eKtab
EN ع
من سرق الطماطة أيها الوطن
اقرأ عينة مجانية

من سرق الطماطة أيها الوطن

بقلم عبد اللطيف الحرز

صفحة 1

مجلة نسائية

في الجو بعض الرطوبة ونداوة برد.. والطقس متقلب هنا في هذه القارة العجيبة التي أسمتها شهرزاد، قديماً في قصة «ألف ليلة وليلة» بجزيرة الواق واق، أما اليوم فيطلون عليها اسم استراليا، وحتى يومنا الحاضر توجد منطقة تعرّف بذلك الاسم القديم نفسه.
مدينة سدني صبية لعوبة تعاني من الصداع المستمر بسبب كثرة الأشغال واختلاف المناخ. لكن بالنسبة لمحارب قديم فإن الروح في بلد والجسد في بلد آخر، خصوصاً اذا كان ثمة حب يطاردك وعدو لا يرضى أن ينساك.
في آخر لقاء لي بها كنا في محطة قطار الوله، حيث العيون تسجل حكاية الانتظار. والانتظار كعادته طائرة ورقية يتأرجح خيطها بين يدي الطفل الكبير: القدر أو الحظ أو التاريخ.
تلبّكت كثيراً وهي تلعب بإصبعها الشمعية الطرية الشهوة، ثم تنهدت وقالت لي:
ــــــ «هذه مجلة غير ثقافية».
انحنيتُ، بعد استدارةٍ باتجاهها، وقلبي ناقوس يشقق كنيسة الروح:
ــــــ الاهتمام بالمكياج ثقافة، اذ ليس الوعي سوى الاهتمام بما هو جميل وترك القبيح جانباً، هاك انظري أيتها الغالية ماذا تقول خبيرة المكياج «سكوت بارنس» والتي اشتهرت بمكوثها الطويل محظية لدى الفنانة الأميركية الذائعة الصيت جينفير لوبيز:
«لا توجد قوانين تقيد موضة الموسم، فلا تترددي هذه المرة، ولا تفوّتي فرصة تحدي نصوص المكياج والاستمتاع بألوانه الجريئة».
ابتسمت البطة العراقية المملوء قلبها كما جسدها بعقوبة الكيّ. مطّت كلمة «يااا» بعذوبة لا تتقنها سوى السويديات والألمانيات والعراقيات، طبعاً العراقيات لا يعرفن أن هذه مزية مشتركة:
ــــــ «يااا.. صحيح، إنها مجلة نافعة».
ابتسمتُ بخبث الديك بلا خيار إرادي، وقلتُ لها:
ــــــ وتعلمكِ التمرد أيضاً..
المكياج جزء من الثورة الصحيحة.. الثورة التي تصنع مجتمعاً يحتفي بالحب والجمال، لا أن يقوم بالتغرير به وخداعه، كما يقوم الغريب مع نساء الآخرين، أو نقوم بإحراق الجمال، كما يفعل الأقرباء مع نسائهم.
أن تحب الجمال عليك أن تتعلم كيف تُنمي حاسة الذوق والمكياج في روحك وعقلك، والشهوة التي تقطع الوردة هي إرهاص أول للجريمة.
لذا، ففي بعض الأحيان يتحتم علينا أن نكبت فورة الشهوة فينا فداءً لاستمرار الوردة على قيد الحياة.
أرادت البطة أن تجيب، لكن هدير محركات القطار أضاع الصوت، وأبقى العيون ساهمة، مثل يتيم نهبت حلواه على حين غرّة.
هكذا بقي الهواء وحده يتمتم ببقية كلمات ناقصة لم تسعفها الريح على الخروج..
آااخ.. آااخ:
حتى متى تبقى مراكب الحب مُقفلة..
متى يُغيّر القدر من سكة تحولاته ومسيرته..
متى تُفتح هذه الأشرعة.. متى؟!!
* * *
صفحة 2
كنتُ مُجهداً من التعب مثل ديك قضى عمره في تعليم الثعلب أن يكون صديقه المعين في حراسة مزرعة الدجاج.
ها هو الديك خائر القوى بعد أن أكل الثعلب جميع دجاجاته.
وما هو مثير للغضب أنَّ الثعلب بات يدعي الثقافة وحب الوطن، وأنه بالتحديد «من ضحايا النظام السياسي السابق»، لذا لم يكن التهامه للدجاج على حين غرة، إلا من أجل الوطن ووفاء للصداقة، أو هو مجرد استرداد حق من حقوقه حاله حال بقية المنتمين لأحزاب المعارضة العراقية، حيث لكل منهم راتب كبير أو أكثر من مرتب حتى.
مسكين هو الديك الذي ضاعت صحته هباء بإيقاظه سكان المدينة كل صباح.. وها هي المدينة تسرق منه حتى ضوء الشمس!
في غمرة هذا التعب كنتُ أضمّد بعض جراحاتي الجديدة بفتح ضمادات جروح قديمة، فأعدت الاتصال بصديق دمشق.. ومن جديد وقفنا على مقولة المجــــــنون نيتشه:
«إلا أنهم اخترعوا لاهوتاً لم يعد يتبع القلب».
قلتُ له وسماعة الهاتف تحملني أكثر من حملي إياها:
ــــــ أنا عندي المصيبة أكبر.. في زمن صدام حسين، كان كل شيء في العراق ضد العقل، لكن بقي حنان الوطن مخبأ. الآن المعارضة اخترعت وطناً لم يعد يتبع القلب وتحير به الروح.
ثم، بالله عليك، تعال انظر الى سخرية القدر بالجروح حيث أخذ الاعلام العروبي يسمي الارهاب مقاومة.. فيا أصحابي هذه أمة بلا قلب لذا تشوهت لديها القيم.
جاء صوته عبر أثير المسافات، مخنوقاً ومتيبّساً، مثل صحراء مدينة الزبير التي سُرق ماء شطّها منذ زمن بعيد...
مثل ربابة البدوي الأخير التي لا يعزف أحد على وترها سوى الريح:
ــــــ «غبية هي الأسئلة في التاريخ، سواء أمام الأنبياء قبل موتهم، أو بين العشاق قبل فراقهم.. أنا مثلك حائر بهذا العراق.. جميع الذين تم نفيهم وتشردهم يسأل اليوم اين العراق.. أين صار الوطن؟!».
ــــــ أنا كل يوم اشتري خريطة من المكتبة أبحث عن موقع الوطن فلا أجده.. هل علم الجغرافيا تابع للقلب هو الآخر؟!
ــــــ «مشكلتك يا آخر المعتزلة وأول القتلى، أنك لا ترضى أن تعترف بخيانة الأصدقاء لك.
صدقني يا صاح: هم باعونا كما باعوا الوطن من أجل لا شيء، هؤلاء وإن بدوا فقراء إلا أنهم جزء من الطبقة الارستقراطية بنيةً وعقلاً ووجداناً.. هذا فوق العقل، لذا لا يستطيع المعتزلة أن يصدقوه».
تحسّرت وداهمني صمت قصير ثم انتبهتُ إلى سماعة الهاتف فأكملت شريطاً لا أعرف من أين بدأ:
ــــــ صدقني حاولتُ مراراً التخلّص من وهج الروح لكني لم أستطع.. النار لا تنطفىء الا بعد اكتمال الحريق.
لقد أدركتُ الآن بعد تلك المسافات الموحشة أنَّ العشاق لا مكان لهم في هذا العالم، لذا ستكون منفياً الى الأبد.
سمعتُ ضحكة جــــــبران المثقلة بالوحدة، وتوهم شكل النهايات وما بها من تحولات مبهمة:
ــــــ «لقد قلتُ إنَّ الأسئلة غبية وها أنا أتعمد السؤال:
يبدو أن هنالك حبّاً جديداً أتعبك، فأنت لا تكتب إذا لم تعشق».
صفحة 3
ــــــ مرة كتبتَ أنتَ:
«يسأل العاشق عشيقته؛ كيف ستبدو أحلامك حين فراقي..!! ولا يسألها؛ هل يمكن أن نصنع الآن حلماً، لن نخشى به فراقنا».
وفي الحقيقة لم أكن أنا الذي سأل هذه المرة، وإنما هي.. هي يا جبران من تلحّ عليَّ وتجلدني بالأسئلة الغبية.
هل هناك متسع يا ابن دمشق والبصرة، لوجود حرية نصنع بها حلماً يكون كوخاً بسيطاً يجمع الشمل ولا يبدده؟!
ــــــ «أين ذهب كل ذلك التحدي في الوصول الى اعادة بناء نقد ما نسيه الجاحظ واشادة المدن النظيفة؟!
هل يعقل أن يصل نمر الكتابة الى هذا المآل، أي تفسير وجودي لمسيرة الخيبة في حياتك.. كيف أوصلتك عبادتك للحرية الى الجبر والخيبة هكذا؟!
كان عليك أن تعي تحذير كيركجيارد منذ البداية.
لماذا تحاول الامساك بجمرة البراءة حتى النهاية فتُكذّب حقيقة أنَّ خلف الذات، خلف الطريق أو خلف المعبد، هنالك دائماً أزقة من الحزن... أنت حجر عناد وعليك أن تكمل هذا الطريق الغريب، لا تجزع من الحزن بعد أن تجرعت ثلثي كأسه، فالحزن كحل القلوب».
ــــــ «العقل»..!
اكتشفت أخيراً أنَّ العقل يمكن أن يكون خدعة أيضاً.. أن يكون جزءاً من الهزيمة.
ماذا نفعل نحن؟! نحمل قلوباً أكبر من رؤوسنا.
مرات عديدة أستذكر مقولة جلال الدين الرومي:
وأراد العقل أن يظهر في هذه الضجة..
والطفل، طفل
حتى وإن تعلم الأبجدية.
ماذا أفعل: قلبي يتمرد حتى لا يجعله العقل يشيخ بتعلم الحكمة. حتى أني بتُّ أسأل بشخب الجروح: هل العلم طفولة والجهل ملاك؟!
لقد بات قلبي نزفاً واحداً، المثل يقول: هو قلب وليس خشبة.. حتى لو كان خشبة لتمزّق كما تمزقت أخشاب سفينة تيتانك الفقراء التي غرق فيها العراقيون في المحيط حينما ظنّوا أنَّ استراليا هي تلك المدينة الفاضلة.
لم تزدنا الحروف والأحزاب سوى الأسئلة، أغلال حملناها بلذة النضال الذي ما كان سوى سرابٍ عاجلٍ.
كما تقول أنتَ يا بقية الأصدقاء: غبية كل هذه الأسئلة.
أتتني ضحكته المثقلة فاهتزت سماعة الهاتف:
ــــــ «ههه.. ههه يبدو أنها بطة مختلفة هذه المرة التي أوجعك صيدها الى هذه الدرجة؟!».
ــــــ نجاح الصيد في الحب هو أن ترتد نبالك إليك.. مثل مقال تكتبه للناس فلا تحصد منه سوى الضغينة أو الشتيمة.
ــــــ «على ذكر الكتابة، هل قرأت كل هذا الاحتفاء بموت يوسف الصائغ الشاعر صديق صدام حسين.. هم يقولون إننا نكتب عن الجوانب الجمالية والفنية في شعره».
ــــــ هل الشعر ترقيع كلمات أم أنه مظهر لأهداف روح وقناعات أخلاقية معينة؟!
صفحة 4
هذا الشاعر قبل بضعة أسابيع من موته فقط، كان يردد على صفحات صحيفة الزمان بأنه لا يزال يعلق مديح صدام حسين له، على الحائط وأنه لا يزال يفخر بذلك.
هؤلاء الذين يرثون شعراء الطاغية، هم ورثة الخطاب التأويلي الكذوب الذي يحاول تزويق كل شيء.
لو كانوا يشاهدون كيف يذبل القصب من العطش في الأهوار كما تشيب خصلات شَعر الأمهات أمام مشهد الاعدامات الجماعية لابنائهن..
لو كانوا ينتمون لسجون صدام حسين في أبي غريب والرضوانية والأمن العام..
لو كان لهم أبناء غرقوا وسط المحيطات وهم يحاولون تهريب أجسادهم من سياط حزب البعث العفلقي..
لو كانوا ينتمون لجرح واحد من جروحنا، لما كتبوا كلمة واحدة..
حفنة شعراء البلاط هؤلاء هم جزء من حفلة استمرارية بقاء الديكتاتور.
ــــــ «لا تضع وقتك.. بقية أعضاء الحفلة كثر، واسم الثقافة غطاء كبير يستر قبائل اضافية من قطّاع الطرق».
ــــــ الكتابة لم تكن يوماً عملاً بريئاً ونظيفاً.. فما دام هنالك إنسان ضد الإنسان فإن هناك دائماً كتابة هي ضد الكتابة، فالكتابة نوع من الأسلحة أيضاً.
ــــــ «لقد سألتني قبل أسبوع «رانيا» السورية، حبيبة صديقنا الراحل غريق البحر والحسرات، نبيل هادي الحلفي، فقلتُ لها:
صدق كثيراً صاحبي فكذب عليه القدر، تعقّل كثيراً فجــــــعله مجنوناً.. ناضل من أجل الفقر، فغدا فقيراً.. أخلص في حزبه فخانوه.. أراد أن يركض بالكلمات فأقعدته.. حمل ذكرى حبيبته فسبَّته.. احتار بالحياة ومنطقها، حتى أنه لم يعد يعرف الا أنه لا يعرف. كما كان سقراط ولكن في ضفّة أخرى!
على ما يبدو فإنَّ الأشياء قد كذبت عليك يا صاحبي، حتى لو بلغت نهاية الكون ستبقى جائعاً للحب ولمزيدٍ من القيم... مغفل.. ههه.. يا أغبياء العالم اتحدوا.. هههه».
تناثرت عليَّ ضحكته مثل حصى في عاصفة ثم أكمل:
ــــــ «صدّقني لقد فكرتُ بهذا كثيراً خصوصاً بعد أن فقدتُ ابنتي حيث أنّ جدها السياسي الكبير في حزب الدعوة الإسلامية أبو أحمد القمي صاحب كتاب نواطير الغرب، لا يجعلني أراها إلا بعد أن أدفع مبلغاً من المال.
في آخر زيارة لي إلى العراق رأيته محفوفاً بالحرس والأموال.. كدتُ أنتحر وأنا أرى الشر ينتصر من جديد».
حاولتُ متابعة الحديث، لكن غصة المعنى كانت أكبر بكثير من البلعوم.
عاودني صوته من جديد كبقية عاصفة تجهش بها زوارق المهربين وهي مثقلة بصراخ الأطفال الرضع:
ــــــ «ما بالك لا جَلَدَ لك لمتابعة الحديث.. ألم تؤمن بالمصادفة، وأن بها وحدها يمكن أن نفسر الوجود بشكل معقول؟!».
ــــــ أجل... لكن أن يكون دوري هو دور القربان دائماً، شيء كثير.. كثير يا صاحبي. دعنا من هذا الحديث كيف حال دمشق؟!
ــــــ «مثل سدني استراليا، هناك مد عنصري يريد صنع جرافات تهدم كل شيء.. أي قدر ربط حوادث الشرق بالغرب هكذا؟!
كل شيء جميل في الكون الا القدر.. كل العوالم جميلة الا عالم الإنسان.
الإنسان يجعلك كافراً والطبيعة تعود بك.
ما زلتُ عاشقاً لدمشق رغم كل شيء، فهنا على الأقل خمرة التاريخ، التاريخ الذي كل شيء فيه غير معقول الا أساطيره.
صفحة 5
ما بالك يائس هكذا هذه المرة، صدقني يا صاحبي لا يوجد شيء آخر سوى الأسطورة».
ــــــ جميل أن تكون قانعاً بشيء.. خصوصاً المكان.. السخط على المكان هو بؤرة للكثير من المشاكل في بلداننا، هناك سخط على القدر الذي أوجدهم في هذه البلدان، حتى ليسأل المرء:
أين هو الحد الفاصل بين الحقيقة والخرافة؟!
ــــــ «الكثير من الأشياء الجميلة يعترضها القدر على خلاف جمالها، ليفرض مأساة وظلماً يحمل لون الخبث.. وعن هذا كان قلق الذات ومفهومه، قلق لا يمكن تهمة الوجوديين به، شئنا أم أبينا، فهو يلوح للجميع، قساوسة كانوا أم رعاة.. عليك يا صاحبي أن تخفف من غلواء عواطفك، فحتى البصرة التي لا تريد نسيانها وكتبتَ حولها مجموعة شعرية وأخرى قصصية، ذهبت وذابت بطوفان الاطماع الجديدة.
قل لي ماذا سنفعل إزاء الانتخابات العراقية القادمة. هي أول انتخابات ديموقراطية ليس في العراق وإنما في تاريخ الشرق بأكمله. هل تصدق أننا بتنا شهداء على التاريخ؟!».
ــــــ نحن طرائد التاريخ لا نزال في مرحلة الصراع العقائدي يا صاحبي، ليس هناك صراع سياسي، نحن لا نزال في مرحلة الأسطورة، لذا الجميع يبحث عن «ابطال ينتخبهم».. هذا يفكر بأياد علاوي، بطل القضاء على الارهاب في مدينة الفلوجة، وذاك يريد انتخاب عبد العزيز الحكيم لكونه بطل القضاء على أخاديد الارهاب في الجنوب، وذاك ينتخب أحباء هيئة علماء السنة، أبطال القضاء على الشيعة، العدو التاريخي للطبقة التاريخية الحاكمة.. لا تزال المسافة بعيدة بيننا وبين المجتمع المدني.. إنها بعيدة بُعد ميناء البصرة عن الفرح.
ــــــ «أي قدر إذن هذا الذي جعلنا نخسر الحكومة والمعارضة معاً؟!
لو شاهدت البصرة اليوم لانتحرت. فالبصرة اليوم ليست سوى حسينية وهيئة دينية بشكل علني، وشعاب لتهريب المخدرات والنفط سراً».
لم أستطع أن اعترف بهذا الضياع..
لم استطع تخيّل أن يتم اغتيال الزبير مرتين..
أن تتكرر معركة الجمل.
.. لم أستطع الانصياع لحقيقة موت شط العرب من العطش.
لم أستطع الاقرار أن تذوب البصرة بهوس الخرافة..
لم أستطع الاعتراف أن يتحول العراق الى سراب نطارده بلهاث العطشى.
لم أستطع أن أتلقى سماع فقدان البصرة، لهذا الشيء الوحيد الذي بقي في داخلي.
لن أرضى أن أكنس وطني مع أوراق الخريف.. لن أرضى.
تذكرت عبارة تلك المجلة النسائية:
لا تفوّتي فرصة تحدّي نصوص المكياج والاستمتاع بألوانه الجريئة.
تذكرتُ عناد تلك البطة العراقية وصبرها إزاء تحمل كافة أنواع المراقبة والعقاب وايذاء أبويها لها بالضرب والكيّ، من أجل مملكة الروح والقلب.
تصلّبت جميع شراييني وصرختُ مع نفسي:
لن تضيع البصرة مرة أخرى.. لن تضيع البصرة..
خرجــــــتُ الى محطة قطار الانتظار.. انتظار الشغف واللوعة والأسئلة الذبيحة، فلم أجد سوى الريح تصرخ في وجه القطارات القديمة والجديدة، حيث الصدى يزعق بالنشيد:
لن تضيع البصرة مرة أخرى.. لن تضيع البصرة..
صفحة 6

ابن عربي في استراليا

كنت جالساً على مدرّجات دار الأوبرا الاسترالية، وكانت عشيقتي الاسترالية «كوستنس» والتي هي من أصل ايرلندي مستغربةً من ذهاني وأنا أتصفّح حزمة كبيرة من الأوراق مقتطعة من كتاب الفتوحات المكية لابن عربي وجدتها في مكتبة قديمة انزوت في زاويتها كتب لغة جرحية اسمها العربية.
لقد استغربت هذه البجعة الذهبية كيف أنني تحولت الى قارىء لهذه الكتب الضخمة، لا لشيء الا لكونها جزءاً من بقية سيوف مثلومة في حروب سالفة.
كانت بضع أوراق مستنسخة طلبت من صديق، أقصد كان في السابق صديقاً، أن يرسل لي مواضيعها من كتب شحيحة بعثت بعناوينها إليه أكثر من مرة. لقد كررت إرسال العناوين، وكذلك كررت التساؤل حول تلك الكتب التي لا تصل على الرغم من أني أرسلت المبلغ وضعفه الى عدة أصدقاء، لكن القلب اكتفى بحفظ أسماء الأصدقاء مثلما اكتفى جهاز الكمبيوتر ببضع رسائل من الانترنت!
كان ابن عربي يقول لي وأنا ساهم مع التحولات الأخيرة للنوارس:
ومن أعجب ما رأيت من بعض الشيوخ من أهل الله ممن كان مثل أبي يزيد في الحال وربما أمكن منه فيه فقعدت مع هذا الشخص يوماً بجامع دمشق وما يجري له معه في وقائعه فقال لي:
إنَّ الحق ذكر له عظم ملكه.
قال الشيخ: فقلت له:
يا رب ملكي أعظم من ملكك.
فقال لي: كيف تقول وهو أعلم؟
فقلت له: يا رب لأن مثلك في ملكي فإنك تجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك وما في ملكك مثلك.
قال: فقال لي: صدقت.
كنتُ ساهماً بذكرى الهور وذكرى جبران، ورياح استراليا تحمل متغيرات مناخ الطبيعة هنا، والمناخ السياسي في ايران وسوريا، هناك.
في ذلك الزمن كان أول الغائبين هو الزمن.. وكأننا لو ذكرنا تاريخ تلك الحوادث، فإننا سوف نزوّرها، كان فعلاً فالتاً من الزمن، والزمن كان خائناً للحدث. فكأن عملية التأريخ هي عملية تزوير مهما حاولنا تأريخها.. وحده القلب وبوح الفقد، يستطيع أن يترك إمضاءه وتوقيعه على مثل هذه الرواية.
قلت في نفسي: لهذا السبب لم يستطع فيلسوف بحجم هيدجر الا أن يكتب مرثية غاية في الرقة، أمام لوحة لفان كوخ تمثل أحذية بالية. لقد أصرّ هيدجر أن الأحذية هي لفلاحة فقيرة، وأصرّ جاك دريدا على أن الأحذية لا تمثل الا أنفسها بينما قال آخرون إنها أحذية فان كوخ نفسه. كم هو عجيب حقاً أن هيدجر لم تهزه نازية هتلر لكنه اهتز لرسمة حذاء!
أنا وجبران لم نكن يوم ذاك أصدقاء بعد.. لكننا لم نكن أعداء أبداً.
الأسمى من ذلك، أنه كان شخصاً لا يعرف معنى الكراهية لأحد.. كان بشوشاً ودوداً. في أول ليلة بت فيها في مدرسة «معهد الامام الرضا»، وهي مدرسة يشرف عليها «حزب الدعوة الإسلامية»، تطوع البعض لتعليمنا صلاة ليل مع أهدائه بعض الكراسات التي كان يكتبها الشيخ محمد مهدي الأصفي، والتي جميعها (عدا اثنين منها) إنشائيات باهتة، القديم منها اقتباس لأفكار مالك بن نبي، والحديث منها خليط من أفكار العلامة محمد حسين الطباطبائي وخطابات الرئيس الايراني، محمد خاتمي.
كان هذا المتطوع يشرح لنا أشياء وأشياء، عن أفكار حزب الدعوة الدينية والسياسية، ذلك الحزب الذي كان ثاني الأحزاب بعد الحزب الشيوعي ثقافة وتمرداً منذ ستينيات القرن العشرين وحتى جفاف الهور الأخير.
كنا نحدق فيه كقطط صغيرة، ونختلس الضحك، منتظرين رحيله كي نفتح المذياع لسماع الأغاني العربية.
كان يشاركني في هذه الجريمة النكراء، بعض أصدقاء الهور الذين دخلوا معي الى ايران بعد تركنا الأهوار جريحة وراءنا.
وهي الجريمة التي سوف تكتشف ويتم طردي شر طردة، بسببها مع قيامي بتثبيت حضور اسم أحد الطلبة، مع كونه غائباً عن حضور الدرس والمتابعة.
صفحة 7
كان كل واحد منا يغيب يوماً أو يومين ويعمل في الطين والبناء،. إذ إنّ مرتب المدارس الدينية العراقية في ايران كان أقل من قطرة في الرمق. فيقوم الرفيق الحاضر بتسجيل الرفيق الغائب في دفتر الحضور.
بعض الأحيان كنا نغيب لسبب آخر، وهو السبب الأحب:
إذ لا توجد للفتيات فرصة الانفلات من مراقبة السوط العائلي سوى فترة ذهابهن إلى المدرسة. فكانت الفتاة تتخلّف عن بعض الدروس كي تجد ساقية حامية الشوق في انتظارها.
بهذه الطريقة، كنتُ أنا أهرب من ذلك المعهد، وكانت بطتي العراقية تهرب من مدرسة مشابهة اسمها: مدرسة «روز خدا دختران». اسم جميل أليس كذلك؟! يوم الله للبنات.
أية مدارس هذه وأي طلاب هم هؤلاء؟.. لا.. بل كنت أنا مثلاً أقوم بالغشّ.. بتسريب معلومات للطلاب الكسالى مثل بعض الطلبة الكبار في السن، الذين كانوا أشباه المسيح يوم ذاك لأنهم كانوا لتوهم قد خرجوا من سجون أبي غريب الرهيبة فقضوا عشرات السنين صلاة وعبادة، والآن هم في ولايات بيرث وسدني وغيرها في استراليا واميركا والدانمارك والسويد، أشبه بقطيع من الذئاب.
في الصباح وجدت على مدخل الباب الرئيسي، قصيدة بمناسبة نجاح بعض العمليات العسكرية لحزب الله اللبناني، بعنوان «ذهب زمن الطماطه يا لبنان»، مع توقيع: «عبد الرزاق جبران»، حيث كان حزب الله اللبناني أكثر بكثير بالنسبة إلينا، من حزب يقاوم اسرائيل ويحاول استرجاع كرامتنا الإسلامية والعربية والشرقية. كنا نرى في حسن نصر الله امتداداً لرجال الأهوار العراقية، كنا نستشعر بأن حسن نصر الله «واحد منا»، ولم نعرف أنه واحد علينا إلا بعد سقوط صدام حسين واحتفالاته بكل عملية ارهابية ضد المدنيين العراقيين، باسم المقاومة، المقاومة التي كانت ايران يداً ممدودة لها، حتى لرجال القاعدة السلفيين الذين يكفرون الشيعة برمتهم، ايران كانت تعين الارهاب ضد العراق الجديد كي تبعد طوفان الديموقراطية الوشيك عن أراضي الجيتو التابعة لها. ولهذا سيجد شيعة العراق المأزق ذاته للمسيحيين في لبنان. إنهم في نظر العرب شيعة اتباع لايران، بينما تنظر اليهم إيران بأنهم عرب ما زالوا ينجبون أساتذة النقد العلماني المستمر.
لقد لفت انتباهي عنوان القصيدة أكثر من مضمونها، وأثارني لقب «جبران» أكثر من الشخص المعني به.
كنتُ لتوي قادماً من الأهوار، وأريد أن أتحول من مدافع عن الماء الى مدافع عن الحروف. وكنت لا أزال محملاً بغبار البراءة الملطخة بدم الأجوبة الذاهلة.
كنتُ لتوي داخلاً حقل ألغام ما يسمى بالدراسات الحوزوية، أو الدينية. تلك البيوت والمنازل القديمة التي تسمي أنفسها مدارس أو حوزات، تتكفل بشرح اللاهوت الشيعي (وقسم أقل من اللاهوت السني والمسيحي واليهودي والغربي). والتي كان الشباب العراقي تواقاً لترك أعماله ودراسته الأكاديمية، والانضمام اليها، بفعل منع صدام حسين الانتساب اليها، فغدت الحوزة أسواراً من «الغيتو» الإسلامية المحاطة بالأسرار والقداسة والغموض، بأكثر من أسوار الجيتو الاسرائيلي.
كنا صغاراً جداً، حاولوا إفهامنا أكثر من مرة وبأكثر من أسلوب، بأنَّ الدين ضد الفرح، وبالتالي فهو ضد الغناء والطرب، وكل ما يتعلق بذلك، حتى المشي في الشارع هو الآخر محكوم بقاعدة «ولا تمشِ في الأرض مرحاً».
المتدين هو إنسان يبحث عن اللطم والبكاء والتهاوي تعباً إثر الركوع والسجود والتلاوة، علّه يخلص من الذنوب، علّ اللَّه يخفّف عنه مصيبة الموت والحساب، بفضل شفاعة النبي وأهل بيته أو مقابل أجر ما قدمه من صلاة وصوم. أسماء الذين تحزن لفواجعهم أو تفرح لبطولاتهم وفتوحاتهم، هؤلاء الذين تذكرهم وتلطم وتفقد حواسك الداخلية والخارجية لكثرة ما تبكي وتمارس الحزن على مصيبتهم أو تفرح وتكرر قصة انتصاراتهم التي وقعت قبل ألف عام بدون أن يثبت التاريخ أنك حفيد أحد قتلتهم حتى تستحق مثل هذه العقوبة الرهيبة، أو أنك أحد ورثتهم فتتحمل مشقة حفظ كل ذلك التاريخ الطويل من المعارك.
على أية حال فطقوس المذهب الشيعي ليست بعيدة عن جنون صلاة التراويح السنية. واذا كان «الطالبان» قد صبغوا النوافذ بالأسود، فإن الشيعة اكتفوا بالقماش الأسود فقط. ما الفرق بين السواد والسواد يا ترى، خصوصاً بعد التاسع من نيسان 2003 حيث ستتكاثر الصور التي تلوح لك بأنها حسين العصر، وإن لم تقبل فأنت الشّمر المعاصر؟!!
هو الإسلام ومذاهبه إذن. راية الإسلام القديمة هي البياض، لكن الإسلام المعاصر يحثّ على السواد.. بدءاً من سواد ثياب المرأة وحتى لافتات المراسم الدينية.
أنت إذن في مراسم فاتحة مستمرة.. وعليك أن تتخيل جنازة منصوبة ليل نهار، إذ أنه بحسب قطرات دموعك يبني اللَّه لك بيوتاً في الجنة. والأمر هنا متروك لك طبعاً في أن تتخيل لون هذه الجنة وحقولها وبساتينها التي زرعت وسقيت بالدموع واللطم وعقدة الحزن هذه.
ألا سحقاً لرب لا يرضى الا بعذاب عبيده.
ألا سحقاً لكل إمام أو نبي لا يشفع لاتباعه إلا بشق الرؤوس بالقامات والسيوف للنفس أو للآخرين.
صفحة 8
حاشى الأنبياء والأئمة والقديسين الذين جاءوا لحماية إنسانية الإنسان، أن يأمروا الإنسان بقتل نفسه أو إيذائها وتشويه الخلقة التي خلق اللَّه الإنسان عليها.
حاشى أن يكون هذا هو اللَّه فعلاً.. هذا النوع من الأرباب هو رب هذه العقول العاطلة لا غير.
هؤلاء مرضى فيصورون اللَّه مريضاً مثلهم..
هؤلاء يفشون عقدهم وعطالتهم وسطحيتهم بالتطبير على الحسين بن علي، أو تقتيل الأبرياء بحجة كونهم روافض أو مسيحيين.
الحسين لم يرض لأصحابه أن يقتلوا ورخَّص لهم بالرحيل حقناً للدماء، فكيف بمن سيتبعه بعد ألف عام.
النبي كان ينهى عن التمثيل ولو بالكلب العقور.. فكيف نحن نمثل بأنفسنا أحياءً بتهشيم الرؤوس والأجساد؟!
إنَّ سكوت الفقهاء هو دليل جبنهم وخيانتهم لوظيفة الفقه والعلم. والا فهل توجد رواية (ولو ضعيفة) أنَّ أحد الأئمة لطم (فضلاً عن أن يكون قد مارس التطبير) أو أنَّ أحد الفقهاء الأربعة شحذوا السيوف والخناجر ضد عابري السبيل؟!
فالصحابة والأئمة حثّوا على مجالس ذكرهم، وليس مجالس التطبير واللطم عليهم. أما قاعدة «كيفما تكونوا يولَّ عليكم»، فإنها ليست أمراً سياسياً. بل إنها قاعدة شاملة.. فالأمة إذا جنت، فذلك لأنَّ فقهاءها وعلماءها قد جنّوا أولاً.
لا أزال الآن أذكر كيف خرج الشيخان الكبيران آيتا اللَّه العظمى الخراساني والتبريزي، حافيين بمناسبة قتل المحسن ابن علي بن طالب، مع أنهم لم يفعلوا ذلك حتى في يوم عاشوراء.. أي أن الأمر هو على عناد محمد حسين فضل اللَّه الفقيه اللبناني المعروف. وهذا الأمر سوف يتكرر من قبل بعض مشايخ الوهابية في تحريضهم الشباب لقتل المدنيين في العراق.
هل نحن أمام مراجع دين أم أمام عركة أطفال؟!
من الغريب أننا نكيل الشتائم والتسخيف للمجتمع ونترك الكلام على المسؤولين والعلماء والنخبة فيه.
أن يكون الشارع متخلفاً وكذلك الجمهور فهذه ليست هي المصيبة الأخيرة. المصيبة الأولى اذا كان التخلف هو داء النخبة والعلماء أنفسهم.
فالأمة لا تنحرف وتتدهور حالتها ما لم تنحرف نخبتها وعلماؤها ومسؤولوها أولاً.
المؤسسة الدينية (شيعية كانت أم سنية.. إسلامية أم مسيحية أم صائبية أم.. الخ) باتت محجراً عقلياً جماعياً.. لذا ترى أنه بعد كل حملة اصلاح، ودعاوى تطوير المرجعية، وجعلها رشيدة كي تكون على مستوى مواكبة العصر، وغير ذلك من ادعاءات.. تعود الأمور قهقهرى الى الوراء مئات السنين الضوئية!!
نحن لغاية اليوم نغطي مقولة محمد باقر الصدر بأنَّ «الحوزة فشلت في قعر دارها» وأنها أمة ماتت. وهو أمر سبق أن طرحه الشيخ المظفر عملياً فحاول استبدالها بمؤسسة أخرى. لكن الذي اعتاد المخدرات لا يجد راحته في غير جرعة اضافية منها، وهكذا الى أن يموت. أولم يقل الامام بن حنبل: بيننا وبينكم الجنائز؟!
* * *
كان استاذنا في مادة «شرائع الإسلام»، وهو واحد من كتب الفقيه العراقي المعروف باسم: المحقق المحلي، رجلاً خلوقاً، ذا صفات جميلة (سيكون صاحب مجلة علمانية متطرفة فيما بعد!)، وصاحب محاسن عديدة، بيد أنه كان ضعيفاً جداً (حين ذاك) في تدريس هذه المادة العلمية المسماة بالشرائع، وهي صفة غالبية المدرسين في حوزات حزب الدعوة الإسلامية. وهو أمر سيستتبع الكثير من الاحراجات مع شخصيات لها معرفة شخصية بي، مثل شيخ اسمه فاضل الأحول، الذي كان على علاقة وطيدة مع المرجع والفقيه المشهور لأهل دول الخليج «الشيرازي»، اذ كان هذا الاستاذ الأحول، يأخذ الأموال من هذا الفقيه لطباعة كتب تكرر كتباً سالفة بشكل فجّ ومملّ.
لقد كان الطالب في أغلب الأحيان أفضل من أستاذه في استيعاب تلك النصوص القديمة. أضف الى ذلك أنَّ الحوزة ليس لديها أي فهم لمسألة أن فهم المادة شيء، بينما تدريسها هو شيء آخر، فكم من مستوعب للدرس لا يستطيع شرحه ونقله الى الآخرين.. لكن مع من تتكلم وأنت في بيوت مستأجرة، لاتفهم من معنى «مدرسة» غير الاسم فقط؟!.
في ساحة المدرسة (أو قل في ذلك البيت المستأجر) علقت قصاصات ورق لمقولات الخامنائي. لكن في الوقت الذي كانت فيه الحوزات والمدارس الأخرى تقوم بنشر مقولات الخامنائي في اللاهوت والأخلاق (وهذا كلام ببغائي يردده الخامنائي لأحاديث الخميني)، فأن حزب الدعوة الإسلامية كان يحرص على نشر مقولات الخامنائي السياسية، لأنَّ حزب الدعوة ومؤيديه كانوا يؤولون كل شيء وكل ما يواجههم من نصوص دينية وتاريخ إسلامي بعدسات السياسة، وكأن الإسلام ليس ديناً للعبادة والتقوى بالدرجة الأساس.
صفحة 9
في ساحة ذلك المكان أشار التلاميذ إليَّ نحو شاب قصير القامة يشارف على توديع عشرينيات عمره، إن لم يكن أكثر، وهو يرتدي نظارات شفافة. قالوا لي إنه طالب مجد، وهو صاحب تلك القصيدة: «ذهب زمن الطماطة يا لبنان»، اسمه عبد الرزاق الجبران.
أخذت أحدق فيه بدون أية التفاتة، فقد كان شبيه هادي سيد جبر كثيراً. هادي فارس الهور وأسطورة الصبر العجيبة.
فانتبه لي.. تبادلنا التحية من بعيد.. لم يدر بخلدينا أنَّ الكتابة ستجمعنا وأنَّ غربان حقول الطماطم وجراد مزارع السياسة ستفرّقنا.
اجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان.. اجتمعنا في مدرسة واحدة، سوف يستمر فيها هو وأطرد منها أنا..
اجتمعنا في وجبة واحدة تمنح لنا في اليوم الواحد، تقيأتها أنا سريعاً، وتقيّأها هو بطيئاً.
جمعنا الشّعر، وفرقتنا القوافي.. جمعتنا الفلسفة، وفرقتنا المعاني.
افترقنا وتفارقنا الى أكثر من كليات خمس في المنطق، ومقولات عشر في الفلسفة.
هو سيكون عاشقاً لدمشق السورية، وأنا سأكون عاشقاً لسدني الاسترالية.. هو بات نزيلاً للتكيات والمقاهي والمنارات الكبيرة، وكل ما يرتبط بتاريخ أمة ذهبت، لسنا متعلقين بها بقدر ما هي متعلقة بنا.. اذ هو متشبث بما هو وحده معقول ومفهوم من هذا التاريخ: الأساطير!
أما أنا فعاشق لدار الأوبرا والبحر والنوارس والعمارات الكبيرة، وصخب الموج والموسيقى والنساء، وكل ما يرتبط بأمة حاضرة نحن متعلقون بها وهي غير مكترثة بنا.
جبران حريص على الأخلاق والاقتراب الدائم من الدين، كحرصي أنا على التهوّر والاقتراب المستمر من الجنس وكل ما يرتبط به من داعرات في وضح النهار وشجارات في عتمة الليل.
كان ذاك هو ملتقانا الأول.. كان كلانا واقفاً في باحة تلك المدرسة الرثة عقلاً وعمراناً.. لم يقترب أحدنا من الآخر.. تطلعت نحوه، وتطلع باتجاهي.. تبادلنا الابتسامة والتحية، وكأننا في فيلم قديم صامت رمادي الألوان. نحن أبناء الصمت نؤدي أفلاماً صامتة.
* * *
بعد سنوات من الهجــــــران والتحول وجدتُ رسالة أولى بعثتها عبر البريد الى دمشق، لكنها أُعيدت إليّ لخطأ في العنوان وتصحيح في الوجود.
كانت ورقة متكسرة الوجه مثل الذكرى.. مثل الفؤاد.
أخذتُ أقرأ الرسالة وكأني شخص ميت عاد لزيارة أهله ليلة الدفن، حسبما كانت عقيدة جدتي تقول..
كانت سطوراً مكتوبة على ورقة، أتذكر جيداً أنَّ تلك البطة العراقية، خلعتها من دفترها المدرسي وأعطتني إيّاها.. فكتبتُ الى جبران بعض رفاة دمي وتوجعي:
.. مساجد دمشق سواحل عاطلة، وسواحل استراليا مساجد تكتظ بمصلين عراة..
أنبئني يا جبران اين يقع الفرق وأين يقع الافتراق؟!
.. أنت تكتب للوطن، وأنا أكتب للغربة..
ما الفرق بين غربة الوطن ووطن الغربة؟!
قال الوهم للحقيقة أنا أكبر ملكاً منك؟!، قالت كيف؟!
قال: أنتِ تعطينني أكثر مما أعطيكِ، لكنكِ أشد بقاء مني.
قالت: كيف ولولاي لم تكن؟!
قال: في وجه الحقيقة يبان الوهم أكثر، فليس في الحقيقة سواها، لكن في بطن الوهم وهم مثله.
قالت: صدقت.
كانت قصيدة الطماطم تلك، وذلك اليوم هو ملتقانا وفراقنا الأول.
كنت أرمق جبران وأدندن مع نفسي قصيدته تلك.
صعدت برأسي ذكريات طماطم البصرة والزبير.. وصعد هو الى قاعدة الدرس بدون أن يلتفت.
صفحة 10

فرويد وزهرة بين المقابر

إنه موقف يدعو للتأمل الطويل ذلك الذي صنعه فرويد، إزاء «الأيروس». فهو قد جعل من الحب مرضاً. فرويد نظر الى خروج رجل أو امرأة من تجربة حب خاسرة، وهنا بالتأكيد تصل النتيجة الى مجموعة ردود أفعال تحاول أن تخدع الذات وتغطي خيبتها.
لكن هل الحب هو المرض هنا أم أنَّ الخيبة والحرمان منه، هما اللذان تولد منهما الحالات والاضطرابات المرضية؟!
هل كان فرويد شخصاً لم يعرف الحب فأخذته الغيرة من العشاق فصاغ تلك المقولة البائسة، أم أن فرويد كان يحاول الخروج من تجربة حب موجعة؟!
كم هو غريب هذا الإنسان، فهو مستعد أن يتسبب لجسده ولروحه بإصابات وأمراض عدة في سبيل اخفاء رغباته الحقيقية.
تلك الرغبات التي ليس من الصحيح أن نجعلها فوق العقل وإنما أن نجعلها صديقة له، لكننا نحاول نسيان أنَّ هذه الرغبات هي جزء من الطبيعة وطينتها الأولى، حيث يكون كل حديث عنها ضرباً من الثرثرة، حتى لو كان هذا الحديث نظرية علمية شهيرة لشخصية عملاقة الاسم.
لقد وصف جان جاك روسو الأمر بدقة:
إنّ قلبي الحساس كان مصدر بلائي كله.
نعم حاولتُ مراراً الخروج من مملكة الحب، كطفل خطر على باله أن يهرب خارج أسوار المدينة المسحورة.
لعل الأمر جاء في تلك المرات نتيجة الرهبة من السوط والجلد الاجتماعي حيث كثير ما يقال عن شخص بمثل حالتي بأنه شخص أو رجل همّه النساء أو «نسونجي» حسب تعبير بطة عراقية مغناجة شرسة.
تلك البطة التي لم أعرف مثلها هي بركان من الغيرة تتفجر حممه تفجراً.
بطة كان قدرها أو قد كان قدري الأبدي، أن نلتقي من جديد كلما افترقنا، وكأن قيد العاطفة يأبى الفصام.
هي كانت بطة نار تأبى أن تتحول الى رماد، تعرفتُ إليها في زمن التحول المرّ، بل الأكثر مرارة.
كانت تريد مني أن أصنع قيامتها الثانية، بعد أن غدر بها شخص سخيف، ليس من المصادقة أن يكون أحد الناشطين في الدين وجهاد المعارضة العراقية ذات يوم، شخص يقارب عمر أبيها، استغل براءتها أبشع استغلال، وكان مثل شريحة واسعة من أدعياء الثقافة، يُزوّقون ضعفهم أمام نزواتهم بأنّ الأمر: «إحساس. هل أنت ضد الاحساس؟!».
وكأن الإنسان غريزة فقط، وأن لا شيء يُدعى «المسؤولية».. المسؤولية التي بها نعرف مقدار ما حققه الإنسان من إنسانيته، وذلك هو الامتحان الصعب حقاً.
مسكينة هذه البطة الحنون، وجدتني سوراً يلتف حول نفسه بلا نهاية. كنتُ متكوراً على عواطفي الجريحة مثل قنفذ طوى نفسه فلم يعد يظهر منه سوى أشواكه الموجعة البارزة.
حدثتها عن الصداقة كثيراً، لكنها أبت وبشدة.
كنتُ أعتقد، وحتى وقت قريب، أنَّ الشبان وحدهم يصعب عليهم مصادقة الفتاة بدون أن يكون الكلام حبالاً توصل الى الفراش، فينكشف أنه حتى الكلام عن الإنسان والإنسانية والثقافة وأمور الحياة، محض فخ.. محض مصيدة.
أخذتُ أثرثر بعبث حركات ما قبل الزهقة الأخيرة للمشنوق، محدّثاً إياها عن علاقة الإنسان بالإنسان، وأنَّ هناك علاقات مختلفة، بل هناك أسمى من علاقة الإنسان، وهي علاقة الإنسان بالوجود ذاته كما هو هو.
.. شرحتُ.. وضّحتُ.. أكثرتُ للبطة العراقية الأمثال.. لكنها بكت، فطفحت كلماتي الباردة، بنهر من الدموع الساخنة.
ــــــ «لماذا.. هل لكون هذه الاسترالية التي تحتل صورتها هاتفك الجوال، أحلى مني.. قل.. لا تصمت هكذا.. قل.. تكلم».
حاولتُ وأنا مجهد بكهربة العواطف، أن أوضح لها أنَّ كونها عراقية، يجعلها عزيزة عندي أكثر من سواها في هذه الغربة.. جميع النساء وطن، لكنكِ أيتها العزيزة ذات الوطن.. أنتِ الوطن الأول.