eKtab
EN ع
من رماد النسيان - الأشهب بن رميلة
اقرأ عينة مجانية

من رماد النسيان - الأشهب بن رميلة

بقلم د. طانيوس فرنسيس

صفحة 1

مقدّمة

أرني اليوم، في هذا العصر الجامح نحو التطور والتجديد، وحيّز الحداثة والتجويد الغنائي للجرس الشعري العذب، وبنيته المرتكزة على فنيّة المنهج الأصيل بعلمه وتتابع فصوله، أمام دراسة لا إعوجاج فيها ولا انحراف عن مبدأ التصويب، استهلكت مني أعواماً طوالاً من البذل والتحقيق والتمحيص، كنت أرجع فيها بين الفينة والفينة، والفترة والحقبة، سواء قصرت تلك أو طالت هذه، لأجلي ما غمض ممّا أعاق البحث ومنع تدفق معطياته القيّمة، وما خفي عن مستور الدقائق التاريخية المتصلة اتصالاً مباشراً بواقع الظاهرة الأدبية، والفنيّة والشعرية، وكلّي أمل مكتوم الجوانح، رصين الثبات، مثابر التدقيق، يدفعني دفعاً ملحاً متدرّع الثقة، معقود الناصية إلى معرفة شخصيتها الفذّة، التي تدور حولها أشكال الحركات، وألوان الصفات، المّظهرة ملامح عَلَم الشعر في زمانه، وشاعر الأعيان في عصره: الأشهب بن رميلة التميمي(1).
وهذا الشاعر المحلّى بقوة الذكاء، ونفاذ النباهة، وساطع الفراسة، كان المقياس الحي المرِن التعبير والإفصاح، في كامل محيطه وأرجاء مجتمعه على اتساع لا يشوّهه ضيق في البصيرة، أو إنحسار في البصر، وإذا كان على هذه الصورة المرسومة، فجدير بنا إذاً، أن نكون حريصين أشد الحرص، على كشف رماد النسيان المتبقي من عواصف مُحرقات عصره، لتبرز لنا زمان ولادته، ومكان نشأته، والقبيلة التي ينحدر منها نسبه، وإذا قلت رماد النسيان، فلأن الباحث المتعمّق في الدراسات الغامضة المستور أكثر عناوينها، قد لا يجد بين يديه أثراً، يُفصح عنها، سوى نثرات رماد تبقّى مما اشتعل من حوادث العاصفات، يدل على احتراقها في طيات أحداث الأزمان، وتستدعيه أن يبذل مهارته وحرصه، على إخراج ما ركد بين تلك الطيّات ليزيّن عصره بتحفة أدبية يشتاقها الطامحون لجلاء ما خفي من بقايا الماضي التليد، والأشهب بن رميلة التميمي يعدّ واحداً من أؤلئك الذين طمرتهم حادثات الزمان، وطوتهم نكبات الأحداث، حتى تسنّى لنا العثور على ما يدل عليه، فتتبّعنا الأثر الدال عليه، بكثير من الصعوبة والجهد، كما توصلنا إلى المخفي والمستور من غوامض حياته الشعرية التي سنطلع القارىء عليها، فيبرز له من خلالها ما قاله اليعسوب بن مثقف الكندي «ليس ما تسمعه أذنك أو تلمحه عينك ممّا هو في محيطك، علماً تتعرف عليه وتكنزه. بل العلم كل العلم، ذاك الذي تنكّب كاهليك من أجل كشف ما خفي من كنوزه، ليعلم الناس أن الثروة هذه التي أجْليت مقدار قدرها، لا تلك المباحة بين سائر الخلق»(2).
صفحة 2

الفصل الأوّل :هويّته وأخباره

التعريف بالشاعر

بعد الكثير من الجهد والتقصّي الدؤوب، ومرارة البحث الطويل، تبيّن لنا، أن شاعرنا المغمور بكثير من التجاهل والتباخل والنسيان، هو الأشهب بن ثور بن حارثة بن عبد المدان النهشلي الدارمي التميمي(3). أما هوية موطنه فقد دارحولها خلاف أغمضته توارد السّير على ألسن نسبتها إلى الكثير من الأصقاع والأقطار للشبهة في كنية «الدارمي» التي قال عنها ابن جلّق الأنصاري: إنها تعود إلى «تهامة»، كونها مسكن الحصين بن هيثم الدارمي الحضري، الذي إليه تعود نسبة «دارم» موطن أجداده في أقاصي الجزيرة(4)... ولكننا رأينا من المرجح إلينا، إعتماداً على الكثير ما أخذ به أكثر الرواة، أنه شاعر نجدي، كانت ولادته في الجاهلية، في زمن لم يذكر تاريخه، وهذا طبيعي الوضوح، لبعده عن الشهرة التي تبحث عن ولادته، ولأن الناس لم يجهدوا أنفسهم، ويكلفوها العناء للبحث عنه، كونه ينأى عما يجذب البحث، شأنه شأن سائر المواليد المتكاثرة في دنيا العرب. ومما يذكر، أنه أدرك الإسلام ودخل فيه، ولكنه لم يوفق - دون أن يذكر سبب عدم هذا التوفيق – إلى أن يجتمع بالنبي (صلعم)، وهناك بعض الشكوك عند الباحثين الذين أظهروا العجب، كيف أنه يدخل الإسلام على شهرته وذيوع صيته، ولم يسع للمثول بين يدي نبي زمانه الذي تقرب إليه من هو أقل منه شأناً وشهرة، وهو أدرك العصر الأموي، وعاصر الفرزدق وهجاه وهناك من يذكر بأنه هجا والد الفرزدق أيضاً(5).
وإذا كنّا بعيدين بعض الشيء عن حالة الهجاء لوالد الفرزدق فإننا علمنا بأن الأشهب ضعف عن مجاراة الفرزدق في الهجاء والوصول إلى غايته منه(6). أما لقبه «بأبي رميلة» فيرجع إلى نسبته لأمه «رميلة» التي اشتراها والده في العصر الجاهلي(7)، وبعد عمر عاشه مخضرماً بين عصرين: الإسلام والأموي، توفي سنة (86هـ - 705م) أو بعدها بقليل، ولم نستطع في التنقيب عن العمر الذي عاشه، أو السّن التي منها انبثقت ولادته، للوصول إلى أكثر ممّا وضعنا، أمام القارىء. وكلنا أمل أن يمدّنا الغد بما يزيح النقاب عن تاريخ الولادة المستور.

نشأته في محيط عصره

نشأ الأشهب في محيط أمة تسعى للاحتفاظ بالذخيرة الحيّة لموروثها الحضاري، وكانت تمتاز بتفاعلها الدائم مع كل عطاء أورث حصيلة وفيرة من الاستعداد لمواجهة الأحداث، وفي سبيل الامتزاج مع هذا التفاعل، نشأ نشأة حية في ذاكرة الوجود، تستجيب لمتطلبات الواقع، الذي كان حالة واسعة الآفاق، تسعى للتواصل الحضاري، والامتداد التراثي المتداخل مع كل الاعتبارات التي توسّدتها طموحات الأمة، وميولها المقبولة التوجيه، في حياة الأمة وتقدّمها. ولذا فهو يستلهم شعراً يعبّر به عن شريحة محيط المطامع التي يعيشها مجتمعه، لتكون صوتاً من أصوات الشعر المعبّر عن واقع العصر(8).
ونحن أمام أقوال كثيرة علقت بنشأة شعر الأشهب في محيط مجتمعه، بيد أن هذه الأقوال تتردّد في دائرة موسوعية ضيّقة الجوانب، محددة المجال، ولكن هذا لا يمنعنا من نبش مجامر مبدعاته المقصّدة، وإظهار مدلول العقائد المعرّفة بفحولة شاعريته:
وإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم
هم القوم كل القوم يا امّ خالد(9)
هم ساعد الدهر الذي يُتقى به
ومـا خير كفّ لا تنوء بسـاعد(10)
أسودُ شرىٌ لاقت أسود خفية
تساقوْا على حرْدٍ دماء الاساودِ(11)
 
صفحة 3
وهذه الأبيات الثلاثة قرينة، استثارة الشوق الجاذب لأحداث العصر وتتابع الأحاسيس في نفس الدارس، وزيادة استثارة الشوق لمتابعة الحدث، والحدث المستوجب الوقوف يتراءى في «فلج» لما له من أهمية المفاخرة والتعلّق بسموّ الصورة، ولو أن الأشهب لم يضع كلمة «فلج» أو غابت عنه تلك التسمية، لوقع في نقص تصويري، أذلّ به القوم وأم خالد على السواء. ولما كان هناك مجال للمفاخرة على الإطلاق. فالمرأة المبادر لها بالفخر لا يعنيها رجوع القوم سالمين، حتى لو كان بينهم أعزُّ الناس على فؤادها، بقدر ما يعنيها أن ترفع رأسها بمن يبذلون المهج لرفع الضيم وإعلاء شأن القوم. فكيف إذا كان هؤلاء القوم بفلج دماؤهم ترخص وتهون، ليروا أم خالد ومن هنّ مثيلات لها شامخات عزيزات، في أعلى عليّين. وقد وُفّق إيّما توفيق في شطر البيت الثاني بقوله «القوم كل القوم» فهذا التأكيد اللفظي، يدلُّ دلالة أكيدة على بداهة المعرفة ومسلّماتها بعلو جانب من ذكر، وسمو ذلك الجانب إلى سؤدد الشرف والفخر. والبيت الذي يلي الأول يفرض الدلالة التي نحن بصددها في زهو وإيناس حين يقول في شطر الصدر: «هم ساعد الدهر» كما يؤكد الشطر الثاني في البيت السابق «هم القوم». إن ورود «هم» في الصدر الذي يلي عجر البيت الأول، يأنس إليه العرب لمتانة اللفظ وقوة السبك، والدلالة على عصمة البلاغة وقوتها، فهم لم يكونوا قد وصلوا إلى ما وصل إليه العصر العباسي من براعة التزيين والترصيع والزخرف، ولكنهم أدركوا بسليقتهم وفطرتهم الغنيّة الأثر، معنى البلاغة وحاجة الشعر إليها، فأوردوها على سجيتها دونما تكلّف أو تصنّع(12). والدلالة على هذا الإيحاء ذلك التشبيه الضمني الوارد في صدر البيت الثالث حين يقول: «أُسود شرىً لاقت أُسود خفيّة». والتشبيه الضمني يتجلّى في رجولة قوم الشاعر وشدّة بأسها الخفيّة التي يستهين ببطشها الأعداء، وقد أخفاها أصحابها الأبطال؛ ولكن ما إن تأتي أسود الشرى حتى ترى أمامها رجالاً أُسوداً لا ينال منها أسود الشرى مهانة طرفة عين، ويستكمل هذا التشبيه جودة انبساطه على سياق قوة السبك البلاغي، حين يقول في الشطر الثاني من البيت الثالث «تساقوا على حرْدٍ دماءَ الأساودِ» فهو بذلك أكمل إطار الصورة التي بدأها بالكناية في «حانت بفلج دماؤهم» تعبيراً عن الجرأة المقدامة؛ ووسَّطها بكناية أخرى في قوله «هم ساعد الدهر» في الشطر الأول من البيت الثاني؛ تعبيراً عن قوة خارقة لعجائب الدهر؛ لينتهي في البيت الخير بتشبيه في الشطر الأول واستعارة في الشطر الثاني في «تساقوا على حرد دماء الأساود» ليكمل صورة بلاغية فاتنة أخّاذة، تدل على عمق رؤى الشاعر في إيراد ذلك التزيين بصورة عفوية جاءت على سجيتها دونما تكلف أو تصنّع. وهذا خير دليل على حلول الإبداع عند الأشهب وفي عصره، إلى جانب حلول كل الصيغ المزخرفة في شعره ومَنْ عاصره، وإن كانت عناوين الزخرفة لم تُعرف لتُعلن في حينه، ولو شئنا أن نتوسّع في تحليل هذه الأبيات الثلاثة، لإبراز ما حوى شاهرها من فنون الجمالية، لملأنا سفراً كاملاً (صفحات أو صحفاً) وبقي الكثير. فالأشهب عرف الجمال والتزيين بفطرة سليقته كسائر شعراء عصره، على سجية مفرطة الإبداع. وهذا خير دليل على أن شعراء الأمس لم يكونوا أقل تفنّناً من شعراء اليوم(13). وقد عملنا جاهدين لمقارنة مختلف أبيات هذا الشاعر النادرة، ومقارنتها في سرد الأسلوب وطريقة استخدام الجملة المؤثرة في جذب انتباه السامع، وأخذه بالتأثير الدلالي العميق النبرة والجرس(14).
ومن منطلق مجرى الحديث عن الأشهب ومن عاصره من الشعراء وجاراه، في مجال المستوى الشعري الفاتن الأخّاذ معنى ولفظاً، وسبكاً وبلاغة، نأخذ قوله:
سأجني ما جنيت وإنّ ركني لمُعْتَمــد إلى نضـدٍ ركـينِ(15)
صفحة 4
فإننا نجد فيه نشأة مميزة، تمثل الموقع الأساسي، لتاريخ الأمة التي اعتمدت عليها نشأته المميزة في منطوق اعتماده، بفخر لذاته يصل به إلى (نضدٍ ركين) يتعالى ويسمق إلى مدماك متين الجانب، يجسّد واقع التعاطف الإنساني الجاذب للناس، بعضها إلى بعض الآخر، وكذلك تعرّف بالسلوك المفرّق بين العام والخاص من طبائع البشر(16)، وقبل أن نستطرد إلى مفهوم البيت الشعري الآنف الذكر، نرى من المناسب التوقف قليلاً حول المفهوم المتساوق مع التعاطف الإنساني الذي تصبح معه قضية الانبعاث الإبداعي الذي يخص الأمة، كائناً يتنفس ويتحرك ويفعل ويتفاعل، بهاجسٍ ذاتي يتحد لديه العام والخاص في تجربة شعرية متقدّمة، تعبّر عن ذاتها بالرمز والنموذج الأصيل كمثل ذكر الشاعر في بداية البيت الآنف الذكر «سأجني ما جنيت» ليجعل المعاني في شعره موقع نقد واستيعاب لمرحلة تاريخية معينة في علاقة الإنسان بعصره ومناخه ومعطياته وحوافزه، وبتحديد أكثر لعملية بناء الشعر على واقع البيئة والمجتمع. ولعلنا نتساءل هنا، ما هو الصدّى الموصل لذبذباته إلى أُذني شاعرنا، وأحاسيس مسموعاته ليقول: «سأجني ما جنيت»؟؟ في موقع تحليلنا نرجّح أنه الصدى النائي المدوّي بعزة النفس وإبائها وشممها منذ زمن الأشهب وحتى يومنا هذا. فالنفس البشرية يختلف المحلّلون في تفسيرها من عصر إلى عصر حسب واقع العصر وأهمية المعايشين له. فمنهم من فسّرها تفسير الدراويش الزاهدين بحطام الدنيا ومتاعها الفاني، وكل ما هو مادّي لا يقيم أود الحياة في مضمار التقدم الروحي، الباعث أمل النهضة والانتعاش، والقائمين على نكران الذات من أجل رفعة الوطن وعلو شأنه؛ حتى باتوا لا ينظرون إلى ما يكسوهم هم كأشخاص، بل ما يكسو أمّتهم من عظمة وأبّهة ورفعة بين الأُمم. ومنهم من فسّرها عكس ذلك، وجعلوها بمعنى الذين يئسوا من توجيه شعبهم التوجيه السليم المستقيم، فابتعدوا عنه، وعزلوا ذواتهم حتى لا يحطموا أنفسهم بمرأى تقهقر أمتهم وتراجعها عمّا كانت عليه من سؤدد ومجد، وأصبحوا عراة من رفعة الأمجاد في البيوتات والقبائل. وسواءٌ أكان المقصود هذا أو ذاك، فالتفسير لا يضير من إدراك الأشهب، وهو يعيش فترة امتحان ما سيجني من موقعه في قبيلته، وموقع القبيلة في دنيا العرب(17)، والذي لا يسمح له بالتغافل عمّا يحيط به من تطلعات تنصبّ عليه، لتعلم كنه شاعريته في مراقي ذاته، ولذلك نراه أسرع إلى القول: «وإن ركني لمعتمد» جواباً أو تعاطفاً مع ما سبق قوله «سأجني ما جنيت». فماذا يعطينا هذا القول الأخير من فائدة استحسان تضاف إلى ما سبق، ونحن لا نزال نعالج ما سبق إيراده في البيت الشعري الذي سبق؟؟ إن الشاعر لا يسمح لنفسه بأن تعلو فوق قمة قبيلته، ولا تتدنى إلى أدنى ما عليه مجد القبيلة. نراه يضيف إلى «سأجني ما جنيت» وإلى «إن ركني لمعتمد»، إضافة تستحق أن يختم بها المعنيين السابقين حيث يضمهما في تتمة البيت «إلى ركن نضيد» حتى لا يبدو منشغلاً بأموره الذاتية الخاصة، وإلاّ تحوّل الشعر إلى هلوسة وجنون، وأصبح ثرثرة لا تهم سوى صاحبها. وعصر الأشهب السّامي إلى درجات الغنى الشعري – كما سبق ولاحظنا – لا يحتمل إلاّ أن يكون شاعر هذا العصر، ملتزماًة بقضايا الإنسان المرتبطة إرتباطاً صحيحاً بعلو شأن القبيلة ورفعة مكانتها. وإذا تعمّقنا في مفهوم ما يرمي إليه من خلال قوله الذي نكرّر إيراده زيادة في الاستيعاب.
سأجني ما جنيت وإنّ ركني لمعتمــد إلى نَضَــد ركين
نجد أنه يسعى إلى تعريفنا بحياة اختّصها لنفسه، تستمد ديمومتها من تقلّبات الأحوال المكوّنة لإطار مجتمعه، والمزايا الخاصة بمسيرة ديمومة الناس، وواقع طموحاتهم الهادفة لإعلاء شأن الشعراء وبلوغهم القمة(18).
وفي نشأة الأشهب الشعرية، تبدو لنا مقولات مستمدة من بعض أبياته تتقارب في إطار التعريف العصري، الذي حمله الدارسون، محمل الجد الموصل إلى حقيقة تمرّسه بأصالة النشأة الشعرية المتمكنة تمكّناً ثابتاً في جذور التاريخ الأدبي ومنظوره الواقعي، كما سبق ولاحظنا وجوده الحرفيّ في كل بيت عالجنا به تلك النشأة. ونحن إذ نركز هذا التركيز الدقيق حول ما نبتت عليه شاعرية الأشهب قبل أن ننتقل إلى أخباره المفصّلة لنا كل ما نطمح إليه عن المستور من قصائده، نجد لزاماً علينا أن نختم الحديث عن نشأته بإيراد ما نصّه ابن سلام الجمحي بحرفيته: «... ونحن إذ نورد نشأة بعض الذين تضعضع شعرهم في عصور سلفت، وكادت أن تحول عليها الأحوال عاماً بعد عام، وعصراً بعد عصر، نجد من اللازم الانتباه إليه، أن الأشهب وأمثاله من الذين غارت بهم العصور، وصل إلينا بعض أخبار نشأتهم، والكثير من الغموض والالتباس حول تلك النشأة، لأمور تتعلق بعاديات الزمان، وتتالى المصائب والكوارث، فلا غرابة وقد ابتلعت الأرض قصوراً شُيّدت، وضياعاً عُمرت، وبلاداً زلزلت بها الغرائز والأطماع، وأن تبتلع زوايا النسيان لشدة المحن وقساوة الإحن أخبار وأشعار وأسفار من كانوا عمالقة ضخاماً، ولم يصل منهم إلينا إلاّ النزر الذي حصلنا عليه من أثر دل عليهم، وبنيَت حوله الروايات والأقاويل، فأخذنا منه بعض ما خالطه شك يسير إلى جانب ما ضعفت روايته، وضممناه على أمل أن نترك للناس حسن الاختيار أو سيّئه، لعدم وجود ما هو أفضل منه(19).
صفحة 5

ضبابية أخباره وتفرّق أشعاره

إذا نظرت إلى بعض نتف من مقتطفات الحديث عن الأشهب في كتب من يُعوِّل عليهم، المصدر والمرجع، لوجدت أن شاعرنا من الذين فقد الكثير من أخبارهم، وبُعثِر الوافر من أشعارهم، والدليل على ذلك هو عدم ذكره في دراسة يعوّل عليها، أو غرض يُستشهد به، كما أنّه شُرِّد به عن كل سرب، فلا فئة ينضم إليها، أو مجموعة يُعرَّف من خلالها. فعلى علو منزلته الشعرية، نجد قصائده مبعثرة موزّعة في حنايا الكتب وخفاياها. فإذا رجعنا إلى ابن سلاّم(20)نجد أنه الحقه في الطبقة الرابعة من فحول الإسلام، ويذكر معه نهشل بن جرير، وحميد بن ثور، وعمر بن فجأ التميمي. أما عند البكري(21)فترجمته موجزة تنحصر بالتعريف بأمه حيث يسميها (رميلة) و»أنه شاعر يهاجي الفرزدق وكان له أخ يدعى (زباباً) وكان من أشد الناس وأخبثهم، وكان الفرزدق يفْرقه فَرَقاً كبيراً». أمّا أبو الفرج الأصفهاني(22) فيضيف إلى التعريف بأمّه، التعريف بأبيه ويسميه «ثور» وينتهي نسبه بنهشل بن دارم، دون أن يضيف إليها التميمي.
ولكن الذي يجب الوقوف عليه عند أبي الفرج في منتهى الأهمية، ويتوجب التدقيق والتعميق فقد ذكر في الجزء التاسع من مجلّداته ما حرفيته «لقد وصل إلينا بعض شعر له في هجاء الفرزدق يقول فيه:
لقد عجب الفرزدق إذ دعاه من الأهواز داع من معــاذِ
فصفّق واستباح الخمر زهواً وأنشــد في كلامٍ من رذاذِ(23)
ومنه أضاع ثقل الخمر عقلاً وبات وليس يرفل في ملاذ(24)
بيد أن هذا الشعر على حسنه ولطافته في الغناء، فإنه ترك الأهم في الذي نطلبه، وذهب إلى المهم في ما يعنيه من عجب الفرزدق في داعٍ من معاذ دعاه إلى غرض يرضيه، ألا وهو الخمرة!! وهذا يتطلب الوقوف عنده لبعده عن كل ما اشتهر به الفرزدق ألا وهو النساء. فالفرزدق لا يُعيّر بالخمرة التي كانت صفة موسومة اللّصوق بغيره من شعراء عصره. أما هو فكان الأجدر بالأشهب، لو أن هذا الشعر هو قائله، أن ينعته بالزاني مثلاً، أو المجهد نفسه للّحاق بامرأة يغويها وهي محصنة، أو يحتال عليها ليوقعها في شراك آثامه في غياب زوجها، أو ما هو على شاكلة هذا الفسوق المنقول عنه، أمّا أن يجعل همّه الخمرة كي تضيع عقله، فهذا لا يحتمل صدق الرواية. وقد يكون على مثال الشعر الذي نسب إلى صمامة بن الجندل من (الصعاليك) في قوله:
أَتُحسن في الفرزدق قول صدق تراه من مشاهير الرجال
وقــد أغــرَاه في بــلواه خمـرُ أضاع نهاه من حالٍ لحال
فحال هذا الشعر كحال ذاك المنسوب إلى الأشهب، يبعد كل البعد عن التأكيد والتصديق. وإذا كنا وجدنا لأشهب بعض ما يشير إلى تأكيد صحة وجوده في عصره، فإننا أضعنا لصمامة بن الجندل كل ما يدل عليه، سوى هذين البيتين اللذين لا ندري من أين ولا كيف؟؟؟
وإذا تركنا هذا الاستطراد الذي ذكرنا، من أجل تنبيه القارىء إلى صعوبة الوقوف على صحة الأخبار المنسوبة إلى عصر الأشهب وأمثاله، لنبيّن ما للباحث من فضل لاستجلاء ضبابية الحقيقة ورجعنا إلى مرافقة أبي الفرج في سرد اخبار شاعرنا، نجد بأن أم هذا الشاعر «رميلة» كانت سبية من سبايا العرب، وكانت مطواعة لزوجها ثور، رزقت منه بأربعة نفرهم: زباب، حجناء، الأشهب، وسويد. وكان هؤلاء الأنفار، من أشد أخوة العرب لساناً ويداً(25)، وأمنعهم جانباً(26). ويكمل أبو الفرج سرد تعريفه فيقول ما حرفيته، وكثرت أموالهم في الإسلام، وكان أبوهم ثور ابتاع «رميلة» في الجاهلية، وولدت له جميع ولده في الجاهلية، فعزّوا عزّاً عظيماً، حتى كانوا إذا وردوا ماءً من مياه الصمان، حظّروا على الناس ما يريدون منه(27)، وكانت لرميلة قطيفة حمراء(28)، فكانوا يأخذون الهدب من تلك القطيفة، فيلقونها على الماء، فلا يردُه أحد لعزّهم. فيأخذون منه ما يحتاجون إليه، ويدعون ما يستغنون عنه»(29).
وأما الآمدي فيذكر كنية الشاعر وهي «أبو ثور» ويعرض لقصيدته الداليه التي سنوردها في حينها، واختلاف نسبتها بين الأشهب بن رميلة، وابن رميلة الضبيّ. إن إتّفاق الإسمين هو الذي أدّى إلى هذا الاختلاف. ومن أجل هذا يقع الغلط لدى الباحثين والدارسين، إذ إنهم يأخذون أول الاسم ويتركون ما أضيف إليه لظنهم – على عجلة من أمرهم – أنه الاسم المعروف لديهم في الذي يبحثون، فلا يكملون النظر إلى ما تبقّى، وهذا من قبيل العجلة وقلة التبصّر. وقد أوقع الناس في فساد الروايات، والإنحراف عن جادة الصواب(30).
وسواء أكان الأمر وفيراً عند هذا، أو نادراً عند ذاك، فهناك إجماع لدى الدارسين، بأن الضبابية تكتنف هذا الفحل الآمدي، وتجعل شعره المفرّق هنا وهناك، عنواناً لشاعرية وصل منها ما ينبىء إلى حذاقتها، وأصالة جودتها، دون أن نتمكن من الوقوف على تمام سردها، وكمال تقصيدها.
صفحة 6

حكايات تروى

شاعر كالأشهب مُغرق النسيان في مجامر الزمان، لا بدّ من إحاطته بهالة من المبالغة، أو اجتهاد في التخمين. ولا تخلو أسفار المرجعية الشعرية من روايات تُحكى في إطار الغرابة والاستهجان، وإذا كان من هدف في إتمام جمع بعضها، فضمن محاولة تقريب شتاتها وربط ذلك الشتات من خلال أجزائه، ليتألف لديّ حكاية تروى، دونما تأكيد لصحتها أو نفيها، بل باعتماد التعليل والشرح، وبالرجوع إلى المصادر الثابتة الرواية نصاً لا تأكيداً. ومن تلك الروايات المتواردة في أكثر من كتاب، أنه وأخوته كانوا إذا وردوا ماء من مياه الصّمان. حظروا على الناس ما يريدونه منه، وردوا في بعض السنين ماء. فأورد بعض بني قطن بن نهيك واسمه «بشر بن صبيح» ويكنّى «أبا بزَّال» بعيره حوضاً فضربه «زباب» بن رميلة بعصا فشجّه، فكانت بين بني رميلة وبين بني قطن حرب. فأسر بنو قطن أبا اسماء، أبيّ ابن أشيم النهشلي، وكان سيد بني جرول بن نهشل، وكان مع بني رميلة. فقال نهشل بن حري: يا بني قطنٌ، إن هذا لم يشهد شركم، فخذوا عليه، أن ينصرف عنكم بقومه وأطلقوه، ففعلوا، فذهب من قومه بسبعين رجلاً، فلما رأى الأشهب بن رميلة ذلك، أصلح بينهم، ودفع أخاه زباب بن رميلة إليهم، وأخذ منهم الفتى المضروب فلم يلبث أن مات عنده: فارسل إلى بني قطن يعرض عليهم الديّة، فاستعانوا بعبّاد بن مسعود، ومالك بن عوف، والقعقاع بن معيد فقالوا: لا نرضى إلاّ بقتل قاتله، وأرادوا قتل الزباب، فقال لهم: دعوني أصلي ركعتين، فصلّى وقال: أما والله، إني إلى ربي لذو حاجة، وما منعني أن أزيد في صلاتي، إلاّ أن يروا أن ذلك فَرَقٌ من الموت. فدفعوه إلى والد القتيل، واسمه خزيمة، فضرب عنقه، وكان ذلك بعد مقتل عثمان بن عفان، فندم الأشهب على ذلك(31). وإذا كان هنالك ما يزيد على هذه الرواية، فهو متفرع منها، أو مشفوع بقصة تماثلها، أو متفرع من حكايات تعود إليها. وقد أوردت ما عثرت عليه مؤكداً ثابتاً، وتباعدت عما يرتع في خيال القصاصين لئلاّ نشوّه البحث بما لا يليق من صحيح ثبته. وحكمة الأشهب من هذا الذي دفع فيه أخاه إلى من طلبوه فدية، ذات دلالة جريئة صادقة في موقع الرجولة الإنسانية، والمنحى الشعري العاطفي للتواصل مع الآخرين. وإنّك وانت تقرأ أبيات الأشهب تشعر بجوٍ من الوجوم ورهبة الموت(32).
وأصبح من المتعارف عليه، أن واقع الثبت القصصي القديم، والمهم من المصادر الثابتة الوقع، في مجراها العربي الصرف، قد تبدّدت بفعل الحروب والغزوات، أو أنها بعدت عن تناولنا، لتراكمها داخل مكتبات عالمية، آثرت كتمان خبرها، لتبقى ملكاً لأبنائها يحققونها كما تشاء لهم ميولهم وأغراضهم.. وحبذا لو توافرت لنا لتصبح مراجع، لها أهميتها في إثراء الفكر العربي، وإغناء المعرفة بروافد جديدة، وعلوم غنية(33).
وقبل أن نختم هذه الموضوعية، المستقاة من مصادرها المعلّلة بالترجيح في تعدّد الروايات، في صدد حزن الأشهب لقتل أخيه بيد الآخذين بالثأر، نلفت النظر إلى أن كل من يقرأ أبيات الأشهب بعد تلك الحادثة المشؤومة، يشعر بجو من الوجوم ويتراءى له استخفاف الشاعر بالحياة مهما طالت فهو يزجّ بك في هوة المخاطر المحيطة بك أينما ذهبت وكيفما حللت، ويكرر أفكاره المحذّرة من المخاطر في غير ملل. ويأتي كل هذا رغبة منه في التقرير. وهكذا يسير بك من معضلة إلى معضلة، حتى تقتنع معه أن الحياة سلسلة كوارث ومآسي لا ينتهي مداها، في خضّم هذا الوجود الصاخب القرقعة والضجيج، وبعد هذا الذي لا بد منه سننتقل إلى أغراضه الشعرية.