eKtab
EN ع
من زوايا أخرى
اقرأ عينة مجانية

من زوايا أخرى

بقلم فواز طرابلسي

صفحة 1

دفاعاً عن إعلان بيروت دمشق

إعلان دمشق بيروت

يسوق «المحرر السياسي» لجريدة «تشرين» في تعليقه على «اعلان بيروت دمشق...» (17 أيار 2006) اتهامات لموقعي البيان أقل ما يقال فيها انها خطيرة وأهمها:
«تبرئة ساحة «إسرائيل» وإدارة بوش من كل الكوارث والمآسي التي عاشها ويعيشها لبنان في ظل سياسة الهيمنة والتسلّط الأميركية وتوجيه الاتهام لسورية» وهذا ما يؤكد عدم صدور «الاعلان» عن نوايا حسنة؛
«التزامن المريب» في توقيت نشر البيان مع قرار مجلس الأمن الجديد المعادي لسورية؛
ينعى «المحرر السياسي» على تجاهل «الاعلان» المراحل التاريخية في العلاقات بين البلدين؛
اعتبار «الاعلان» ان وجود العمال السوريين في لبنان «ضار للبنانيين».
اكتب دفاعاً عن «الاعلان» بصفتي أحد الموقعين عليه من ضمن فئة من اللبنانيين، لست ازعم النطق باسمها ولا معرفة حجمها، لكني اعرف عنها انها ترفض الحزبية القيسية اليمنية الجديدة السائدة في لبنان، بين 8 آذار و14 آذار، وتعيش قلقاً شديداً على التدهور في العلاقات بين سورية ولبنان وتسعى إلى اقتراح جدول أعمال لعلاقات لبنانية سورية من منظار الشعبين ولمصلحتهما معاً. من هنا ان ابلغ جواب استطيعه على تعليق صحيفة «تشرين» هو ما ورد في «الاعلان» ذاته وعنوانه، للمناسبة، ليس «اعلان بيروت دمشق» وإنما «اعلان بيروت دمشق/ اعلان دمشق بيروت».
في مستهل تعليقه، يستغرب المحرر السياسي صدور الاعلان «منذ يومين وبلا سابق انذار» وهو بذاته استغراب يثير اشد الاستغراب لأسباب عدة. فهل من عادة كتبة البيانات والاعلانات في سورية ولبنان ان «يُنذروا» «المحرر السياسي» في «تشرين» عندما يهمّون بنشر بيان يعربون فيه عن آرائهم في مسألة من المسائل؟ مهما يكن، يفترض السؤال ان نشر «الاعلان» لم يسبقه «انذار». والحال انه لم يسبقه انذار وحسب بل سبقه... نشر للاعلان ايضا. فقد نشرت جريدة «المستقبل» اللبنانية مسوّدة لــــ«الاعلان» في عددها الصادر يوم السبت في 29 نيسان المنصرم بعنوان «مثقفون سوريون ولبنانيون يدعون إلى علاقات خارج مشاريع الضمّ والاستعلاء والقطيعة». وقبلها بأيام عدة، عممت وكالة الانباء الايطالية، من دمشق، خبراً عن «الاعلان» في احدى نشراتها. لهذا، يحلو لي ان اتصوّر ان «المحرر السياسي» كان مطّلعا على «الاعلان» قبل أسابيع من نشره وإلا لاضطررت إلى التشكيك في كفاءاته الصحفية.
لا ينتهي موضوع توقيت نشر «الاعلان» عند هذا الحد. فثمة «تزامن مريب» في نشر «الاعلان» مع صدور قرار مجلس الأمن الدولي بصدد سورية. ولكن متى في الخطاب التبريري للانظمة، كان هناك وقت مناسب لنشر رأي لا يتطابق مع رأي تلك الانظمة ولغتها والمصطلحات؟ كل ما نستطيعه في هذا المجال هو ان نسأل «المحرر السياسي» لجريدة «تشرين» ان يخطرنا في المرة المقبلة عن الأيام والأسابيع والأشهر الحُرُم التي لا يجوز فيها نشر اعلانات تبدي القلق على تدهور العلاقات اللبنانية السورية وتسعى إلى تصحيحها. ولكن فلنسأله: هل الاعتقالات التي بدأت بتوقيف ميشيل كيلو ورفاقه فيما «حملة أميركية إسرائيلية» تستهدف سورية وتمارس عليها الضغوط والتهديدات، تنتمي إلى «التزامن الموفّق» الذي لا يسيء إلى سمعة سورية وهيبتها، وهي الاساءة التي يبدو ان ميشيل متهم بها؟
في مجال الاستغراب أيضاً وأيضاً، تقول «تشرين»: «والغريب ان يتجاهل الموقعون على الاعلان أهم المراحل التاريخية في العلاقات بين البلدين...». هذا هو بعض ما ورد في «الاعلان» عن «المراحل التاريخية في العلاقات بين البلدين» ونعتذر عن الاطالة:
«نود، في حيّز هذا الاعلان، ان نستعيد أيضاً ما يختزنه تاريخ شعبينا من نضالات وتضحيات مشتركة، متذكرين، في هذا الصدد، شهداء ساحتي المرجة، في دمشق، والبرج في بيروت، خلال العامين 1915 و1916، والانتفاضات الوطنية والشعبية ضد الانتداب الفرنسي عندما كانت المدن اللبنانية تقفل وتتظاهر ويتلقّى شبّانها الرصاص بصدورهم تضامناً مع انتفاضات المدن السورية والعكس بالعكس». ويتابع موقعو الاعلان قائلين: «ولقد توقفنا أمام المسؤولية الكبرى التي تتحمّلها الطبقات الحاكمة في البلدين في الدفع نحو القطيعة الاقتصادية عام 1950 ووأد الحلم المشترك لروّاد الاستقلال في تأسيس دولتين مستقلتين تقيمان أوثق العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بينهما. على ان طغيان تلك المصالح الضيقة لم يمنع الشعبين من تجديد نضالهما المشترك من أجل قضية فلسطين وضد الاحلاف العسكرية الدولية والاقليمية وصولاً إلى تضامنهما، خلال العقود الأخيرة، في التصدي للعدوان الإسرائيلي عليهما واحتلاله لأجزاء من أراضيهما وقد اثمر التصدي في لبنان تحرير جنوبه المحتل».
أخيرا، تنسب «تشرين» إلى «الاعلان» اعتباره ان وجود العمال السوريين «ضار للبنانيين». بادئ بدء أطالب «المحرر السياسي» بأن يدلّني أين وردت هذه العبارة لكي اسحب توقيعي. حقيقة الأمر ان العبارة لم ترد في «الاعلان» قطعاً (راجع الفقرتين 7 و8). ما ورد فيه هو استنكار اشكال التمييز والعنف التي تمارس ضد العمال السوريين في لبنان، ومطالبة السلطات اللبنانية بتعقب المتهمين بجرائم الاعتداء على هؤلاء العمال، وصولاً إلى القتل، واعتقالهم وتقديمهم إلى المحاكمة ليلقوا الجزاء الذي يستحقون». هذا في الفقرة السابعة التي لا يأتي «المحرر السياسي» على ذكرها طبعا. ولما كنا نرجّح ان «المحرر السياسي» عضو في حزب لا يزال يذيّل اسمه بالاشتراكية، وددنا تذكيره بأن وجود يد عاملة سورية كثيفة ورخيصة وافدة في لبنان قد اسهم ولا شك في إعمار البلد بعد الحرب مثلما اسهم في توفير موارد مالية اضافية للأسر السورية. لكن آثار ذلك الوجود الكثيف للعمالة السورية قد توزعت على نحو متفاوت. فقد أفاد ويفيد بالدرجة الأولى أرباب الأعمال على خفض أكلاف إنتاجهم والخدمات، ولكنه يضغط في المقابل على أجور العمال المحليين والضمانات. وهذه هي فحوى الفقرة الثامنة من «الاعلان» التي تدعو إلى «ضرورة سن قوانين تنظّم انتقال العمالة واستخدامها بين البلدين لضمان مصالح العمال وحقوقهم». والمقصود هنا العمال اللبنانيون والسوريون.
طبعا، لم يأت «المحرر السياسي» على ذكر ما ورد في البيان عن تحرير الجولان المحتل، وعن ان التباين بين الانظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بين البلدين لا يحول دون التنسيق والتكامل والتصحيح المتبادل بينهما، ولا هو أتى على رفض «الاعلان» سلفاً أية عقوبات اقتصادية قد تفرضها المؤسسات الدولية على الشعب السوري، ما يجعلني اتساءل عن أي «اعلان» كان يعلّق.
يبقى سؤال: لماذا لا ينشر «المحرر السياسي» «اعلان بيروت دمشق/ اعلان دمشق بيروت» في صحيفته ليتسنى لقراء «تشرين»، وسواهم، الاطلاع على خطورة ما ورد فيه فيتحصنوا منه بالحجج الدامغة التي يسوقها «المحرر السياسي»؟
19/5/2006
صفحة 2

محاولة اغتيال الانتخاب بالمبايعة!

أعترف بأني أخطأت التقدير في ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية في اليمن. عندما أعلن الرئيس علي عبد الله صالح، منذ ما يقارب السنة، عزوفه عن الترشح لولاية جديدة بعد 28 سنة من الانفراد بالسلطة، ليكون أول رئيس عربي يتنازل طوعاً عن السلطة وتسليمها للتداول السلمي، صدّقته. لم أصدّق الأعذار ففي ذلك مقدار غير مقبول من السذاجة. صدّقت المناورة.
كثيرة كانت نزاعات اليمن ومشكلاته خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس علي عبد الله صالح. منها الاختلالات المتزايدة في العملية الوحدوية (مع ما يرافقها من ارتفاع في منسوب الاحتقان الجنوبي ونمو للنزعات الانفصالية)، والصدامات الدموية مع أصوليين «أفغان» أو قبائليين، واستشراء الفساد، ناهيك عن معضلات اقتصادية واجتماعية تفجرت في انتفاضات عنيفة في غير مناسبة. إزاء ذلك كله، قلت في نفسي إن الرئيس اليمني قرّر اتّباع الطريقة القذافية: يدعم مرشحاً من المقربين إليه ويؤمّن له الفوز ويحكم من خلاله. فيحقق المعادلة الصعبة في ممارسة السلطة كلها دون تحمّل أية مسؤولية عنها.
أما وقد عاد الرئيس صالح عن قراره، فالأمر يستحق تفسير العزوف والعودة معاً. هل كان العزوف عن الترشح لولاية جديدة إقراراً بالفشل عن معالجة تلك المشكلات؟ خطر للبعض تشبيه عزوف الرئيس اليمني عن الترشح، والضغط الجماهيري المطالب بعودته عن قراره، باستقالة الرئيس جمال عبد الناصر الشهيرة عام 1967 وعودته عنها. فرد الرئيس اليمني مستهجناً، مذكراً بأن عبد الناصر استقال لأنه هزم. أما هو...
هل تراجع الرئيس علي عبد الله صالح عن قرار العزوف بسبب صعوبة العثور على بديل؟ هذا سبب يستحق الذكر. ذلك أن حكاماً فرديين من نمط الرئيس اليمني لا يتركون حولهم وقربهم أو على أية مسافة منهم من هو جدير بأن يخلفهم في السلطة اللهم إلا الأبناء (والأخوة أحياناً). لكن تلك السنة الأخيرة لم تكن مناسبة لتقديم الأبناء بما هم خلفاء محتملون في غير واحدة من «الجملكات» العربية.
ربما كان علينا البحث عن تفسير الانعطاف في سلوك الرئيس اليمني في مجريات العام الماضي على الصعيد الإقليمي والدولي أكثر منه في التطورات الداخلية. فحكامنا يؤثرون تقديم التنازلات للرئيس بوش والإدارة الإمبراطورية، بدلاً من تقديمها لشعوبهم، على عكس المظاهر تماماً. لنلاحظ أن الرئيس اليمني قرّر العزوف عن الترشح لولاية جديدة خلال عام ركزت فيه الإدارة الأميركية التركيز الشديد على موضوعة التحويل الديموقراطي في منطقتنا. ولم يكن خافياً أن الغرض من التركيز هو اصطناع مبرّر جديد للاستمرار في احتلال العراق، وتقديم ما يبيّض الوجوه مطلع ولاية الرئيس بوش الثانية.
ولنلاحظ أيضاً أنه قرّر العودة عن قرار العزوف والترشح لولاية جديدة بعد الانتخابات الرئاسية المصرية والانتخابات النيابية الفلسطينية. وما من شك عندي في أنه راقب هذه وتلك بدقة. فاكتشف هنا وهناك أن ما من شيء يدعو للقلق بالنسبة للذين يعملون للمحافظة على الأوضاع القائمة. فقد اقتصرت الرئاسيات المصرية على التعدد في المرشحين فيما المنتصر الأوحد نفسه. أما الانتخابات الفلسطينية، المراقبة دولياً والتي وضعت نظامها الانتخابي سلطة فلسطينية تسيطر عليها حركة فتح، فقد أدت إلى معاقبة الشعب الفلسطيني بالتجويع والحصار لأنه منح أكثرية أصواته لحركة حماس. هكذا تُوّج عام التحويل الديموقراطي بإعلان أميركي أوروبي صريح: تنتخبون على هواكم، يا عرب. أما النتائج فنحن الذين نقررها! وها هي إسرائيل تهدد باغتيال الممثلين المنتخبين للشعب الفلسطيني، بمن فيهم رئيس وزراء السلطة الوطنية الفلسطينية، على عينك يا فاجر، وعلى مرأى ومسمع من الرأي العام والمجتمع الدولي!
هكذا نستطيع القول إن الرئيس اليمني ارتكب «الجريمة الديموقراطية الكاملة»، بالمعنى المجازي للكلمة طبعاً. أجرى الانتخابات الرئاسية قبل موعدها (في أيلول القادم) وفاز بها بالتزكية في مسيرات مبايعة مليونية، وحمّل «الجماهير» المسؤولية عن عودته إلى الترشح. وبالضربة ذاتها، أغرق كل عملية محاسبة عن السنوات الــــ28 الماضية من حكمه. ألا يكفيه تضحية «نزوله» (لاحظ الحركة من فوق لتحت) عند رغبة الجماهير وارتضائه أن يحكم تلك الجماهير لسبع سنوات متعبة قادمة؟
بقيت كلمة للمعارضة.
المعارضة مسؤولة. مقابل إغراق الانتخابات بالمبايعة، يقع على عاتقها منع اغتيال الانتخابات الرئاسية، اتفقت على مرشح واحد أم لم تتفق، وخير لها أن تتفق. فالممارسة الديموقراطية تتطلب طرفين: سلطة ومعارضة. فإذا أخلّت الأولى بدورها، لا عذر للثانية إن هي حذت حذوها في الانتهاك، كائنة ما كانت الحجج: خطورة الموقف؛ عدم جدية العملية الانتخابية بعد المبايعة؛ التزوير (يمكن المطالبة بمراقبة دولية للانتخابات) أو سوى ذلك.
لم يقل الشعب اليمني كلمته بعد. لينتخب رئيس الجمهورية الذي يختار في انتخابات حرة متنازع عليها.
28/6/2006
صفحة 3

المسكوت عنه في قانون الانتخاب

أثار مشروع القانون الذي تقدمت به «الهيئة الوطنية» الخاصة بقانون الانتخابات مروحة واسعة من النقاشات واستدعى الكثير من الانتقادات. لم أكن لأقحم نفسي في النقاش والنقد لولا أن موضوعاً على قدر من الأهمية قد غاب عنها جميعاً. فقد ظل المشروع، ومعه المدافعون والمناقشون والنقاد على حد سواء، ساكتين عن المسكوت عنه طويلاً في الحياة السياسية اللبنانية، أعني التناقض الفاضح والمتنامي بين قوانين الانتخاب المتعاقبة وبين التطورات السكانية والاجتماعية التي شهدها لبنان خلال الحروب الأخيرة بل خلال عقود سبقتها.
أبرز تلك التطورات هو طبعاً الهجرة الريفية إلى المدن. إن نظرة إلى العلاقة بين الإقامة والتمثيل السياسي في لبنان ترينا أن ما لا يقل عن ثلاثة أرباع اللبنانيين يسكنون ويعملون في المدن فيما ثلاثة أرباع اللبنانيين ما زالوا يقترعون في الأرياف حيث لا يسكنون ولا هم يعملون. بل إن الجيل الجديد اقترع أو هو سوف يقترع في قرى وبلدات لم يولد حتى آباؤهم فيها. الأجداد يتحكّمون بالأحفاد.
يشكّل هذا التناقض، على ما أزعم، مصدر الفَوَات الأخطر في النظام الانتخابي وأبرز صدع في صفته التمثيلية. وهو ينطبق على الناخبين كما على النواب الذين لا يعكسون بدورهم الحراك السكاني للمجتمع اللبناني. ولا عجب أن تكون «الهيئة الوطنية» قد أغفلت هذا الموضوع الحساس والمهم في آن، وهي التي فصّلت القانون على مقاس الطوائف ومطالبها من أجل الملاءمة بين الدائرة الفردية أو الصغرى، أو الدائرة الكبرى (المحافظة) أو بين النظام الأكثري والنظام النسبي. ناهيك عن أن «الهيئة» وقعتْ فريسة الوهم الشائع الذي ينزّه التمثيل النيابي عن «المصالح» على اعتبار أن النائب يمثل «الأمة جمعاء». ببساطة، النائب في النظام الديموقراطي يمثل ناخبيه، مصالحهم والمخاوف والتطلّعات، بعَجْرها وبَجْرها، ينتخبه المواطنون على اعتبار أنه يتعهد العمل على هديها وعلى هذا الأساس يحاسبونه.
لماذا نولي هذه الأولوية للتناقض بين الإقامة وبين الحقوق السياسية الانتخابية؟ تحديداً لأن أكثرية من اللبنانيين يقترعون في القرى والبلدات لمخاتير ورؤساء وأعضاء مجالس بلدية ونواب لا يُتوقع تمثيلهم لمصالحهم. وهم، في المدن حيث يسكنون ويعملون، تحكمهم بلديات يدفعون لها الرسوم والضرائب ولا رأي لهم في تركيبها ولا سياساتها ولا الخدمات ولا رقابة لهم عليها. وفي المدن ذاتها، «ينوب» عنهم نواب لا يد لهم في اختيارهم وبالتالي لا تأثير لهم ولا رقابة لهم عليهم لأنهم ليسوا من ناخبيهم.
هكذا، ما يجمعه السكن والعمل والمهنة والجوار لا يلبث أن يفرّقه النظام الانتخابي. وإن هذا الترييف القسري في النظام الانتخابي يعيد إنتاج الوظيفة البطريركية للسياسة إذ يعيد ربط الفرد بالعائلة والمنطقة والطائفة. ويخطئ من يظن أن الطائفية في النظام الانتخابي كامنة في توازُع المقاعد النيابية فقط، إنما هي كامنة في تلك الآلية الجهنمية التي تعيد ترييف اللبنانيين من أجل تزييف تمثيلهم. ونعني بالنظام الطائفي تعيين اللبنانيين بهوية واحدة وحيدة هي هويتهم الطائفية، ناظمةً لأحوالهم الشخصية وإطاراً شبه وحيد لتحصيل حقوقهم السياسية والاجتماعية وشبكة لتوزيع العمالة والوظائف كما لتوازُع خدمات الدولة والدخل الأهلي أفقياً وعموديا. بهذا المعنى ليس النظام الطائفي أمراً مضافاً على قانون الانتخاب ليحظى باقتراح صيغة لتمثيل من تسميهم «الهيئة الوطنية» «اللبنانين الذين لا يرغبون بالانتماء إلى طائفة دينية معينة» بل إنه محرّك التشغيل الرئيسي فيه.
في خلاصة القول إن المدخل إلى الإصلاح الانتخابي هو توطين حقوق اللبنانيين السياسية، وفي المقدمة منها حقوقهم الانتخابية، في أماكن سكنهم وعملهم. سوف يقال إن هذا قد يؤدي إلى اضطراب شديد في الهويات المذهبية أو حتى الطائفية للمدن اللبنانية. لسنا بغافلين عن هذا. يمكن منح حقوق الاقتراع للمقيمين (من اللبنانيين طبعاً) في الانتخابات الاختيارية والبلدية في أماكن إقامتهم، واعتماد لبنان دائرة واحدة في الانتخابات النيابية. ليس هذا الاقتراح كمالية من الكماليات. بل بالعكس: من دونه لا تكتسب العملية الانتخابية الحد الأدنى من صفتها التمثيلية للبنانيين الحقيقيين.
5/7/2006
صفحة 4

صمت فيليب تقلا

قبل ثلاثين سنة، أعلن الصمت.
للاحتجاج على الحروب ضروب مختلفة. انفرد فيليب تقلا في هذا الضرب من الاحتجاج إذ قرّر مواجهة الحرب الأهلية اللبنانية بالصمت. على الرغم من ذلك، يبدو قراره غاية في المنطق. أليست الحرب جعجعة عبثية قبل أن تكون أي شيء آخر؟ فلماذا لا يكون نقيضها الصمت؟ بالصمت رجم فيليب تقلا القذائف والمدافع والصواريخ. والمحامي والدبلوماسي، وأداته شبه الوحيدة الكلام، قرّر اللاكلام. ومع ذلك، لم يكن صمت فيليب تقلا صمت المستكين. كان من قبيل «حلاوة الروح». أو ذروة اليأس غير المنهزم. كأنه معتقل يعتصم بالصمت أمام أسئلة جلاوزة التعذيب أو سجين يعلن الإضراب عن الطعام حتى الموت. وقد أعلن فيليب تقلا فعلاً الإضراب عن الطعام في الأيام الأخيرة من حياته رافضاً نقله إلى المستشفى وتعليق الأمصال في جسمه الواهن. وأخذ ينوس بصمت إلى أن أسلم النفس.
قبل أن يجمّد فيليب تقلا في المراسيم الرسمية والمراثي ويعتقله محترفو مصادرة الموتى والشهداء، من هذا الطرف أو ذاك، شذرات من ذكريات شخصية أتاحتها صلة قربى به من خلال زوجته إديث (ديدي) جورج معلوف.
قابلتُ فيليب تقلا في السنوات الأخيرة مرات قليلة، أي أقل بكثير مما كنت أرغب. وكانت إحدى زياراتي له لإهدائه كتابي «صلات بل وصل» عن فكر ميشال شيحا. مثل كثيرين قبلي وبعدي تمنيت عليه أن يكتب مذكراته أو أن يمليها على أحد. فتمنّع بابتسامة كأنها تقول: وما النفع؟ لم يحل التمنّع دون استفسارات وحوارات. سألته عن مدى صحة ما يقال من إنه من تلامذة شيحا؟ لم أتوقع من مؤسس الدبلوماسية اللبنانية أن يجيبني بنعم أو لا. روى: كنت أنا وحميد فرنجية من جيل الشباب الاستقلالي المتحمّس. وكنا أعضاء في لجنة وزارية لإعداد البرنامج الدراسي الجديد. فطلب إلينا الرئيس بشارة الخوري أن نعرض البرنامج المقترح على ميشال شيحا قبل عرضه على مجلس الوزراء. ففعلنا فأجرى عليه شيحا ما ارتأى من التعديلات. واللبيب من الإشارة يفهم...وسألته عن فترة تبدو غامضة في السياسة الخارجية اللبنانية. كنت قد عثرت في وثائق الخارجية الأميركية على تقارير عن اتصالات أجراها شارل مالك، بصفته مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة، مع موظفين في الخارجية الأميركية خلال الأعوام 1945 إلى 1949 دارت مدار طلب حماية أميركية للبنان. في البدء، عرض مالك اتفاقاً تجارياً بين الولايات المتحدة ولبنان ينال فيه الأخير موقع «البلد الأكثر رعاية» لتشجيع أميركا على لعب دور فعال في لبنان عشية جلاء القوات الفرنسية، ولسان حاله أن البلد لا يستطيع أن يعيش دون حماية دولة غربية له. وتالياً، عرض مالك معاهدة عسكرية في مقابل الاتفاق التجاري. لم يبد من جواب تقلا أنه كان مطلعاً الاطلاع الكامل على تفاصيل تلك الاتصالات. لكنه قال متضاحكاً: هذا ما يفسّر كثرة التقارير الحماسية التي كان ينهال بها عليّ شارل مالك عن أهمية العلاقات بالولايات المتحدة. وغني عن التذكير بأن تقلا انكفأ خلال عهد شمعون عندما تولى مالك إدارة دفة السياسة الخارجية اللبنانية وربطها بالأحلاف الأميركية.
عن فيليب تقلا الاستقلالي «المتحمّس» صفحة اقتصادية غير معروفة كثيراً. فقد خاض، خلال العامين 1946 و1947، مع استقلالي آخر هو كمال جنبلاط، معركة شهيرة ضد الشركات الفرنسية ذات الامتياز، وهي من بقايا امتيازات الانتداب الفرنسي. استهدفت المعركة أبرز من استهدفت رينيه بوسون، مدير «بنك سوريا ولبنان» والإمبراطور غير المتوّج الذي كان يسيطر على الاقتصادين السوري واللبناني بواسطة شبكة من الشركات التابعة ومن رجال الأعمال. دعا تقلا إلى فرض الضريبة على الشركات الفرنسية أسوة بالشركات اللبنانية. وكشف عن الأرباح الفاحشة التي تجنيها على حساب المستهلكين إذ كانت تصدّر سنوياً إلى فرنسا أرباحاً قدّرت قيمتها بــــ50 مليون ل.ل. آنذاك.
خسر الوزيران تقلا وجنبلاط المعركة ضد الشركات ذات الامتياز. ولكن كان ذلك في زمن يجرؤ فيه وزراء على تحدي الاحتكار ومن يحميه في رأس السلطة.
بصمت غادر الرجل الذي أملت كفاءته الدبلوماسية ونهجه العربي واعتداله على جمال عبد الناصر تقديم غير تنازل لصالح لبنان في الجامعة العربية. لكن سيرته ثرثارة عن إمكان سياسة خارجية لبلد صغير تتجاوز التبعية أو القطيعة، ترفض الاستقواء بمعسكر على آخر أو بطرف خارجي على الخصوم المحليين، متخذة المسافة اللازمة تجاه القوى الأجنبية الفاعلة، مهما تكن عاتية.
تلك هي البلاغة في صمت فيليب تقلا.
12/7/2006
صفحة 5

نهاية الحلول الثنائية والمسؤولية العربية

إذا كان للحروب من ميّزات فمنها ميّزة نادرة: تشكّل المواجهات الحربية حالات من الوضوح استثنائية، تسمح لمن يرغب ويجهد أن يكتشف من النوابض والعوامل والمسارات ما يكون متوارياً تحت سطح الواقع أو ضامراً أو محتملاً في الأحوال العادية.
كثُر الحديث منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان ومقاومته عن نهاية الحلول السلمية للصراع الإسرائيلي العربي. هو حديث يقع في دائرة الوضوح. لذا يستحق أن يؤخذ على محمل الجد وأن يثير ما يستدعيه من أسئلة وتأملات ومهمات.
السائد في الموقف العربي من الصراع الإسرائيلي العربي هو التوهم بأن السلطات الإسرائيلية، بل إسرائيل ذاتها، تحتاج إلى السلام وأن الدول العربية هي التي تستطيع منحها ذلك السلام. حقيقة الأمر ان الرأي العام الإسرائيلي مال مع حزب العمل وإسحق رابين ذات مرة نحو إمكان تسوية سلمية تقوم على الفصل بين اليهود والفلسطينيين خشية الطغيان السكاني الفلسطيني. فكان شعار «غزة-أريحا أولاً». وكان ذلك في ظروف انتقالية شديدة الغموض تتعلق باضطراب دور إسرائيل في المنظومة الأميركية، بُعيد انتهاء الحرب الباردة، وتبدّل الأمر اثر اغتيال إسحق رابين ومجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل (وقد سبق العمليات الفلسطينية المسماة استشهادية). فجاء قرار نتنياهو بالــــ«التباطؤ» في تطبيق اتفاق أوسلو.
وبلغ هذا المسار ذروته مع مجيء أرييل شارون إلى الحكم، إذ نجح في تحقيق أمرين: الأول، هو تحقيقه التطابق الكامل مع السياسة الإمبراطورية الأميركية في إعلان حرب لا نهاية لها ضد «الإرهاب». أما الأمر الثاني ولعله الأهم فهو نجاح شارون في أن يحقق ما لم يحققه سياسي إسرائيلي من قبل. إذ جمع بين نزعة التوسع الاستيطاني وضم الأراضي التي تميّز اليمين الإسرائيلي وبين نهج الفصل العنصري (الجدار) الذي يطمئن الهاجس السكاني لدى حزب العمل (تأمين أكثرية سكانية حاسمة في الدولة اليهودية). تأسيساً على هذين الأمرين، بات لسان حال شارون: مَن يستطيع منح السلام هو من يستطيع شن الحرب.
بدأ الانفصال الكامل بين واقع الصراع الإسرائيلي العربي الموصوف أعلاه وبين الرد العربي عليه مع صدور مقررات قمة بيروت عام 2002. فبدلاً من التصرف على أساس أن مجيء شارون هو تعطيل نهائي لعملية السلام، جرت المزايدة السلموية العربية: سلام واعتراف كاملان مقابل الانسحاب من الأراضي كلها. وهذه القراءة المغلوطة والمفوتة للصراع لا تزال تتكرّر منذ ذلك الحين.
لم تكن الحلول الثنائية الإسرائيلية العربية مقدمات متتالية للحل الشامل. بل بالعكس تماماً، نجحت إسرائيل في استغلالها لتجويف الموقع الفلسطيني وعزله والاستفراد به. فلم تؤد اتفاقيتا كامب ديفيد ووادي عربة إلى تحييد أكبر بلد عربي وإخراجه من دائرة الصراع وحسب وإنما حوّلت النظامين المصري والأردني إلى حارسين لأمن إسرائيل عبر نهر الأردن ومعبر فيلادلفيا، وفي أحسن الأحوال إلى وسيطين بين إسرائيل والفلسطينيين وسائر العرب.
من جهة ثانية، كانت قراءة مغلوطة للانسحاب من غزة. لم يكن الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من غزة انسحابا تليه انسحابات. جاءت خطة «الانطواء» لتعيد احتلال القسم الأكبر من الضفة الغربية لا يبقى منه للفلسطينيين أكثر من 13 في المئة وتجميعهم في ثلاثة معازل أو أكثر مخروقة بالطرق والحواجز والمستوطنات الإسرائيلية، ناهيك عن طي البحث في الانسحاب من الجولان المحتل. بعبارة أخرى، قضت خطة «الانطواء» على ما تبقى من خريطة الطريق العتيدة، على ما في تلك من الابتعاد أصلاً عن أي أمل في دولة فلسطينية مستقلة.
أخيراً، قامت السياسة الإسرائيلية، منذ أوسلو فصاعداً، على فرضية أن وظيفة الدول المجاورة، بما فيها السلطة الفلسطينية، هي تأمين أمن إسرائيل. وعند عجزها عن فرض الانصياع الفلسطيني وتالياً اللبناني بعيد تحرير الجنوب لذلك التفسير، بوشر الإعلان بأن لا شريك فلسطينياً للسلام. أسقطت صفة الشريك أولاً عن ياسر عرفات. فمورست ضغوط أميركية وعربية لتوسيع صلاحيات رئيس وزرائه محمود عباس على حسابه. ولما خلفه محمود عباس رئيساً للسلطة الوطنية، لم يحظ هو أيضاً بصفة الشريك. وطبعاً، رفضت السلطات الإسرائيلية الاعتراف بإسماعيل هنية رئيساً للوزراء، مع أنه فاز في «انتخابات حرة متنازع عليها وتحت إشراف دولي». وسوف تكون واهماً إن ساورتك الظنون بأن السياسة الإسرائيلية سوف تتبنى محمود عباس بعد انتصار حركة حماس الانتخابي. وهو الوهم الذي دفع بمحمود عباس إلى احتضان أولمرت في بتراء الأردن، برعاية المليك عبد الله، وضحايا مجزرة الشاطئ في غزة لم يحضنها التراب بعد، ليفاجئه رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه أي أبو مازن ليس المحاور المطلوب لأنه ليس رئيساً للوزراء!
خلاصة القول إن الحسم بأن الحلول السلمية قد انتهت ليست كلمة تقال على سبيل التطرف اللفظي أو ترصيعاً لافتتاحية أو عمود رأي. إنها تكتسب معاني ملتهبة التهاب المواجهة الجارية الآن بأجساد المقاومين والمدنيين والعسكريين اللبنانيين. لأن جوهر تلك المجابهة إنما هو الرفض الإسرائيلي لوجود أي رادع عربي في وجه غطرستها الدموية. وإعلان انتهاء «الحلول السلمية». يعني:
أولاً، إعلان موقف عربي رسمي وشعبي صريح وواضح بأن لا شريك إسرائيلياً في عملية السلام.
ثانياً، إعلان الدولتين المعنيتين تعليق معاهدتي كامب ديفيد ووادي عربة. والعودة إلى البحث الجماعي والشامل للنزاع الإسرائيلي العربي. ويخطئ من يعتقد أنه يمكن تفعيل الحل الثنائي الإسرائيلي السوري على الجولان من خلال دور ما لدمشق في الحرب الدائرة ضد لبنان والمقاومة.
ثالثاً، إعادة استجماع عناصر القوة العربية كلها. البعض يقترح التهديد برفع سعر النفط (غسان تويني، النهار، عدد 17 تموز 2006). هذه مغامرة. ونِعْم المغامرات! يمكن أن يضاف إليها التهديد بسحب الأرصدة العربية من أوروبا والولايات المتحدة، ومنها 200 مليار مستثمرة في أميركا وحدها، و80 في المئة منها خليجية؟ وعلى عكس الشائع، فقد ازدادت الاستثمارات العربية في أميركا بعد 11 أيلول، بدلاً من العكس. ونكتفي بهذا المقدار في مضمار الضغوط الاقتصادية.
كثيرون سوف يعيّروننا بالمغامرة. عدونا يكسب بالمغامرة والمقامرة والاستهتار بما لا يناسبه من مقررات «الشرعية الدولية». وسوف يذكّرنا آخرون بأن الأنظمة العربية عاجزة عن تحقيق ما نطالبها به، بل هي رافضة لذلك، تحديداً لأنها تستمد شرعيتها من الولايات المتحدة وهي حريصة أن ترضيها بدل أن ترضي شعوبها. وهذا عين الصواب. إن البحث عن سر التخاذل العربي الرسمي لم يكن مرة في غياب «النخوة» ضد العدو وهي غائبة وإنما هو كامن دوماً في الرضوخ للسيد الأميركي!
ولكن، حكّامنا العرب نحن مسؤولون عنهم بأكثر من معنى. كثير منا قد انتخبهم. وكثير منا قد اعتاد عليهم. وكثير منا لا يمارس واجبه في مساءلتهم ومحاسبتهم والضغط عليهم لتنفيذ سياسات نظنها منسجمة وتطلعاتنا والمصالح، وصولاً إلى الانقلاب عليهم وتغييرهم. الأمر غير المقبول هو الاستمرار في تبرئتهم بحجة أن لا شيء يُرجى منهم!
هذه النقاط الثلاث للتأمل والنقاش لأننا زُهقت أرواحنا من صرخات «يا وحدنا»، وبأننا نخوضها «نيابة عن الأمة جمعاء». ولأننا سئمنا بلاغة «القاع العربي الذي لا قرار له» أو نقيضه الإرادوي الظفراوي الكاريكاتوري عن «الاستنهاض»، ناهيك عن هتافات «بالروح بالدم نفديك، يا...».
ترتقي السياسة إلى مستوى المجابهة الحربية عندما تدرك أن السلام تصنعه إرادات قادرة على ردع الواحدة منهما الأخرى. ولا تصنعه القوة المتغطرسة العاتية مع الخنوع والاستجداء. وأن السلام، عندما يتحقق، حالة من الصراع لا من الاستكانة والرضوخ. وهذا هو المعنى العميق للمجابهة الجارية الآن على أرض لبنان.
ويشهد الدم اللبناني أنه قد بلّغ.
19/7/2006
صفحة 6

«الشرق الأوسط الجديد»أخبرونا، ما الجديد؟

كلما وجدت الولايات المتحدة نفسها في ورطة، تُقدِم على تغيير اسم المنطقة!
لن أقف طويلاً أمام الدلالة المرعبة للتلاعب بالهوية القومية للمنطقة بواسطة التسميات المتقلبة تقلب الرؤى والخطط الجيو ستراتيجية للدول الأوروبية والأميركية تجاه هذا الجزء من العالم، ولكن يقتضي الأمر التذكير ببعض تلك المحطات.
فمع بداية الحرب الباردة، تحوّلنا من «شرق أدنى» إلى «شرق أوسط» لكي يجري استيعاب تركيا وإيران وباكستان في الأحلاف المعادية للاتحاد السوفياتي، وكان أبرزها وأقصرها عمراً حلف بغداد. ثم تراجعت التسمية الجيو ستراتيجية مع صعود حركة التحرر العربية التي فرضت تسمية «العالم العربي» على العالم أجمع اسماً للمشرق والمغرب العربيين معاً. على أن نهاية الحرب الباردة أعادت فرض تسمية «الشرق الأوسط» وبُذلت جهود حثيثة، ولا تزال تبذل، لتعميد المنطقة «منطقة مينا» أي «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» بديلاً من «العالم العربي». فإذا سُئلتَ عن هويتك من الآن فصاعداً، فلا تنسَ أن تقول «إني ميناوي» بدلاً من عربي. ومع انتهاء الحرب الباردة ومطالع مشاريع الحلول السلمية للنزاع الإسرائيلي العربي، لاحت بشائر «الشرق الأوسط الجديد»، تتوسطه إسرائيل وعليه تهيمن، كما بشّر به شيمون بيريز في كتابه بالعنوان ذاته. ولكن ما إن وضعت حرب أفغانستان أوزارها في أعقاب 11 أيلول 2001، وتمّ احتلال العراق، حتى أسقطت «الجِدّة» عن شرقنا الأوسط لصالح «المساحة» فإذا نحن قد فزنا بــــ«الشرق الأوسط الأوسع» أو «الأكبر» ليشمل إلى بلدان الجامعة العربية وإسرائيل كلاً من باكستان وأفغانستان.
مشكلة هذه التسميات المتسارعة والمتقلبة أنها ما إن نعتاد على أن نتسمى بواحدة منها حتى يكون صاحب التسمية قد استبدلها بأخرى، فيتبدى كل «شرق أوسط» على أنه أكثر خواءً وتضليلاً من «الشرق الأوسط» الموصوف والمنعوت الذي سبقه! فما هي إلا سنوات قليلة على «الاتساع» حتى عدنا إلى «الجدّة» فتمخّض العدوان الإسرائيلي على لبنان بقيادة الولايات المتحدة عن «شرق أوسط جديد» مرة جديدة، رمتنا به الآنسة كوندليسا رايس في الأيام الأخيرة. فما الجِدّة في هذا الجديد؟
هل من «جديد» في عملية السلام في فلسطين غير دفنها، مع إعادة احتلال معظم أجزاء الضفة الغربية ووأد أي أمل في دولة فلسطينية ورفض البحث في الانسحاب من الجولان؟
وما «الجديد» في العراق؟ غير السير المتسارع نحو الاحتراب الأهلي الذي يرمي يومياً من القتلى أكثر مما يرميه يوم من القتل الإسرائيلي للبنانيين؟ وحيث تغذي الولايات المتحدة الانشقاقات والنزاعات الاثنية والمذهبية سنداً لاستمرار احتلال لم تعد تعرف كيف تخرج منه أو كيف ولماذا تبقي عليه.
وما «الجديد» في ميدان نشر الديموقراطية؟ «الجديد» هو أن الولايات المتحدة قضت حتى على ادعائها نشر ديموقراطية لم تنشرها قط. إذ لم تكتف برفض الاعتراف بفوز حركة حماس في الانتخابات النيابية الفلسطينية، بل غطّت العمليات العسكرية الإسرائيلية الرامية إلى معاقبة الشعب الفلسطيني جماعياً على اختياره الديموقراطي في انتخابات حرة ومتنازع عليها وبإشراف دولي! وهل من «جديد» آخر، في هذا المضمار، غير التغطية على مهزلة الانتخابات الرئاسية المصرية، وما تلاها من مبايعة رئاسية في اليمن تستبق الانتخابات وتنوب عنها. وأما «الجديد» الدائم في نهج الولايات المتحدة فهو عقد الصفقات مع أنظمة دكتاتورية وسلالية نفطية استبدادية تخاف شعوبها وتستمد شرعيتها من الخارج وتستمرئ تقديم التنازلات لهذا الخارج في الميادين الوطنية والقومية والاقتصادية ودوماً على حساب شعوبها.
ولكن، بلى يوجد جديد. الجديد الفعلي في هذا «الشرق أوسط» هو تمكّن قوتين شعبيتين من التأشير إلى إمكانيات جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي. فعندما يعترف إيهود أولمرت، ولو بشيء من المبالغة، بأن مليون ونصف مليون إسرائيلي قابعون في الملاجئ الآن، وعندما يعترف ضباطه بأن مقاومي حزب الله يستخدمون الأساليب التي استخدمها الشيوعيون الفيتناميون في حربهم المنتصرة على الولايات المتحدة الأميركية، فهذا يعني أن «الجيش الذي لا يقهر» لم يعد يستطيع تسجيل الانتصارات في حروب خاطفة بل إنه لم يعد يدعي استطاعته حماية سكانه في الداخل. فكيف به وقد عجز عن احتلال غزة على امتداد السنوات الأربعين الأخيرة. وكيف به وهو لا يزال مكتوياً بهزيمته في الجنوب اللبناني بعد 18 سنة من الاحتلال!
والجديد أيضاً وأيضاً هو عجز آلة القتل الإسرائيلية عن تحقيق أي هدف من أهدافها العسكرية المعلنة في «معس» حزب الله، وتدمير قدراته الصاروخية واغتيال قادته، بعد أسبوعين على بدء حربها على لبنان. ومن لا ينجز مكاسب على الأرض، لن يستطيع انتزاعها بواسطة السياسة والدبلوماسية ولو تكأكأت عليه قوى الأرض قاطبة! والجديد هو عجز الإدارة الأميركية عن الادعاء أنها إزاء الفشل المتمادي في «حربها على الإرهاب» في ساحات أفغانستان، والعراق قد نجحت أخيراً، وبواسطة «الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر»، في تحقيق انتصار على حركة تحرر وطني تشاء أن تنعتها بالــــ«إرهاب» في لبنان!
وهذا الجديد ليس عسكرياً فقط. إنه سياسي بعمق. لأنه يؤشر إلى أن السلام الوحيد الممكن هو ما يتم بين طرفين قويين. دون أن يكونا بالضرورة متساويين في القوة. هذا هو نموذج السلام الممكن على الحدود الفلسطينية واللبنانية، الذي تسعى إسرائيل إلى تدميره بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. إن «الشرق الأوسط الجديد» الذي تنادي به الآنسة رايس يقوم تحديداً على وأد هذا «الجديد» في الشرق الأوسط.
أما عن «الديموقراطية الهشة» في لبنان، التي يحرص عليها السيد بوش كل الحرص وهو يطلق الطائرات الإسرائيلية للمزيد من تهشيشها، فلن تنقذها قبلة طبعتها ناظرة الخارجية الأميركية على خد الرئيس فؤاد السنيورة. هي أشبه بقبلة يوضاس تقول إن الشعب اللبناني سوف يبقى على الصليب لأيام أو أسابيع قادمة على الأقل.
الله أكبر!
27/7/2006
صفحة 7

سؤال من أجل الجولان

في اليوم الخامس على مجزرة قانا يجوز السؤال: ما موقع المجزرة من مجرى الصراع الدائر على أرض لبنان؟ وهل أن جريمة الحرب المروعة والموصوفة قد أسهمت وتسهم في لجم العدوان الإسرائيلي وتعجيل وقف إطلاق النار والحل؟ أم أنه يجري استيعابها في عملية التصعيد والتوسيع لدائرة الحرب التي نشهد الآن فصلاً جديداً من فصولها؟
إذا صدّقنا وزيرة الخارجية الإسرائيلية، لا شك في أن المجزرة خلقت «التباسات» مع الجماعة الأوروبية (والوزيرة الشقراء تهوى «الالتباسات» التي ترد بغزارة في حديثها) وخرّبت اتفاقاً كان وشيكاً بين إسرائيل ولبنان. الأثر الأول واضح، أما عن الاتفاق الذي تخرّب، فالجواب عليه عند المفاوض الرسمي اللبناني.
في انتظار الجواب، استغل الجيش الإسرائيلي المجزرة لترويع أهالي الجنوب وحمل أعداد إضافية منهم على مغادرة قراهم وإلا يصيبهم ما أصاب النساء والأطفال والعجز في قانا المذبوحة مرتين. وهذه ليست هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الجيش الإسرائيلي المجازر النموذجية لتهجير السكان. بل هي عادة قديمة بدأت مع خطة «داليت» عام 1946 في فلسطين. ومهما يكن، ففي حين استخدمت إسرائيل هدنة القصف الجوي خلال يومين لإجلاء المزيد من الجنوبيين، قدّمت للعالم الخارجي على أنها للسماح بوصول المعونات الإنسانية للقرية المنكوبة.
انتقل العدوان فوراً إلى توسيع العمليات البرية بعد تردد أملته عليه الهزائم في مارون الراس وبنت جبيل وعيترون، وبعدما تبيّن أن الضغط السياسي الأميركي قد لا يعوّض إسرائيل عما لم تستطع تحقيقه في الميدان العسكري، وحتى بعد تسريبات معتدلة لصحيفة «هآرتس» عن استعداد إسرائيل لإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين. بدا خلال اليومين الأخيرين، وكأن كل شيء ينقلب إلى نقيضه. قضى القرار الأميركي بأنه لا يجوز أن تنتهي المواجهة بلا غالب ولا مغلوب، أي بما يوازي انتصاراً ولو معنوياً للبنان وللمقاومة. فأجاز مجلس الوزراء الإسرائيلي عملية احتلال حزام حدودي من عدة كيلومترات (بدأ باثنين وصار خمسة) خالٍ من المقاومين (والسكان والعمران) وضرب مخزون المقاومة من الصواريخ، علماً أن المصادر العسكرية الإسرائيلية تقدّر أن المقاومة لا تزال تستطيع التصرف بتسعة آلاف صاروخ! وأخيراً ليس آخراً، تسعى إسرائيل إلى أن تتوّج عملياتها الحربية بضربة معنوية صاعقة يرجح أن تكون عمليات اختطاف أو اغتيال لقياديين في «حزب الله» كان مطلعها عملية الإنزال المجوقل في بعلبك يوم أمس.
نحن إذاً أمام حرب مفتوحة كما أعلنها أولمرت هي الأخطر والأوسع نطاقاً والأشرس من كل ما جرى خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة سوف تطاول ما وراء الليطاني بل سائر المناطق اللبنانية، وخصوصاً البقاع والشمال ولا تستثني العاصمة بيروت، حسب آخر التهديدات.
لم يعد الغرض الآن منع إسرائيل من أن تحقق في السياسة والدبلوماسية ما لم تحققه في الميدان، بل بات المطلوب منعها من أن تحقق مكاسب عسكرية تقلب موازين القوى التي تحققت لصالح لبنان ومقاومته بالتضحيات والخسائر المروعة.
لا تزال المهمة الحيوية والإنقاذية هي الوقف الفوري لإطلاق النار، بالتأكيد. ولكن في ضوء القرار الإسرائيلي بالحرب المفتوحة، لا يجوز استبعاد تأجيل قرار في الأمم المتحدة أو تأخير تنفيذه، خصوصاً بعد ربطه من قبل إسرائيل بالقبول بالقوات الدولية. ناهيك عن خرق إسرائيل له في حال اتخاذه. وحدّث ولا حرج عن آلية المحاسبة والعقوبات التي تملكها الأمم المتحدة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل!
تبدو الاندفاعة العسكرية متفارقة كلياً مع الحركة الدبلوماسية المشدودة إلى وقف إطلاق النار وتفاصيل الحل. وقد شهدت الأيام الأخيرة نشاطاً ملحوظاً لمسؤولي ما يسمى «المحور الإيراني السوري» تمثل لبنانياً في زيارة وزير خارجية إيران إلى بيروت ولقائه، على غير موعد مسبق، بوزير الخارجية الفرنسي، وارتفاع وتيرة الاتصالات بين المسؤولين السوريين واللبنانيين وتعبير الطرفين عن مواقفهما من العدوان والحل وإفصاح الدولتين عن آرائهما في الحل بوضوح متزايد.
لا بد من القول أولاً، إن مجلس الأمن خيّب النظريات المحلية القائلة بأن «حزب الله» «أشعل» الحرب مع إسرائيل لتأجيل البت في موضوع تخصيب اليورانيوم في إيران. فلم يتردد ولا هو تأخر في توجيه إنذار بوقف التخصيب قبل نهاية آب الجاري، وإلا تعرضت إيران إلى عقوبات دولية. هذه هي حال المنظمة الدولية الخصية في ظل السيطرة الأميركية، لا تملك أن ترمي إسرائيل بالمائة والخمسين من رؤوسها النووية ولو بوردة ولا تقوى على أن تدين مجزرة قانا الثانية بعد أن رمت إسرائيل على لبنان في أسبوعين من القنابل والصواريخ ما يوازي قنبلة هيروشيما أقلاً، ها هي تعاقب إيران على عملية تخصيب لليورانيوم قد تفضي بعد سنوات إلى إمكان امتلاكها السلاح النووي!
أين سوريا من كل هذا؟ كثيرة ومتنوعة هي المؤشرات والعروض الصادرة عن دمشق منذ بداية العدوان. بدأت بعروض خدمات عبّر عنها وزير المواصلات بإمكان قيام سوريا بالوساطة بين أميركا وإيران ولعبها دوراً ما في العراق وتقديمها معلومات أمنية عن خلايا تنظيم «القاعدة» في لبنان (كنا نظن أن الأحرى تقديم تلك المعلومات إلى السلطات اللبنانية عملاً باتفاقية الدفاع والأمن بين البلدين!). وارتقت المواقف السورية إلى المطالبة بربط حل الأزمة اللبنانية بحل شامل في المنطقة، ما يعني بدء المفاوضات حول الجولان. بعد أن مرّت برفض القوات الدولية والتهديد بأن وجودها من شأنه تحويل لبنان إلى عراق ثان، أي إشعال حرب أهلية لبنانية.
حقيقة الأمر أن غير معلق وسياسي في أوروبا وأميركا وإسرائيل يدعو إلى إشراك دمشق في الحل، بمن فيهم وزير الدفاع الإسرائيلي بيرتس، ناهيك عن دلالة زيارة الموفد الأوروبي موراتينوس إلى دمشق.
ما المطلوب من سوريا؟ المطلوب الانفكاك عن إيران أولاً ووقف مرور الأسلحة إلى «حزب الله» والقبول بالقوات الدولية. وما المعروض في المقابل؟ الولايات المتحدة لا تعرض، بالأصالة عن نفسها وبالنيابة عن إسرائيل. لسان حالها يقول: لا مفاوضات للانسحاب من الجولان المحتل. وأقرب ما جرى التعبير عنه حتى الآن في هذا المضمار رأي خبير الشؤون السورية، الإسرائيلي ايتامار رابينوفيتش: «مفاوضات مع سوريا (حول الجولان ومعاهدة السلام)؟ نعم. ولكن ليس الآن». أي ليس قبل تقديم سوريا التنازلات المطلوبة في الأزمة اللبنانية. في ازاء التصلب الأميركي الإسرائيلي، يحاول الأوروبيون الإغراء بالتعويضات. والتعويضات الأوروبية لسوريا نسخة طبق الأصل عن تلك المعروضة على إيران لوقف برنامجها النووي: «حوافز اقتصادية واجتماعية» تقدمها ألمانيا خصوصاً.
ماذا سوف تختار دمشق من سبل لتحرير الجولان المحتل؟
تجديد الوهم بلعب دور إقليمي إيراني فلسطيني لبناني، تتراخى عناصره ومقوماته، حتى لا نقول إنها تنعدم؟ أم الطاقة الوطنية الجبارة التي يزخر بها الشعب السوري على النضال والتحرير وبالأسلوب الوحيد المتبقي: المقاومة؟ المقاومة ذاتها التي تمتدحها وتؤيدها سوريا، دولة وشعباً، في لبنان. يبدو الاختيار ملحاً في وقت يطاول فيه الحريق الحدود السورية وتتصاعد لهجة التهديدات الإسرائيلية.
3/8/2006
صفحة 8

الوعد الصادق في السياسة الدولية

لم يخطئ أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، عندما أعلن في ختام اجتماع الوزراء العرب في بيروت، أن النظام العالمي الجديد قد انتهى. وقد قصد بذلك أن الأمم المتحدة، كما عرفناها إلى الآن، تفقد العديد من أدوارها على نحو متسارع مع انتهاء الحرب الباردة وحلول العهد الامبراطوري الأميركي. فلم يعد سراً أن مجلس الأمن بات يصادر معظم صلاحيات الجمعية العمومية، فيما الولايات المتحدة تهيمن على نحو متزايد على قراراته، فإذا العجز خلال شهر عن اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار في لبنان يردفه مشروع القرار الأميركي الفرنسي، الذي يتنافى مع أبسط أعراف ومواثيق المنظمة الدولية بل وقراراتها ذاتها، علامتان فارقتان على هذا المسار.
لذا، فالوفد العربي الذي غادر بيروت إلى الولايات المتحدة لعله يخطئ في العنوان. فالمطلوب زيارة لا إلى مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك بل واشنطن، عاصمة الامبراطورية الأميركية. وواشنطن هي من يجب ان تخاطبها القمة العربية إن هي انعقدت في مكة المكرمة نهاية هذا الأسبوع.
لنضع جانباً الحرب الإقليمية، كالتي أبلغنا الوزير المعلم أن سورية «تستعدّ» لها، وكذلك المقاطعة الاقتصادية، التي لا يستسيغها الرئيس مبارك بمثل عدم استساغته الحروب من أجل الآخرين. الموضوع الآن ممارسة ما يكفي من الضغط وبالوسائل السلمية من اجل وقف العدوان وجلاء القوات الاسرائيلية عن الاراضي اللبنانية واتخاذ قرار دولي أكثر انسجاماً مع مشروع الحكومة اللبنانية ذي النقاط السبع. والسؤال: ماذا يملك وفد الجامعة العربية؟ وماذا سوف تملك قمة مكة المكرمة، إن هي انعقدت، من وسائل لتحقيق ذلك؟
لا حرب من أجل لبنان، ولا حتى مقاطعة اقتصادية. بالتأكيد. ولكن هل تستطيع الدول العربية التي تزوّد آلة الحرب الإسرائيلية بالوقود من نفط وغاز أن توقف الإمداد، ولو خلال فترة العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان؟
هذا ما كان بإمكان وزير خارجية قطر أن يلمّح إليه، ولو تلميحاً في اتصاله الهاتفي، يوم امس، مع وزيرة خارجية العدو. اللهم الا اذا كان سموه يعتقد ان مصادر قوته على نظيرته الإسرائيلية، وقدرته على التأثير، تكمن في فائض الذكورة لديه أو في قوة الحجج او في تفوّقه عليها في اللغة الانكليزية!
لا حرب ولا مقاطعة اقتصادية. طبعاً. لكن يمكن التهديد بسحب سفيري الاردن ومصر من تل ابيب، وهو إجراء دبلوماسي تلجأ إليه الدول لأسباب أقل بكثير من الحروب والاعتداءات المسلحة، ثم العمل على سحب السفيرين فعلاً. وسحب السفراء هو المطلب الشعبي العارم الذي ظن امين عام الجامعة العربية عمرو موسى بأن قراراً بصدده سوف يصدر عن الاجتماع الوزاري في بيروت. فهل يصدر مثل هذا القرار بمناسبة القمة العربية في مكة المكرمة؟
لا حرب، ولا مقاطعة اقتصادية. ايضاً وايضاً. بل يمكن استخدام كل ما يملكه العرب من طاقات سلمية بالتأكيد من اجل الضغط على الولايات المتحدة لكي تضغط هي بدورها على اسرائيل، تماماً حسب منطق الانظمة العربية الذي نعيش عليه في الذلّ والهزائم منذ لا أقلّ من ربع قرن!
وهنا بعض الممكنات والوسائل:
الإنذار بعدم تجديد عقود تأجير القواعد العسكرية للجيش الاميركي في الخليج.
إبلاغ العربية السعودية رسالة إلى الحكومة الفرنسية مفادها بأن المملكة تفكر، تفكر فقط، في تأجيل تنفيذ صفقة طائرات حربية بمئات ملايين الدولارات وقعتها مع فرنسا مطلع العدوان الإسرائيلي على لبنان اذا لم يتحسن الأداء الفرنسي في موضوع تعديل مشروع القرار.
التلويح، فقط تلويح، بخفض إنتاج النفط وبالتالي رفع أسعاره، عملاً باقتراح سابق للاستاذ غسان تويني في هذا المجال.
التلميح بإمكان إيداع ارصدة الدول الخليجية خارج الولايات المتحدة الأميركية.
نترك جانباً التهديد بالانسحاب من العملية السلمية بعدما كشفت الحرب على فلسطين ولبنان أنه لا يوجد «شريك إسرائيلي» وناهيك عن تعليق العمل بالاتفاقيات الثنائية بين الاردن ومصر واسرائيل وسواهما من اقتراحاتنا «المغامرة».
تساق هذه كلها طبعاً بانتظار ان ينتهي الوزير وليد المعلم تدريبه العسكري في صفوف المقاومة اللبنانية على «حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد»، فيستطيع آنذاك إطلاق المقاومة الشعبية لتحرير الجولان المحتل!
لسائل أن يسأل: وما الجدوى من جردة التمنيات هذه؟ وما الفائدة من التذكير بها مجدداً؟ والجواب بسيط: تسجيل الفارق لدى الرأي العام العربي بين ما نستطيعه وبين ما ينفذه، او لا ينفذه، حكامنا. فنمارس بذلك ابسط حقوق المواطنة في المساءلة والمحاسبة. وهو في عرفنا الترجمة الأمينة لمنطق الوعد الصادق اللبناني، الممهور بالدم، في ميدان السياسة الدولية.
المحاسبة قبل التغيير. بل المحاسبة سبيلاً إلى التغيير. وكلاهما حق للشعوب العربية بل واجب عليها. بتلك وهذا يولد جديد في الشرق..
9/8/2006
صفحة 9

دعوة للاقتداء بالعدو: لجنة للتحقيق في ... الانتصار

بما أن الجمهورية اللبنانية لا تزال تتبع النظام الديموقراطي، وبما أن البلاد مرّت بتجربة دامية وخطيرة ومصيرية، ومساهمة في إخراج النقاش من التناحر داخل مجلس الوزراء أو من الوساطات بين الزعماء، على وتيرة الإملاءات الخارجية،
لماذا لا تشكّل الحكومة اللبنانية لجنة للتحقيق في الحرب الأخيرة ترفع توصياتها إلى مجلس النواب ومجلس الوزراء؟ لجنة يكون من بين مهماتها:
أولاً، تقييم الانتصار الذي حققته المقاومة والشعب والدولة خلال المواجهات الأخيرة وما رافقه أو شابه من ثغرات وتقصير واستبيان طرق المحاسبة المناسبة.
ثانياً، تعيين الوسائل الآيلة إلى تعزيز طاقات الصمود والقوة تحسباً للمستقبل. خصوصاً أن أصواتاً في إسرائيل تتعالى منذ الآن مطالبة أو مهددة بالتحضير للمواجهة التالية.
ثالثاً، وضع تصوّر للكيفية التي سوف تتضافر بها قدرات المقاومة، وخبراتها الميدانية المجرّبة، مع طاقات الجيش الوطني من أجل تحقيق إحدى أوائل المهمات السيادية: دفاع الدولة عن مواطنيها تجاه الخارج. وهي مهمة تقع على مستوى الأهمية والمصيرية مثلها كمثل بسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني. بل أن المهمتين متلازمتان أيما تلازم. ولكن فلنتذكر أنهما متفارقتان منذ العام 1982 عندما باشرت الدولة التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي على اتفاق 17 أيار، فأقدمت قوى مجتمعية آنذاك على الانفراد باتخاذ «قرار السلم والحرب» فأعلنت المقاومة الوطنية والإسلامية ضد الاحتلال. ومنذ ذلك الحين، تعمّقت المفارقة ونشأ ما يشبه توزيع عمل بين جيش نيطت به المهمات الأمنية الداخلية و«بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها» وبين مقاومة تحمّلت مهمات وأعباء تحرير الجزء المحتل من التراب الوطني.
رابعاً وأخيراً، دراسة الكيفية التي سوف تتولى بها الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية حماية المقاومين من أبنائها من الانتقام الإسرائيلي بعد أن يجري البت في أمر وحدانية السلاح بيد الجيش النظامي.
سوف يُقال إن هذا الاقتراح يستلهم اللجنة التي قرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تشكيلها للتحقيق في الأخطاء والثغرات التي أدت إلى هزيمة لم يقوَ أولمرت على تسميتها بالاسم. وهو بالضبط كذلك: طرفان خارجان من حرب، كل يقيّم أداءه فيها. واحد يحقق في الهزيمة وآخر في الانتصار. والى من يسأل: أين هذا الاقتراح من قرار مجلس الأمن والقوات الدولية والمنطقة الخالية من السلاح جنوبي الليطاني؟ بل أين نزع سلاح المقاومة وتطبيق القرار 1559؟ الجواب: العدو يبحث في سبيل تجديد طاقته الردعية. وهذا ما يرتب على لبنان إعادة بناء طاقته الدفاعية، ولو على سبيل الاحتياط.
عدا عن ذلك، فلجان التحقيق تقليد فعال من تقاليد الأنظمة الديموقراطية. هل تعني أن إسرائيل دولة ديموقراطية؟! يسألني سائل. والسؤال من مادة إحدى صيحات الاستنكار المتكررة خلال التظاهرات التي انطلقت في أرجاء العالم العربي استنكاراً للعدوان وتضامناً مع لبنان وفلسطين: «أهذه المجازر هي ديموقراطيتك يا إسرائيل ويا أميركا؟!». هي صيحة صدق وغضب ضد ازدواج المقاييس والقيم والمحاسبة والكيل بمكيالين والاستهانة الكاملة بحقوق الإنسان بل وضد العنصرية الوقحة تجاه كل ما هو عربي ومسلم.
ومع ذلك، يستدعي السؤال الإجابة المباشرة. والجواب هو «نعم» و«لا» في الآن ذاته. «نعم»، ان النظام السياسي للولايات المتحدة الأميركية نظام فيدرالي ديموقراطي. والنظام السياسي لدولة إسرائيل ديموقراطي على اليهود يحتوي مقداراً كبيراً من التمييز العنصري، أخذ يتصاعد في الآونة الأخيرة، ضد الأقلية العربية. و«لا»، إن ما مارسته الولايات المتحدة وإسرائيل في لبنان، وما تمارسانه في فلسطين والعراق وعموماً خارج حدودهما، نقيض للديموقراطية في العلاقات الدولية. إن ما تمارسه هذه وتلك له اسم آخر: الإمبريالية واستغلال ثروات الشعوب والنزعة العدوانية العسكرية. لسنا ندعي اكتشاف البارود في تأكيدنا على هذا الفصام بين داخل وخارج كالذي تعيشه الدول الصناعية في أوروبا وأميركا منذ قرون. ولن نضيف جديداً إن قلنا إن مترتبات «الخارج» الاستعماري باتت تتسرّب إلى «الداخل» الديموقراطي وتتهدده على نحو غير مسبوق في العقود الأخيرة. بل ان من دروس الحرب الأخيرة أن الداخل الإسرائيلي لم يعد محصناً ضد آثار العدوانية التوسعية الإسرائيلية في الجوار.
ولكن ما يهمنا هنا أن من يخلط بين الديموقراطية والإمبريالية يخطئ مرتين: أولاً، لاعتقاده أن الديموقراطية صنو للنزعة السلمية والاستكانة بل الاستسلام أمام المخاطر الخارجية. ويخطئ ثانياً إذ يتصور أن أنظمة الاستبداد والدكتاتورية قوية، تعريفاً وبالضرورة، في وجه الخطر أو العدوان الخارجي. فمعظم أنظمة الاستبداد والدكتاتورية التي خبرناها غالباً ما جمعت البطش ضد شعوبها والضعف تجاه الأعداء الخارجيين.
خلاصة الأمر، أننا نستطيع أن نكون أقوياء وديموقراطيين. بل نستطيع أن نكون أقوياء خصوصاً إذا استندنا إلى مؤسسات ديموقراطية راسخة. فالسؤال ليس ماذا تريد أميركا (أو ماذا تريد لنا، أو ماذا تريد فرضه علينا) بل السؤال: ماذا نريد نحن لأنفسنا؟ هل نريد أن نختار بحرية حكامنا وأن تكون لنا مؤسسات تمثل إرادتنا وتطلعاتنا ومصالحنا وقوانين وأعراف لمساءلة ومحاسبة من انتخبناهم على كيفية تمثيلنا والتصرف بحياتنا وبيئتنا وثرواتنا ومصادر رزقنا، وتغييرهم، بل ومعاقبتهم إذا اقتضى الأمر؟ أم لا نريد؟ هذا هو السؤال. فإذا كان الجواب بنعم، فإننا بالديموقراطية إنما نمنح أنفسنا مصادر القوة لا الضعف. هكذا تكون الديموقراطية، بما هي الخيار الحر، عصب القوة في المسألتين الوطنية والقومية في زمن يتواطأ كثيرون، وفي مقدمتهم الدعاية الأميركية، على غرس التناقض والتعادي بين هذه وتلك. والمهم أن لا ندين أميركا على الجريمة الوحيدة التي لم ترتكبها في المنطقة: نشر الديموقراطية.
قد تنجح إسرائيل في تجاوز بعض آثار الهزيمة التي لحقت بها خلال هذه الحرب، بأن تحاسب قياداتها وربما تغيّرها وتعد العدة لحروب جديدة تتعلم خلالها من أخطائها، وتشنها على منطقتنا والعالم باسم «الحرب المستمرة على الإرهاب». وقد نخسر نحن ميزات الانتصار إذا غرق تقييم ما جرى والمحاسبة في الحسابات البلدية الصغيرة والأفدح إذا بددنا عناصر القوة والدفاع بحجة أن الحرب قد وضعت أوزارها.
مجدداً، السلام الوحيد المجدي هو ما يقع بين أقوياء!
16/8/2006
صفحة 10

«بناء الدولة»: اختبار بسيط

عجز اللبنانيون عن «بناء دولة». يجب «بناء الدولة». بل يجب «بناء الدولة القوية». يدور هذا الحوار المحموم لمناسبة البحث في مصير سلاح المقاومة ومترتبات مرحلة ما بعد العدوان.
لا بد من القول بداية إن ثمة فصاماً لبنانياً في الموقف من الدولة لا يني النقاش الحالي يكرّره. فاللبناني ينعى على الدولة غيابها ويعارض حضورها في الآن ذاته. لسنا ندعي في ما يلي معالجة هذا الفصام، إلا أن أحد عوارضه المرضية الأشد خطورة يتجلى لدى المستجدين من دعاة «بناء الدولة».
ينتمي معظم هؤلاء إلى الليبرالية الاقتصادية والسياسية وإلى أنصار «المجتمع المدني» ولسان حالهم أن الدولة الضعيفة ونقيضها «المجتمع المدني» القوي يشكلان طرفي المعادلة التي تضمن انتعاش الحريات الخاصة ونمو استقلالية الأفراد والازدهار الاقتصادي في آن معاً. فلا يكاد يشذ أي من هؤلاء الدعاة عن الإيمان بلاهوت الاقتصاد الحر والسوق والخصخصة وتقديس الملكية الخاصة الفردية. كذلك، عُرف عن دعاة «بناء الدولة القوية» أنهم مجّدوا ضعف الدولة اللبنانية، الناجم عن توازعها الطائفي والمذهبي، لأنه، على زعمهم، عصم لبنان من الانقلابات العسكرية والأنظمة التوتاليتارية. مع أنهم تغافلوا عن أن النظام الطائفي لم يعصم لبنان عن... الحروب الأهلية. أما من الناحية التاريخية، فتنتمي كثرة من هؤلاء إلى تيار في السياسة اللبنانية ناهض التجربة الوحيدة في بناء دولة القانون والمؤسسات والرعاية الاجتماعية التي هي التجربة الشهابية.
حقيقة الأمر أن هناك دولة بنيت بعجرها وبجرها منذ العهد الاستقلالي الأول وهذه بعض خصائصها:
أولاً، في ميدان الدفاع عن المواطنين ضد الخطر الخارجي، وهي أولى مهمات الدولة، حسب تعريف المرجعيات الأوروبية التي يستلهمها دعاة «بناء الدولة» اللبنانيين (لوك، هوبز، هيوم، إلخ.). جرّتنا مقولة قوة لبنان في ضعفه ووهم تحييد لبنان في النزاع العربي الإسرائيلي ليس فقط إلى رفض بناء جيش قوي بل أيضاً إلى خوض الحروب التي خاضها سوانا من دول الطوق العربية بالتقسيط وبأكلاف مضاعفة. ووفق المنطق ذاته، جرى تلزيم الدفاع الوطني ابتداءً من 1982 أقلاً إلى «القطاع الخاص» وولادة توزيع العمل السائد إلى الآن بين الجيش والمقاومة.
ثانياً، بنيت دولة لا تتدخل في الاقتصاد، أي تتدخل لصالح الاحتكارات والمجمّع الاستيرادي المصرفي ضد سائر قطاعات الاقتصاد وتغلّب اجتماعياً مصالح بيروت وبعض الجبل على حساب الضواحي والأطراف، والأغنياء على حساب سائر اللبنانيين.
ثالثاً، أسهم نظام الطائفية السياسية في اقتحام شبكات المحسوبية والطوائفية والمذهبية لميدان الخدمة العامة حيث ساد الهدر والفساد بديلاً من الكفاءة والمساواة في الحقوق، وتعمّم الخلط بين المال الخاص والمال العام. وبموجب النظام الطائفي ذاته، تنازلت الدولة اللبنانية عن وظيفة أخرى من وظائف الدولة الحديثة وهي وحدانية التشريع، خصوصاً في ميدان الأحوال الشخصية.
رابعاً، كرّست الدولة، دستوراً وممارسة، خصخصة التعليم على عكس وظيفة أخرى من وظائف الدولة الحديثة في رعاية وتنمية التعليم الرسمي تحقيقاً للحد الأدنى من تكافؤ الفرص بين المواطنين.
الدولة القوية من أجل ماذا وعلى من؟ كانت دولة قوية على الداخل وضعيفة على الخارج.
نورد هذه الخصائص للتذكير بأمرين: الأمر الأول، أن للبنان دولة وأنها تحتاج إلى إصلاح شامل. ثانياً، نوردها رفضاً للمنطق السجالي الذي يرد على الدعوة إلى «بناء الدولة» بالقول: هاتوا لنا دولة وخذوا المقاومة!
فإذا كان لنا أن نتعلم درساً من العدوان في هذا المضمار فهو العمل على إصلاح الدولة بحيث تلائم بين مهمات الدفاع الوطني والسيادة الداخلية وبناء المواطنة والتنمية والتوزيع الاجتماعي العادل للخدمات والموارد. تلك هي الدولة التي تنجح في توفير الحد الأدنى من التماسك والتضامن بين مواطنيها.
ولسائل أن يسأل: ما الحاجة لطرح كل هذه القضايا دفعة واحدة؟ والجواب: ان من يثير كل هذه القضايا مجتمعة هو من يطرح مهمة بعمومية وشمول «بناء الدولة» ثم يلخصها بنزع سلاح المقاومة.
حسبنا أن نثير التحدي عن دور الدولة والمجتمع في الإغاثة والترميم وإعادة الإعمار. في مقابل خصخصة التعويض والإعمار، ثمة خياران آخران ممكنان:
الخيار الأول، يمكن تسميته المساعدة الأهلية التبادلية. فيتولى «حزب الله» مثلاً التعويض والترميم في عكار. وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي في الجنوب. ويصلح مصرف بيبلوس أضرار صور. ويساعد بنك عودة في التعويض وإعادة الإعمار في البقاع الغربي. وتتولى مؤسسة الصفدي إصلاح جسور الهرمل...
أما الخيار الثاني فيكون بتشكيل هيئة حكومية أهلية عليا واسعة التمثيل تشمل جميع المعنيين من أجهزة حكومية وهيئات أهلية، تنحصر فيها كافة المساعدات والموارد المالية والتبرعات ومهمات مسح الأضرار والتعويض والإعانة وإعادة الإعمار، بناء على معايير يجري الاتفاق عليها بين هذه الأطراف جميعاً.
هل ننجح في هذا الامتحان خطوة أولى على الطريق الطويل لإصلاح الدولة والمجتمع؟ أم نظل محكومين بنظامين للتوزيع الاجتماعي أحلاهما مرّ. إما دولة، هي نظرياً المرجعية الوطنية العامة، لكنها قليلة الفاعلية، تغلب على ممارساتها المحسوبية والهدر والفساد وحتى السرقات الصريحة، وإما هيئات المجتمع الأهلي، التي قد تكون أكثر فاعلية وربما أوفر إمكانات ونشاطاً وأسرع تقديماً وأقل هدراً وفساداً، لكنها، في المقابل، تعيد إنتاج الانقسامات الطوائفية المذهبية، حتى لا نقول إنها تفاقمها؟
ذلك هو السؤال.
23/8/2006