى ما كانت، وتُفْرِغُهُ منها ثم تملؤُهُ بما هو أتمّ وأَزيدُ وبذلكَ تكسِبهُ نموَ نشاطِه، وتُعلّمُهُ كيف ينبعِثُ لتحقيقِ هذا النشاط، فتَهديهِ إلى أن يُبدعَ بنفسِه ولا ينتظرَ مَنْ يُبدعُ له، وتجعلُ خُطاه دائماَ وراءَ أشياءَ جديدة، فتُسددُهُ من هذا كلهِ إلى سر الإبداع والابتكار، وتُلقيه العِلمَ الأعظمَ في هذه الحياة، عِلمَ نَضْرةِ نفِسهِ وسرورِها ومرَحِها، وتطبعُه على المزاجِ المتطَلقِ المتهلّلِ المتفائل، وتَتدَفقُ به على دنياه كالفَيَضَانِ في النهر، تفورُ الحياةُ فيهِ وتفورُ به، لا كأطفالِ المدارسِ الخامدينَ، تعرفُ للواحدِ منهم شكلَ الطفل وليسَ له وجودُهُ ولا عالَمُه، فيكونُ المسكينُ في الحياةِ ولا يجدُها، ثم تراهُ طفلأَ صغيراً، وقد جمعوا له همومَ رجلِ كامل!
صفحة 9
ودبت روحُ الأرضِ دبيبَها في (عصمت)، وأوحَت إلى قلبِه بأسرارِها، فأدركَ من شعورهِ أنَّ هؤلاءِ الأغمارَ (الجاهلين الأغرار) الأغبياءَ مِنْ أولادِ الفقراءِ والمساكين، همُ السعداءُ بطفولتهِم، وأنه هو وأمثالُه همُ الفقراءُ والمساكِينُ في الطفولة، وأن ذلك الجندي الذي يمشي وراءَه لتعظيمِه إنما هو سجن، وأن الألعابَ خيرٌ منَ العلوم، إِذْ كانت هي طِفْلِيةَ الطفلِ في وقتِها، أما العلومُ فرُجولةٌ مُلزَقَة به قبلَ وقتِها تُوقرُه وتحوُلُهُ عن طباعِهِ، فتقتلُ فيهِ الطفولةَ وتهدمُ أساسَ الرجولة، فينشأُ بينَ ذلك لا إلى هذه ولا إلى هذه، ويكونُ في الأولِ طفلاَ رجلا، ثم يكونُ في الاَخرِ رجلاً طفلاَ.
 
وأحس مِما رأى وسمَع أن مدرسةَ الطفلِ يجبُ أن تكونَ هي بيتَه الواسعَ الذي لا يتحرجُ أن يصرخَ فيه صُراخَه الطبيعي، ويتحركَ حركتَه الطبيعية، ولا يكونَ فيه مدرسون ولا طَلَبة، ولا حاملو العصِي منَ الضباط، بل حق البيتِ الواسعِ أنْ تكونَ فيه الأبوةُ الواسعة، والأخوةُ التي تَنفسِحُ لِلمئات، فيمرُ الطفلُ المتعلمُ في نشأتِهِ من منزلٍ إلى منزلِ إلى منزل، على تدريجٍ في التوسعِ شيئاَ فشيئأ، منَ البيت، إلى المدرسة، إلى العالم.
 
***
 
وكان (عصمت) يحلمُ بهذه الأحلامِ الفلسفية، وطفولتُهُ تَشِب وتسترجِل، ورَخاوتُه تشتد وتتماسكُ، وكانَتْ حركاتُ الأطفالِ كأنها تُحركُهُ من داخِلِه، فهو منهم كالطفلِ في السيما حينَ يشهدُ المتلاكمين والمتصارعين، يَستطيرُه الفرحُ، ويتوثُب فيهِ الطفلُ الطبيعيُّ بمرَحِهِ وعُنفُوانِه، وتتقلصُ عضَلاتُه، ويتكَشفُ جِلدُه، وتجتمعُ قوتُه، حتى كأنه سيُظاهرُ أحدَ الخصمينِ ويَلكمُ الآخرَ فيُكَورُه ويصرعُه، ويفُضُ معركةَ الضربِ الحديدي بضربتِه اللينةِ الحريرية..!
 
فما لبثَ صاحبُنا الغريرُ الناعمُ أن تخشن، وما كذبَ أنِ اقتحم، وكأنما أقبلَ على روحِه الشارعُ والأطفالُ ولهوهُم وعبثُهم، إقبالَ الجوّ على الطيرِ الحبيسِ المعلَّقِ في مسمارٍ إذا انفرجَ عنه القفص، واقبالَ الغابةِ على الوحشِ القَنَيصِ إذا وثبَ وثبةَ الحياةِ فطارَ بها، وإقبالَ الفلاةِ على الظبِي الأسيرِ إذا ناوَصَ (رفع رأسه و تحرك للجري) فأفلَتَ مِنَ الحِبلة.
 
وتقدم فادغَمَ (انضم) في الجماعةِ وقال لهم: أنا ابنُ المدير. فنظروا إليه جميعاً، ثم نظرَ بعضهُم إلى بعض، وسَفَرت (بدت) أفكارُهم الصغيرةُ بَين أعينِهم، وقال منهم قائل: إن حذاءَه وثيابَه وطربوشَه كلها تقول إِنَّ أباهُ المدير.
 
فقال آخر: ووجهُه يقول إِن أمَهُ امرأةُ المدير....
 
فقال الثالث: ليسَت كأمك يابعطيطي ولا كأم جُعلُص!
 
قال الرابع: يا ويلك لو سمع جُعلص، فإن لَكَماتِه حينئذِ لا تتركُ أمك تعرفُ وجهَك مِنَ القفا!
 
قال الخامس: ومن جُعلصُ هذا؟ فليأتِ لأرِيَكم كيف أُصارِعُه، فأجتذبُه فأعصِرُه بين يدي، فأعتقلُ رِجلَه برجلي، فأدفعُه، فيتخاذل، فأعرُكُه، فيخِرُّ على وجهِه، فاأسمره في الأرضِ بمسار!
 
فقال السادس: هاها! إنك تصفُ بأدق الوصفِ ما يفعلُه جُعلصُ لو تناولَك في يدهِ...!
 
فصاحَ السابع: ويلَكم! هاهو ذا. جُعلص، جُعلص، جُعلص!
 
فتطَايَر الباقونَ يميناً وشِمالاَ كالوَرقِ الجاف تحت الشجرِ ضرَبتهُ الريحُ العاصف.
 
وقهقهَ الصبي من ورائِهم، فثابوا إلى أنفسِهم وتراجعوا. وقال المُستَطيلُ منهم: أما إني كنتُ أُريدُ أن يعدوَ جعلصُ ورائي، فأستطرِدُ إليه قليلا أُطمِعُه في نفسي، ثم أرتدُ عليه فآخذُه كما فعل "ماشيست الجبار" في ذلك المنظرِ الذي شاهدناه.
 
وقهقهَ الصبيانُ جميعاً...! ثم أحاطوا (بعصمت) إحاطةَ العشَاقِ بمعشوقة جميلة، يحاولُ كلُّ منهم أن يكونَ المقربَ المخصوصَ بالحظوة، لا من أجلِ أنهُ ابنُ المدير فحسبُ، ولكن من أجل ان ابنَ المديرِ تكونُ معه القروش... فلو وجدَتِ القروشُ معَ ابن زبالِ لما منعه نسبُه أن يكون أميرَ الساعةِ بينهم إلى أن تنفَدَ قروشُه فيعودَ ابن زبال...!
 
وتنافسوا في (عصمت) وملاعبتِه والاختصاصِ به، فلو جاءَ المديرُ نفسُه يلعبُ مع آبائِهم ويركبُهم ويركبونه، وهم بين نجارِ وحداد، وبناءِ وحمال، وحوذي وطباخ، وأمثالِهم من ذوي المهنةِ المُكسِبَةِ الضئيلة- لكانَت مطامعُ هؤلاء الأطفالِ في ابن المدير، اْكبرَ من مطامعِ الاَباءِ في المدير.
صفحة 10
وجرتِ المنافسةُ بينَهم مجراها، فاَنقلبت إلى مُلاحاة (جدال)، ورجَعت هذه الملاحاةُ إلى مشاحنة، وعاد ابنُ المدير هَدَفاً. للجميعِ يُدافعونَ عنه وكأنما يعتدونَ عليه، إذ لا يقصدُ أحد منهم أحداً بالغيظِ إلا تَعمدَ غيظَ حبيبِه، ليكونَ أنكأَ له وأشد عليه!
 
وتظاهرَوا بعضُهم على بعض، ونشأت بينهمُ الطوائل، وأفسدَهم هذا الغنيُ المتمثلُ بينهم. وياما أعجبَ إدراكَ الطفولةِ وإلهامَها! فقدِ اجتمعَت نفُوسهم على رأي واحد، فتحولوا جميعاً إلى سفاهةٍ واحدةِ أحاطَت بِابنِ المدير، فخَاطره أحدُهم في اللعبِ فَقمرَه (خسره في المقامرة)، فأبى إِلا أن يعلوَ ظهرَه ويركبَه، وأبى عليه ابنُ المدير ودافَعه، يرى ذلك ثَلماً في شرفِهِ ونسبِه وسَطوةِ أبيه، فلم يكذ يعتل بهذه العلةِ ويذكُرُ أباه ليعرفَهم آباءَهم... هاجت حتَى كبرياؤُهم، وثارَت دفائنُهم، ورقصَت شياطينُ رؤوسِهم، وبذلك وضَع الغبيُّ حِقدَ الفقرِ بإزاءِ سُخريةِ الغِنى، فألقى بينهم مسألةَ المسائلِ الكبرى في هذا العالم، وطرَحَها للحل....!
 
وتَنفشُوا (تهيئوا للمبارزة) للصولةِ عليه، فسخِرَ منه أحدُهم، ثم هزأ بهِ الآخر، وأخرجَ الثالثُ لسانَه، وصدمَه الرابعُ بمنكبِه، وأفحشَ عليه الخامس، ولكَزهُ السادس، وحثا السابعُ في وجهِه التراب!
 
وجهِدَ المسكينُ أن يفر من بينِهم فكأنما أحاطوه بسبعةِ جُدرانٍ فبطَلَ إقدامُه وإحجامُه، ووقفَ بينَهم ما كتبَ اللّه... ثم أخَذتُه أيديهم فانجدَل على الأرضِ، فتجاذبُوه يُمرغونَه في التراب!
 
وهم كذلك إذِ انقلب كبيرُهم على وجهِه، وَأنكفأَ الذي يليه، وأُزيحَ الثالث، ولُطِمَ الرابعُ، فنظروا فصاحوا جميعاَ: "جُعلُص، جعلص! ! وتواثبوا يشتدون هَرباً. وقام (عصمت) يَنتَخِلُ الترابُ من ثيابِه وهو يبكي بدمعِه، وثيابُه تبكي بترابِها...! ووقفَ ينظرُ هذا الذي كشفَهم عنه وشردَتهم صَولتُه، فإذا جُعلصُ وعليه رَجَفَانْ مِنَ الغضب، وقد تَبرطمَت شفتُه، وتَقَلضَ وجهُه، كما يكونُ "ماشيست" في مَعاركِهِ حين يدَفعُ عنِ الضعفاء.
 
وهو طفل في العاشرةِ من لدات (عصمت)، غير أنه مُحتَنكٌ في سن رجل صغير، غليظْ عَبلٌ شديدُ الجِبلةِ متراكِبْ بعضُه على بعض (مفتول العضلات مكتنز اللحم)، كأنَّه جِنيّ مُتقاصِر يَهم أن يطولَ منه المارد، فأنِسَ به (عصمت)، واطمأن إلى قوتهِ، وأقبلَ يشكو له ويبكي!
 
قال جعلص: ما اسمُك؟
 
قال: أنا ابن المدير...!
 
قال جعلص: لا تبكِ يا أبنَ المدير. تعلم أن تكون جَلْداً (قويا صبورا)، فإِن الضربَ ليس بذُل ولا عار، ولكن الدموعَ هي تجعلُه ذلا وعاراً، إِن الدموعَ لَتجعلُ الرجلَ أنثى. نحن يا ابنَ المديرِ نعيشُ طولَ حياتِنا إما في ضربِ الفقرِ أو ضربِ الناسِ، هذا من هذا، ولكنك غني يا ابنَ المدير، فأنتَ كالرغيفِ (الفِينو) ضخمٌ مُنتفخٌ ، ولكنهُ ينكسرُ بلمسة، وحَشوُهُ مثلُ القطن!
 
ماذا تتعلمُ في المدرسةِ يا ابنَ المديرِ إذا لم تعلمك المدرسةُ أن تكونَ رجلاً يأكلُ مَن يريدُ أكلَه، وماذا تعرفُ إذا لم تكن تعرفُ كيف تصبرُ على الشر يومَ الشر، وكيف تصبرُ للخيرِ يومَ الخير، فتكونَ دائماً على الحالتينِ في خير؟
 
قال عصمت: آهِ لو كان معي العسكري!
 
قال: جعلص: ويحكَ؟ لو ضربوا عنزاً لما قالت: آه لو كان معي العسكري!
 
قال عصمت: فمن أين لك هذه القوة؟
 
قال جعلص: من أني أعتمِلُ بيدي (أخدم نفسي بنفسي) فاْنا أشتدّ وإذا جعتُ أكلتُ طعامي، أما
 
أنت فتسترخي، فإذا جعتَ أكلَك طعامُك، ثم من أني ليس لي عسكري..!
 
قال عصمت: بل القوةُ مَن أنك لستَ مثلَنا في المدرسة؟
 
قال جعلص: نعم، فأنت يا ابنَ المدرسةِ كأنك طفل من وَرَقٍ وكراساتٍ لا من لحم، وكأن عظامَك من طَباشير! أنت يا ابنَ المدرسةِ هو أنتَ الذي سيكونُ بعدَ عشرينَ سنةً، ولا يعلمُ إِلا اللهُ كيف يكون، وأما أنا ابنُ الحياة، فأنا منَ الآن، وعلي أن أكونَ "أنا" من الآن!
 
أنتَ...