صفحة 1
تجربة الشعر ــ إضاءة
ما هو جوهر الشعر وما هو قوامه، ما هي أهدافه وغاياته وطبيعة أدواره، كيف يولد في النفس البشرية، وكيف ينمو وتتشكل صوره ومعانيه وألفاظه؟! هذه أسئلة قديمة حديثة، تضاربت حولها الأقوال واختلفت الآراء على مر الأزمان، حتى أراح بعضهم نفسه وخلص إلى القول بأن الشعر ذاته غير قابل للتحديد والتعريف، ذلك لأنه تجربة مستمرة في الحياة لا تتوقف ليكون لها معنى محدد ومفهوم ثابت.
وما يقدم هنا ليس إجابة عن الأسئلة المذكورة ولا نقاشاً علمياً فلسفياً أو ممارسات عقلية تسعى إلى البحث والتنظير ولا استعراضاً للآراء والأقوال المختلفة فيما يتعلق بها، وإنما هو مجرد عرض موجز لواقع تجربة ذاتية في تذوق الشعر وفي كتابته، امتدت أكثر من أربعين عاماً، تجربة لا تحتمل المناقشة أو البرهنة والتدليل أو التفسير، لأنها تطرح كما تطرح القصيدة نفسها.
الحديث عن الشعر في حقيقته لا يمل ولا ينتهي ولا يمكن اختصاره، لأنه كالحب، تستعذبه النفس الشاعرة وتتلذذ بذكره والحديث عنه، ولا ترتوي منه مهما شربت. ولكنه يبقى أمامها ماثلاً من دون تفسير أو تأويل. وهو كالحب أيضاً، لأن الحب كما يقول المتصوفة. «لا يحد من حيث ذاته، وإنما يحد من حيث نتائجه، ولا يعرف بالمنطق، وإنما يدرك بالذوق، وله من لذة التجلي شراب كأسه القلب». وهو كالحب كذلك، لأنه قدر محتوم، لا يجتلب ولا يصنع ولا يرد ولا يمنع، ولا يعلم كيف يأتي ومتى يأتي، ولا إرادة لأحد من البشر في نشوئه وتكوينه أو في رفضه وقبوله. وهل يمكن لأحد أن يحب أو يقرر متى يحب أو يمتنع عن الحب بإرادته أو بإرادة غيره؟! هذا هو الشعر.
والشعر الحق سر يودعه الخالق نفس من يشاء من عباده، وكائن نوراني لا يعلم في أية زاوية من زوايا النفس مكانه.. ينشأ بالفطرة، ويترعرع في فضاء روحي عامر بالبكارة وباللهفة الغامرة إلى كل ما هو فاتن جميل، وإلى كل ما هو رائع مثير، من الأسرار والأفكار والرؤى والمواقف والخصال والأماني والأحلام وصور الحياة ومشاهد الطبيعة المختلفة. تبلوره المعرفة والخبرة، وتصفيه القريحة المهذبة، ويرقرقه الجمال، وتصقله الممارسة، وتخصبه المعاناة، وتنطلق به مثيرات النفس البشرية إلى ما لا نهاية. ولكن هذه كلها لا تتكفل بصنعه، ولا تضمن نشوءه، ولا تتحكم في انبعاثه.
إنه نور لا ينبثق أو يولد من خارج الذات وإن نما وترعرع بأسباب من خارجها. وهو نار لا تقتبس إلا من النار التي تتأجج في داخل هذه الذات، وإن توهجت بعوامل عارضة عليها.
قد تطلب الشعر ولا يأتيك، وقد يأتيك من دون أن تطلبه، وإذا أتاك لا تستطيع أن ترده أو تتجاهله.. يمكن أن يوجد متى تهيأت له أحوال النفس، ولكن أحوال النفس قد تتهيأ ولا يأتي أو لا يظهر، وإنما يبقى كامناً، يصرخ في أعماقها وتتنادى أصداؤه وتترامى في زواياها، وعندما يأزف الموعد وتأتي القوة الغيبية الضاربة يتفجر كالبركان الهادر. وهذا ما تفسره حياة النوابغ من شعراء العرب والعجم .
ما هو جوهر الشعر وما هو قوامه، ما هي أهدافه وغاياته وطبيعة أدواره، كيف يولد في النفس البشرية، وكيف ينمو وتتشكل صوره ومعانيه وألفاظه؟! هذه أسئلة قديمة حديثة، تضاربت حولها الأقوال واختلفت الآراء على مر الأزمان، حتى أراح بعضهم نفسه وخلص إلى القول بأن الشعر ذاته غير قابل للتحديد والتعريف، ذلك لأنه تجربة مستمرة في الحياة لا تتوقف ليكون لها معنى محدد ومفهوم ثابت.
وما يقدم هنا ليس إجابة عن الأسئلة المذكورة ولا نقاشاً علمياً فلسفياً أو ممارسات عقلية تسعى إلى البحث والتنظير ولا استعراضاً للآراء والأقوال المختلفة فيما يتعلق بها، وإنما هو مجرد عرض موجز لواقع تجربة ذاتية في تذوق الشعر وفي كتابته، امتدت أكثر من أربعين عاماً، تجربة لا تحتمل المناقشة أو البرهنة والتدليل أو التفسير، لأنها تطرح كما تطرح القصيدة نفسها.
الحديث عن الشعر في حقيقته لا يمل ولا ينتهي ولا يمكن اختصاره، لأنه كالحب، تستعذبه النفس الشاعرة وتتلذذ بذكره والحديث عنه، ولا ترتوي منه مهما شربت. ولكنه يبقى أمامها ماثلاً من دون تفسير أو تأويل. وهو كالحب أيضاً، لأن الحب كما يقول المتصوفة. «لا يحد من حيث ذاته، وإنما يحد من حيث نتائجه، ولا يعرف بالمنطق، وإنما يدرك بالذوق، وله من لذة التجلي شراب كأسه القلب». وهو كالحب كذلك، لأنه قدر محتوم، لا يجتلب ولا يصنع ولا يرد ولا يمنع، ولا يعلم كيف يأتي ومتى يأتي، ولا إرادة لأحد من البشر في نشوئه وتكوينه أو في رفضه وقبوله. وهل يمكن لأحد أن يحب أو يقرر متى يحب أو يمتنع عن الحب بإرادته أو بإرادة غيره؟! هذا هو الشعر.
والشعر الحق سر يودعه الخالق نفس من يشاء من عباده، وكائن نوراني لا يعلم في أية زاوية من زوايا النفس مكانه.. ينشأ بالفطرة، ويترعرع في فضاء روحي عامر بالبكارة وباللهفة الغامرة إلى كل ما هو فاتن جميل، وإلى كل ما هو رائع مثير، من الأسرار والأفكار والرؤى والمواقف والخصال والأماني والأحلام وصور الحياة ومشاهد الطبيعة المختلفة. تبلوره المعرفة والخبرة، وتصفيه القريحة المهذبة، ويرقرقه الجمال، وتصقله الممارسة، وتخصبه المعاناة، وتنطلق به مثيرات النفس البشرية إلى ما لا نهاية. ولكن هذه كلها لا تتكفل بصنعه، ولا تضمن نشوءه، ولا تتحكم في انبعاثه.
إنه نور لا ينبثق أو يولد من خارج الذات وإن نما وترعرع بأسباب من خارجها. وهو نار لا تقتبس إلا من النار التي تتأجج في داخل هذه الذات، وإن توهجت بعوامل عارضة عليها.
قد تطلب الشعر ولا يأتيك، وقد يأتيك من دون أن تطلبه، وإذا أتاك لا تستطيع أن ترده أو تتجاهله.. يمكن أن يوجد متى تهيأت له أحوال النفس، ولكن أحوال النفس قد تتهيأ ولا يأتي أو لا يظهر، وإنما يبقى كامناً، يصرخ في أعماقها وتتنادى أصداؤه وتترامى في زواياها، وعندما يأزف الموعد وتأتي القوة الغيبية الضاربة يتفجر كالبركان الهادر. وهذا ما تفسره حياة النوابغ من شعراء العرب والعجم .
صفحة 2
لا غرابة في أن تجد شاعراً بحسه وروحه وذوقه ومنطقه وخياله، يعشق الفن، ويغرم باللحن الجميل، ويهوى النقش على الحجر، ويضحك كالأطفال، ويحب قنديل البحر، ويهيم بالخط في الهواء والرسم على الماء والتدفؤ على الثلج والاستحمام بضوء الشمس والتجديف في فضاءات العشق، كما يفتن بالكلمة الشاعرة والعبارة الموقعة والحرف الراقص على أوتار العود ورفيف صوت الناي. ولكنه مع ذلك كله لا يقول الشعر بالاصطلاح الذي نعرفه. ورب ناشد للشعر لا يلحق به حتى ولو بذل من أجله الحياة كلها.
الأول شاعر بالفطرة أو شاعر بالقوة كما يقول المناطقة. وهذه القوة تتحول إلى فعل عندما تتهيأ لها أسبابها وظروفها وتطوى المسافات أمامها كما سبق القول، أما الثاني فإنه ربما كان يسعى بالسقي لإعمار أرض بور، والأرض البور لا تعمر بالسقي وحده حتى ولو شربت النهر كله.
رهافة الحس ويقظة الشعور وقوة الحدس ورحابة الخيال وخصب القريحة وسرعة البداهة وشدة الاختراق والانفعال والتوهج والانصهار. هذه قواعد يرتكز الشاعر عليها في بناء تجربته وتكوين شاعريته.. حيث يبقى في بداية أمره في حالة قلق دائم وتوتر مستمر وترقب غامر وحضور مهيمن، وعندما ترسل أحداث الحياة ومشاهد الطبيعة إشاراتها المثيرة وإشعاعاتها المضيئة، تحتويها هذه القواعد بشوق، وتحتضنها بحرارة، وتظل تستحضرها وتتفاعل معها وتسترجع أصداءها حتى يختمر الوحي وينمو ويتبلور، ثم يتوهج ويتألق وتغمر إشراقته أعماق الوجدان وطوايا النفس، على قدر ما لهذا الوجدان وهذه النفس من براعة التجلي والتهيؤ والكفاية في موارد الإخصاب، ولكن من دون أن يخضع ذلك كله لمقياس الزمن أو حساباته.
ولا يبرح الشاعر بعد ذلك المخاض حتى يجد نفسه هائماً في عالم ملكوتي غامض، ويصبح في حالة أشبه بحالة اللاوعي، كيان يهتز، وروح تنتفض، وشرود مهيمن، وحركات مسحورة، وخطوات متسارعة على طريق ملتهب لاهث، وفيض عميق من الإحساس يطفح ويتدفق، ثمة همهمات وترانيم تمتزج فيها دموع الفرح بنفحات من الألم المستعذب الغريب، وأطياف نشوة مجنحة تحلق في فضاءات غيبية لا متناهية وتظل تكبر وتكبر في حركة دائبة، وما هي إلا هنيهات كرفيف الطائر حتى يتألق وينبسط قرص الشمس وتتعالى البشائر بإطلالة المولود الجديد..
المولود الجديد يظل ينمو وينشط في بداهة وحيوية وحنين دائم إلى الاكتمال، يقتات من قلب الشاعر المبدع ومن فكره وعصبه، ويبيت في أضلاعه ويستظل بروحه، ويتبعه كالظل في حله وترحاله وفي يقظته وسباته، والشاعر في شوق وهيام متواصلين، منشغل بما تلبسه، وذاك مشغول به، حتى لا تعرف التابع من المتبوع ولا الساحر من المسحور، أو حتى يقول الواحد للآخر: «يا أنا» كما يقول السري السقطي، لأن الاثنين أصبحا كياناً واحداً بعد ذلك العناق الطويل. وهكذا تتصل لحظات الاكتمال، لتبدأ بعدها حلقة أو حلقات أخرى من الحياة.
هذه حكاية الشعر، وهكذا تنشأ تجربة الشاعر وتختمر ثم تنضج وتكتمل، وهكذا تنبثق فيها الحياة الزاهية الفتية كأغنية روحانية عميقة الصدى. صاغها الشاعر المبدع ولحنها بلغة حميمة قريبة، ولكنها لا تشبه اللغات، وبمنطق شفاف غريب محير بعيد عن التجريد، هامس عذب مضيء تارة، وهادر مجلجل مشع تارة أخرى، لا تفقهه ولا تدرك أسراره إلا من خلال ارتعاشة الحروف ونبض الكلمات ونبر الأصوات وهسهسة الفواصل ودندنة الحركات وصدى الإيقاعات في أعماق النفس وطوايا الوجدان. ولكنك عندما تتأمل في حقيقته وتتعرف على كنهه بهذه الصورة تقول: هذا هو السحر الحلال، هذا هو الشعر.
* * * * *
تدرك وأنت تسمع الشعر الرفيع بأن للألفاظ في عالمه صوراً وأجساداً وأفواهاً وأجنحةً لم ترها في غيره من أصناف الكلام، ولها قيم مجتمعة ومنفردة لا يدركها أصحاب اللغة، كما تدرك وأنت تقرؤه بأن للفواصل والنقاط والخطوط والرسوم والحركات والهيئات معاني مثلما للكلمات والجمل والعبارات، ومثلما للإيقاعات بتموجاتها وذبذباتها المختلفة. وتدرك أنه مثلما وضعت علامات الترقيم في اللغات لتنوب عن حركات الجسد وملامحه وتقاسيمه، فإن الفراغات بين الكلمات أو دوائر السكون فوق سطوحها يمكن أن تنوب في هذا العالم مناب الصمت الوادع البليغ. يسخرها الشاعر المبدع في حذق وبراعة، مثلما يسخر المجازات بفضاءاتها الممتدة الشاسعة. ويوظف الأساطير المتمثلة بأصالتها في وعيه، أو يستعمل الألفاظ الشعبية والكلمات الدارجة المصفاة في وجدانه. وهكذا يفجر هذا الشاعر كل طاقات اللغة الممكنة ويستثيرها ويستثمرها بكل أبعادها ومجالاتها ومستوياتها ليصنع لغة فريدة خاصة اسمها لغة الشعر .
أغوار النفس التي ينفذ إليها بحسه وبصيرته، وأسرار الطبيعة التي يستشفها بشعوره، وآفاق الخيال التي يحلق فيها بروحه، هذه أوسع وأعمق وأبعد من أن تستوعبها وتعبر عنها رموز اللغة الوضعية وعناصرها المحدودة، لذلك فهو يعمد إلى استثمار كل مكنونات اللغة ويمتد بحسه وخياله إلى ما وراءها. يتصيد من رموزها وإيماءاتها وعناصرها الظاهرة والخفية ما لم يصل إليه أو يدركه غيره، لتستوعب كل ما يستشعره ويبصره أو يتخيله ويستحضره. وهكذا يصنع لغته الفريدة .
يعمد الشاعر إلى ألفاظ اللغة فيصهرها ويخصبها ويخضع دلالاتها لإرادته، ويشحنها بمعان جديدة نضرة، ويشيد منها أبنية غريبة لا عهد للناس بها، كما يعمد إلى عناصر اللغة في دوائرها المختلفة وأجوائها العامة الواسعة، فينطق منها ما لم ينطقه الآخرون، ويجعل من الرموز والخطوط والأشكال والهيئات الجامدة في أذهان الناس صوراً حية متحركة لها معانيها وإيحاءاتها التي لا تنفد ولا تنتهي بانتـهاء تجربته القائمة. ويبقى يغامر في الإبحار والمسير بها وبما يولـده منها حتى يصل إلى مشارف المستحيل.
الأول شاعر بالفطرة أو شاعر بالقوة كما يقول المناطقة. وهذه القوة تتحول إلى فعل عندما تتهيأ لها أسبابها وظروفها وتطوى المسافات أمامها كما سبق القول، أما الثاني فإنه ربما كان يسعى بالسقي لإعمار أرض بور، والأرض البور لا تعمر بالسقي وحده حتى ولو شربت النهر كله.
رهافة الحس ويقظة الشعور وقوة الحدس ورحابة الخيال وخصب القريحة وسرعة البداهة وشدة الاختراق والانفعال والتوهج والانصهار. هذه قواعد يرتكز الشاعر عليها في بناء تجربته وتكوين شاعريته.. حيث يبقى في بداية أمره في حالة قلق دائم وتوتر مستمر وترقب غامر وحضور مهيمن، وعندما ترسل أحداث الحياة ومشاهد الطبيعة إشاراتها المثيرة وإشعاعاتها المضيئة، تحتويها هذه القواعد بشوق، وتحتضنها بحرارة، وتظل تستحضرها وتتفاعل معها وتسترجع أصداءها حتى يختمر الوحي وينمو ويتبلور، ثم يتوهج ويتألق وتغمر إشراقته أعماق الوجدان وطوايا النفس، على قدر ما لهذا الوجدان وهذه النفس من براعة التجلي والتهيؤ والكفاية في موارد الإخصاب، ولكن من دون أن يخضع ذلك كله لمقياس الزمن أو حساباته.
ولا يبرح الشاعر بعد ذلك المخاض حتى يجد نفسه هائماً في عالم ملكوتي غامض، ويصبح في حالة أشبه بحالة اللاوعي، كيان يهتز، وروح تنتفض، وشرود مهيمن، وحركات مسحورة، وخطوات متسارعة على طريق ملتهب لاهث، وفيض عميق من الإحساس يطفح ويتدفق، ثمة همهمات وترانيم تمتزج فيها دموع الفرح بنفحات من الألم المستعذب الغريب، وأطياف نشوة مجنحة تحلق في فضاءات غيبية لا متناهية وتظل تكبر وتكبر في حركة دائبة، وما هي إلا هنيهات كرفيف الطائر حتى يتألق وينبسط قرص الشمس وتتعالى البشائر بإطلالة المولود الجديد..
المولود الجديد يظل ينمو وينشط في بداهة وحيوية وحنين دائم إلى الاكتمال، يقتات من قلب الشاعر المبدع ومن فكره وعصبه، ويبيت في أضلاعه ويستظل بروحه، ويتبعه كالظل في حله وترحاله وفي يقظته وسباته، والشاعر في شوق وهيام متواصلين، منشغل بما تلبسه، وذاك مشغول به، حتى لا تعرف التابع من المتبوع ولا الساحر من المسحور، أو حتى يقول الواحد للآخر: «يا أنا» كما يقول السري السقطي، لأن الاثنين أصبحا كياناً واحداً بعد ذلك العناق الطويل. وهكذا تتصل لحظات الاكتمال، لتبدأ بعدها حلقة أو حلقات أخرى من الحياة.
هذه حكاية الشعر، وهكذا تنشأ تجربة الشاعر وتختمر ثم تنضج وتكتمل، وهكذا تنبثق فيها الحياة الزاهية الفتية كأغنية روحانية عميقة الصدى. صاغها الشاعر المبدع ولحنها بلغة حميمة قريبة، ولكنها لا تشبه اللغات، وبمنطق شفاف غريب محير بعيد عن التجريد، هامس عذب مضيء تارة، وهادر مجلجل مشع تارة أخرى، لا تفقهه ولا تدرك أسراره إلا من خلال ارتعاشة الحروف ونبض الكلمات ونبر الأصوات وهسهسة الفواصل ودندنة الحركات وصدى الإيقاعات في أعماق النفس وطوايا الوجدان. ولكنك عندما تتأمل في حقيقته وتتعرف على كنهه بهذه الصورة تقول: هذا هو السحر الحلال، هذا هو الشعر.
* * * * *
تدرك وأنت تسمع الشعر الرفيع بأن للألفاظ في عالمه صوراً وأجساداً وأفواهاً وأجنحةً لم ترها في غيره من أصناف الكلام، ولها قيم مجتمعة ومنفردة لا يدركها أصحاب اللغة، كما تدرك وأنت تقرؤه بأن للفواصل والنقاط والخطوط والرسوم والحركات والهيئات معاني مثلما للكلمات والجمل والعبارات، ومثلما للإيقاعات بتموجاتها وذبذباتها المختلفة. وتدرك أنه مثلما وضعت علامات الترقيم في اللغات لتنوب عن حركات الجسد وملامحه وتقاسيمه، فإن الفراغات بين الكلمات أو دوائر السكون فوق سطوحها يمكن أن تنوب في هذا العالم مناب الصمت الوادع البليغ. يسخرها الشاعر المبدع في حذق وبراعة، مثلما يسخر المجازات بفضاءاتها الممتدة الشاسعة. ويوظف الأساطير المتمثلة بأصالتها في وعيه، أو يستعمل الألفاظ الشعبية والكلمات الدارجة المصفاة في وجدانه. وهكذا يفجر هذا الشاعر كل طاقات اللغة الممكنة ويستثيرها ويستثمرها بكل أبعادها ومجالاتها ومستوياتها ليصنع لغة فريدة خاصة اسمها لغة الشعر .
أغوار النفس التي ينفذ إليها بحسه وبصيرته، وأسرار الطبيعة التي يستشفها بشعوره، وآفاق الخيال التي يحلق فيها بروحه، هذه أوسع وأعمق وأبعد من أن تستوعبها وتعبر عنها رموز اللغة الوضعية وعناصرها المحدودة، لذلك فهو يعمد إلى استثمار كل مكنونات اللغة ويمتد بحسه وخياله إلى ما وراءها. يتصيد من رموزها وإيماءاتها وعناصرها الظاهرة والخفية ما لم يصل إليه أو يدركه غيره، لتستوعب كل ما يستشعره ويبصره أو يتخيله ويستحضره. وهكذا يصنع لغته الفريدة .
يعمد الشاعر إلى ألفاظ اللغة فيصهرها ويخصبها ويخضع دلالاتها لإرادته، ويشحنها بمعان جديدة نضرة، ويشيد منها أبنية غريبة لا عهد للناس بها، كما يعمد إلى عناصر اللغة في دوائرها المختلفة وأجوائها العامة الواسعة، فينطق منها ما لم ينطقه الآخرون، ويجعل من الرموز والخطوط والأشكال والهيئات الجامدة في أذهان الناس صوراً حية متحركة لها معانيها وإيحاءاتها التي لا تنفد ولا تنتهي بانتـهاء تجربته القائمة. ويبقى يغامر في الإبحار والمسير بها وبما يولـده منها حتى يصل إلى مشارف المستحيل.
صفحة 3
هذه المغامرات التي يقوم بها الشاعر الحاذق لا يستوعبها ويدرك أسرارها وجوانب البراعة والإبداع فيها إلا أولئك الذين رقت طباعهم وصفت أذواقهم وشابهوا الشاعر في حيويته وحلقوا في بعض فضاءاته. أما عادي الناس فإنهم ربما رأوها شاذة غريبة أو عسرة غامضة، لأنهم لا يستشعرونها ولا يدركون أسرارها وأوجه الحكمة أو الجمال فيها، أو ليس لديهم الملكات التي تمكنهم من الغوص إلى أعماقها أو التحليق في سماواتها. وهنا ينشأ وجه من أوجه الغموض التي تنتمي في أصلها إلى طبيعة الشعر وإلى تميز الشاعر من غيره .
ثمة وجه آخر من تلك الأوجه التي تنتمي إلى هذه الطبيعة، وهو أن تكون التجربة الشعرية أو بواعثها وأصولها غائرة في أعماق النفس وشعابها البعيدة، فيكون الشاعر عندها مضطراً إلى أن يغوص إلى هذه الأعماق ويتغلغل في هذه الشعاب، ليلتقط ما رشح من جزئياتها الكامنة. ثم يعبر عن هذه الجزئيات بما يتناسب مع رهافتها ولطفها ودقتها من عناصر اللغة الواسعة الأبواب، فتكون العبارات والكلمات الناقلة لها دقيقة خفية المعاني على قدر هذه الرهافة وهذا اللطف.
ومن هذه الأوجه كذلك ما هو ناتج من طريقة الشاعر المميزة في انتقاء ألفاظه وأدواته في التعبير، فقد ألف الناس أن ينتقوا لكل معنى لفظه الخاص المتواضع عليه بين أفراد المجموعة، والذي يحدد المعنى في العادة ويحصره ويعين الفكرة ويرسمها في الأذهان واضحة جلية، أما الشاعر فلا يتعامل مع ألفاظ اللغة ورموزها على هذا النحو، وإنما هو يجس الحروف والكلمات كما يجس الموسيقار أوتار قيثارته، ويختبرها كما يختبر الجوهري أحجاره الكريمة، ويوازن بينها ويقارن بين إيقاعاتها بحسه المتوقد وذوقه المتألق في حالة استشراف وصفاء روحي تام، ويتحسس رنينها في داخله بسمعه الباطن وشعوره المرهف كما يتحسس السامع رنين الفضة الخالصة، لا ليختار منها ما يحدد معانيه ويعبر عن أفكاره كما يفعل الآخرون، لأنه لا ينقل معاني ولا يسرد أفكاراً، وإنما لينتقي ما ينبض بإحساسه الحاضر في لحظات توهج التجربة، ويظل يشحن هذه الحروف والكلمات ويؤلف بينها في أوج ذلك العنفوان، بمعزل عما تعنيه في عرف المجتمع.
الشاعر لا يعنيه اتفاق الناس على دلالات هذه الألفاظ أو الكلمات بقدر ما تعنيه أصداؤها وإيقاعاتها وإيحاءات أصواتها ورنين أجراسها داخل نفسه هو. وعندما يحسم قراره لا يهمه بعد ذلك أن تكون غريبة على معجم اللغة المألوف أو مخالفة في تركيبها لتلك القواعد النحوية أو الصرفية الوضعية الصارمة، أو أن تكون غامضة على من لا يستطيع أن يتفاعل مع تجربته ويرجع أصداءها في نفسه، أو تكون محببة عند أناس مرفوضة عند آخرين.. إنه كالطائر الذي يغرد ولا ينتظر الشكر، والمهم عنده هو الاطمئنان إلى أن كلماته وعباراته التي يتلفظ بها تحمل أنفاسه وهمسات روحه، وتعبر عن خصوصيته بعفوية وصدق وأمانة. وهو في سبيل ذلك يبقى ثائراً على كل قيد أو فرض لا مبرر له في نظره.
والشاعر الحر يأبى التقييد والتحديد ويتوق دائماً وأبداً إلى التغيير والانطلاق والتجديد في كل ما يتعلق بأدوات فنه وعناصر هذا الفن، ومن هنا ينشأ وجه آخر للصراع بشأن لغته وما يرتبط بهذه اللغة من عناصر وصور ومفاهيم. وهذا الصراع يزداد حدة عندما تتسع الفجوة بينه وبين الآخرين في الرؤية والإحساس والثقافة وخصب الفكر.
يمتد بصر الشاعر المغامر الطموح وتزداد لهفته إلى البحث والكشف واختراق المجهول وفك ألغاز الحياة، ويمارس عمليات إخصاب ذهني وشعوري حثيث في ضوء تطورات العصر وتحولاته. وهذا يزيده نضجاً في التفكير واتساعاً في الرؤية وعمقاً في النظر إلى حقائق الكون وأسرار الطبيعة وأوجه الحياة وعلاقات الإنسان ومثله وقيمه، ولا شك في أن ذلك يعمق من تجاربه ويضاعف من ثرائها وغناها بالمعاني والأفكار والرؤى والتخيلات، ويجعل عناصر اللغة المألوفة في النهاية قاصرة عن التعبير عنها وعن استيعاب ما تحتويه من غرائب وأسرار، فيلجأ إلى التسديد عن قصورها بشحنها وتكثيف مدلولاتها والوصول بالمجاز في تضمينها إلى أقصى غاياته، الأمر الذي يجعلها في نهاية المطاف غامضة مبهمة على من قصر نظره عن بلوغ هذه الغايات.
ولا شك في أن نضج الشاعر واتساع آفاقه وعمق تجاربه ورغبته في إثارة فكر المتلقي والارتقاء به إلى المستوى الرفيع الذي بلغه هو سيكون باعثاً غير إرادي على مواصلة نهجه في الابتكار والتطوير وفي الإيجاز والتكثيف والشحن، على الرغم من إحساسه بما سيلاقيه هذا النهج من العنت أو المواجهة والتحدي في محيطه البشري.
في إطار عمله الدائب وسعيه الحثيث لاستثمار موارد اللغة والكشف عن أسرارها الكامنة والمد في آفاقها الطليقة الحرة، يتصيد الشاعر القدير من الألفاظ وغرائب الأساليب ما يمكنه من ممارسة حريته المطلقة في التعبير عن كوامن النفس وخلجات الشعور كما سبقت الإشارة، لا يفرق فيها بين عام وخاص، ولا بين شارد ووارد، ولا بين ما ينطق منها أو يصور أو يشير. فمثلما يعبر عن معانيه بالكلمات وظلالها، ويجسد صوره وأحاسيسه برنين الحروف وإيقاعات الجمل، يتكئ على الإشارة والتعريض والإيماء والتلميح، أو يستند إلى المجاز يفتح أبوابه باباً بعد باب، ويزيح في دلالات الألفاظ وينوع في عناصر الخطاب اللغوي، حتى ليجعل لمفردات اللغة ورموزها ألواناً ترى وروائح تشم وأجساماً تلمس وطعوماً تذاق وأطرافاً تتحرك، فترى الألوان في عباراته تنطق كالبشر، والأصوات تجري كمياه البحر، وتشهد النجوم الرفيعة في خضم هذا الشحن المستفيض تعانق وتناجي وتصافح وتبحر وتستحم، وترى الورود تهمس وتتحاور وتغمز وتضحك وتبكي، والجروح تصرخ وتمشي وتستصرخ وتحارب وتناضل...
ثمة وجه آخر من تلك الأوجه التي تنتمي إلى هذه الطبيعة، وهو أن تكون التجربة الشعرية أو بواعثها وأصولها غائرة في أعماق النفس وشعابها البعيدة، فيكون الشاعر عندها مضطراً إلى أن يغوص إلى هذه الأعماق ويتغلغل في هذه الشعاب، ليلتقط ما رشح من جزئياتها الكامنة. ثم يعبر عن هذه الجزئيات بما يتناسب مع رهافتها ولطفها ودقتها من عناصر اللغة الواسعة الأبواب، فتكون العبارات والكلمات الناقلة لها دقيقة خفية المعاني على قدر هذه الرهافة وهذا اللطف.
ومن هذه الأوجه كذلك ما هو ناتج من طريقة الشاعر المميزة في انتقاء ألفاظه وأدواته في التعبير، فقد ألف الناس أن ينتقوا لكل معنى لفظه الخاص المتواضع عليه بين أفراد المجموعة، والذي يحدد المعنى في العادة ويحصره ويعين الفكرة ويرسمها في الأذهان واضحة جلية، أما الشاعر فلا يتعامل مع ألفاظ اللغة ورموزها على هذا النحو، وإنما هو يجس الحروف والكلمات كما يجس الموسيقار أوتار قيثارته، ويختبرها كما يختبر الجوهري أحجاره الكريمة، ويوازن بينها ويقارن بين إيقاعاتها بحسه المتوقد وذوقه المتألق في حالة استشراف وصفاء روحي تام، ويتحسس رنينها في داخله بسمعه الباطن وشعوره المرهف كما يتحسس السامع رنين الفضة الخالصة، لا ليختار منها ما يحدد معانيه ويعبر عن أفكاره كما يفعل الآخرون، لأنه لا ينقل معاني ولا يسرد أفكاراً، وإنما لينتقي ما ينبض بإحساسه الحاضر في لحظات توهج التجربة، ويظل يشحن هذه الحروف والكلمات ويؤلف بينها في أوج ذلك العنفوان، بمعزل عما تعنيه في عرف المجتمع.
الشاعر لا يعنيه اتفاق الناس على دلالات هذه الألفاظ أو الكلمات بقدر ما تعنيه أصداؤها وإيقاعاتها وإيحاءات أصواتها ورنين أجراسها داخل نفسه هو. وعندما يحسم قراره لا يهمه بعد ذلك أن تكون غريبة على معجم اللغة المألوف أو مخالفة في تركيبها لتلك القواعد النحوية أو الصرفية الوضعية الصارمة، أو أن تكون غامضة على من لا يستطيع أن يتفاعل مع تجربته ويرجع أصداءها في نفسه، أو تكون محببة عند أناس مرفوضة عند آخرين.. إنه كالطائر الذي يغرد ولا ينتظر الشكر، والمهم عنده هو الاطمئنان إلى أن كلماته وعباراته التي يتلفظ بها تحمل أنفاسه وهمسات روحه، وتعبر عن خصوصيته بعفوية وصدق وأمانة. وهو في سبيل ذلك يبقى ثائراً على كل قيد أو فرض لا مبرر له في نظره.
والشاعر الحر يأبى التقييد والتحديد ويتوق دائماً وأبداً إلى التغيير والانطلاق والتجديد في كل ما يتعلق بأدوات فنه وعناصر هذا الفن، ومن هنا ينشأ وجه آخر للصراع بشأن لغته وما يرتبط بهذه اللغة من عناصر وصور ومفاهيم. وهذا الصراع يزداد حدة عندما تتسع الفجوة بينه وبين الآخرين في الرؤية والإحساس والثقافة وخصب الفكر.
يمتد بصر الشاعر المغامر الطموح وتزداد لهفته إلى البحث والكشف واختراق المجهول وفك ألغاز الحياة، ويمارس عمليات إخصاب ذهني وشعوري حثيث في ضوء تطورات العصر وتحولاته. وهذا يزيده نضجاً في التفكير واتساعاً في الرؤية وعمقاً في النظر إلى حقائق الكون وأسرار الطبيعة وأوجه الحياة وعلاقات الإنسان ومثله وقيمه، ولا شك في أن ذلك يعمق من تجاربه ويضاعف من ثرائها وغناها بالمعاني والأفكار والرؤى والتخيلات، ويجعل عناصر اللغة المألوفة في النهاية قاصرة عن التعبير عنها وعن استيعاب ما تحتويه من غرائب وأسرار، فيلجأ إلى التسديد عن قصورها بشحنها وتكثيف مدلولاتها والوصول بالمجاز في تضمينها إلى أقصى غاياته، الأمر الذي يجعلها في نهاية المطاف غامضة مبهمة على من قصر نظره عن بلوغ هذه الغايات.
ولا شك في أن نضج الشاعر واتساع آفاقه وعمق تجاربه ورغبته في إثارة فكر المتلقي والارتقاء به إلى المستوى الرفيع الذي بلغه هو سيكون باعثاً غير إرادي على مواصلة نهجه في الابتكار والتطوير وفي الإيجاز والتكثيف والشحن، على الرغم من إحساسه بما سيلاقيه هذا النهج من العنت أو المواجهة والتحدي في محيطه البشري.
في إطار عمله الدائب وسعيه الحثيث لاستثمار موارد اللغة والكشف عن أسرارها الكامنة والمد في آفاقها الطليقة الحرة، يتصيد الشاعر القدير من الألفاظ وغرائب الأساليب ما يمكنه من ممارسة حريته المطلقة في التعبير عن كوامن النفس وخلجات الشعور كما سبقت الإشارة، لا يفرق فيها بين عام وخاص، ولا بين شارد ووارد، ولا بين ما ينطق منها أو يصور أو يشير. فمثلما يعبر عن معانيه بالكلمات وظلالها، ويجسد صوره وأحاسيسه برنين الحروف وإيقاعات الجمل، يتكئ على الإشارة والتعريض والإيماء والتلميح، أو يستند إلى المجاز يفتح أبوابه باباً بعد باب، ويزيح في دلالات الألفاظ وينوع في عناصر الخطاب اللغوي، حتى ليجعل لمفردات اللغة ورموزها ألواناً ترى وروائح تشم وأجساماً تلمس وطعوماً تذاق وأطرافاً تتحرك، فترى الألوان في عباراته تنطق كالبشر، والأصوات تجري كمياه البحر، وتشهد النجوم الرفيعة في خضم هذا الشحن المستفيض تعانق وتناجي وتصافح وتبحر وتستحم، وترى الورود تهمس وتتحاور وتغمز وتضحك وتبكي، والجروح تصرخ وتمشي وتستصرخ وتحارب وتناضل...
صفحة 4
وبمثل هذا الشحن والتجاوز وهذه الإزاحة في الدلالات يعبر الشاعر المبدع بالحقائق إلى عالم الأحلام ويبحر بالمعاني إلى آفاقها العجيبة الواسعة، ويوجد من الرموز ما يدهش ويفاجئ، ويخلق من كيمياء اللغة عوالم جديدة غريبة لا يدركها من ضاق أفقه وقصر خياله. وبذلك لا يبقى للغة عند الشاعر حدود، ولا تحول بينه وبين التحليق بها في عالم الغيب حواجز .
يلجأ إلى فتاته السمراء فيستاف عبيرها ويسكن روحها ويجعل منها رمزاً لكل ما يعشقه ويتمناه أو يحلم به: للحب والدفء والأمان والسلام، وللحياة والأرض والموطن ومستقر الروح وهدوء النفس، وللخصب والميلاد والعطاء والنماء، كما يرمز بطولها الفارع إلى العزة والشموخ والأنفة والكبرياء والطموح والإباء والرفض، وبعينيها إلى البراءة والنقاء أو الأمل والرجاء أو السكون والموعد واللقاء، وبيدها أو منديلها الملوح إلى الوداع والإبحار والهجرة والرحيل أو العبور والفتح والخلاص ونهاية الحرمان... يحسب الغافل أنه يتغزل أو يتلهى ويتلذذ بذكر مفاتنها وتقاسيم جسدها، بينما هو في واقعه يتحرق ظمأً وشوقاً إلى البوح، ويتلهف إلى الوصول والعناق. عناق الأمنية الغامضة الجميلة. أمنية الفرد أو أمنية المجموعة التي تذوب وتتبلور في أحلام الشاعر وفي كيانه وتصبح هي أمنية الموسم والعصر والحياة في أوسع مداها. وهكذا تكون المرأة عند الشاعر الأصيل مصدراً للحياة والحب والفن وليس رمزاً للشهوة والهوى الرخيص.
* * * * *
المعارف التي يغنمها الشاعر من خلال مواكبته لتطورات عصره ويصهرها وينميها في ذهنه الحي تتحول إلى عناصر فاعلة في تطوير فنه والارتقاء بأدوات هذا الفن، وفي توسيع آفاق معرفته بنشاطات اللغة وأساليبها وصيغها ودقائقها التي تعتبر أدواته الأولى. وهذا ما يضاعف من قدرته على استثمار المزيد من طاقاتها والتحليق بها في فضاءات جديدة وغريبة على من لم يرتق بمعرفته إلى مستوياتها.
المكاسب الحضارية والثقافية الجديدة التي يحصل عليها الشاعر من خلال رصده لتطورات العصر لا تعينه على اكتشاف آفاق لغوية جديدة فحسب، وإنما تمكنه من ابتكار صور وأساليب وأنماط تعبيرية تضاف إلى تلك المكتشفة منها، وهذا ما يعمل بدوره على بلورة سليقته والارتقاء بموهبته البيانية وبقدراته على التصرف بمفردات اللغة والتفنن والتجديد في استعمالها وفي تسخيرها لأغراضه ومقتضيات فنه، ويجعل من إبداعاته الشعرية في النهاية أكثر عمقاً ولطفاً وثراء.. غير أن هذه الإبداعات وما تحويه من صور وأساليب وأنماط بيانية مبتكرة سوف تبدو غريبة غامضة مجهولة القدر لدى من توقفوا عند بوابة العصر وظلوا عند منحدر الحياة.
إن من لا يزال في الوادي أو على السفوح القريبة منه لا يرى الواقف على قمـة الجـبل الشامخ محدد الملامح واضح المعالم كما يجب. وفي تجارب الماضي ما يثبت ذلك أو يشير إليه.
لقد قال أحد النقاد يومها بأن أبا تمام «أتى في شعره بمعان فلسفية وألفاظ غريبة، فإذا سمع بعض شعره الأعرابي لم يفهمه، وإذا فسر له فهمه واستحسنه». وقال الآمدي بأن طائفة من الناس أعرضت عن شعر أبي تمام لأنها لم تفهمه، ولكنها لم تنكر فضله، وأن ابن الأعرابي كان شديد التعصب عليه لغرابة مذهبه، «ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه ولا يعلمه»، فكان إذا سئل عن شيء منها يأنف أن يقول: «لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه». وكان إذا سمع شعره يقول: «إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطل».
ما ذلك الاستغراب وذاك الخلاف والنزاع حول لغة أبي تمام إلا لأن هذا الشاعر عاش جانباً من الحياة المزدهرة في عصره وتفاعل مع أجوائها بروحه وحسه وعقله، وانفتح على آفاقها الواسعة بذكاء متوقد ونظر ثاقب وطموح متوهج، فنهل مما زخرت به من أنواع المعارف، وأخذ من علوم الدين والتاريخ والكلام. واستفاد مما ترجم من كتب الفلسفة ومن حكم اليونان والفرس والهنود وغيرهم، وأضاف ذلك كله إلى ما استقاه من علوم اللغة والنحو والبلاغة والشعر وروايته، فأصبح عالماً في اللغة والنحو والبلاغة وفنون الشعر وفقيهاً ومتكلماً وفيلسوفاً بارعاً. وهذا كله انعكس على شعره فحلق به وبمعانيه وألفاظه واصطلاحاته وصوره المبتكرة إلى آفاق واسعة لم يدركها ابن الأعرابي وأمثاله من أولئك الأدباء الذين وقفوا بثقافتهم الأدبية عند محيط الأوائل.
والتحـولات والتطـورات المختلفـة تنعكس بمستويـاتها ودرجاتهـا المتباينة فـي وعي الشاعر المتحرر مـن القيود، وهـي تتبلـور في فكره وتتجسد في شعوره وتتفاعل آثـارها وتداعياتها في نفسه وإحساسه على قـدر ما تتوافر لديـه مـن أدوات الالتقاط والتخمير ومـا يمتلك من طاقات الهضم والاستيعاب والتمثل، فتغير من نظرته إلى الحياة ونشاطات الفكر، بما فيها فكر اللغة وعلاقاتها وما يتبعها من مقاييس وقيم ومعايير. حتى لتبدو رؤاه ومقاييسه الماضية أحياناً غريبة حتى عليه هو نفسه. كما تنشأ عن تحولات الحياة وتطوراتها مفاهيم وقيم وعلاقات جديدة معقدة ومتشابكة تنعكس في فكر من كان في محيطها، وفي فكر الشاعر الفطن المرهف الإحساس بنحو أخص، وهذه تنعكس بدورها وتظهر بتفاصيلها على البناء الشعري الصادر عنه فتصبح سبباً من أسباب التعقيد أو الغموض المتصور فيه.
* * * * *
يلجأ إلى فتاته السمراء فيستاف عبيرها ويسكن روحها ويجعل منها رمزاً لكل ما يعشقه ويتمناه أو يحلم به: للحب والدفء والأمان والسلام، وللحياة والأرض والموطن ومستقر الروح وهدوء النفس، وللخصب والميلاد والعطاء والنماء، كما يرمز بطولها الفارع إلى العزة والشموخ والأنفة والكبرياء والطموح والإباء والرفض، وبعينيها إلى البراءة والنقاء أو الأمل والرجاء أو السكون والموعد واللقاء، وبيدها أو منديلها الملوح إلى الوداع والإبحار والهجرة والرحيل أو العبور والفتح والخلاص ونهاية الحرمان... يحسب الغافل أنه يتغزل أو يتلهى ويتلذذ بذكر مفاتنها وتقاسيم جسدها، بينما هو في واقعه يتحرق ظمأً وشوقاً إلى البوح، ويتلهف إلى الوصول والعناق. عناق الأمنية الغامضة الجميلة. أمنية الفرد أو أمنية المجموعة التي تذوب وتتبلور في أحلام الشاعر وفي كيانه وتصبح هي أمنية الموسم والعصر والحياة في أوسع مداها. وهكذا تكون المرأة عند الشاعر الأصيل مصدراً للحياة والحب والفن وليس رمزاً للشهوة والهوى الرخيص.
* * * * *
المعارف التي يغنمها الشاعر من خلال مواكبته لتطورات عصره ويصهرها وينميها في ذهنه الحي تتحول إلى عناصر فاعلة في تطوير فنه والارتقاء بأدوات هذا الفن، وفي توسيع آفاق معرفته بنشاطات اللغة وأساليبها وصيغها ودقائقها التي تعتبر أدواته الأولى. وهذا ما يضاعف من قدرته على استثمار المزيد من طاقاتها والتحليق بها في فضاءات جديدة وغريبة على من لم يرتق بمعرفته إلى مستوياتها.
المكاسب الحضارية والثقافية الجديدة التي يحصل عليها الشاعر من خلال رصده لتطورات العصر لا تعينه على اكتشاف آفاق لغوية جديدة فحسب، وإنما تمكنه من ابتكار صور وأساليب وأنماط تعبيرية تضاف إلى تلك المكتشفة منها، وهذا ما يعمل بدوره على بلورة سليقته والارتقاء بموهبته البيانية وبقدراته على التصرف بمفردات اللغة والتفنن والتجديد في استعمالها وفي تسخيرها لأغراضه ومقتضيات فنه، ويجعل من إبداعاته الشعرية في النهاية أكثر عمقاً ولطفاً وثراء.. غير أن هذه الإبداعات وما تحويه من صور وأساليب وأنماط بيانية مبتكرة سوف تبدو غريبة غامضة مجهولة القدر لدى من توقفوا عند بوابة العصر وظلوا عند منحدر الحياة.
إن من لا يزال في الوادي أو على السفوح القريبة منه لا يرى الواقف على قمـة الجـبل الشامخ محدد الملامح واضح المعالم كما يجب. وفي تجارب الماضي ما يثبت ذلك أو يشير إليه.
لقد قال أحد النقاد يومها بأن أبا تمام «أتى في شعره بمعان فلسفية وألفاظ غريبة، فإذا سمع بعض شعره الأعرابي لم يفهمه، وإذا فسر له فهمه واستحسنه». وقال الآمدي بأن طائفة من الناس أعرضت عن شعر أبي تمام لأنها لم تفهمه، ولكنها لم تنكر فضله، وأن ابن الأعرابي كان شديد التعصب عليه لغرابة مذهبه، «ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه ولا يعلمه»، فكان إذا سئل عن شيء منها يأنف أن يقول: «لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه». وكان إذا سمع شعره يقول: «إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطل».
ما ذلك الاستغراب وذاك الخلاف والنزاع حول لغة أبي تمام إلا لأن هذا الشاعر عاش جانباً من الحياة المزدهرة في عصره وتفاعل مع أجوائها بروحه وحسه وعقله، وانفتح على آفاقها الواسعة بذكاء متوقد ونظر ثاقب وطموح متوهج، فنهل مما زخرت به من أنواع المعارف، وأخذ من علوم الدين والتاريخ والكلام. واستفاد مما ترجم من كتب الفلسفة ومن حكم اليونان والفرس والهنود وغيرهم، وأضاف ذلك كله إلى ما استقاه من علوم اللغة والنحو والبلاغة والشعر وروايته، فأصبح عالماً في اللغة والنحو والبلاغة وفنون الشعر وفقيهاً ومتكلماً وفيلسوفاً بارعاً. وهذا كله انعكس على شعره فحلق به وبمعانيه وألفاظه واصطلاحاته وصوره المبتكرة إلى آفاق واسعة لم يدركها ابن الأعرابي وأمثاله من أولئك الأدباء الذين وقفوا بثقافتهم الأدبية عند محيط الأوائل.
والتحـولات والتطـورات المختلفـة تنعكس بمستويـاتها ودرجاتهـا المتباينة فـي وعي الشاعر المتحرر مـن القيود، وهـي تتبلـور في فكره وتتجسد في شعوره وتتفاعل آثـارها وتداعياتها في نفسه وإحساسه على قـدر ما تتوافر لديـه مـن أدوات الالتقاط والتخمير ومـا يمتلك من طاقات الهضم والاستيعاب والتمثل، فتغير من نظرته إلى الحياة ونشاطات الفكر، بما فيها فكر اللغة وعلاقاتها وما يتبعها من مقاييس وقيم ومعايير. حتى لتبدو رؤاه ومقاييسه الماضية أحياناً غريبة حتى عليه هو نفسه. كما تنشأ عن تحولات الحياة وتطوراتها مفاهيم وقيم وعلاقات جديدة معقدة ومتشابكة تنعكس في فكر من كان في محيطها، وفي فكر الشاعر الفطن المرهف الإحساس بنحو أخص، وهذه تنعكس بدورها وتظهر بتفاصيلها على البناء الشعري الصادر عنه فتصبح سبباً من أسباب التعقيد أو الغموض المتصور فيه.
* * * * *
صفحة 5
ومن جانب آخر فإن أحداث الحياة وتقلباتها وصراعاتها المؤلمة القاسية تفعل فعلها في وجدان الشاعر الحر، فهي تؤرقه وترهق أحاسيسه، ولكنها في الوقت نفسه تلهمه وتخصب شعوره وتشحذ قريحته وتزيده انصهاراً في كيان المجموعة، المجموعة بمعناها الحديث الذي يكرس الاهتمام بمفهوم الالتزام الذاتي الخالص ويجسد مصداقية التلاحم بين الشاعر وعناصر مجموعته ثم بينه وبين عناصر المجموعات الإنسانية في نطاقها الرحب الواسع.
إن انصهار الشاعر الحديث الملتزم في كيان المجموعة ربما كان سبباً في ظهور التجارب الشعرية الجديدة التي تتكون فيها القصيدة من وحدة عضوية متلاحمة متكاملة، يخرج فيها الشاعر الحديث الملهم عن تلك الفردية التي كانت تثقل القصيدة القديمة، لتصبح هذه القصيدة في النهاية بعيدة عن ذلك التفكك الذي يخص كل بيت فيها بمعنى مستقل. ولكن هذه الوحدة العضوية تبقى عقبة في فهمها من قبل أولئك الذين ألفوا التعامل مع القصيدة الشعرية وفقاً لمفهومها القديم.
ألف قارئ الشعر القديم أن يجد لكل بيت في القصيدة التقليدية معنى مستقلاً يمكن أن ينفصل عن معنى سابقه أو لاحقه، لأن الشاعر غالباً ما كان يعبر في هذه القصيدة عن لقطات ومواقف شعورية متجزئة، ربما جمعها في أو قات مختلفة أو متباعدة: وقوف على الأطلال، ثم غزل وخمر، وفخر وحماسة، ومديح أو هجاء، وعتاب واستعطاف، وسؤال واسترفاد، أو مطالبة بالجزاء والمكافأة، ثمة حكم ونصائح ومواعظ متناثرة أو مبثوثة في هذا المقطع أو ذاك... وهكذا تصبح القصيدة العادية مؤلفة من مجموعة مفردات مفككة، بإمكان القارئ أن يقدم ويؤخر فيها أو ينتزع منها ما يشاء.
أما القصيدة الحديثة الأصيلة فإنها مكونة من ذوب من الأحاسيس والرؤى، اجتمعت وامتزجت وانصهرت ثم أفرغت في قالب واحد كما يفرغ الذهب الخالص في قالبه في لحظات توهج حاد. تعانقت فيها الجزئيات وتواصلت وتلاحمت ليكون هناك كيان عضوي واحد. وهذا ما يجعل من الصعب على القارئ أن يفككها، لأنه لو فعل ذلك فسوف يفتت كيانها ويفقدها في الغالب صورتها المتكاملة، وتصبح أجزاؤها لديه مثل همهمات متقطعة وعبارات مبهمة.
القصيدة الشعرية الحديثة الرائعة نسيج مترابط من المشاعر والمواقف. والجزئيات فيها متشابكة متداخلة، لا تتمثل منها جزئية وتتضح ملامحها بنحو كامل إلا بحضور الجزئيات الأخرى. وقد تأتي هذه القصيدة على شكل حلقات متتابعة، إلا أن هذه الحلقات ينتظمها سلك واحد سلس خفي. ووضعها على هذه الصورة لا يفقدها وحدتها ولا يخل بتكاملها العضوي، لأن الحلقات فيها تجعلها كالعقد المنظوم الذي لا تظهر أناقته ويبين حسنه وجماله إلا مع اجتماع حلقاته وانتظام جزيئاته. وربما كان وضع القصيدة على هيئة حلقات يكسبها جانباً من الدرامية الجاذبة وينفي عنها الرتابة من حيث القالب والشكل فتزداد بذلك حسناً وجمالاً، ولاسيما عندما تختص كل حلقة منها بمزية فنية ومعنوية دقيقة، وتصبح كالماسة أو قطعة الحجر الكريم المميز ينفذ من خلالها ذلك السلك الرابط الخفي بوداعة ولطف.
* * * * *
لا يرجع الغموض في القصيدة الحديثة الأصيلة إلى عمق التجربة الشعرية وكثافتها فحسب، أو إلى نسيجها العضوي المتلاحم الدقيق أو إلى أي من الأسباب الأخرى التي سبق ذكرها، وإنما هناك أوجه وأسباب فاعلة غيرها: ربما كانت مرتبطة بتكوين الشاعر ذاته وبطبيعة فنه وقوانين صنعته، أو بالقارئ والتحولات الشعورية والنفسية المحيطة به.
إن القصيدة في أصلها كيان روحاني، فهي لا يمكن أن تتمثل على حقيقتها وتكشف عن جوهرها وتكون جلية الصورة واضحة الملامح إلا مع استحضار الأجواء الروحانية الحقيـقية الموحيـة بها والباعـثة على استلهـام عنـاصرها، أي أن تكون لدى متلـقيـها تلك الروح الشفافة التي تجعله يستريح إليها ويسكن أجواءها ويتفاعل معها ويستوعب لغتها ويتعرف أسرارها ويتمكن من استدراجها إلى داخل نفسه أو استدراج نفسه إلى داخلها، لينفعل بمكوناتها وتتلاحم روحه مع أجزائها. وإذا كانت الروح المادية هي المسيطرة والمصالح الفردية الآنية هي الطاغية وحركة الآلات الجامدة هي المهيمنة بجلبتها وضجيجها على الأحاسيس، كما هي عليه الحال في واقعنا الراهن، فلا غرابة في أن تغيم النفوس وتفسد الأذواق وتهن المشاعر وتفقد الأرواح حميميتها ويفقد الفن بريقه، وتضيق القلوب والأرواح بالقصيدة الشعرية الرائعة فلا تجد من ينصت لها ويستشعر دفأها ويعي همساتها ويفهم لغتها وتداعيات هذه اللغة.
ومن ناحية أخرى فإن العادة هي أن الشاعر المتحرر قد يجد من عنت المجتمع وتعقيداته وحجر التقاليد وتحكمها وقمع السياسة وجورها ما يجعله في حالة وجل وترقب دائم. يحتار في ما يريد البوح به ويتردد في التعبير عما يعتمل في وجدانه. وإذا كان هذا الشاعر بفطرته عصي أبي، فلا مناص له من أن يكون بين أمرين: إما أن يتجاوز حاجز الحيرة والصمت ويخترق جدران سجنه، ويجهر بمكنونات قلبه وخبايا نفسه، فيواجه مصيره المحتوم أمام قسوة الرقيب وعنت المخبر وجور الجلاد وبطش المتسلط، أو أن يعيش في صراع داخلي ممض، ويغص بما يجيش في صدره ويفيض به شعوره. ويحشرج بصوته كالمختنق، فتختلط الكلمات على لسانه وتخرج العبارات من فمه كتمتمات حائرة. ويكون عندها الإبهام ويكون الغموض..
إن انصهار الشاعر الحديث الملتزم في كيان المجموعة ربما كان سبباً في ظهور التجارب الشعرية الجديدة التي تتكون فيها القصيدة من وحدة عضوية متلاحمة متكاملة، يخرج فيها الشاعر الحديث الملهم عن تلك الفردية التي كانت تثقل القصيدة القديمة، لتصبح هذه القصيدة في النهاية بعيدة عن ذلك التفكك الذي يخص كل بيت فيها بمعنى مستقل. ولكن هذه الوحدة العضوية تبقى عقبة في فهمها من قبل أولئك الذين ألفوا التعامل مع القصيدة الشعرية وفقاً لمفهومها القديم.
ألف قارئ الشعر القديم أن يجد لكل بيت في القصيدة التقليدية معنى مستقلاً يمكن أن ينفصل عن معنى سابقه أو لاحقه، لأن الشاعر غالباً ما كان يعبر في هذه القصيدة عن لقطات ومواقف شعورية متجزئة، ربما جمعها في أو قات مختلفة أو متباعدة: وقوف على الأطلال، ثم غزل وخمر، وفخر وحماسة، ومديح أو هجاء، وعتاب واستعطاف، وسؤال واسترفاد، أو مطالبة بالجزاء والمكافأة، ثمة حكم ونصائح ومواعظ متناثرة أو مبثوثة في هذا المقطع أو ذاك... وهكذا تصبح القصيدة العادية مؤلفة من مجموعة مفردات مفككة، بإمكان القارئ أن يقدم ويؤخر فيها أو ينتزع منها ما يشاء.
أما القصيدة الحديثة الأصيلة فإنها مكونة من ذوب من الأحاسيس والرؤى، اجتمعت وامتزجت وانصهرت ثم أفرغت في قالب واحد كما يفرغ الذهب الخالص في قالبه في لحظات توهج حاد. تعانقت فيها الجزئيات وتواصلت وتلاحمت ليكون هناك كيان عضوي واحد. وهذا ما يجعل من الصعب على القارئ أن يفككها، لأنه لو فعل ذلك فسوف يفتت كيانها ويفقدها في الغالب صورتها المتكاملة، وتصبح أجزاؤها لديه مثل همهمات متقطعة وعبارات مبهمة.
القصيدة الشعرية الحديثة الرائعة نسيج مترابط من المشاعر والمواقف. والجزئيات فيها متشابكة متداخلة، لا تتمثل منها جزئية وتتضح ملامحها بنحو كامل إلا بحضور الجزئيات الأخرى. وقد تأتي هذه القصيدة على شكل حلقات متتابعة، إلا أن هذه الحلقات ينتظمها سلك واحد سلس خفي. ووضعها على هذه الصورة لا يفقدها وحدتها ولا يخل بتكاملها العضوي، لأن الحلقات فيها تجعلها كالعقد المنظوم الذي لا تظهر أناقته ويبين حسنه وجماله إلا مع اجتماع حلقاته وانتظام جزيئاته. وربما كان وضع القصيدة على هيئة حلقات يكسبها جانباً من الدرامية الجاذبة وينفي عنها الرتابة من حيث القالب والشكل فتزداد بذلك حسناً وجمالاً، ولاسيما عندما تختص كل حلقة منها بمزية فنية ومعنوية دقيقة، وتصبح كالماسة أو قطعة الحجر الكريم المميز ينفذ من خلالها ذلك السلك الرابط الخفي بوداعة ولطف.
* * * * *
لا يرجع الغموض في القصيدة الحديثة الأصيلة إلى عمق التجربة الشعرية وكثافتها فحسب، أو إلى نسيجها العضوي المتلاحم الدقيق أو إلى أي من الأسباب الأخرى التي سبق ذكرها، وإنما هناك أوجه وأسباب فاعلة غيرها: ربما كانت مرتبطة بتكوين الشاعر ذاته وبطبيعة فنه وقوانين صنعته، أو بالقارئ والتحولات الشعورية والنفسية المحيطة به.
إن القصيدة في أصلها كيان روحاني، فهي لا يمكن أن تتمثل على حقيقتها وتكشف عن جوهرها وتكون جلية الصورة واضحة الملامح إلا مع استحضار الأجواء الروحانية الحقيـقية الموحيـة بها والباعـثة على استلهـام عنـاصرها، أي أن تكون لدى متلـقيـها تلك الروح الشفافة التي تجعله يستريح إليها ويسكن أجواءها ويتفاعل معها ويستوعب لغتها ويتعرف أسرارها ويتمكن من استدراجها إلى داخل نفسه أو استدراج نفسه إلى داخلها، لينفعل بمكوناتها وتتلاحم روحه مع أجزائها. وإذا كانت الروح المادية هي المسيطرة والمصالح الفردية الآنية هي الطاغية وحركة الآلات الجامدة هي المهيمنة بجلبتها وضجيجها على الأحاسيس، كما هي عليه الحال في واقعنا الراهن، فلا غرابة في أن تغيم النفوس وتفسد الأذواق وتهن المشاعر وتفقد الأرواح حميميتها ويفقد الفن بريقه، وتضيق القلوب والأرواح بالقصيدة الشعرية الرائعة فلا تجد من ينصت لها ويستشعر دفأها ويعي همساتها ويفهم لغتها وتداعيات هذه اللغة.
ومن ناحية أخرى فإن العادة هي أن الشاعر المتحرر قد يجد من عنت المجتمع وتعقيداته وحجر التقاليد وتحكمها وقمع السياسة وجورها ما يجعله في حالة وجل وترقب دائم. يحتار في ما يريد البوح به ويتردد في التعبير عما يعتمل في وجدانه. وإذا كان هذا الشاعر بفطرته عصي أبي، فلا مناص له من أن يكون بين أمرين: إما أن يتجاوز حاجز الحيرة والصمت ويخترق جدران سجنه، ويجهر بمكنونات قلبه وخبايا نفسه، فيواجه مصيره المحتوم أمام قسوة الرقيب وعنت المخبر وجور الجلاد وبطش المتسلط، أو أن يعيش في صراع داخلي ممض، ويغص بما يجيش في صدره ويفيض به شعوره. ويحشرج بصوته كالمختنق، فتختلط الكلمات على لسانه وتخرج العبارات من فمه كتمتمات حائرة. ويكون عندها الإبهام ويكون الغموض..
صفحة 6
والشاعر يرسل أناته ويشكو ألمه ويبــث شوقه وحنيـنه وحزنه لأوتار حروفه وكلماته الشجية، ويتفنن في التعبير بموسيقاه المنبعثة من شكل القصيدة ومضمونها، ليشرك الآخرين في تواصله الروحي المحظور، ولينقل إليهم ما لم يكن في وسع الكلمات أن تنـقله وتصرح به. وإذا كان الشاعر العربي القديم قد اعتمد في موسيـقاه على إيقاعات الخليل أو بحوره وأوزانـه التي تخضع لقياس الزمن، فإن الشاعر الحديث قـد وجد في الالتزام الصارم بهذه الإيقاعات أو البحور والأوزان حبساً لأنفاسه وتقييداً لحركة الأحاسيس في داخله، وربما كان سبباً في لَيّ أعناق المعاني والرؤى والأفكار التي يريد التعبير عنها، لذلك راح يطلقها ويمزج بينها ويقصر ويمدد ويبسط ويطوي فيها لتصبح كآهات الناي، حرة أبية وسهلة ممتنعة. كما جعل من الإيـقاعات ما هو شكلي ظاهر متسق، وما هو ضمني باطن خفي، تجري همساته عبر مادة سائـغة رقيـقة تنـفـذ إلى صميم النـفوس المهيـأة مع نبض الكلمات وجرس الحروف وحركة الخيال وحيويته فتهزها وتؤثر فيها. أما النفوس الجافة أو غير المهيأة فالأصل أن لا تجد طريقاً إلى الإحساس بها والنفوذ إليها .
ولكن عدم الإحساس بالموسيقى الداخلية في القصيدة الحديثة أو عدم إدراك إيحاءاتها قد لا يرجع إلى قصور القارىء أو قلة خبرته ونقص أدواته، وإنما يعود إلى وجود خلل في صياغة هذه الموسيقى نفسها أو في طريقة الإيحاء بها، فقد تكون نابعة عن ذوق مقترض وروح مستعارة، ولا تستند إلى ما يدعمها ويؤكد فنيتها من عناصر النظام الموسيقي الموروث، كما هي الحال الغالبة في قصيدة النثر، أو تكون الألفاظ العاكسة لها أو الموحية بها كدرة متجهمة، وكل ذلك يمكن أن يفقد هذه الموسيقى حيويتها ويعكر صفوها ويمنع من حركتها في نفس القارىء. فلا تشفع لها حينئذ الحداثة ولا دعوى التجديد.
الحداثة والمعاصرة لا تعنيان انسلاخ الشاعر من ذاته وتقمص أرواح غريبة أو استعارة أقنعة مجتلبة وافتراض أذواق وأمزجة لا تعبر عن واقع الذات، ولا عن شخصية المجموعة التي تنتمي هذه الذات إليها، وإنما تعني الاستفادة مما يمكن أن يعزز وجود هذه الذات، ويظهر عنفوانها ويدعم انتماءها وولاءها للمجموعة وينهض بالجميع إلى مستويات تواكب الحياة الجديدة بمختلف أطوارها وتطوراتها. ومن الطبيعي أن هذا لا يتحقق إلا مع الإيمان بالقضية والولاء للأصل والاعتزاز بالتراث، والاعتماد على العناصر الفاعلة من معطيات هذا التراث في تأسيس الحركة الجديدة، وجعل العلاقة بين الماضي والحاضر علاقة تداخل وتكافل وتكامل أو تصاهر، وليس علاقة طلاق وانقطاع أو انفصال للشجرة عن أصلها كما انتهى إليه بعض من بالغ في تصور الحداثة.
الشاعر الناضج الأصيل لا يقلد ولا يتخلى عن ذاته أو عن كبرياء هذه الذات وكرامتها وأنفتها. ولكنه يمكن أن يقتدي ويتأثر ويستمد ما يحتاج إليه من دون ابتذال أو احتماء بالآخرين، ثم يأخذ ما يتأثر به أو يستمده فيصهره بعد تنقيته وتهذيبه، ويذيبه في روحه، ثم يخرجه من رحم التجربة الذاتية الخالصة مولوداً جديداً، مختلف الملامح مميز البصمات واضح الانتماء والهوية، ثابتاً على الولاء للرحم الذي أنجبه وللمجموعة التي ينحدر منها، وإلا كان مسخاً مشوهاً مبهم الشخصية فاقد الحيوية.
* * * * *
وحين يكتب الشاعر العظيم عن نفسه فهو يكتب عن زمنه وعن محيطه وعن مجموعته أيضاً، ولذلك فليس في تجربته الشعرية ما يفصل بين أحلامه وأحلام المجموعة سوى خيوط رفيعة سرعان ما تهن أو تضمحل، ذلك لأن الأنا في هذه التجربة سرعان ما تتقمص ضمير الجمع وتظلله وتستظل به، هذا إن لم تكن قد تقمصته واستظلت به منذ انطلاقتها. وهكذا تبقى حاضرة بحضوره وهو حاضر بحضورها، صيغتان في صيغة واحدة لا تنفصلان ولا تتباعدان. ولذلك يخطئ من يتصور أن هناك ذاتية مطلقة في تجربة الشاعر الحقيقي، وأن الأنا فيها يمكن أن تنسلخ من المجموعة أو تنفرد. الذات والمجموعة تبقيان دائماً تحت مجهر واحد ورداء مشترك في هذه التجربة.
الشاعر الأصيل المبدع يئن مع الجريح، ويحن مع الغريب، ويصرخ مع المظلوم في وجه الظالم، ويتألم مع المحروم، ويندب مع الفاقد، وينوح مع الثكلى، وتنهمر دموعه أمام المشاهد الإنسانية المروعة. وإن منع الإباء دموعه من أن تنحدر أو ترى. وهو كذلك يفرح للقاء الأحبة، وينتشي لنيل المحرومين، ويهتف بالصلح والتصافي، ويسهر مع الذين يسهرون تحت ضوء القمر، ويشارك من يستبشرون بخيوط الشمس ويغرد مع الطيور التي تؤنسهم، ويطرب عندما تصفو سماؤهم وتندى حقولهم، كما يتهلل وجهه لرؤية بشائر الخير والحق والعدل والصفاء والسلام وهي تنتصر وتزهو بينهم... وهكذا يصبح مأتم المجموعة مأتمه وعرسها عرسه وربيعها ربيعه، وتتلاشى عنده الأنا وتذوب الذات في كيان المجموعة القريبة التي تجمعه بها روابط الدم والتاريخ والأرض، كما تذوب في كيان المجموعة الإنسانية في حدودها الواسعة أيضاً، عبر تراكمات متتالية تترسب وتختمر بمرور الزمن في أعماق النفس.
ولكن عدم الإحساس بالموسيقى الداخلية في القصيدة الحديثة أو عدم إدراك إيحاءاتها قد لا يرجع إلى قصور القارىء أو قلة خبرته ونقص أدواته، وإنما يعود إلى وجود خلل في صياغة هذه الموسيقى نفسها أو في طريقة الإيحاء بها، فقد تكون نابعة عن ذوق مقترض وروح مستعارة، ولا تستند إلى ما يدعمها ويؤكد فنيتها من عناصر النظام الموسيقي الموروث، كما هي الحال الغالبة في قصيدة النثر، أو تكون الألفاظ العاكسة لها أو الموحية بها كدرة متجهمة، وكل ذلك يمكن أن يفقد هذه الموسيقى حيويتها ويعكر صفوها ويمنع من حركتها في نفس القارىء. فلا تشفع لها حينئذ الحداثة ولا دعوى التجديد.
الحداثة والمعاصرة لا تعنيان انسلاخ الشاعر من ذاته وتقمص أرواح غريبة أو استعارة أقنعة مجتلبة وافتراض أذواق وأمزجة لا تعبر عن واقع الذات، ولا عن شخصية المجموعة التي تنتمي هذه الذات إليها، وإنما تعني الاستفادة مما يمكن أن يعزز وجود هذه الذات، ويظهر عنفوانها ويدعم انتماءها وولاءها للمجموعة وينهض بالجميع إلى مستويات تواكب الحياة الجديدة بمختلف أطوارها وتطوراتها. ومن الطبيعي أن هذا لا يتحقق إلا مع الإيمان بالقضية والولاء للأصل والاعتزاز بالتراث، والاعتماد على العناصر الفاعلة من معطيات هذا التراث في تأسيس الحركة الجديدة، وجعل العلاقة بين الماضي والحاضر علاقة تداخل وتكافل وتكامل أو تصاهر، وليس علاقة طلاق وانقطاع أو انفصال للشجرة عن أصلها كما انتهى إليه بعض من بالغ في تصور الحداثة.
الشاعر الناضج الأصيل لا يقلد ولا يتخلى عن ذاته أو عن كبرياء هذه الذات وكرامتها وأنفتها. ولكنه يمكن أن يقتدي ويتأثر ويستمد ما يحتاج إليه من دون ابتذال أو احتماء بالآخرين، ثم يأخذ ما يتأثر به أو يستمده فيصهره بعد تنقيته وتهذيبه، ويذيبه في روحه، ثم يخرجه من رحم التجربة الذاتية الخالصة مولوداً جديداً، مختلف الملامح مميز البصمات واضح الانتماء والهوية، ثابتاً على الولاء للرحم الذي أنجبه وللمجموعة التي ينحدر منها، وإلا كان مسخاً مشوهاً مبهم الشخصية فاقد الحيوية.
* * * * *
وحين يكتب الشاعر العظيم عن نفسه فهو يكتب عن زمنه وعن محيطه وعن مجموعته أيضاً، ولذلك فليس في تجربته الشعرية ما يفصل بين أحلامه وأحلام المجموعة سوى خيوط رفيعة سرعان ما تهن أو تضمحل، ذلك لأن الأنا في هذه التجربة سرعان ما تتقمص ضمير الجمع وتظلله وتستظل به، هذا إن لم تكن قد تقمصته واستظلت به منذ انطلاقتها. وهكذا تبقى حاضرة بحضوره وهو حاضر بحضورها، صيغتان في صيغة واحدة لا تنفصلان ولا تتباعدان. ولذلك يخطئ من يتصور أن هناك ذاتية مطلقة في تجربة الشاعر الحقيقي، وأن الأنا فيها يمكن أن تنسلخ من المجموعة أو تنفرد. الذات والمجموعة تبقيان دائماً تحت مجهر واحد ورداء مشترك في هذه التجربة.
الشاعر الأصيل المبدع يئن مع الجريح، ويحن مع الغريب، ويصرخ مع المظلوم في وجه الظالم، ويتألم مع المحروم، ويندب مع الفاقد، وينوح مع الثكلى، وتنهمر دموعه أمام المشاهد الإنسانية المروعة. وإن منع الإباء دموعه من أن تنحدر أو ترى. وهو كذلك يفرح للقاء الأحبة، وينتشي لنيل المحرومين، ويهتف بالصلح والتصافي، ويسهر مع الذين يسهرون تحت ضوء القمر، ويشارك من يستبشرون بخيوط الشمس ويغرد مع الطيور التي تؤنسهم، ويطرب عندما تصفو سماؤهم وتندى حقولهم، كما يتهلل وجهه لرؤية بشائر الخير والحق والعدل والصفاء والسلام وهي تنتصر وتزهو بينهم... وهكذا يصبح مأتم المجموعة مأتمه وعرسها عرسه وربيعها ربيعه، وتتلاشى عنده الأنا وتذوب الذات في كيان المجموعة القريبة التي تجمعه بها روابط الدم والتاريخ والأرض، كما تذوب في كيان المجموعة الإنسانية في حدودها الواسعة أيضاً، عبر تراكمات متتالية تترسب وتختمر بمرور الزمن في أعماق النفس.
صفحة 7
والشاعر الحقيقي الأصيل يتجه للمشاركة الحميمة مع المجموعة بطبعه وبمحض إرادته، ويجعل تجربته الشعرية تنمو نمواً عضوياً في حضنها وفي الأجواء التي تحيط بها. لذلك فهو لا يحتاج لأن يوجه إلى هذه المشاركة ولا أن يسأل عنها، أو أن تفرض عليه، بل إنه يأبى أن يوجه إلى موقف شعوري معين مرتبط بمجموعته أو بمحيطه، أو أن يقاد إلى طريقة أو أسلوب محدد للتعبير عن هذا الموقف أو ذاك. فهو وحده الذي يرسم صورة موقفه، ويختار طريقة التعامل مع هذا الموقف، وبحسب ما يمليه عليه إحساسه. وهذا هو معنى الالتزام الحقيقي، الالتزام الذي لا يخضع فيه الشاعر لإلزام من خارج الذات، وإنما يلزم نفسه بنفسه ليصدق مع ذاته ويخلص لقضيته ويمارس حريته على الوجه الأكمل.
ولئن قيل: إنَّ لجهة ما كفوءة أو مخلصة ناصحة أن تضيء للشاعر المبدع مسارات ربما كان غافلاً عنها، أو تشير عليه باتخاذ قرارات تردد فيها، فإن ذلك من باب التجوز والافتراض أو الحفز والتنبيه. وإلا فلن يستطيع أحد مهما علا شأنه وارتقى مقامه أن يختار للشاعر الأصيل موقفه الشعوري أو زمن هذا الموقف أو كيفية التعبير عنه. حتى ذلك الناقد الحاذق القدير، لأن الناقد إن كان يشبه الشاعر فالشاعر الحقيقي هو في الأصل ناقد قدير أيضاً، والأمر مرتبط بالإحساس، والإحساس بصمة مرتبطة بتكوين الذات نفسها.
وبناء عليه يصبح من الغريب أن يطلب من الشاعر الحر كتابة قصيدة في مناسبة لا مكان لها في وجدانه. أو في وصف حدث لم يتصور في أعماق شعوره، أو ذكر واقعة لم تتفاعل أصداؤها في نفسه، أو أن يحدد له زمان قصيدته أو مكان هذه القصيدة أو نوعها وطولها أو نمطها وقافيتها ورويها، أو غير ذلك مما هو مبني في الأصل على نشوء الموقف وعلى نموه وتبلوره وتحوله إلى تجربة الشعرية. هذه أمور غيبية تفرض نفسها بنفسها وتختار زمانها ومكانها ومساحاتها.
أما ما يصنعه المداحون والندابون وتجار السياسة وبائعو المجاملات والمهرجون المأجورون أو المرتزقة باسم الشعر، فهذه كتابات لا تصلها بالشعر إلا روابط الإيقاع، ولا تنتسب إلى الفن إلا بضبط قياسات الكلمات ومساحات التعبير، وليس بعد ذلك إلا وجوهٌ مقنعةٌ وأجسامٌ محنطة وقوالب تعبيرية مصطنعة. وهذا هو الفرق بين كتابة الشعر وصناعته، أو بين ما سماه النقاد العرب القدامى بالشعر المطبوع والشعر المصنوع. وإن كان ذلك لا ينطبق على كل ما يفهم من صناعة الشعر .
مدح المتنبي سيف الدولة الحمداني فكانت مدائحه له سبباً في خلود شعره، وفي تخليد ذكر ممدوحه، لأن هذه المدائح كانت نابعة من قناعة ذاتية، ومن مواقف تفاعلت أصداؤها في نفس الشاعر بصدق وكان لها مكانها الحقيقي في وجدانه. ومدح المتنبي نفسه كافوراً الإخشيدي، ثم ذمه، فلم يخلد المدح كما خلد الذم، لأن الذم كان هو المعبر الحقيقي عن واقع الذات. فلم يك الشاعر ليؤمن في قرارة نفسه يوماً بأن عبداً مملوكاً تسلط بالبطش والقهر على ملك سيده جدير بالمدح. وإنما حكمت المنافع المادية الوقتية بذلك. ولذلك كانت قصائده في مدحه مصنوعة لا رواء فيها، ولأنها كذلك فقد نسيها الناس أو كادوا، بينما غدت قصيدته الدالية في هجاء كافور مثلاً تردد ذكره الأجيال.
وليبدع الشاعر الحقيقي قصيدته، لابد له من أن يفكر بطريقة شعرية، والتفكير بهذه الطريقة يتنافى مع التفكير المنطقي الذي يخضع للضوابط المقررة والمقاييس العقلية أو المعيارية الموضوعة، وإذا كنت لأمر افتراضي أو جدلي ما تستطيع أن تطلب من أحد أن يفرح لفرحك أو يحزن لحزنك ويتأثر وينفعل كما تتأثر وتنفعل، فإنك لن تستطيع أن تطلب من شاعر مبدع حر أن ينظم لك قصيدة أصيلة في غرض تختاره أنت، أو موقف شعوري أو فكري أو نفسي أنت تحدده، كما يفعل الملوك والأمراء والرؤساء مع صناع مدائحهم. إن منطلق القصيدة الشعرية الحقيقية هو فرح الشاعر أو حزنه وانفعاله وتأثره هو ذاته. ولن يفرح أو يحزن أو يأسى أو ينفعل فيها بالنيابة عن أحد.
وعندما يقال أن الشاعر صوت عصره. ولسان قومه، وضمير مجتمعه الناطق الحي، والمعبر عن أحزانه وأفراحه وآلامه وآماله، فهذا لا يعني أنه الناقل لمشاعر الجمهور نيابة عنهم، وإنما يعني أنه المعبر عن مشاركته الفعلية الصادقة لهم.
إن الشاعر المبدع يعيش عصره، ويتفاعل مع الجمهور الذي يشاركه في حياته بحس مرهف وحيـويـة فاعلـة متناميـة، ويعيش آلام هذا الجمهور ويشاركه في همومه وأحزانه بوجـدان يقـظ حي متفـتح، فإذا ما عبر عن هذه المشاعر فإنمـا يعبـر عن تجربـة وجدانـية ذاتية ذائبـة في تجـربة المجموعة بأكملها. وهو الأقدر على تجسيد هذه المشاعر ونقلها أو التعبير عنها، لأنه الأقرب إليها أو الأسرع إلى تحسسها والأكثر في تمثلها واستحضارها وبالتالي فهو الأصدق في التعبير عنها.
وليرى قارئ الشعر الرفيع قضيته فيما ينظمه الشاعر المبدع الأصيل، ويجد نفسه حاضراً فيه بروحه وقلبه وإحساسه، ويشعر بروعة الاجتماع وجلال الإبداع في إبراز صورته مندمجة في كيان المجموعة. لابد له من أن يصغي إلى هذا الشعر في دعة وطمأنينة وصفاء حسي وروحي خالص، ويستقطر أبياته أو عباراته في حياد يستبعد معه كل حكم مسبق. ويتوجه إليه بوعي يفرق فيه بين حقيقة الشعر وحقيقة الخطاب الذهني الذي يعرض الحقائق مكشوفة عارية. لا يستمع إلى ما تقول أبياته وعباراته بقدر ما يستشعر الحركة الخافية في كلماتها ويتحسس همسات تراكيبها ونبضات حروفها.
* * * * *
ولئن قيل: إنَّ لجهة ما كفوءة أو مخلصة ناصحة أن تضيء للشاعر المبدع مسارات ربما كان غافلاً عنها، أو تشير عليه باتخاذ قرارات تردد فيها، فإن ذلك من باب التجوز والافتراض أو الحفز والتنبيه. وإلا فلن يستطيع أحد مهما علا شأنه وارتقى مقامه أن يختار للشاعر الأصيل موقفه الشعوري أو زمن هذا الموقف أو كيفية التعبير عنه. حتى ذلك الناقد الحاذق القدير، لأن الناقد إن كان يشبه الشاعر فالشاعر الحقيقي هو في الأصل ناقد قدير أيضاً، والأمر مرتبط بالإحساس، والإحساس بصمة مرتبطة بتكوين الذات نفسها.
وبناء عليه يصبح من الغريب أن يطلب من الشاعر الحر كتابة قصيدة في مناسبة لا مكان لها في وجدانه. أو في وصف حدث لم يتصور في أعماق شعوره، أو ذكر واقعة لم تتفاعل أصداؤها في نفسه، أو أن يحدد له زمان قصيدته أو مكان هذه القصيدة أو نوعها وطولها أو نمطها وقافيتها ورويها، أو غير ذلك مما هو مبني في الأصل على نشوء الموقف وعلى نموه وتبلوره وتحوله إلى تجربة الشعرية. هذه أمور غيبية تفرض نفسها بنفسها وتختار زمانها ومكانها ومساحاتها.
أما ما يصنعه المداحون والندابون وتجار السياسة وبائعو المجاملات والمهرجون المأجورون أو المرتزقة باسم الشعر، فهذه كتابات لا تصلها بالشعر إلا روابط الإيقاع، ولا تنتسب إلى الفن إلا بضبط قياسات الكلمات ومساحات التعبير، وليس بعد ذلك إلا وجوهٌ مقنعةٌ وأجسامٌ محنطة وقوالب تعبيرية مصطنعة. وهذا هو الفرق بين كتابة الشعر وصناعته، أو بين ما سماه النقاد العرب القدامى بالشعر المطبوع والشعر المصنوع. وإن كان ذلك لا ينطبق على كل ما يفهم من صناعة الشعر .
مدح المتنبي سيف الدولة الحمداني فكانت مدائحه له سبباً في خلود شعره، وفي تخليد ذكر ممدوحه، لأن هذه المدائح كانت نابعة من قناعة ذاتية، ومن مواقف تفاعلت أصداؤها في نفس الشاعر بصدق وكان لها مكانها الحقيقي في وجدانه. ومدح المتنبي نفسه كافوراً الإخشيدي، ثم ذمه، فلم يخلد المدح كما خلد الذم، لأن الذم كان هو المعبر الحقيقي عن واقع الذات. فلم يك الشاعر ليؤمن في قرارة نفسه يوماً بأن عبداً مملوكاً تسلط بالبطش والقهر على ملك سيده جدير بالمدح. وإنما حكمت المنافع المادية الوقتية بذلك. ولذلك كانت قصائده في مدحه مصنوعة لا رواء فيها، ولأنها كذلك فقد نسيها الناس أو كادوا، بينما غدت قصيدته الدالية في هجاء كافور مثلاً تردد ذكره الأجيال.
وليبدع الشاعر الحقيقي قصيدته، لابد له من أن يفكر بطريقة شعرية، والتفكير بهذه الطريقة يتنافى مع التفكير المنطقي الذي يخضع للضوابط المقررة والمقاييس العقلية أو المعيارية الموضوعة، وإذا كنت لأمر افتراضي أو جدلي ما تستطيع أن تطلب من أحد أن يفرح لفرحك أو يحزن لحزنك ويتأثر وينفعل كما تتأثر وتنفعل، فإنك لن تستطيع أن تطلب من شاعر مبدع حر أن ينظم لك قصيدة أصيلة في غرض تختاره أنت، أو موقف شعوري أو فكري أو نفسي أنت تحدده، كما يفعل الملوك والأمراء والرؤساء مع صناع مدائحهم. إن منطلق القصيدة الشعرية الحقيقية هو فرح الشاعر أو حزنه وانفعاله وتأثره هو ذاته. ولن يفرح أو يحزن أو يأسى أو ينفعل فيها بالنيابة عن أحد.
وعندما يقال أن الشاعر صوت عصره. ولسان قومه، وضمير مجتمعه الناطق الحي، والمعبر عن أحزانه وأفراحه وآلامه وآماله، فهذا لا يعني أنه الناقل لمشاعر الجمهور نيابة عنهم، وإنما يعني أنه المعبر عن مشاركته الفعلية الصادقة لهم.
إن الشاعر المبدع يعيش عصره، ويتفاعل مع الجمهور الذي يشاركه في حياته بحس مرهف وحيـويـة فاعلـة متناميـة، ويعيش آلام هذا الجمهور ويشاركه في همومه وأحزانه بوجـدان يقـظ حي متفـتح، فإذا ما عبر عن هذه المشاعر فإنمـا يعبـر عن تجربـة وجدانـية ذاتية ذائبـة في تجـربة المجموعة بأكملها. وهو الأقدر على تجسيد هذه المشاعر ونقلها أو التعبير عنها، لأنه الأقرب إليها أو الأسرع إلى تحسسها والأكثر في تمثلها واستحضارها وبالتالي فهو الأصدق في التعبير عنها.
وليرى قارئ الشعر الرفيع قضيته فيما ينظمه الشاعر المبدع الأصيل، ويجد نفسه حاضراً فيه بروحه وقلبه وإحساسه، ويشعر بروعة الاجتماع وجلال الإبداع في إبراز صورته مندمجة في كيان المجموعة. لابد له من أن يصغي إلى هذا الشعر في دعة وطمأنينة وصفاء حسي وروحي خالص، ويستقطر أبياته أو عباراته في حياد يستبعد معه كل حكم مسبق. ويتوجه إليه بوعي يفرق فيه بين حقيقة الشعر وحقيقة الخطاب الذهني الذي يعرض الحقائق مكشوفة عارية. لا يستمع إلى ما تقول أبياته وعباراته بقدر ما يستشعر الحركة الخافية في كلماتها ويتحسس همسات تراكيبها ونبضات حروفها.
* * * * *
صفحة 8
لا يتوقع قارئ ما بأن يرى في قصيدة الشعر ما يراه في قطعة النثر: معان ظاهرة، وعواطف مكشوفة وقواعد فلسفية ثابتة ومثل أخلاقية مبسوطة. ولا يتوقع أن يرى النقاط على الحروف والعبارات تحكمها مقاييس العقل وقوانين المنطق أو يقيدها نوع من التسلسل أو التدرج والترابط أو التحديد. هذه الاعتبارات أو القيود لا مكان لها في الشعر، وهذا هو الفرق بين مثالية النثر وواقعية الشعر بما هو شعر في حقيقته.
الخطاب الشعري لا يعبر عما يسنه الفكر ويحكم به العقل، ولا يستند إلى نظام لغوي ثابت محدد، يسمح بالمحاسبة والتدقيق والقياس. والشاعر لا يتكلم بمنطق الحروف والكلمات على النحو الذي يصنع الناثر أو متكلم اللغة العادي، وإنما هو يخيل ويصور، ويستنطق اللاوعي، ويستجمع ما تستحضره أحاسيسه من جزئيات مجهرية دقيقة، ُثم يرسمها ويبثها ويرسلها بطريق الإيحاء على شكل تلميحات وإشارات وشفرات تترك للمتلقي الفطن، ليفكها ويستحضر تفاصيلها في مخيلته، وفقاً لما تمليه روحانية التلقي لديه وما يفرضه عليه تأثره بعناصر الخطاب وتفاعله مع هذه العناصر، ثم على مقدار ما لديه من قابلية النفاذ والاستشراف والكشف، وليس لذلك كله من صلة بمنطق اللغة المعتاد.
إن الشعر الحقيقي كأي فن من الفنون الراقية، هو خطاب الروح إلى الروح، والتفاهم بين الأرواح لا يتم عن طريق العقل ولا عن طريق العلاقات اللغوية التي نحتها وشكلها هذا العقل، وإنما يتم بالمشاركة الشعورية وحدها، فعن طريق هذه المشاركة تخترق الحجب وتبدأ عمليات الإشراق والتراسل والاستبطان والتأثر اللاواعي، وتتحاور وتتجاوب الأحاسيس عبر نشاط داخلي صاعد أمين. حتى تنقاد النفس إلى النفس انقياداً قد يتعالى عن التفسير أو التحديد والرصد.
والشعر نفحات روحية سحرية نابضة، تشع بالمعاني ولا تعرضها، وتوحي بالأفكار ولا تصرح بها، وترمز إلى الحقائق ولا تتحدث عنها، وتنقل المشاعر والأحاسيس والرؤى والمواقف عبر مسارات سرية جاذبة، على المتلقي أن يرصدها ويكتشفها ويكتشف جاذبيتها ويصل إلى غاياتها. وليتمكن هذا المتلقي من تحقيق كل ذلك، لابد له من أن يمتلك الأدوات الكافية التي تمكنه. وامتلاك هذه الأدوات ليس بالأمر الهين. وإلا لما كانت للشعر أو الفن خصوصيته، ولا كان لمتذوقيه اعتبارهم الخاص المميز. ولا كان هناك شروح وتفسيرات مختلفة للأشعار وغوامض الفن، ولا كان هناك في النهاية خلافات ومنازعات في شأنها وشأن مضامينها ومدلولاتها وقيم الإبداع فيها.
عندما يشعر قارئ الشعر الرفيع بأنه كلما قرأه ازداد تعلقاً به، وكلما اقترب منه ازداد شوقاً إليه، وكلما تذوقه تعاظمت نشوته ومتعته به. وأنه يقرأه المرات العديدة فيستجلي في كل مرة معاني لم يعثر عليها من قبل، ويستشف صوراً ومشاهد جديدة تزيد من إحساسه بلذة الفن، وتجدد نشاطه أو تضاعف من فرحته بالاكتشاف، وتُشعره بأن في غموض هذا الشعر ومضات دافئة وروائح زكية، تستحثه على إدمان قراءته أو ترديد عباراته في محضره وخلوته. عندما يشعر هذا القارئ بكل ذلك يكون حينها قد تأكد أنه غمر بتلك النفحات السحرية الباهرة، وأنه وقع على تلك المسارات السرية التي توصله إلى الكنز.
والقول بضرورة أن يمتلك المتلقي الأدوات الكافية التي تمكنه من إدراك تلك النفحات السحرية الغامرة والوقوع على المسارات التي توصله إلى ذلك الكنز المخبأ، لا يعني بأية حال من الأحوال أن ننسى دور الشاعر في جعل أدواته حية ناطقة سارية المفعول. إذ لا يصح أن يوغل هذا الشاعر في سد منافذ التواصل ويبالغ في تضييق مسارات التفاهم الروحي أو الشعوري أمام المتلقي، وعندما يفشل المتلقي في اختراق هذه المنافذ والوصول إلى هذه المسارات يتهم بالعجز أو القصور. ويبقى الشاعر في مأمن من التهمة أو العيب.
لا يمنع أن يكون السبب في انعدام السلاسة في التواصل بين الشاعر والمتلقي هو انغلاق روح الشاعر وتعقيداتها، أو تنحية هذه الروح عن عفويتها والانحراف بها إلى دهاليز معتمة، أو عجز الشاعر نفسه عن إحكام صنعته أو عن امتلاك أدوات هذه الصنعة.
الشعر الرفيع مبرقع خفي الدلالة بطبيعته، ولكنه قد يكون مبرقعاً لخلل في رؤية الشاعر أو لفقر في لغته ونقص في أدواته. وقد يكون مبرقـعاً بأقنـعة سوداء حالكة لا يمكن أن يخترقها الضوء. وحينئذ لا يشفع له الخـفاء والامتـناع، لأنه سيصبح عصيـاً على الرؤيا والكشف، وما لا يرى ولا تستشف دواخله وأسراره لن يكون له جمهور. بغض النظر عن مقدار هذا الجمهور أو نوعه. وإذا فقد الشعر جمهوره كلية فقد دوره المؤثر، وإذا فقد دوره المـؤثر انتفت أو كادت تنتـفي مبررات وجـوده، ولا عليـنـا بمن يقول: «لو لم يكن للشعر من الجمهور إلا واحداً لكفى».
ينبغي أن تكون للشاعر رؤيته الفنية الأصيلة التي تنبثق من واقع حياته وعصره ومحيطه الاجتماعي أو الإنساني. عندها ستكون هذه الرؤية شفافة متبلورة في أعماق الذات مشرقة في أرجاء النفس وسينعكس هذا الإشراق على واقع التجربة الشعرية فتكون معبرة وصادقة، مشعة مهما كانت الغلالة التي تكتسيها. أما إذا كانت هذه الرؤية مجـتـلبـة أو منتحلة أو مقحمة فلا ينتظر أن تسيغها النفس ولا أن تصدق في بلورتها وتمثيلها أو الإيحاء بها، وسوف يرتد ذلك على واقع التجربة فتصبح مضطربة مشوشة كثيرة التضاريس، وربما جاءت معتمة مستغلقة .
التواصل الروحي بين الاثنين الشاعر ومتلقي الشعر إذن قائم في فاعليته وأثره على امتلاك الطرفين أسس هذا التواصل ومقوماته: صدق التجربة ونضجها ودفؤها وحيويتها ووضوح الرؤية وأصالتها وصفاء السليقة وطواعية اللغة وروعة البيان وقابلية الإبهار والجذب لدى الشاعر.. مقابل انفتاح الروح واتساع الأفق ورحابة الخيال ورهافة الحس وصفاء الذوق وقوة الاستيحاء والاستشراف والتبين لدى المتلقي.. هذا مع التأكيد على ثقافة عالية في اللغة في إطارها العام الذي يجمع بين اللفظ والصوت والحركة والصورة والضوء.. ثقافة مشتركة تسمح للشاعر بالدوران الحر واستجلاء آفاق النفس والكشف عن أسرارها. كما تأذن للمتلقي باختراق فضاءات الشاعر والتحليق معه أو الاقتراب منه ورؤية ما يشع أو يرف أو يهمس أو يهتف أو يتحرك في هذه الفضاءات.
الخطاب الشعري لا يعبر عما يسنه الفكر ويحكم به العقل، ولا يستند إلى نظام لغوي ثابت محدد، يسمح بالمحاسبة والتدقيق والقياس. والشاعر لا يتكلم بمنطق الحروف والكلمات على النحو الذي يصنع الناثر أو متكلم اللغة العادي، وإنما هو يخيل ويصور، ويستنطق اللاوعي، ويستجمع ما تستحضره أحاسيسه من جزئيات مجهرية دقيقة، ُثم يرسمها ويبثها ويرسلها بطريق الإيحاء على شكل تلميحات وإشارات وشفرات تترك للمتلقي الفطن، ليفكها ويستحضر تفاصيلها في مخيلته، وفقاً لما تمليه روحانية التلقي لديه وما يفرضه عليه تأثره بعناصر الخطاب وتفاعله مع هذه العناصر، ثم على مقدار ما لديه من قابلية النفاذ والاستشراف والكشف، وليس لذلك كله من صلة بمنطق اللغة المعتاد.
إن الشعر الحقيقي كأي فن من الفنون الراقية، هو خطاب الروح إلى الروح، والتفاهم بين الأرواح لا يتم عن طريق العقل ولا عن طريق العلاقات اللغوية التي نحتها وشكلها هذا العقل، وإنما يتم بالمشاركة الشعورية وحدها، فعن طريق هذه المشاركة تخترق الحجب وتبدأ عمليات الإشراق والتراسل والاستبطان والتأثر اللاواعي، وتتحاور وتتجاوب الأحاسيس عبر نشاط داخلي صاعد أمين. حتى تنقاد النفس إلى النفس انقياداً قد يتعالى عن التفسير أو التحديد والرصد.
والشعر نفحات روحية سحرية نابضة، تشع بالمعاني ولا تعرضها، وتوحي بالأفكار ولا تصرح بها، وترمز إلى الحقائق ولا تتحدث عنها، وتنقل المشاعر والأحاسيس والرؤى والمواقف عبر مسارات سرية جاذبة، على المتلقي أن يرصدها ويكتشفها ويكتشف جاذبيتها ويصل إلى غاياتها. وليتمكن هذا المتلقي من تحقيق كل ذلك، لابد له من أن يمتلك الأدوات الكافية التي تمكنه. وامتلاك هذه الأدوات ليس بالأمر الهين. وإلا لما كانت للشعر أو الفن خصوصيته، ولا كان لمتذوقيه اعتبارهم الخاص المميز. ولا كان هناك شروح وتفسيرات مختلفة للأشعار وغوامض الفن، ولا كان هناك في النهاية خلافات ومنازعات في شأنها وشأن مضامينها ومدلولاتها وقيم الإبداع فيها.
عندما يشعر قارئ الشعر الرفيع بأنه كلما قرأه ازداد تعلقاً به، وكلما اقترب منه ازداد شوقاً إليه، وكلما تذوقه تعاظمت نشوته ومتعته به. وأنه يقرأه المرات العديدة فيستجلي في كل مرة معاني لم يعثر عليها من قبل، ويستشف صوراً ومشاهد جديدة تزيد من إحساسه بلذة الفن، وتجدد نشاطه أو تضاعف من فرحته بالاكتشاف، وتُشعره بأن في غموض هذا الشعر ومضات دافئة وروائح زكية، تستحثه على إدمان قراءته أو ترديد عباراته في محضره وخلوته. عندما يشعر هذا القارئ بكل ذلك يكون حينها قد تأكد أنه غمر بتلك النفحات السحرية الباهرة، وأنه وقع على تلك المسارات السرية التي توصله إلى الكنز.
والقول بضرورة أن يمتلك المتلقي الأدوات الكافية التي تمكنه من إدراك تلك النفحات السحرية الغامرة والوقوع على المسارات التي توصله إلى ذلك الكنز المخبأ، لا يعني بأية حال من الأحوال أن ننسى دور الشاعر في جعل أدواته حية ناطقة سارية المفعول. إذ لا يصح أن يوغل هذا الشاعر في سد منافذ التواصل ويبالغ في تضييق مسارات التفاهم الروحي أو الشعوري أمام المتلقي، وعندما يفشل المتلقي في اختراق هذه المنافذ والوصول إلى هذه المسارات يتهم بالعجز أو القصور. ويبقى الشاعر في مأمن من التهمة أو العيب.
لا يمنع أن يكون السبب في انعدام السلاسة في التواصل بين الشاعر والمتلقي هو انغلاق روح الشاعر وتعقيداتها، أو تنحية هذه الروح عن عفويتها والانحراف بها إلى دهاليز معتمة، أو عجز الشاعر نفسه عن إحكام صنعته أو عن امتلاك أدوات هذه الصنعة.
الشعر الرفيع مبرقع خفي الدلالة بطبيعته، ولكنه قد يكون مبرقعاً لخلل في رؤية الشاعر أو لفقر في لغته ونقص في أدواته. وقد يكون مبرقـعاً بأقنـعة سوداء حالكة لا يمكن أن يخترقها الضوء. وحينئذ لا يشفع له الخـفاء والامتـناع، لأنه سيصبح عصيـاً على الرؤيا والكشف، وما لا يرى ولا تستشف دواخله وأسراره لن يكون له جمهور. بغض النظر عن مقدار هذا الجمهور أو نوعه. وإذا فقد الشعر جمهوره كلية فقد دوره المؤثر، وإذا فقد دوره المـؤثر انتفت أو كادت تنتـفي مبررات وجـوده، ولا عليـنـا بمن يقول: «لو لم يكن للشعر من الجمهور إلا واحداً لكفى».
ينبغي أن تكون للشاعر رؤيته الفنية الأصيلة التي تنبثق من واقع حياته وعصره ومحيطه الاجتماعي أو الإنساني. عندها ستكون هذه الرؤية شفافة متبلورة في أعماق الذات مشرقة في أرجاء النفس وسينعكس هذا الإشراق على واقع التجربة الشعرية فتكون معبرة وصادقة، مشعة مهما كانت الغلالة التي تكتسيها. أما إذا كانت هذه الرؤية مجـتـلبـة أو منتحلة أو مقحمة فلا ينتظر أن تسيغها النفس ولا أن تصدق في بلورتها وتمثيلها أو الإيحاء بها، وسوف يرتد ذلك على واقع التجربة فتصبح مضطربة مشوشة كثيرة التضاريس، وربما جاءت معتمة مستغلقة .
التواصل الروحي بين الاثنين الشاعر ومتلقي الشعر إذن قائم في فاعليته وأثره على امتلاك الطرفين أسس هذا التواصل ومقوماته: صدق التجربة ونضجها ودفؤها وحيويتها ووضوح الرؤية وأصالتها وصفاء السليقة وطواعية اللغة وروعة البيان وقابلية الإبهار والجذب لدى الشاعر.. مقابل انفتاح الروح واتساع الأفق ورحابة الخيال ورهافة الحس وصفاء الذوق وقوة الاستيحاء والاستشراف والتبين لدى المتلقي.. هذا مع التأكيد على ثقافة عالية في اللغة في إطارها العام الذي يجمع بين اللفظ والصوت والحركة والصورة والضوء.. ثقافة مشتركة تسمح للشاعر بالدوران الحر واستجلاء آفاق النفس والكشف عن أسرارها. كما تأذن للمتلقي باختراق فضاءات الشاعر والتحليق معه أو الاقتراب منه ورؤية ما يشع أو يرف أو يهمس أو يهتف أو يتحرك في هذه الفضاءات.
صفحة 9
على أن المزايا المذكورة للمتلقي لا تكفيه للكشف عن خبايا السحر والإبداع في الشعر كما ينبغي، ما لم تكن مقرونة بهالة من المعارف تشرق في فكره وترتقي بحسه وتصقل ذوقه وتعينه على فك رموز الفن والكشف عما خفي وراء هذه الرموز
* * * * *
الشعر الحقيقي ليس مجرد أخيلة تسرح بالمتلقي في آفاق من الدهشة، ولا عواطف تهز مشاعره لأغراض آنية، ولا هو محض أهازيج يرددها الناس في أفراحهم وأتراحهم أو أنغام يترنمون بها في خلواتهم، أو ألاعيب لغوية يلهون ويتسلون بها في أوقات فراغهم ومجالس أنسهم. ولا هو بذلك الميدان الذي تبسط فيه الحقائق المعرفية وتوضح المثل الفلسفية وتداعيات الأفكار والتجارب العقلية.
ليس هذا هو الشعر في أنماطه وتجاربه الرفيعة الراقية. ليتصور أن من السهل على العارف باللغة أو المتأدب والفيلسوف أو العالم ورجل الدين فك رموزه ومعرفة ألغازه وخفاياه. وعندما يعجز عن ذلك يسارع إلى اتهام الشاعر بالضحالة والخواء أو العجز والقصور. إن الشعر عالم رفيع، ويتطلب قارئاً رفيعاً أيضاً، رفيعاً في ذوقه ولغته وثقافته وحسه وإدراكه وتبصره.
* * * * *
وخلاصة القول فقد كان الشاعر من وجهة النظر العربية القديمة يعد إنساناً فطناً، دقيق الملاحظة، عميق النظر، صاحب رأي جيد سديد، يشعر بما لا يشعر به غيره، لرهافة حسه وشدة حذقه ورقة طبعه، أما من وجهة النظر الحديثة فقد عرف بأنه إنسان متيقظ متنبه مغامر، يتمتع بقدرات خارقة على التأمل والتنبؤ والحدس والاختراق والكشف، وببصيرة فائقة في استخلاص الصور العينية أو البصرية الدقيقة وتجريدها، ثم تحويلها إلى طاقات فكرية، ثم تحويل هذه الطاقات إلى هواجس وأحاسيس ومحسوسات أيضاً. وفي وجهتي النظر هاتين ما يدل على أن للشاعر ملكات ليس من السهل على الآخرين العاديين بلوغها أو الانتهاء إلى ما تصل إليه وتبلغ حدوده وغاياته.. إن لم يكن من المتعسر عليهم امتلاكها وبلوغ شأوها أصلاً.
وإذا كان الشعر عند العرب في الماضي يعتبر وسيلة تهذيب وإعلام وتثقيف وردع ودفاع وترهيب وترغيب. وأداة لتسجيل الأحداث وتقييد الأنساب والأحساب ودقائق اللغة وتداعيات الفكر. فإنه في عرف نقاد العصر الحاضر وأدبائه وحكمائه من العرب والعجم، يعتبر في تجاربه ونماذجه الإبداعية الأصيلة مرآة للحياة الإنسانية الحالمة بالحب والأمن والسلام وبالحرية والانطلاق. بل إنه خلاصة تجارب الحياة المثمرة على اختلاف صورها وأشكالها وموضوعاتها.
وهذه التجارب التي يجسدها الشعر أو يعبر عنها مستمدة من المدركات والمحسوسات التي تحيط بالإنسان. يواصل الشاعر المبدع بها مسيرة التطوير بكل أبعاده، ويتخذ من رموز التاريخ القومي أو الإنساني ومن عناصر التراث المتمثلة بمعانيها في كيانه مواد أو منطلقات وعناوين. ويظل يجدد فيها وينميها ويبلورها أو يبعثها إلى الحياة جديدة ناصعة، ويقدمها إلى الآخرين في صياغات سهلة جميلة وبسيطة، لكنها في الوقت نفسه مفعمة بالغيبيات والمفاجآت. مفاجآت وغيبيات مستخلصة من كل ما يلتقطه حس الشاعر وتستمده بصيرته، ومجسدة فيما ينسجه خياله وتبدعه موهبته الخارقة من صور الفن وطرائف اللغة ونوادر الصياغة وغرائب الفكر.
وهذه الغيبيات والمفاجآت بألوانها المختلفة تبدو رائعة ومدهشة عند من يعيها ويعي معطياتها وتداعياتها القريبة والبعيدة بحسه وقلبه وبصيرته، وعند من تنهض به ذائقته أو يسعفه رصيده من اللغة والثقافة، ولكنها تبدو غامضة مبهمة، أو عسرة الهضم عند من لا يمتلك هذا الوعي ولا هذا الرصيد، ولم تتهيأ نفسه لاستلهام إشعاعاتها ولا يمتلك القدرة على توفير هذا التهيؤ. وربما كان الإحساس بالروعة فيها والاستمتاع بمكوناتها على مقدار ما يتوافر من هذه القدرة وهذا التهيؤ. وهذا ما يجعل للتجربة الشعرية المعمقة الثرية أكثر من تفسير أو يجعلها أمام تأويلات ومواقف وتقديرات مختلفة، وربما تحديات مختلفة أيضاً، حيث يفهمها الناس كل على طريقته وبحسب مزاجه ومقدار الوسائل المتاحة أمامه.
وبناء على ذلك لا بد من التأكيد على أن الشعر الرفيع لا يكشف عن زينته ويبدي فتنته ويسفر عن جماله وسحره إلا لمن حللت لهم شريعة الفن ذلك. وشريعة الفن قائمة في طبيعتها على رهافة الحس وتألق الشعور وتوهج الفكر والقدرة على جعل الروح تعانق الروح وتذوب فيها وتنصهر في أعماقها. وإلا فإن كلاً يستمد منه ويستمتع به على مقدار ما أوتي من هذه الصفات أو من تجلياتها. وإذا كان من تمنحهم شريعة الفن إذن الوصول هم الصفوة الصافية، فلا بد وأن يكون لهذه الصفوة دورها في الوساطة وفي توسيع دائرة الإباحة.
د. أحمد محمد المعتوق
الظهران ـ المملكة العربية السعودية
* * * * *
الشعر الحقيقي ليس مجرد أخيلة تسرح بالمتلقي في آفاق من الدهشة، ولا عواطف تهز مشاعره لأغراض آنية، ولا هو محض أهازيج يرددها الناس في أفراحهم وأتراحهم أو أنغام يترنمون بها في خلواتهم، أو ألاعيب لغوية يلهون ويتسلون بها في أوقات فراغهم ومجالس أنسهم. ولا هو بذلك الميدان الذي تبسط فيه الحقائق المعرفية وتوضح المثل الفلسفية وتداعيات الأفكار والتجارب العقلية.
ليس هذا هو الشعر في أنماطه وتجاربه الرفيعة الراقية. ليتصور أن من السهل على العارف باللغة أو المتأدب والفيلسوف أو العالم ورجل الدين فك رموزه ومعرفة ألغازه وخفاياه. وعندما يعجز عن ذلك يسارع إلى اتهام الشاعر بالضحالة والخواء أو العجز والقصور. إن الشعر عالم رفيع، ويتطلب قارئاً رفيعاً أيضاً، رفيعاً في ذوقه ولغته وثقافته وحسه وإدراكه وتبصره.
* * * * *
وخلاصة القول فقد كان الشاعر من وجهة النظر العربية القديمة يعد إنساناً فطناً، دقيق الملاحظة، عميق النظر، صاحب رأي جيد سديد، يشعر بما لا يشعر به غيره، لرهافة حسه وشدة حذقه ورقة طبعه، أما من وجهة النظر الحديثة فقد عرف بأنه إنسان متيقظ متنبه مغامر، يتمتع بقدرات خارقة على التأمل والتنبؤ والحدس والاختراق والكشف، وببصيرة فائقة في استخلاص الصور العينية أو البصرية الدقيقة وتجريدها، ثم تحويلها إلى طاقات فكرية، ثم تحويل هذه الطاقات إلى هواجس وأحاسيس ومحسوسات أيضاً. وفي وجهتي النظر هاتين ما يدل على أن للشاعر ملكات ليس من السهل على الآخرين العاديين بلوغها أو الانتهاء إلى ما تصل إليه وتبلغ حدوده وغاياته.. إن لم يكن من المتعسر عليهم امتلاكها وبلوغ شأوها أصلاً.
وإذا كان الشعر عند العرب في الماضي يعتبر وسيلة تهذيب وإعلام وتثقيف وردع ودفاع وترهيب وترغيب. وأداة لتسجيل الأحداث وتقييد الأنساب والأحساب ودقائق اللغة وتداعيات الفكر. فإنه في عرف نقاد العصر الحاضر وأدبائه وحكمائه من العرب والعجم، يعتبر في تجاربه ونماذجه الإبداعية الأصيلة مرآة للحياة الإنسانية الحالمة بالحب والأمن والسلام وبالحرية والانطلاق. بل إنه خلاصة تجارب الحياة المثمرة على اختلاف صورها وأشكالها وموضوعاتها.
وهذه التجارب التي يجسدها الشعر أو يعبر عنها مستمدة من المدركات والمحسوسات التي تحيط بالإنسان. يواصل الشاعر المبدع بها مسيرة التطوير بكل أبعاده، ويتخذ من رموز التاريخ القومي أو الإنساني ومن عناصر التراث المتمثلة بمعانيها في كيانه مواد أو منطلقات وعناوين. ويظل يجدد فيها وينميها ويبلورها أو يبعثها إلى الحياة جديدة ناصعة، ويقدمها إلى الآخرين في صياغات سهلة جميلة وبسيطة، لكنها في الوقت نفسه مفعمة بالغيبيات والمفاجآت. مفاجآت وغيبيات مستخلصة من كل ما يلتقطه حس الشاعر وتستمده بصيرته، ومجسدة فيما ينسجه خياله وتبدعه موهبته الخارقة من صور الفن وطرائف اللغة ونوادر الصياغة وغرائب الفكر.
وهذه الغيبيات والمفاجآت بألوانها المختلفة تبدو رائعة ومدهشة عند من يعيها ويعي معطياتها وتداعياتها القريبة والبعيدة بحسه وقلبه وبصيرته، وعند من تنهض به ذائقته أو يسعفه رصيده من اللغة والثقافة، ولكنها تبدو غامضة مبهمة، أو عسرة الهضم عند من لا يمتلك هذا الوعي ولا هذا الرصيد، ولم تتهيأ نفسه لاستلهام إشعاعاتها ولا يمتلك القدرة على توفير هذا التهيؤ. وربما كان الإحساس بالروعة فيها والاستمتاع بمكوناتها على مقدار ما يتوافر من هذه القدرة وهذا التهيؤ. وهذا ما يجعل للتجربة الشعرية المعمقة الثرية أكثر من تفسير أو يجعلها أمام تأويلات ومواقف وتقديرات مختلفة، وربما تحديات مختلفة أيضاً، حيث يفهمها الناس كل على طريقته وبحسب مزاجه ومقدار الوسائل المتاحة أمامه.
وبناء على ذلك لا بد من التأكيد على أن الشعر الرفيع لا يكشف عن زينته ويبدي فتنته ويسفر عن جماله وسحره إلا لمن حللت لهم شريعة الفن ذلك. وشريعة الفن قائمة في طبيعتها على رهافة الحس وتألق الشعور وتوهج الفكر والقدرة على جعل الروح تعانق الروح وتذوب فيها وتنصهر في أعماقها. وإلا فإن كلاً يستمد منه ويستمتع به على مقدار ما أوتي من هذه الصفات أو من تجلياتها. وإذا كان من تمنحهم شريعة الفن إذن الوصول هم الصفوة الصافية، فلا بد وأن يكون لهذه الصفوة دورها في الوساطة وفي توسيع دائرة الإباحة.
د. أحمد محمد المعتوق
الظهران ـ المملكة العربية السعودية
صفحة 10
الـعَرّاف
أوقد الشمعةَ فانداح بساطُ الضوء في العتمةِ
أغضى يتأملْ
وأَذاب العمرَ في جمرة بركانٍ، تلظى
مثلما يغلي على النيرانِ مرجلْ
وتعالت تخنقُ الأضواء غيماتُ
دخانٌ حفَّر الجدرانَ في صمت، توغلْ
شحذ الطّرفَ وذابت همهماتٌ
في ضباب الليلِ..
والليل كما الغابة، كالبحرِ سحيقٌ
وتلـــوى
وتمطى خلف تابوت غبارٍ:
ـ نجمك الفارسُ يا هذا ترجلْ
إنهم يمشون أفواجاً وتبقى تتعللْ
أرجلُ النملة تمتدُ وتبقى لخيوط الريحِ مغزلْ
أو كنسر لفّه الإعصارُ ألوى، يتألمْ
هكذا تبقى، فلا تنسجُ للريح جناحينِ
ولا الأيام تغفلْ
هكذا تبقى سنيناً وسنيناً..
ويدُ الدهر على بوابة الغيب تسجلْ
صدرك العاري لهيب ُ
ورمادُ الكون جمرٌ فيه ينمو
سُمّرت عيناك في الغيبِ
تخيطُ الليلَ بالليل.. قلوبٌ تتحملْ!!
هكذا تسرحُ والصيفُ كما المارد يسهرْ
يحرق الظل، ويصطادُ من الأنجمِ ما شاءَ
على الشاطئ يسهرْ
ثم تهواك خطاطيفُ بحار الشرقِ
تهواك، وتهوى
وجناحُ الأفقِ كالشمس على سورك يمتدُّ
فترحلْ..
مثلما الأنجم ترحلْ..
وتصلّي عند محرابك للمبدع قرباناً
وتسألْ!
آه مَن أرسل هذا الحلمَ للفجر رسولاً!
أوقد الشمعةَ فانداح بساطُ الضوء في العتمةِ
أغضى يتأملْ
وأَذاب العمرَ في جمرة بركانٍ، تلظى
مثلما يغلي على النيرانِ مرجلْ
وتعالت تخنقُ الأضواء غيماتُ
دخانٌ حفَّر الجدرانَ في صمت، توغلْ
شحذ الطّرفَ وذابت همهماتٌ
في ضباب الليلِ..
والليل كما الغابة، كالبحرِ سحيقٌ
وتلـــوى
وتمطى خلف تابوت غبارٍ:
ـ نجمك الفارسُ يا هذا ترجلْ
إنهم يمشون أفواجاً وتبقى تتعللْ
أرجلُ النملة تمتدُ وتبقى لخيوط الريحِ مغزلْ
أو كنسر لفّه الإعصارُ ألوى، يتألمْ
هكذا تبقى، فلا تنسجُ للريح جناحينِ
ولا الأيام تغفلْ
هكذا تبقى سنيناً وسنيناً..
ويدُ الدهر على بوابة الغيب تسجلْ
صدرك العاري لهيب ُ
ورمادُ الكون جمرٌ فيه ينمو
سُمّرت عيناك في الغيبِ
تخيطُ الليلَ بالليل.. قلوبٌ تتحملْ!!
هكذا تسرحُ والصيفُ كما المارد يسهرْ
يحرق الظل، ويصطادُ من الأنجمِ ما شاءَ
على الشاطئ يسهرْ
ثم تهواك خطاطيفُ بحار الشرقِ
تهواك، وتهوى
وجناحُ الأفقِ كالشمس على سورك يمتدُّ
فترحلْ..
مثلما الأنجم ترحلْ..
وتصلّي عند محرابك للمبدع قرباناً
وتسألْ!
آه مَن أرسل هذا الحلمَ للفجر رسولاً!