صفحة 1
منامات
دشداشته البيضاء تومض وتختفي كآخر نجمة في الأفق، أنا خلف الوميض ألهث، وعبثا أحاول اللحاق به، أكتشف أننا نصعد سلما حلزونيا، يلتوي على الإسطوانة الداخلية لبرج عال، يشرئب إلى سماء لا حدود لها··
أصيح: أرجوك قف·· أود التحدث إليك·· أرجوك·· ولكن صوتي كان يموت قبل أن يولد، ولا أسمعه، بل أسمع صفير ريح تدخل من شقوق الجدران المتآكلة، وأصوات غامضة، فأبكي وتنهمر دموعي كمطر، تتكاثف وتسيل على السلالم، أسمع ارتطام تدفقها بأحجار السلالم ثم صوت اندفاعها كسيل هادر، لا أكف عن الصعود خلف وميض الدشداشة : خذني معك·· خذني··، أتعثر، وتزحلقني الأرض التي ترطبت بدموعي، وأستمر في محاولة اللحاق به·· بوميضه الغامض كأن قوة خفية تحمله إلي ولا ألقاه·
الجدران الداخلية المتآكلة لا تحول دون تعريشات شجر متسلق، يفرز كل فرع دقيق مادة لاصقة تثبته في تشجير متداخل منظم يمتد لأعلى، وحلزونيا أيضا، تبدأ السلالم بالتزعزع تحت قدمي اللتين تبدوان مربوطتين بحبل غليظ، وصوت لا يشبه صوتي يتردد صداه في العتمة، ويختلط بمطر الدموع: أنا لست أنا·· وبيتي ليس ذلك البيت··، وكأنما جذبها الصوت أخذت حيوانات غريبة تندفع باتجاهي هابطة من أعلى السلالم: تنانين تنفث دخانا أسود، حمر بآذان أرانب وردية، وصقور بأقدام بشرية، زرافات بلا رقاب، ورقاب بلا رؤوس، يتعالى صراخ الصوت الذي لا يشبه صوتي مندفعا من مكان سحيق بداخلي : أنا لست أنا وبيتي ليس ذلك البيت·· خذني معك·· خذني··، وعول وحيتان ونمور مقطعة الأطراف، حيات قصيرة بتيجان، وفيلة بأجنحة، أروية وأيائل زاحفة، لكن صعودي خلف وميض دشداشته لا يتوقف، لا أصطدم بكل هذه الحيوانات الخرافية بل تمر كخيالات مسرعة، أتقدم أنا - ربما كانت الريح معي أيضا- عكس اتجاهها، تختلط خطواتي بالدم متفجرا من جروح كاحلي ويبدأ الحبل الغليظ فيها بالتفكك ساحبا معه في هبوطه المندفع إلى الأسفل قطعا من الجلد واللحم، تتبعه الحيات القصيرة المتوجة، وأبدأ بتمييز شعره الأسود إلا من بضع شعيرات بيضاء وبدا لي إني على وشك الإمساك بطرف ثوبه، عاد الصوت المخنوق: لمن تتركني؟·· خذني أرجوك··
أصبحت أقرب إليه، تعلقت فروع الأشجار المتسلقة بمعصمي وفي دورانها حول الإسطوانة أصبحت أدور، أسرع، حتى أحسست بقربه المبرح النفاذ فانحلت سيور معصمي والسلالم، وتلاشت الدموع والماء الحيوانات فجأة وأصبحنا على قمة البرج·
كان مقابلي، عيناه تنظران ولا تنظران إلي، لا أثر في وجهه لأدنى انتفاخ خلفه مرضه الأخير، ولا كدر ولا حزن، يقعد على كرسي عظيم، زخرفته نقوش بارزة حفرت بعناية على خشبه، زهور ببتلات تتعمق إلى القلب·· فراشات بأجنحة مزخرفة بدقة، وطيور تمتد أجنحتها حتى أعلى رأسه، حيث يلتقي أطراف ريشها في تناغم مدهش كأنما يضلل الرأس أو يحميه، وكان بين يديه عناقيد من الفرصاد يتقطر عصيرها في فم الأسد المنحوت على قاعدة الكرسي، أسد مستلق على حجر غلام نائم، كل ملامحه تشي بحزن عميق، عينا الأسد مغمضتان من الألم، قد تغضنت جبهته وبدا كأنه استسلم أخيرا ليأس حزن، شعره منسدل إلى الوراء كشعر بشري ويد الغلام غائصة فيه، يبدو فكه مفتوحا على بقايا أنين موجع وتسيل منه قطرات حمر من عصير الفرصاد·
تفيض السكينة نورا على ذلك المكان العالي، وعلى ذلك الوجه المطمئن، ولم أعد أمام بهائه إلا طيرا خاطئا صغيرا تمرغ عند أقدامه تكتب كل دمعة من حدقتيه كلمة أبي
حملت جرحي - اضطرارا لا اختيارا- وشما إلى الأبد، ومهما برئت من الألم أرى زرقة انحفاره التي كانت ، وأبصر في لهبها الداكن سحيق الأذى الذي نلحقه بأرواحنا حين نحاول دمجها بأرواح أخرى·
تلك الجنود المؤلفة، منها ما يأتلف، ومنها ما يستسيغ وهم الائتلاف، فإذا ما تقضقضت على عتبات الحقيقة تبدَّى عوار أسلحتها الهشة·
بعد سلسلة طويلة من الانكسارات والتعذيب المستمر، رأيتني في المنام أخلع قميصا بيتيا لأعطيه خطيبته معتذرة لها عن طول الاستعارة، وانخلعت عن جحيمي بمعجزة، تعلقت بأستار الكعبة أدعو بالخلاص، كتبت عشرات السطور من قاع روحي السقيم، مزقتني المنامات الطويلة المتكررة، صهلت فيَّ أفراس الآلام حتى قلت: الموت أو الموت·· ·ثم انخلعت عن الجحيم، بيد أني أختنق الآن بالدخان·
صفحة 2
إنه يتصاعد قويا وعارما من تلك الكلمة الراجفة، ويفوح منها أينما اتجهت الطرق، تلك التي سميناها الماضي
هكذا أسميناها، لكنا أودعناها الروائح، وألصقنا بها بقايا ما نطقت العينان، وامتلأت بالكلمات المتمددة الشقية أبدا في براح الروح·· من لي بما جَنَت وجُنَّت؟
أتلك أنا؟ أذلك كان أنت؟ أو كان ما أذقتنيه حقيقة؟·· حقيقة الشوك المسمم، والخناجر الفرِحة·
حيا كان الألم كحواف أعصاب تُمس، وحية كنت لأرقب ناري، وبعيدة عن أرضها الآن أحمل جمرها وما التصق فيه من لحم قلبي محترقا، تخنقني رائحة الشواء، ولكن قرباني لا يصل، ولا يُقبَل، ويرتد إلي خاسئا وهو حسير·
مناماتي المتكررة لا تقول مزيدا كل مرة، تمزقني بإتقان وحسب· وحين نأت سمائي عن أرضها ونمورها الجارحة تقاطرت النجوم لفرط ذوبها وعمق نهشتها الباقية، أبدا تعوي فيَّ مساحات الحلم البعيدة، وأبدا تزئر في فضاء كلما اقترفت وهم الابتعاد زلزلت سكونه منامات·
جاء، وضع يده على رأسي، وهمس باسمه، ولم يذهب، وحين أسمع همسه أخيرا بعد كل تلك السنوات، سأسمع: اسمي هو الذل اسمي هو المسفوح، ولوني هو المباح، ورسمي هو الدارس، وحرفي هو الشامس، وفي غروب الاسم أفاق شروقي، وفي درب شروقي حصى من اسم قديم، حصى لا يُخلَط به المسك الأذفر، ولا عنبر، حصى منزوع القدسية، مسفوح هو اسمي·
وصراعي معه عبث، ودربي إليه خوض للبحر، وكان الرمل من تحتي لينا ومراوغا، وكان الموج من فوقي هينا يتظاهر بالعلو، حتى إذا ما وصلت أو خلتني، قرأت من صدر حافظ سورا في الصبر، حتى غرقت بغتة ولم يكن مركبا·
كانت مستطيلات الضوء تتكسر عند نقطة معينة، وكان للإجهاد حضور صارم بعد ساعات من الضبط والقياس، وإعادة البرمجة، حك عينيه دافعا رأسه للوراء، وقال بهمس: سيكون مشروعا عظيما، ثم أمسك أحد أقلام الرصاص المدببة وحط إشارات مختصرة على الخريطة المبسوطة أمامه، وقال كأنما أبصر عوني المبذول بغتة: أنا فخور بك
لقد هوت تلكم الكلمات المعدنية محدثة دويا هائلا، لم ينِ يحفر داخلي بأطرافه الباردة المدببة، كان لفخ الفاء في فخره صدأ أراني تآكل سجف الغد، ولخور الخاء خوار يكشف خشية التقدم، وفي وحل الواو غار وجيبي، وعلى حد الراء المرائية الجهرية تكشف سري، وعلمت مذ لاحت الكلمة أن الجرح عنها بعيد، وأن نبرها سيظل يهوي في طاعنا إلى الأبد، وأوقفت نفسي عن كلام مباح يقول: لا علاقة للحب بالفخر، والشكر المبذول
صفحة 3
يلوح البذل مبتذلا، ويحفر حرفي في جسم هاتف أهدانيه، ثم لم يستجب لهتافي، وترك حرفي حائرا، منقوشا ممحوا، مثبتا غائبا، وجنَّ هتافي بحثا عنه، ولم يقل إنه مع خطيبته، وعلى يدها يمَّحي حرفي الذي نقشته يده، وعلى كتفها حطَّت حمامات لم ير في صفائها عيني، ولم أحطم الهاتف الهدية، لم يكن قابلا للكسر غير هذا القلب·
ذلكم كان مبعثر شتاتي، قاذفي الدهر خارج حد النظام، ومنبع وجعي بحثي عن عمق من سطح بلا عمق، ورجائي الذوب في غير الحق، وتفتيشي عن حيز لي في ممتلئ بذاته، واله بأناه·
بيني وبينه عوائق العجب، ومحبة الأستار، وولوج الشبهات، وحين رأيته، بعد فواصل من زمن طويل عجيب، أبصرني من عل، وأبصرته من خلف، في قاعة فسيحة يقابلني نصف وجهه، قد كبرت أذنه واستطالت، ولمعت شعرات بيض أعلاها، وأوغلت نبرة صوته في الحياد، وحطت شفقة بريئة بيننا، عبر كراسٍ خالية ممتلئة، وعرفت أن ألما كثيرا كان حقه ألا يكون· رفع يده التي حفظت متكلما، فأنكرت ذاكرتي، وتجعدت صورها، وعرفت تحطم صنمي، غير أن شظاياه توجعني بغير ما داعٍ· انسفح دم التمثال ففيم كان العذاب؟
هوى علي عاتيا ثقيلا فناء بحمله هذا الكيان الضعيف، ولم يسعه ما بين بردي، وكما سقط قاطعا حادا كالموت، خرج -بعد لأي- صعبا أليما كالحياة، كشجرة شوك تنتزع من كل عرق إذ تعلقت منه بسبب· ثم حياني، فرددت التحية، وحين تواجهنا رابني امَّحاء ملامحه، انحسار كل ذلك المد من الجاذبية، وعلى الرغم من أن تحايانا هذه توسع الشروخ المتنامية كما في شبكة صيد قديمة فقد دلكت شمسي فلم تعد عين الغزالة ترميني برياش· ثم سار مبتعدا فشممت عطره القديم، فغضبت، كثيرا كثيرا، ولكن غضبي كان متأخرا، كان العطر قد حفر بمسمار من نار فيَّ، ولم يكن غضبي ماء·
في الحوش الحجري كانت عمتي منحنية تطعم الحمام، صحت بها من على باب الغرفة : أتعرفين ما ينقص هذا البيت يا عمتي؟ فالتفتت إلي مبتسمة، نزلت سلالم الغرفة إلى الحوش وقلت : نافورة · هنا·· وسط الحوش، فضحكت عمتي لهذه الدعابة، إذ لا يوجد في الحوش ولا في بيتها كله ثلاثة أمتار مسطحة، أنى لبيت منحوت في حضن الجبل أن يفلت من تدرجات ارتفاعاته نحو السماء ؟!
ألبستني عقد الياسمين البليل الذي نقعته طوال الليل في الماء ليتفتح محتفظا بأريجه، ورمقت الأوراق والأقلام في يدي بنظرة عابرة، وأنا أهبط الدرجات العشر من الحوش إلى باب البيت في قفزات سريعة، هاتفة لها بأني ذاهبة لزيارة أمي شمسة
سرت في السكة الضيقة الملتوية محدقة في ضواحي النخيل أسفلها على اليمين، بلحها الأصفر والأحمر في مستوى قدميّ عابر السكة، متشابكٌ سعفها، كأنما يطاعن سماء كلما اقتربت نأت بعيدا وراء الجبال الجرداء، ورغم أنها تبدو كهاوية إلا أن عمتي تقسم أن إنسانا أو حيوانا ما لم يقع من السكة في الضواحي قط·
تعلقت عيناي بالأخضر ( لبست أمي في عرسها ثوبا أخضر يشبه خيمة حمقاء )، ثم صرفت بصري إلى أبواب البيوت على الجانب الأيسر، خشبية وحديدية، بنية وخضراء وزرقاء، وقفت أمام أحدها وقرعت الحلقة الحديدية، فتحت أمي شمسة الباب فعانقتها ممتلئة الحواس برائحة الورس، وصعدت درجات بيتها الفسيحة إلى الحوش الترابي، ثم بضع درجات أخرى إلى المجلس، حيث تغطي الوسائد والمساند المطرزة أرضه في حين تكتسي جميع الجدران برفوف مغطاة بالزجاج ومليئة بالكتب·
قالت مبتسمة : قهوتك بالهيل أم بالزعفران ؟ ، فجذبتها من يدها : لا وقت للقهوة، لدينا عمل كثير··
وهكذا بدأنا الدرس الأول لتعليمها الكتابة·
صفحة 4
واها لنفس منيت بهوى شديد، ورميت عن مدى بعيد، وفتنت بقلب عميد، وفطنت لقائد شريد، حتى شاهدت في اختلاف شكولها، واختلاف انقطاعها ووصولها، معارف حال في مناكر أخرى، بين ظن موسوم بيقين، وعلم مرسوم بتلقين، ورأي مخوض في الأهواء، وعيب مقوض للأكناف والأرجاء
كل صباح كأنما أخوض في زبد البحر الهش إليه،وإذا لم أقل تحرقني الكلمات ببطء منتظم كأي ورقة صفراء لا حاجة لها، وحين تسد الكلمات المسافات الفارعة في الفراغ، أكتشف زبدها الأصفر الكثير، وترتد داخلي عاتبة وتحرقني ببطء منتظم·
كان يحول الصور الجوية إلى خرائط دقيقة، يستخدم حاسوبا ضخما معقدا تتصل به فتحة تتسع للعين، وحلقة معدنية دوارة لضبط القياسات، وكان يعمل بانتظام كأنما لا يقلق، وكنت أقلق كأنما غلفت بصوره وأوشك أن أحيد بالرقم عن القياس الدقيق لسياج ذرات الكون فينا· أنشق كل ليلة وأقول إن أصابعه قادرة على الخطأ في الحساب، إن عينه المقوسة ستلتقط الرقم التالي، قد تكبر فيها الخمسة حتى تصبح صفرا، ثم أعرف في الصباح -كل صباح- أن الخمسة قد تصغر حتى تصبح صفرا، وأني أدهور هذه المضغة الصغيرة البائسة بلا حساب ولا خرائط·
وكان لطيفا، وحين أعرف -متأخرا جدا - هذا اللطف، أتفصد شقاء لشقائي به، وأراه الآن مدروسا شديد الإتقان، كأنما رسم بفرشاة قديرة تحت عين مقوسة لا تخطئ، وكان مبذولا كابتسامة أعرفها سوء المعرفة في ذلك الماضي الخفيف لكل الصيود السهلة المطواع، وكنتها·
حينما التقينا - في غير ما صدفة - بعد كل تلك السنوات والهزائم المجيدة المدوية، أبدى دهشة حقيقية عامرة بالسذاجة من عدم انهمار الكلمات، وخامره الأسف إذ خبت الشعلة، تماما كما يقول المراهقون الذي يوقعون بالحروف المستعارة في صفحة مشكلتك لها حل
أي وجع تآكلك أيتها الروح، وأي رحابة لا محدودة لفضائك أيها اليأس، وأي يوم رن هاتفه فكلمني كأي غريب،·· كتبت تلك الروائية في اعترافاتها الشخصية ي إحدى المجلات : أحببته حد العبادة والتقديس، وقلت لنفسي ذات غروب رمادي غير حالم : وعبد نفسه حد الإفراط والاستغراق
سماء الذين نحب تحب سوانا
أقطع الطريق إلى روحي حافية، وحين لا تجود باللقى تكتشف الأشواك أنها قد بالغت في إدماء قدميّ·
قدماي تقفزان رغم وعورة الدرب، عند كل قفزة يرن صدى : هذه استثناء، وحين اكتشفت الاستثناءات أن كل حياتي قد أصبحتها، أغضيتُ ولم أنفض غبار التهم·
التهم تهاجمني مني، وأبحث عني، لا أجد أنا أنا، اسمي امّحى في صفحة صفراء، وأنكرتُني حين رأيتني روحا تائهة في فضاءات المستحيل·
المستحيل لفظ مراوغ، أفاك، لقد تفلّت من خلاياي وانسرب في أزقة لم أبنها، ما هو المستحيل ؟ ما هو ؟ ماهو جاذب نبض الحياة من عروقي، مفرّغ شراييني من دمائها القديمة، مُلقيني في دروب الهلاك، ألا تصدّق؟·· ألا تصدّق أني لا أملك الاختيار؟·· الاختيار ؟·· ·؟·· ·؟·· · ليتني كنت شجرة تُعضَد·
كان الضوء يدخل على شكل مستطيلات منتظمة عبر الستارة البلاستيكية البيضاء المنسدلة على شكل شرائح طويلة متزاحمة شيئا ما، وكانت رائحة المعمل مزيج من الخشب القديم والصور الجديدة والأحبار النفاذة، كان واقفا منحنيا قليلا على الطاولة التي افترشتها الصور والخرائط، وبالقلم الرصاص كان يخط أرقاما على بعض الهوامش، وكنت قبالته أفكر في مدى جدوى ما يقوم به، قال فجأة كأنما قرأ ما في رأسي : لعملي علاقة بترسيم الحدود بين الدول، قلت بسخرية خفيفة : أعرف أنك شديد الأهمية وغضب، وعندما يغضب لا يتكلم، فقط يتلون وجهه ويرتبك· وكنت شجرة صبار تعصر مرها بلا سبب، ورغبت من أعماقي أن أوخزه وأوجعه، ولم أنجح، مهما اقتربت من تخوم هذه الذات المليئة بذاتها فإني خاسرة، ومهما خلخلت عبادتها المقدسة لذاتها فإني أنا المتخلخلة، تخيلته ينادي في الشوارع - بحلة عملة الأنيقة - : لا مساس··· لا مساس، فابتسمت، والتفت إليّ متلون الوجه : أتعرفين البروفسور حسن ؟·· إنه أستاذي، وقد كان رئيسا للجنة ترسيم الحدود بين الهند وباكستان قلت بهدوء: وأعرفك يا سيدي، وكنت عضوا في لجنة·· قاطعني : أنتِ لا تعرفين شيئا ، قلت : كل أحد لا يعرف شيئا، عندك ، وارتبك من جديد، وسُعدت، كان سمائي وحضيضي·
صفحة 5
هذه سمائي تلتمع بنجم أمانيّ، ويداي الصغيرتان تغطيان النجم المهيب ويصبح لي، وحين أغمض عينيّ، أحلم حلمي الأبدي بلا انتهاء، أني خفيفة، أرتفع وأطير بعيدا بعيدا في سماء جد صافية، وبها من الروعة ما لا يحتمل·
وحين عدت وجدت أختي مجهشة في البكاء، أخذت أتأمل قميصها الضيق، على صدره ضفدع ضخم فاتح فمه القبيح على اتساعه، فكرت إنها ترتديه دائما، ولم أحب صوت بكائها المتغنج، ولكني كأخت كبرى وضعت يدي على كتفها : مابكِ يا حبيبتي؟··
ارتمت على فراشها : لا شيء·· لا شيء·· أدركت أن عليّ الكثير من المناورة حتى أستطيع تهدئتها، بعد جميع المحاولات التقليدية في هذا الصدد، قالت : زوج أمي·· إنه لا يحبني·· يقول لأمي أني عصبية وأنفعل بسرعه، وهذا دليل على رغبتي بالزواج!·· ابتسمت: لا يقصد ذلك·· لا تقلقي·· مازلت في الثانوي!··
صاحت : بل يقصد، لن أسكن معهم، سأذهب إلى البلد مع عمتي··
وكمن يخرج الورقة الرابحة قلت ببطء : وتتركين مدرستك وصديقاتك·· تتركين أبلة ليلى؟··، نظرت إليّ بغيظ، الحب دائما نقطة ضعفنا، لم يكن الضفدع المرسوم على صدرها قبيحا إلى ذلك الحد، أخذت ترتب مجلاتها كأن شيئا لم يكن·
في اليوم التالي كنا ننسق بعض علب الأحبار والألوان، قال : في دراستي الثانوية وجهني معلم الرسم إلى تذوق الألوان·· قلت بسرعة : أختي الصغرى متعلقة كثيرا بمعلمة الرسم في مدرستها
قال بجدية : لا بد أنها جيدة·· هل علّمتها الكثير في الفن والتذوق؟··
ترددت : في الحقيقة هي لا تدرسها، هناك ثلاث معلمات للرسم في المدرسة، وأبلة ليلى تدرس صفوف الإعدادي فقط·· ولا أعرف طبعا إن كانت جيدة أم لا، ومي لا تعرف أيضا
- أختك اسمها مي؟
- نعم·· أبي رحمه الله كان يقرأ كثيرا لمي زياده وكان معجبا بها··
سكت، وقرأت في صمته عدم الموافقة في الرأي، أحسست بذلك الإحساس الخفي من الذنب الذي يفاجئني كلما قلت مالا ينبغي أو أكثرت من الثرثرة، وانشغلت بالترتيب، وكانت عيناي تلتقط تلقائيا مكان صنع كل قارورة، وغرقت في تخيلات لأماكن بعيدة لم أرها قط·
جلس على الكرسي دافعا رأسه إلى الوراء، فانتبهت إلى أننا انتهينا، وأوقفت يدي عن الحركة·
قال: إذن تحبها وهي حتى لم تدرسها، لا أظن أن هناك فرصة كافية للحديث بين المعلمات والطالبات في المدرسة ؟··
لم أحب الاستمرار في مناقشة هذا الموضوع، كما ضايقتني نبرته الاستفزازية، فقلت : توجد فرص·· في الفسحة·· أثناء انتظار الحافلات·· قبل الطابور·· لكن مي تتهرب أصلا من الحديث مع أبلة ليلى··
ضحك بسخرية آلمتني : ترتبك إذا كما يفعل المحبون فعلا·· تراقبها من بعيد، .. تتسقط أخبارها·· لا ينبغي التمادي في ذلك··
كنت مستندة على الطاولة وبدأت أظافري الآن تنقر على خشبها بعنف: من الذي يحدد ما الذي ينبغي وما الذي لا ينبغي ؟·· إنها مرحلة عابرة وقد تكون طبيعية في هذا العمر·· المراهق يبحث عن مثال، عن نموذج، وقد يرى ذلك في أستاذه، فيتعلق به بطريقة قد يكون مبالغا فيها·· وعلى أية حال·· من يوقف الحب؟
لم تكن جملتي الأخيرة مقصودة، و لكنها أربكتنا معا، همس : من يوقف الحب؟
كأن سيلا مندفعا هائجا قد انبثق من أعلى الجبل وحطّم من الصخور ما حطم، ووقفنا نحن أمامه بكل ضعفنا البشري، هل يوجد أمام طيننا الفاني غير الذوب في السيل العظيم؟
من يقف أمامه؟·· من يوقف الحب؟
خيول الروم تعرفني وإن يتبدل الميدان·
صفحة 6
خيول الروم تقصدني، تتريض قليلا علي، ثم تنهضني لنغني قليلا لسيف الدولة، لا يقول لساني إن الحوافر قد شلته، لأنها شلته·
خيول الروم تعرفني، تركض بي، تزعم أن تلك مدن سحرية، جدرانها لؤلؤ مجوف، في التماعة عين فرس عربية رأيت الجدران، وكانت من الزجاج·
قالت: العطاء أو العطاء· ولم أتكلم، فالحوافر قد شلت لساني، وخيول الروم تعرفني، وأنا أعرف ملمس قمم الذات، وذرات الخوف الشامخة، التي تصبح فيما بعد العاصفة التي تهلك الراعي والراعي عرف الخيول ولم تعرفه· وهلك، لأن الميدان لا يعنيه·· · تعاقبني الساحرة كما عاقبت ضرتها : ربطي إلى حصانين متعاكسين، ولم أقل : كيف تمزقون جسدا يمتلئ بالحب؟، لأن روحي كانت قد اسَّاقطت، ذرات في التراب، وذرات في السحاب، وذرات هائمة في الما بين، تسيل شيئا يشبه الدم، شيئا تسفه الريح:
خيول الروم تنكرني ولا يتبدل الميدان·
غارق طير قلبي في ماء، بلل ريشه يحطه عن التحليق، وغرقه يغلق عينه المحدقة في الفضاء، ومربعات نافذتي الملونة بالأزرق والأحمر والأخضر لا تفتح غيبها له، ولا تقول كن فيكون·
الشمس دائرة صفراء بلا شعاع تتأهب للسقوط خلف الجبل، ويد عمتي ممسكة بيدي تلح : اخلعي بدنك وامشي
يتلجلج في صدري الطير الغريق : أنى أخلع بدني ؟ وقفت، أصاخت السمع، عيني على وجهها، صفحة خدها المجدورة، وأنفها المفلطح، عينيها الغريبتين، لطالما نفرني هذا القبح، فما به الآن يشف، ويرتفع عن ذاته، ليستحيل جمالا خارقا لا يقاوم ؟
ركبتاي تخوران، لا أستطيع الصعود لأعلى الجبل حيث النباتات التي تتأملها عمتي بافتتان لا يفنى كل يوم، أردت مشاغلتها : وإن خلعت بدني ؟··
أسكتتني بإشارة، وبعد أن انزلقت الشمس، تنهدت : التسبيح·· ياللجلالة·!
قدماها لا تكاد تمس الحصى، ترفق به لكأنما التسبيح صوت قرقعته، تربت على النبات الذي لم أستطع حفظ أسمائه وكأن نسغه هو التسبيح، نزلنا بصمت، وأويت إلى الغرفة، أصغي وأصغي، أهش الطير المبلل في صدري ليطير، ويذيقني الخفة، غير أنه يقعي ثقلا لا يرام فكاكه، ولا أسمع التسبيح·
الجبل قطعة ظلام سوداء، ومصباحي ظلال موحشة، عبثا أستنقذ هذا الطير من غرق محتم، أنزل للحوش، عمتي تجلس على حصير الخوص وفي حجرها رأس حمد، تمسده، لا أقوى على كل هذا الصمت، إنهم يصغون، ولا أسمع ما يسمعون، جلست بجانبها صامتة، أسندت رأسي إلى كتفها، ونظرت إلى تدرج ألوان الليل·
يتجسد لي في كل درجة، أود أن أعاتبه بملاغاة طويلة طويلة تحرر ذاكرتي من نهشة الجرح الحي، ولا أتمكن من النطق، عتبي لا يتزيا بزي الحروف وألمي لا يطيق تجسد الكلمات، أغمض عيني عن طيفه، فتغوص عيني المغلقة بداخلي لتراه أكثر وضوحا، ترى شعاع عينه البني، وحنية إصبعه، ولا ترى الكلمات التي غرست شجرة العذاب وأروتها·
سمعت صوت عمتي مع توقيع أصابعها على شعر حمد : و إن خلعت بدنك ؟·· إن خلعت بدنك مجردة، تكوني حينئذ داخلة في ذاتك، خارجة عن جميع الأشياء مجموعة عليك، مصروفة البال إليك، فترين في ذاتك من النور والبهاء والرفعة والسناء ما تبقين له متعجبة متحيرة، فتعلمين أنك جزء من أجزاء الجبروت
سالت دموع حمد على حجرها، توسد يده على ركبتها، فمررت أصابعها على زغب شاربه، وبعد صمت طويل قالت : فمن هاهنا تشعر بالإحاطة، فترى في ذاتك من النور والبهاء مالا تطيق على شهوده ولا تستطيع التجوهر لوجوده، فترجع عاجزا والذهن كليلا··
هل تكلمني أم تكلم حمد ؟ أم تقرأ سطورا لا نقرؤها من كتاب لا نراه؟ لا أحسبها إلا مكلمة لذاتها، لم أرفع رأسي عن كتفها، أردت أن تسري معانيها إليّ بلصقي بجسدها، لعل المعنى يعبر بلا واسطة الكلمة··
لا أرى غير طيري، قلت : وختام العجز والكلل ؟··
فابتسمت، وعاد جمالها الخارق الذي يستمد من جمال كل ذرة في الكون : حتى تألفي المقام، ولا يقع بحمد الله تعالى الانفصام، وترتفع المنازعة عند معقول المراجعة
فعادت عينا حمد تسيل، وغاض الطيف الماثل أمامي في طين وماء·
صفحة 7
حين نجحت مي بتفوق، أفعمنا بآمال الجامعة،ربما كلية الآداب أو التجارة، وقبل انتظار نتائج القبول كنا قد أعددنا حفلة صغيرة ابتهاجا بتفوقها، لبست مي فستانا زاهيا موشىً، ودعت بعض صديقاتها، انخرطن في الكلام والضحك والغناء، فراشات منيرات ترتفع أصوات المزاح من أفواههن المحشوة بالكعك والعصائر،ما انفكت أمي تخدمنا بنفسها، لم تطمئن لتوزيع الخادمة للأطباق والملاعق، شاركت في بعض الأغاني بابتسامة متواطئة، وضحكت للنكات الجديدة حتى ناداها زوجها، وحين رجعت، سكت الجميع، قبَّلت مي على وجنتها بهدوء وقالت إنها مضطرة للخروج الآن·· ·وحين انفضت تلك الفراشات تسابقت ومي على فتح الهدايا، كانت أشياء ظريفة: دمى ودببة قطنية،قوارير عطر وردية، وسائد صغيرة على شكل قلوب حمراء، بطاقات ملصق عليها زهور مجففة،كتب على بعضها : إلى العفريتة مي، أو إلى حبيبة أبلة ليلى : مي كنا نضحك حتى فتحنا هدية أمي : علبة فخمة من الألوان الزيتية، ومشابك شعر كلاسيكية مرصعة بلآلئ صناعية· سكتنا فجأة، وحين حاولنا الابتسام كانت مجرد تعابير متقلصة غزت وجهينا، مي التي كانت تنجح في اختبارات الرسم بصعوبة ولم تمارسه أبدا كهواية قالت: علبة جميلة··، نظرت إلى شعرها القصير جدا الذي يستحيل لمه في أي مشبك شعر وأنا أردد: فعلا·· جميلة··، تلفت حولي، كانت بعض البالونات ما تزال معلقة في فراغ الصالة، أنزلتها وأنا أقول: تأخرت أمي··، أخذت أجمع الأطباق والأكواب لأخذها إلى المطبخ، حين وقفت أمام المغسلة، أخذت أحدق في الماء يسيل على الصحون، بدا لي كل ذلك غريبا جدا، وتذكرت جملة قلتها لأبي ذات حلم : بيتي ليس ذلك البيت، أخذت أراقب النافذة والثلاجة بتركيز، وحين استدرت كانت مي واقفة في منتصف المطبخ، بدا شعرها منكوشا، كانت حافية على البلاط، تضم يديها إلى صدرها كأنها تحاول السيطرة على ارتعاش جسدها·
فستانها جميل، وجهها مشرب بالبراءة، دموعها حبات كبيرة ومتلاحقة كأن صوت تلاحقها هو صوت الماء المندفع من ورائي في المغسلة· قمت بحركات كثيرة لا داعي لها، لعقت شفتي، تنهدت، فرقعت أصابعي، نظرت إلى السقف، إلى الجدران، إلى البلاط البارد، وظلت مي ثابتة بوقفتها تلك، بفستانها ذاك، كأنها خرجت من إحدى الأساطير لتواجه ضعفي· مسحت بكفي عى وجهي، كنت مستعدة لإلقاء خطاب تهدئة على مي لولا أن قالت بصوت مبحوح: بيتنا ليس هذا البيت، انفجرت في بكاء عميق، ومي هي التي ضمتني، ضغطت ياقة فستانها الموشاة على نحري، اختلطت أصوات آلامنا طويلة، وحارة وعميقة كأصوات نواح·
أحسست بالماء يبلل أقدامي، فأفلت مي لأجده قد فاض من المغسلة، وانساب على البلاط، غسلنا وجهينا، أغلقت الصنبور، أطفأت نور المطبخ، وعدنا نتلفت بحذر حتى باب غرفتها·
قالت بضراعة : نامي معي، هززت رأسي، وقضيت وقتا أتأملها وقد التصقت بعض الخصلات على جبينها وهي نائمة·
أيها الحب الذي أشعل أجفاني بملح وقتاد
ما الذي يحرقني حيا ويبقي الروح خيطا من حرير
طائرا من مرمر أخضر لا يطوي جناحا أويطير؟
انتهت ساعات العمل، لملمت أشيائي في حقيبتي وخرجت، في غرفتي أتقلب على السرير ولا أفعل شيئا، مصابيح الإضاءة تتدلى على شكل كرات صغيرة، السقف يقترب ويبتعد بتواطؤ، ترتجف ثنيات الستائر الثقيلة وأسمع من خلفها أصوات ضعيفة للجيران وهسيس سدر وورق حي، وفي ذلك المساء عرفت أني هويت، فظللت أهوي بلا قرار وأتصدع بلا صوت·
وكأنما استنزفت قواي بغتة سقطت يومين مريضة، كل ذرة في تستقبل طبولها الجديدة المدوية، وترتجف وقد عرفت، عرفت أن كل هذا الانهيار له اسم واحد هو العشق·
امتدت هذه الأصابع الآثمة إلى القلم وكتبت عن سجن القلب في زنازين لا فناء لها، وفي الصباح كانت الأصابع أكثر إثما لتضع الورقة على منضدة عمله، قبضتها أصابعه البريئة كدليل إدانة طال انتظاره، وكصيد وقع أخيرا في الشرك المستحيل·
كحبات مطر صغيرة ناعمة تسيل على امتداد نافذة عالية، من خلفها شجر عال مستحم، من فوقها طير، كل ريشة فيه تحكي الأشواق، تشق آفاق الروح وتشف حتى تتلون بلون السماء، تتطاير في كل الكون ، وتتحد في قارورة عسل وطيب، ولها في اتحادها وانفصالها اسم واحد هو الحب·
لصنع قارورتها انصهرت آلاف الورود الرقيقة، تجمعن وذبن معا، ومن دأب آلاف النحل، انصب الشهد، وحين امتزج عسلا وطيبا بسحر معا كان ذلك هو المفتاح والخاتم السري، وكان على زجاجه الشاف بحرا شهد وطيب، ممتزجان، وفي سر سرهما المؤتلف اسم الحب· فليحترق هذا القلب بتلكم النار الهائلة، وليتفتت آلاف الذرات على كل تويج زهر، وحافة عشب، وذرة رمل، ولتأتلف ذراته من جديد، من جديد إذ مرت بها يوما تلك الطاقة السحرية، وإذ عرفت مرة مس الحب، ولتنقسم الروح كالبللور على عتبات الاسم المهيب، ولتنسجم كل الأضواء والألوان خلال صفائها العميق، ولتنشطر في كل خيط نور شمسي ونجمي وكوكبي، ستعود، كلا واحدا، ولن تأفل إذ مسها الشعاع الأعظم، واخترق بللورها الشفاف ونوره الحب·
فليتقطع الجسد على عتبة كماله، وليسيل الدم القاني فداء جماله، وليغدو شلوا شلوا يحكي كيف لم يحتمل تماسكه عظم الحمل، فخر صعقا في كل فج له رؤيا، وفي نور تجليها سيرتسم محياه الباهر، ومنقوش عليه، محفور منذ الأزل اسم الحب·
صفحة 8
في البدء عرفنا تلك النعمة النادرة : التواصل· نتحدث ونتحدث وبداخل كل منا ذلك الشيء النادر : الفهم والتفهم· كان ذلك قبل هجوم اليأس والآلام المرة، قبل نبال كون الآخر آخرا مهما اقترب، ومهما كان تواصلنا عميقا، قبل أن تتكشف الوجوه غير الجميلة في الذوات الأخرى، ونحبط·
كنا وقتها ما زلنا نصعد إلى ذرى من البهجة والتوهج والأشواق النقية، نتحدث ولا نمل، نحكي، نجادل، نتناقش كأنما اختزنا كل هذا الكلام طوال عمرينا والآن، الآن فقط قررنا قوله·
قال مرة : في طفولتي ومراهقتي كنت أعيش الحياة بكمال أكثر·· لا·· لا·· أعني إنني كنت أعيش بكليتي، أندمج وأندفع·· أعني··
قلت : كنت تشعر أن الحياة حقيقية، وأنك بداخلها شيء فاعل وحقيقي·· ·قادر على الدهشة والاستغراق··
اندفع: تماما·· تماما··
ابتسمت : أما الآن·· هل فقد كل شيء طعمه؟··
قال بجدية : لا·· ليس تماما·· بعدما كبرت قل توهج كل شيء حولي·· لم تفقد الحياة طعمها، ولكن لم يعد ذلك الطعم يفاجئني··
مطرقة قلت: أليس هذا طبيعيا ؟·· ألا نكبر لنحبط وننسى اللذائذ القديمة للأشياء البسيطة؟··
قال: ربما·· ربما·· ولكن بالنسبة لي أشعر بأني أؤدي في هذه الحياة دورا مزدوجا : أعيش الحياة وأراقب عيشي، أحيا وأراقب هذه الحياة، أفعل وأراقب هذا الفعل، اندماجي في الحياة مقرون بتلك المسافة من البعد عنها لتأملها··
قلت: هل هذه درجة من الوعي الزائد بالذات؟··
قال: لا أعرف·· أعني ربما·· حتى في لحظات الضعف··
سكت هنيهة ثم قال بتردد: عندما أبكي أقول لنفسي : أنا الآن أبكي، كأن شخصا آخر هو من يبكي وأنا الآن أراقبه·· وعندما أرغب أو أكره··
لاحظت أنه لم يقل : عندما أحب أو أكره، أطرقت أفكر في تجنبنا ذكر اسم الحب، وفي العلاقة الملتبسة بين الحب والرغبة، تصورته باكيا، صمتنا، ثم أخبرته أن ذلك يحدث لي أحيانا·
قال: يحدث لي دائما·· يهلكني، مشغول أنا عني بمراقبتي، مشغول عن الحياة بتأملها··
فكرت: مشغول عني بمحاولة تحليلي
واصل : كأني أعيش خارج اللحظة، كأن كل ما يحدث مجرد حلم·· ·وفي لحظة ما سأستيقظ··قلت بتوجع : ولكن هذه اللحظة لا تأتي
رفع عينيه إلي: هل الحياة إلا حلم؟··ثم تمتم : حلم أنت أجمل ما فيه
في منامي تلك الليلة كنت أهمهم : ولكنه حلم·· مجرد حلم··
في درجي اليوم أرى كل الأشياء الصغيرة القاتلة، التي لا يمكنها التخلص مني، ولا يمكنني تجريدها، كل الأشياء الصغيرة تتسع عيونها المصمية، عيونها التي تقول : لم يكن حلما
أخرجها، من جديد أخرجها لأبسطها أمامي، لأقف مرة أخرى وأخرى عاجزة حيالها، مشحونة بالعجز·
الورقة الأولى، الوحيدة، بالتواءات الأحرف وحسم الفواصل، وبطاقة بها تشكيلات حروف عربية ملونة، لم يكتب خلفها شيء سوى اسمي، والقرط الصغير على شكل لؤلؤة بيضاء، ومصحف أخضر حرز لي أعطانيه مؤخرا جدا، والهاتف المحفور عليه حرفي، أما الرسائل الطويلة المتأخرة الفائضة بالكذب فقد أحرقتها منذ زمن·
لكن هذه الأشياء الصغيرة الصادقة هي من تفعل، وأنا لا أقوى على فعل شيء بها، أعيد تجميعها في غلاف كبير وأضعها في الدرج ثانية·
صفحة 9
في أعلى الشجرة التي ارتفاعها سبعون ذراعا وعرضها سبعون ذراعا كنا، يمس ورق الشجر أقدامنا ولا يمس، ونسير، ببساطة، كأننا فرح صغير خرج للفرجة على العالم من عل، وهبط من عروق الشجر إلى جذوره حتى عثر على هذه الشجرة السحرية مزنرة بالرقم السبعين، محروسة بحرف الميم، فسرى إلى أعاليها، مرتشفا الغيم·
كنا نسير، لا حاجة بنا حتى لاشتباك اليدين، إذ تفرعنا أغصانا، وفروعا، وزهرا، ولم نعد ندري من ينتمي لمن، ومن يشتبك في من، الزمن؟·· الزمن كان الغروب، شبه نور وشبه ظلام، وفي مرآة روحينا كانت أنت مضببة في شرك حروف أنا، مرفوعة على قرني غزال نازلة في المنزل السادس لكوكب الزهرة·
وحين انزاح الغطاء فتحت عيني وجرعت من كوب الماء الذي انساب إلى حلقي، وغسل كل ضباب، وأراني كل ما ينبغي رؤيته : المنبه، والكرسي، واللوحات، والكتب والتذكرة الممزقة لسفر كان سيضمنا·
كنا نصعد معا إلى ذرىً من التوهج، نكتشف أنفسنا كيف تفنى، وكل يوم جديد كان يتفجر بالمزيد، لا آلام إلا آلام الحب الخالصة، وشوقه النقي الفريد، وسحره الذي ينفي العالم كله ويبقينا نحن، وفي كل ذلك نحاول مراوغة اللغة وتسكين الكلمات وتنويم الحروف اليقظة حد اللمس، حتى كانت ليلة، عيوني على الهاتف وعيونه علي، أردع أصابعي عنه ويضن برنينه عني، حتى إذا جاد جاء الصوت، ولم يكن من مجال لكلام عادي، جاء فقط ليقول الكلمة المعجزة، وليدخل كل الفناء في الحروف اليقظة المنتظرة، ثم أقفل الخط، وبكيت، وقد أرهقني خدر قدمي، ونمت، من فرط البهجة، في مكاني·
قالت أمي : ماذا تستخدمين لوجهك؟·· مسحوق الصندل؟·· لقد أصبح نضرا جدا··، ارتبكت: لا شيء··، لم تعد تناديني بزرافتي، هربت منها، ربما تكون قد عرفت وصفة هذا القناع السحري فيما مضى أما الآن فلا يمكن أن يشف فؤادها ليعرف أي شيء، لا تستطيع رؤية السر في لمعة العيون وتألق الوجه·
قال وقد ثبت نظره علي: تزدادين جمالا··، فقلت كما ينبغي حين أسمع مجاملة عابرة: شكرا، وغيرت مجرى الحديث، لكن صدى الحسرة في تساقط كلماته لم يخطئني·
اتصل في ذلك المساء متألما : ماذا أفعل؟·· ماذا أفعل؟··، قلت بخوف: ماذا أفعل أنا؟، ثم صمتنا نصغي لوقع أنفاسنا على السماعة المعدنية، قال: ماذا ترتدين؟، قلت: قميص بيتي قطني، ألح: ما لونه؟، أجبت كأنما يجب علي أن أجيب: زهري·· به ورود زرق، تنهد، وصداها لم يخطئني أيضا، وخفت أكثر حين تحشرج قائلا إنه سيأكل السماعة·
قالت أمي: ألا تريدين تجريب هذا القناع؟ إنه من طينة البحر الميت، ينقي البشرة تماما، شكرتها بأدب فقالت: بشرتك نقية على أية حال، وعادت لانهماكها في بسطه على وجهها، أحسست بأنها لم تعرضه علي إلا لتبدو كأم مهتمة بجمال فتاتها، كدت أن أخرج لولا أن قالت: أختك مي··، قلت: ما بها؟··، سكتت، غسلت يديها عن الطين، وأخذت تطلي أظافر قدميها بعناية، كانت قدماها جميلتين، وكان أبي يفركهما بين راحتيه ونحن نشاهد التلفزيون مساء، بعدما انتهت التفتت إلي : ألا تعتقدين أنها تبالغ كثيرا في حب معلمتها؟، قلت: لا·· إنها مرحلة عابرة·· لا تقلقي··، استدرت فدقت يدها على منضدة الزينة فارتعشت المساحيق: اجلسي وأنا أكلمك جلست، وكلمتني طويلا عن مي، عن قلقها عليها وعلى دراستها ( لم نكن نعلم آنذاك أن مي ستتفوق ورغم ذلك لن يظلها سقف جامعة السلطان)، عن تفاهة هذه المشاعر، وعن إيثارها العزلة مؤخرا، وعصبيتها·· وكلام كثير هو مجرد حواشي وتكرار لما قالته سابقا، ولم أشارك، وما كان منتظرا مني، وحين استأذنت للخروج كانت العبارة قد ملأت فمي فسارعت بلفظها وقد أغلقت باب غرفتي علي: ماذا تعرفين أنت عن مي أصلا ؟ انكببت على السرير : ماذا تعرفين عن مي؟·· ماذا تعرفين عني؟·· ماذا؟ ·· ماذا؟··
أسفل السرير وجدوها ملقاة، فمها مزرق مزبد، عيناها زائغتان، ذهلت أمها وأخذت ترتجف بجانبها في حين هرعت عمتها - التي كانت في زيارة - إلى مراش ماء الورد، وأخذت ترش منه على وجهها حتى انتبهت أنها لم تكن فاقدة للوعي بل شاحبة ومتشنجة، فشرعت تدلك أطرافها وتقرأ عليها المعوذات مرارا ثم قامت إلى بقجتها وأخرجت العود والصندل والعنبر لتدس منه تحت أنفها وهي تردد: وله ما سكن في السماء والأرض·· وله ما سكن في السماء والأرض··
عندما كرت الساعات على تلكم الحال أخذت أمها تدور نافدة الصبر في الغرفة : متى تنجلي هذه الغمة؟·· ما بها البنت؟··، فتهدئ العمة من روعها : اهدئي يا أختي·· توكلي على الله·· ستكون بخير وتنجلي الغمة قريبا بإذن الله··، ولكن الله لم يأذن بانجلاء قريب، إذ ما سكنت أطرافها حتى تحرك لسانها قارصا بعنف كل ما حوله، فتقضي النهارات جائلة في البيت، لا تحيد نظرتها النفاذة عن التهكم، ويخترق لسانها ذلك الحاجز الرقيق الذي يحكم علاقات البشر أو ألسنتهم، فتردد باستمرار أن جارتهم ثرثارة، وأختها متصنعة مدللة، وعمتها قبيحة مسكينة، وتطلق ضحكة مدوية حين تبرر أمها غياب زوجها بالانشغال في العمل، أو تراها متبرجة أمام المرآة، تدلق أطباق الطعام ساخرة منها، وشعور من حولها بالحرج والضيق ينمو، أضاعت قناعها فنشرت حيرتها، كل هذا القدر من عدم التكتم يثير الحفيظة، ثم يتحول العزل إلى شعور صادق بالخوف عليها وقد توقفت عن تناول الطعام وبدأت مشيتها بالترنح·
همست العمة في أذن الأم : البنت مسكونة·· سآخذها معي إلى البلد وأداويها·· لا تقلقي لن آخذها إلى المشعوذين بل سأداويها بالقرآن وستشفى باسم الشافي إن شاء
وهكذا حُمِلَت - مقهقهة - إلى بيت العمة، بعد أن وافقت أمها أملا أو حرجا لا فرق، وفي سعة حنكة العمة وبيتها سكن ساكنوها وباسم الشافي شفيت إذ شاء·
صفحة 10
أسكنتها عمتها الحجرة الوحيدة على سطح المجلس، التي تعرف باسم الغرفة، فإذا ما قيل الغرفة لم يعن القائل غير المعلقة على سطح المجلس المطلة نافذتها الوحيدة على الجبل، تلك النافذة المقسم زجاجها إلى مربعات لكل مربع لون، فإذا ما ألصقت وجهها على الأول تلون الجبل بالأحمر، وسقطت منه الحمم وثارت تنانينه وحيواته الباطنة، وإذا ما ألصقته بالمربع الثاني رأت الجبل الأزرق، وقد اتحد فيه السماء والبحر، وسالت مياهه ألقا صافيا، وشهقت الأمواج على حواف الحصا، وإذا ما ألصقت وجهها على المربع الأخير نظرت الجبل وقد انشق عن الجنان، وسقط فردوسه على الأرض الجرداء، ومارت بواطنه بسر الشجر وحياة الأغصان· وحين تهز رأسها ذات اليمين وذات الشمال تتداخل الألوان وتمتزج السماء بالجنة والنار·
في كل فجر تأخذها عمتها إلى بيت الشيخ حمد حيث تستقبلهم زوجه البشوش بتمر الخلاص(1) وقهوة الهيل، وتحضر معهم مجلسا هو للذكر أقرب منه لإخراج جان متوهمين، يقرأ الشيخ وتغيب البنت، آيات وسور وحروف، تأخذها إلى سماوات تجل عن الوصف وتغيبها عن عالم الحس المرة تلو المرة، يصدعها تكرار بعض الآيات، بعض الكلمات، فتظل تتجلجل بداخلها، الأخلاء يومئذ··، تسكن جارحة جارحة وتخفت سخريتها، تلقط العمة دموعها في إناء من فضة :
دموع الخشية تطفئ غضب الرب، وتغيب طويلا وحين تصحو لا تتذكر من مجالس الفجر غير يد الشيخ مبسوطة على حجره، أصابعها ممتدة للسماء، واثقة، شافية، كأنما الآيات تفيض منها لا من فمه·
في العصر تأخذها عمتها خلف البيت إلى ممر صغير يشق الجبل على جانبيه مخاضات مشتركة، أقيمت بعد المنبع الرئيسي وشريعته مباشرة، تفتح العمة الباب الخشبي لإحداها وتنزل درجاتها الخشبية الثلاث، ثم تأمر البنت بخلع ملابسها ولف لحاف حول جسدها، تغمسها في ماء الفلج الدافئ، وتفركها، وتفرق شعرها تحت أسطل الماء التي تصبها عليه حتى تصيح البنت : حتى لو لم أستحم منذ سنة، قد نظفت·· فتبتسم عمتها : هذا يا ابنتي يسكن الهموم وينفي الحزن، ويبرد القلب، وكان لدى العمة لتحقيق ذاك النفي والتسكين وسائل شتى منها جولات طويلة في الجبل وغيرانه تقتلع أثنائها بعض الأعشاب لتغليها وتسقيها البنت، وجولات في الضواحي والمزارع لأن الخضرة تريح العين وتشرح القلب، وقد لبثت أمدا يبرد قلبها بالقرآن فجرا وبالاستحمام في الفلج والتنزه عصرا، ولم تعد عمتها لتذكر الجان وسكناهم، حتى فهمت البنت أنها حيلة تفتقها فهوم العمة لتغسل هموما عرفتها حق المعرفة، وما كانت لتخفى على عينها الكشافة·
وحين عدت بعد أمد، كانت غمة التشنج والصد قد انجلت، وثقوب حاجز العلاقات مع البشر قد رتقت، ولكن الجني المارد لم يخرج من قمقم روحي، وما سكنها حتى ماجت بالسر وخفق جناح اليأس بلا سكون·
أغنية صغيرة في مديح اليأس: