الإهداء
إلى مولودتي "سيدرا"
التي ملأت حياتي بالمحبة والأمل
وإلى كل الصغار الذين نحلم لهم بعالم أفضل
المؤلف
المقدمة
يعد هذا الكتاب كتابا منهجيا يؤسس لحرفية الإخراج المسرحي، وهو حصيلة تجربة تطبيقية في فن الإخراج قمت بها سابقا، وحينما نتناول الفن المسرحي على صعيدي النص والإخراج، فإننا نتناول فنا يعد من أكثر الفنون حاجة إلى نضج الملكة الفكرية وسعة التجربة، وهنا نحاول من خلال تجربتنا أن نضع أرضية ينطلق منها المخرج المسرحي المبتدئ في فهم النص وتفسيره وتجسيده إبداعيا من خلال اعتماد منهجية واعية للإخراج.
إن الفن المسرحي يتأسس على أبعاد رؤيوية تمتد من النص الذي أبدعه المؤلف وصولا إلى نص العرض الذي سيبدعه المخرج، واعتماد منهجية واعية للإخراج يمكن أن تؤدي إلى خلق حالة من التوازن الجمالي والمعرفي بأدوات وأسلوب تمكن من الوصول إلى جوهر العملية الإبداعية، التي يمكن لها الإحاطة بمشاكل الإنسان وبحقائق الوجود الإنساني ضمن سياقات متعددة سواء على مستوى النص أو العرض المسرحي.
وبما أن عمل المخرج المسرحي يعد عاملاً مهماً من العوامل التي تقف خلف ذلك الإطار المادي المسمى بالعرض، فإن هذا الكتاب يأتي في سياق وضع الأسس الخاصة بعمل المخرج لكونه الذي تقع عليه مهمة اختيار النص المسرحي ومهمة التفسير، وهو الذي يقوم بالتخطيط الموضوعي لمشروع الإنتاج المسرحي، وهو الذي يقوم بقيادة العملية المسرحية بكل جوانبها الإدارية ليشكل بذلك المبدع الأول لكل تفاصيل العرض،فالإخراج وظيفة وحرفة وفن، وكل العملية الإخراجية مناطة بالمخرج.
إن هذا الكتاب يضعنا في ضرورة دراسة سيرة المؤلف المسرحي وأسلوبيته في الكتابة وموقفه الفلسفي تجاه القضايا المعاصرة ورؤيته الفنية إذا ما تم اختيار نص مسرحي له لتقديمه على المسرح، مع ضرورة الوعي بمصادر العرض المسرحي وأسلوب المعالجة الإخراجية لهذا النص، وقد حاولنا من خلال كتابنا الدخول ضمن عملية التذوق المسرحي وتكوين الانطباع المعرفي تجاه أصول فن الإخراج وحالة تسلسل العملية المسرحية بشكلها المنطقي والتعليمي.
المؤلف
1- حياته
ولد الأديب (جمال بنورة) في مدينة بيت ساحور في فلسطين المحتلة عام 1938 م حيث (تلقى تعليمه في مدارس بيت ساحور وبيت لحم واشتغل بالتعليم حتى إحالته على التقاعد قسرا عام 1983 من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي بسبب كتاباته ومواقفه السياسية المقاومة للاحتلال وبسبب عضويته ونشاطه في لجان المعلمين في عام 1981 م)(1).
ينتمي جمال بنورة إلى أسرة فلسطينية عريقة وهو متزوج وله ستة أبناء، وقد بدأ نشاطه الأدبي منذ أوائل الستينات بكتابة القصة القصيرة، حيث قام بنشر نتاجه في الصحف العربية الصادرة في فلسطين المحتلة والبلاد العربية الأخرى، (وبعد الاحتلال نشر العديد من القصص تحت اسم صلاح حسين)(2)، ويعود ذلك إلى محاولة تجنب القمع والإرهاب الصهيوني الذي كان يمارس ضد الأقلام التي تؤازر الثورة الفلسطينية.
ولكن ميلاده الأدبي الحقيقي كان بصدور مجموعته القصصية الأولى (العودة) 1976 م التي تناول فيها جوانبا متنوعة وصورا عديدة من صور المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، وقد تنوعت فيما بعد نتاجاته الأدبية، فتوزعت بين القصة والرواية والدراسة الأدبية والمسرحية، حيث عبر عن هموم شعبه وقضاياه الوطنية، فكان من نتيجة ذلك أن (تعرض للاعتقال أكثر من مرة كان آخرها لمدة شهرين في صيف عام 1989م في معتقل أنصار 3 في النقب)(3)، وهكذا شكل(جمال بنورة) مع أدباء فلسطين المحتلة صورة نضالية من صور الأدب المقاوم بنقلهم للواقعية الثورية الفلسطينية التي تهزأ بكل طغيان الأعداء واستكبارهم، وتستمد من حقها المشروع قوة تقارع بها المحتل.
2 - أسلوبه
إن (جمال بنورة) في كثير من نتاجاته الأدبية ينهج الأسلوب الواقعي، فهو يصور نضال الشعب الفلسطيني بكافة طبقاته وفئاته الاجتماعية، مع ميله أحيانا إلى استخدام إيحاءات رمزية وتعبيرية واضحة، (فلم ينجرف في تيار الكتابة التجريبية المبهمة حينا، والمسطحة حينا آخر، وإنما بقيت قصصه خير تعبير عن القصة القصيرة ذات الأسلوب السردي الواضح، الذي يستند إلى لغة سهلة مشبعة بالإيحاءات والدلالات، بحيث تصل هذه القصة في نهاية المطاف إلى قطاع واسع من القراء على اختلاف مستوياتهم الثقافية والمعرفية)(4)، لان من واجب الأديب هنا أن يقوم بإشاعة الوعي بين الجماهير التي يكتب لها، والإسهام في التعبئة الثورية وصياغة الواقع الحقيقي بلغة يفهمها الجميع، لهذا فنحن نلمح في مجا ميع (جمال بنورة)القصصية الالتزام الصريح والمباشر بوقائع الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني على أرضه، فقد (ظلت قصة الأرض المحتلة وثيقة الصلة أكثر بالأرض والناس وأكثر شعورا بحدة المواجهة بحكم المكان وبحكم ما يفرضه من وسائل القمع وعلى رأسها القمع الثقافي الذي يستهدف أول ما يستهدف في فلسطين المحتلة النفي القومي للجماهير بكل أبعاد هذا النفي)(5).
لقد امتاز أسلوب (جمال بنورة) الأدبي بالالتزام بعرض الوقائع اليومية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، بلغة مبسطة واضحة كوضوح الشخصيات التي تنطقها، كذلك فقد ظهر في كتاباته دقة الاختيار للأحداث والشخصيات، وميله إلى التصوير الحرفي كذلك فقد اتسم أسلوبه (بغنى التجربة الإنسانية ووضوح الرؤية وصلابة الموقف)(6) لا سيما بعد أن اكتملت موهبته الأدبية وتطورت أدواته الفنية.
3 - موقفه الفلسفي
إن القارئ لأعمال (جمال بنورة) سيخرج بأنها تشترك جمعيها في خيط فلسفي واضح يتمثل بالفلسفة الثورية النضالية التي يدعو من خلالها الكاتب إلى التحرر والاستقلال وطرد المغتصب، وحول ذلك يقول: (بخصوص الفكرة التي أنطلق منها عند الكتابة.. والحقيقية الحافز على الكتابة هو معايشتنا اليومية مع الاحتلال وصدامنا معه في كل حركة أو خطوة نخطوها فنحن دائما أمام جندي الاحتلال أينما تحركنا، ولم أقصد أكثر من التعبير عن الواقع الذي نعيشه)(7)، وهذه المنطلقات الفلسفية هي التي تجعل الكاتب يميل إلى الواقعية في أسلوبه،لا سيما وأن الواقعية تنقل الأحداث نقلا مباشرا من شأنه أن يسهل على القارئ فهم مضامينها.
لقد تبنى (جمال بنورة) في أدبه قضايا فلسفية وفكرية تخص شعبا بأسره، حيث اهتم بعرض تفاصيل الحياة اليومية في الأرض المحتلة، وعبر عن فلسفته بصور حيه على الأرجح، مركزا على عرض المسيرة النضالية للشعب الفلسطيني، ولهذا اهتم في نصوصه الأدبية بعرض صور من المقاومة اليومية للاحتلال (وحينما يعرض الكاتب لمقاومة الاحتلال والتصدي لأساليبه العنصرية الهمجية فإنه لا يفعل ذلك بشكل ذهني مجرد، أو عبر حذلقات فكرية معزولة عن سياقها الاجتماعي والإنساني، بل هو يغوص في أعماق شخوصه كاشفا عن أدق نوازعهم الشخصية ذات السمة الإنسانية التي تلتقي في التحليل النهائي، وعبر علاقة جدلية حية، مع توجههم العام في الدفاع عن الوطن،وعن حق الأطفال في حياة كريمة بين أمهات لا يتعرضن لإذلال العدو، وآباء لا تعيبهم المنافي والسجون، ولهذا السبب تبرز (...) المقولة التي أخذت تتردد على نحو ملموس في إنتاج في النتاج الأدبي الفلسطيني المعاصر، مقولة الذهاب إلى الموت ليس حبا في الموت وإنما رغبة في الحياة والدفاع عنها)(8)، فإذا كان موت المحتل فيه سقوط وانتهاء لوجوده فإن الموت بالنسبة للفلسطيني يرتبط ارتباطا وثيقا بفكرة البقاء التي تجسدها قيم البطولة والشهادة التي يحققها الإنسان الفلسطيني في صراعه المصيري مع قوات الاحتلال، وفي ضوء ذلك فقد أظهر الكاتب شخصيات سلبية وشخصيات إيجابية في موقفها الحياتي من الأزمة التي فرضها الاحتلال، حيث أملى عليه ذلك معايشته للواقع معايشة حقيقية، ففي مجموعة (حكاية جدي) القصصية 1981 م تعرض ( قصتي " مواجهة "و "السقوط " محاولة إفراز القصد السياسي من عفوية العلاقة بين المواطن الفلسطيني في الأرض المحتلة وحركة الأحداث اليومية)(9)، وهذه العفوية تؤثر في إيضاح فلسفة الكاتب عن طريق القدرة على ترجمة صور الحياة وفهم جوهرها المتصل بفكر الكاتب ووجوده.
كذلك فقد أراد (جمال بنورة) إظهار مدى ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه وذلك حينما ذهب إلى أن بقائه لا يكون إلا بتمسكه بتراب وطنه، رغم كل محاولات الاقتلاع والتهجير والتهويد التي يمارسها المحتل، ففي قصة (حكاية جدي) يورد القاص حوارا بين الجد وأفراد من دورية صهيونية، حيث يؤكد من خلاله قيمة الأرض ومكانتها عند الإنسان الفلسطيني : (وكان لا يزال يحرث الأرض وقد جاوز الثمانين، عندما مرت به دورية وتوقفت بمحاذاة الأرض..
- هذه الأرض لك؟
قال باعتزاز: نعم.
- هذه كثيرة عليك.
- لا ليست كثيرة.
- هل تبيع؟
- لا..
- نعطيك نقودا كثيرة، تتعب من عدها، وتستريح من هذا الشقاء..
- أنا لا أحس بالشقاء.. أنا أحس بالسعادة وأنا أعمل في أرضي.. ما قيمة حياتي إذا تخليت عن الأرض ؟ فلماذا أعيش ؟)(10).
إن الشخصيات الثورية جاءت معبرة عن الفلسفة التي يستند إليها الكاتب فما صمودها وثباتها وموقفها النضالي إلا صورة من الصور المعبرة عما يجول في خاطرة، ويمكن القول أن الملامح العامة لأدب (جمال بنورة) قد ارتبطت بفكرة مقاومة الاحتلال وتعرية المواقف المرتبطة به مع تأكيد مقومات الصمود والنصر بالنسبة للإنسان الفلسطيني.
4- الرؤية الفنية
لقد كان للظروف السياسية والاجتماعية التي ولد وترعرع فيها الكاتب الأثر البالغ في تحديد خطوط حياته وتثبيت نظرته وموقفه من هذه الحياة لا سيما بعد أن أصبح يعي مجريات الأمور من حوله، فكان لقضية وطنه أبلغ الأثر في تفجير عاطفته ونظرته الثورية، حيث ظهرت توجهاته جلية من خلال رؤيته الفنية، فـ (جمال بنورة) يرى أنه لا نستطيع تحقيق أهدافنا وطموحاتنا الكبرى في التحرر والاستقلال الوطني إلا من خلال الثورة ومواصلة النضال.
وكان لسيادة الاتجاه الثوري في الحياة الفلسطينية عامه أثره البالغ في ظهور هذا الاتجاه في أدبه القصصي والمسرحي، فاعتمد الواقعية الاشتراكية كمنهج أدبي ليعبر من خلالها عن رؤيته الفنية باعتبار أنها (تتبنى كل المنجزات الفنية التي حققتها الواقعية النقدية، لكنها تمتاز عنها بأنها وليدة عصر أصبحت قوانين التطور فيه والوسائل الممكنة لقلب المجتمع أكثر وضوحا وجلاء، ومن هذه الناحية أصبح مفهوم الثورة من أهم عناصر الواقعية الجديدة)(11).
إن (جمال بنورة) يرفض واقع الاحتلال رفضا مقيتا، ويرى أن الثورة تحقق واقعا بديلا للواقع اليومي يتمثل بالتحرر وطرد المحتل، وانطلاقا من قناعاته الماركسية يؤكد دائما على دور الماركسيين في تحريك الشارع الفلسطيني ضد المحتل، ففي مجموعته القصصية (حكاية جدي) وتحديدا في قصة (المواجهة)، يصر أحد الوجهاء والمحاسيب الذين يقفون من المقاومة موقفا سلبيا على أن التظاهرات هي من تدبير الشيوعيين:
(- لن نسمح للشيوعيين أن يتحكموا في مقدرات البلد... وضعهم في السجن أريح لنا.
- ولماذا الشيوعيين ؟
- من تظن أنه يحرض الناس على الإضراب والتظاهر ؟)(12).
لقد فرق (جمال بنوره) بين فلسفته الثورية الخاصة والنظرة التي يحملها عن الواقع، حيث طغت تجربته الشخصية في كتاباته، فظهر من خلال أبطاله وشخوصه مرتديا رداء المناضل الثوري، وإزاء ذلك فقد ألغت الإيديولوجيا الفن وتغلبت عليه في كثير من قصصه فأصبح (القول الأيدلوجي إذن هو الذي يستتبع القصة وليس العكس.. أي أن قصد الكتابة ورؤيتها لا تخرج من جسد التجربة، بل تلصق رؤية الكتابة على جسد القصة في غياب التجربة وحضور الذهنية كفاعل أساسي في الكتابة القصصية عند جمال بنورة)(13) الذي عرض صورا متنوعة ومتعددة من تجربته الشخصية، التي نبعت من خلال معايشته للواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، وقدم رؤيته الفنية بأسلوب أدبي رفيع المستوى من أجل أن يعرض مأساة الإنسان الفلسطيني.
وقد ركز جمال في أدبه على موضوعات ركزت في التصميم على الكفاح والنضال و إبراز الطغيان الصهيوني، مبينا في الوقت نفسه مدى تعلق الشعب الفلسطيني بأرضه وتحديه لكل القوى التي تسعى للنيل من حقوقه، لكن (الكاتب لا يدع لالتزامه الفكري أن يتدخل أكثر مما يجب في مادة قصصه، فهو في الأغلب الأعم يدع للتجربة القصصية أن تقول غايتها الأخيرة دون افتعال، وحينما يعمد إلى إيراد بعض جوانب الواقع السياسي اليومي، سواء أكان ذلك متعلقا بالوطن المحتل أم بما يكتنف الواقع السياسي العربي من مهازل وسلبيات، فإنه يفعل ذلك عبر إشارات سريعة لا تفسد إيقاع قصصه أو تحدث انقطاعا في تواتر هذا الإيقاع)(14)، وهذا يؤكد مدى التصاق الكاتب بواقعه الحياتي الذي يعيشه، لا سيما أنه قام بنقل ذلك الواقع حرفيا في كثير من كتاباته.
5- استعراض مؤلفاته
بدأ (جمال بنورة) حياته الأدبية كاتبا للقصة القصيرة حتى أصبح من روادها في الأرض المحتلة، ولم يدخل عالم المسرح إلا بعد أن ظهرت كتاباته المسرحية لأول مرة عام 1980م، ثم امتد نشاطه الأدبي إلى كتابة الرواية والدراسات الأدبية، ومن مؤلفاته: العودة (قصص) 1976م، كان الموت ونحن على ميعاد، السجين (مسرحيتان) 1980م، حكاية جدي (قصص) 1981م، الشيء المفقود (قصص) 1982م، الموت الفلسطيني (قصص) 1986م، دراسات أدبية 1987م، أيام لا تنسى (رواية) 1988م، حمام في ساحة الدار (قصص) 1990م، سراج لم ينطفئ (قصص) 1993م، انتفاضة (رواية)، الحياة والموت (مسرحية).
مجموعة (العودة) القصصية 1976م
تعد مجموعة (العودة) القصصية أول مجموعة صدرت للكاتب، ورغم أنها صدرت في أوائل عام 1976 م عن دار صلاح الدين للنشر، إلى أن معظم قصصها كانت قد كتبت في فترات سابقة امتدت منذ أواخر الستينات، حيث ركز القاص من خلالها على عرض الواقع الفلسطيني مظهرا من خلال مجموعته القصصية أنموذجين متناقضين للإنسان الفلسطيني، وهذان الأنموذجان استوعبا حقيقة وجود الاحتلال وحقيقة تعسفه وعدوانه، إلا أن أحدهما قد أكد ضرورة مقاومة المحتل وتحرير الوطن من سطوته، وهو على الأغلب يمثل الأنموذج الطلابي، في حين يبقى الأنموذج الآخر متفرجاً ولا مبالياً بما يقع أمامه من أحداث جسيمة ليعبر بذلك عن الأنموذج الحيادي، إضافة إلى ظهور قلة قليلة تنساق نتيجة للظروف الاقتصادية القاهرة نحو خيانة الوطن وخدمة العدو.
ففي قصة (اعتصام) يدعو الطلبة إلى الإضراب العام، حيث يهتفون بسقوط الاحتلال في مقابل الأنموذج المتهالك المتمثل بالموظف الضعيف المتخاذل ومدير المدرسة الذي يسجل أسماء الطلبة الثائرين ويدعوهم إلى الكف عن الإضراب مستخدما مقولات الفوضى التي لا تحقق المطالب، كمقولة العلم سلاح فعال، ولا يتورع المدير عن طرد الطلاب واستدعاء قوات الاحتلال لاعتقالهم، وفي قصة (طريق آخر) نجد أنموذج الطالبة المناضلة التي توقع عرائض الاحتجاج وتشارك في المسيرات والتظاهرات، مقابل الأنموذج الآخر المتهافت اللامبالي المتمثل بخطيبها صاحب النوفوتيه الذي لا يريد لزوجته أن تكون سياسية(15).
أما الأنموذج الحيادي فهو أنموذج سلبي في موقفه النضالي وهو يتعامل مع الوقائع والأحداث وكأنما الأمر لا يعنيه، إذ يختلف في ذلك عن الأنموذج المتهالك المتخاذل، الذي تفرض عليه طبيعة المواقف أن يلغي كل صيغ الوطنية وذلك للحفاظ على مصالحه الخاصة المرتبطة بالمحتل.
وفي قصتي (متى ينقضي الليل) و (عند منتصف الليل) يورد القاص أنموذجين حياديين، ففي القصة الأولى نواجه عاملا منهمكا في كيفية الذهاب لوالده المريض في المستشفى، وفجأة يقع انفجار بفعل إحدى عمليات المقاومة حيث يتم اعتقال العامل من قبل سلطات الاحتلال من بين عدد من المعتقلين، وأثناء ذلك لا يكف العامل عن التذمر، وأحيانا تمنيه أن يتم القبض على الفاعل كي يتم إطلاق سراحه. وفي قصة (عند منتصف الليل) يداهم الاحتلال منزل أحد الفلسطينيين الحياديين ويوسعوه ضربا، مما يضطره إلى إرشاد الجنود إلى بيت المناضل المطلوب الذي جاءوا لاعتقال(16)، فالظروف الإنسانية التي أحاطت بالشخصيات، والدوافع الحياتية التي دفعت بها إلى هذا المصير كلها نابعة من طبيعة إنسانية قاهرة.
مسرحية كان الموت ونحن على ميعاد
ربما تكون مسرحيتا (كان الموت ونحن على ميعاد) و (السجين) أول كتابات (بنورة) المسرحية، وقد صدرتا من خلال منشورات الأسوار في عكا في فلسطين المحتلة عام 1980م، ثم اتبعهما بمسرحية (المتهم) التي ظهرت ضمن مجموعة (الموت الفلسطيني) القصصية عام 1986م وبمسرحية (مستوطن) التي ظهرت ضمن مجموعة (سراج لم ينطفئ) القصصية عام 1993م، وله مسرحية تحت الطبع وهي بعنوان (الحياة والموت) لم يتسن للمؤلف الاضطلاع عليها.
في مسرحية (كان الموت ونحن على ميعاد) قسم الكاتب مسرحيته إلى خمس لوحات، المكان فيها: موقع تابع للقوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة، والزمان: الأسابيع الأخيرة التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النار بين القوات التقدمية والقوات الكتائبية الرجعية عام 1976م، وشخصيات المسرحية: محاربون من الفلسطينيين واللبنانيين التقدميين، أسير، وضباط كتائبيين.
لقد خرج (بنورة) هذه المرة إلى لبنان واختاره كمسرح لإحداث مسرحيته، ولم يكن هذا لافتقار الأرض الفلسطينية للأحداث، وإنما جاء معبرا عن أهداف الكاتب وطموحاته في توعية الأهالي في لبنان والكشف عن الزيف الحقيقي للأعداء، فقد أراد أن ينقل لنا صورة حقيقية عن الحرب الأهلية في لبنان التي فجرتها قطعان الكتائب المتآمرة على لبنان العربي والثورة الفلسطينية بأوامر وتوجيهات من الكيان الصهيوني.
وقد كان (بنورة) يهدف هنا إلى بيان الموقف الفلسطيني من الحرب اللبنانية، وتوجيه الثورة الفلسطينية وجهة صحيحة تستهدف قبل كل شيء تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها، حيث اكتفى باختيار مسرح الأحداث وأقطاب الصراع الحقيقية مع تأكيد المواقف الفلسطينية الواضحة، والمتمثلة بأن المسيحي هو أخ المسلم والفلسطيني سند اللبناني، وجميعهم يقفون في وجه المحتل والمتآمر والخائن من أجل رفع كرامة الأمة وتحقيق النصر لها.
لهذا فقد اهتم الكاتب بواقعية الأحداث وابتعد عن التفصيلات المقروءة غير المعاشة، علما بأنه قد قدم من خلال شخصياته المسرحية موقفه الخاص من الأزمة، فكانت الشخصيات تنطق باسمه معبرة عن أفكاره ومواقفه السياسية.
وقد عرض الكاتب في مسرحيته صورا لمناضلين ربما اختلفوا في كثير من الأمور،لكنهم التقوا على قاعدة نضالية واحدة ذات قواعد صلبة ومتينة، فبينما نجد (أبو علي) المناضل المتحمس الثائر الذي يرغب بالانتقام من الأعداء، نجد أيضا (مروان وباسل) كنموذجين للشباب الفلسطيني الذي لم تلهه مقاعد الدراسة عن أداء واجبه النضالي، ونجد كذلك (الغلام) الذي تفرض عليه الظروف أن يترعرع وهو يحمل بندقية، وكذلك الفلسطيني الذي يحمل البندقية بيده ويقاتل، ويحمل باليد الأخرى الريشة ليرسم، لكن براعة الكاتب كانت في اختياره للمقاتل اللبناني من أبناء الطوائف المسيحية، لتأكيد كذب الأعداء في دعايتهم التي استهدفت تلطيخ سكان لبنان بوصمة الطائفية.
لقد تحاشى الكاتب في مسرحيته الوقوع في أخطار التخيل البعيد عن مسرح الأحداث، حيث حدد هدفه في نقل الموقف الفلسطيني من الحرب اللبنانية وذلك من خلال إيراده للتفصيلات المقروءة غير المعاشة، وقد عكس المؤلف من خلال مسرحيته موقفه الفكري من الأحداث، حيث طغت الأيدلوجية على الفن في مسرحيته، (من هنا كان أبطال جمال بنورة مسيرين، أفكارهم هي أفكار الكاتب وأقوالهم هي أقواله، حتى بدت حركاتهم مهزوزة وفي بعض المواقف مفتعلة، وهذا التوجيه المباشر من الكاتب منع النمو الطبيعي لأبطاله، ومن ثم حرم عمله الأدبي قوة التأثير القوي على القارئ)(17).
إن تركيز الكاتب على قضية الطائفية جاء نتيجة لوعيه بالدور الذي يلعبه المحتل من أجل إشاعة التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وذلك حتى يتسنى له السيطرة على الأراضي العربية وتنفيذ مخططاته التوسعية، يقول (بنوره) على لسان الغلام في نهاية مسرحية (كان الموت ونحن على ميعاد): (إننا بحاجة إلى الحب، ولكن قلوبنا تمتلئ بالحقد المقدس، إننا نحقد على أعداء الحياة لأنهم لا يريدون لشمس الحب والحرية أن تشرق على هذا العالم.. من أجل حبنا للحياة، علينا أن نقتل أعداء الحياة.. بعد ذلك سوف نتعلم الحب.. بل سوف نملاْ العالم حبا)(18).
مجموعة حكاية جدي القصصية 1981 م
يستمر(جمال بنورة) في هذه المجموعة بتعرضه للواقع السياسي للإنسان الفلسطيني المعاصر ومدى انعكاسه على الأوضاع الاجتماعية، ففي قصة (حكاية جدي) التي سميت المجموعة باسمها، يطالعنا المؤلف بشخصية الجد التي تتخذ موقفا نقديا إزاء حالات القمع والاضطهاد المستمرة، وذلك حينما ينطلق الجد من الحاضر إلى عرض صور الماضي وتداعياته منذ الحكم التركي وحتى الانتداب البريطاني الذي أفضى في النهاية إلى إنشاء وفي مجموعته القصصية (حكاية جدي) الصادرة عام 1981 م، يؤرخ (جمال بنورة) للواقع السياسي للإنسان الكيان الصهيوني على تراب فلسطين.
ويؤكد الجد عروبته منذ البداية حينما يرفض التعاون مع الأتراك حيث يهرب من الجندية رافضا الخدمة في الجيش التركي :
(أنا لا اخدم دولة ظالمة.
وأردف : يأخذوننا للموت من أجل ماذا؟ كانوا ينهبون زيتنا وطحيننا طعاما لجنودهم.. ويقطعون شجرنا لتسيير بوابيرهم ونقل جيوشهم، هذا غير الضرائب وغير أبنائنا الذين أخذوهم للذبح)(19).
وفي موضع آخر تعبر القصة عن حالة تشبث الإنسان الفلسطيني بأرضه، وذلك من خلال إظهار موقف الجد وهو يعلن عما تعنيه الأرض بالنسبة له حيث يصفها بأنها منبع الحياة والسعادة، فالعلاقة بين الجد والأرض علاقة وثيقة وهي تبقى رمزا للثبات والدوام ولا تحتاج إلى جدال، لأن علاقة الجد بأرضه تشكل حالة من حالات الولاء والارتباط العاطفي.
إن ذكريات الجد تتناثر من خلال السرد القصصي في محاولة لرواية تفاصيل الزمن في مشهد بانورامي من الصعب امتلاكه قصصيا، وتحفل القصة بعرض أنظمة العلاقات الخاصة بالشخصيات لاسيما شخصيتي الجد والحفيد، مما كان له الأثر الواضح في خلق حالة التفكك في النص، (أي إن القصد غير المباشر في القصة يختفي ويغيب لتحل محله حكايات كثيرة لا ينتظمها النص، بل إن القول الأيديولوجي الحاضر في كل سطر من سطور قصص جمال بنورة يختفي في هذه القصة دون أن يدع الجنس تصهره في أتونها، أي إن القصة تحاول أن تصنع من لغة التفاصيل اليومية المختزلة إلى مكوناتها الأولية ضابطا للفكر الذي تحمله القصة، ولكنها لا تنجح في تركيب هذه التفاصيل لتغلب القول الأيديولوجي في النص على حيوية الفن وروحه)(20).
إن قصص مجموعة (حكاية جدي) تزخر بالإيديولوجيا العفوية التي ترتبط بعفوية الشخصيات وشعبيتها، وهذه الإيدولوجيا تحضر من خلال لغة الشعار السياسي وشكله التي تؤدي إلى تفكك النص.
وفي قصة (صباح قارس) يتناول المؤلف قضية تتعلق باشتغال الفلسطينيين في الشركات والمصالح الصهيونية، حيث يعرض المؤلف لمأساة الإنسان الفلسطيني على حواجز التفتيش وهو في طريقه للعمل، وهذه (القصة في بساطتها وعفويتها تستشف من خلال لعبة السرد والاستبطان الداخلي والاسترجاع الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني تحت الاحتلال، ومن خلال تملكها للواقع وتوظيفها له في بنية القصة لإقامة بناء عالم إنساني، تسعى القصة لامتلاك جنسها الأدبي في لعبة سردية ناجحة وقادرة على الفيض بمكنوناتها من خلال تركيب العلاقات لا تفكيكها، على الرغم من اعتمادها على تحديد رؤيتها بشكل مباشر وواضح ومركب على الجسم القصصي)(21).
وفي قصة (المواجهة) تظهر حالة التشاؤم عند شخصية(أبي خالد) منذ الصباح الباكر، وذلك حينما يعلن عن عدم رغبته الذهاب للعمل تفاديا لمذلة التفتيش وللصدام مع العدو، إذ إن هذا اليوم سيكون يوما للإضراب العام في الأراضي الفلسطينية وذلك ردا على معاهدة (كامب ديفيد) بين مصر والكيان الصهيوني.
وإزاء هذا الموقف السلبي الذي يقفه (أبو خالد)، نجد موقف ابنه (خالد) إيجابيا وذلك حينما يختار الخروج للتظاهر مع زملائه في المدرسة احتجاجا على هذه المعاهدة، ويثير الأنموذج الطلابي بوصفه أنموذجا إيجابيا للاحتجاج والمقاومة حقد بعض المعلمين والأهالي لاسيما بعد أن يشتبك الطلاب وطالبات المدرسة المجاورة مع جنود الاحتلال، وينهالون عليهم رميا بالحجارة التي تتساقط كالمطر على رؤوس الجنود، وإزاء ذلك يذهب بعض الوجهاء والمحاسيب وأصحاب النفوذ لمقابلة رئيس البلدية وذلك لوضع حد لتجاوزات الطلبة :
(- متى يكف هؤلاء الأولاد عن خلق المشاكل لنا ؟ أليس هناك من يضع لهم حدا ؟
قال آخر : هل ستعملون شيئا معهم أم نذهب بأنفسنا إلى الحاكم ؟. (...).
- إنهم يعطلون مصالحنا.. ويلحقون بنا أفدح الضرر.
- يجب الكشف عن أسماءهم ومعرفة أهلهم.
- يجب فضحهم وفضح أهلهم حتى يتأدبون.
- إنهم يقلقون راحتنا.. نحن لا نريد أن يفرض منع التجول علينا.
- حتى البنات.. يتظاهرن..!
- هؤلاء بنات متروكات على حل شعرهن، بدهن أزواج يظبوهن.
قال الرئيس في هدوء :
- أنا لا أستطيع أن اضر بأبناء بلدي)(22).
وهذا الموقف السلبي الذي يقفه أصحاب القضية هو موقف مغاير لموقف فئة من جنود الاحتلال، فبينما يعلن غالبيتهم حقده الأعمى على أولئك الذين لا يملّون من المواجهات ويتمنى القضاء عليهم، نجد أن أحد الجنود يبرر لأبناء الشعب الفلسطيني ما يقومون به بوصفهم أصحاب حق، وان التعايش السلمي مع الفلسطينيين هو خير وسيلة للخروج من مأزق المقاومة.
إن قصة (المواجهة) هي قصة مركبة من مشاهد غير ملتحمة إذ تعد شخصية الجندي الصهيوني شخصية غير مقنعة في بنية القصة، فلم يستطع القاص إتقان التعامل مع هذه الشخصية واستبصار وعيها وإقحامها في جوهر الصراع، مما كان له الأثر في إيراد حوارات زائدة على لسان الشخصية مغلبا في الوقت نفسه الإيديولوجيا على الفن(23)، لكن صورة (خالد) في القصة بقيت صورة ذات طابع نضالي بوصفه يمثل الأنموذج الطلابي المضحي والمكافح بكافة الوسائل المتوفرة لديه دفاعا عن وجودة، متجاوزا بذلك كل حالات التخاذل والضعف إيمانا منه بعدالة قضيته.
مجموعة الشيء المفقود القصصية 1982م
وفي هذه المجموعة عرض (جمال بنورة) المضامين الفكرية نفسها التي عرضها في قصصه السابقة، والمرتبطة بصراع الإنسان الفلسطيني اليومي المتواصل مع الاحتلال.
ويعبر المؤلف في قصة (أمومة) عن حالة القلق الفكري التي تعيشها الأم في ظل عاطفة الأمومة وحالة الخوف من المجهول، فبعد أن فقدت (أم احمد) زوجها على أيدي جنود الاحتلال، تضخمت حالتي الخوف والقلق لديها على ابنها الذي لم يبق لها غيره في الوجود، لذلك كانت تحضره إلى المدرسة وتظل في انتظاره حتى ينهي دراسته وتعيده معها إلى البيت.
لكن (احمد) هو الآخر يستشهد في مواجهة مع العدو، فتهيم الأم في الخلاء بسبب وقع المعاناة عليها، ثم تعود إلى المدرسة وتبقى تنتظر على بابها كما كانت في السابق، وترى أصدقاء (احمد) الذين تعلن لهم أنها تحبهم وأنها ترى إنهم كلهم (احمد) وذلك في إشارة إلى استمرارية المقاومة: (ولم يستطع أحد أن يقنع المرأة بان احمد مات.. وتظل تصر على موقفها :
- احمد لم يمت.. احمد موجود.. إنه في مكان ما.. لابد أن يعود.. قد يكون بينكم.. بل انه بينكم.. انه واحد منكم.. انتم هو.. هو انتم..)(24).
وفي قصة (الحصار) يضرب الاحتلال طوقا أمنيا حول إحدى القرى الفلسطينية ويحاصرها بحثا عن بعض الفدائيين الفلسطينيين، وإزاء ذلك تبرز شخصية (أبو محمد) التي تبدي اعتراضها على ممارسات المحتل وإرهابه للمواطنين الآمنين، وهذه الشخصية تذكرنا بشخصية الجد في قصة (حكاية جدي) والتي تتشابه معها من ناحية البناء الفكري والنفسي، فهي شخصية شعبية تتصف بالشاعرية وبعفوية الطرح السياسي أثناء مقاومتها للمحتل، حيث تعبر عن حالة التشبث بالأرض رافضة كل محاولات التهجير والتشرد. يقول (أبو محمد) الذي يخاطب زوجته بعد أن تخبره رغبتها بالتخلص من هذا السجن الذي يفرضه الاحتلال:
(قال ساخرا : - وهكذا يا امرأة.. عرفت أخيرا طعم السجن.. بعد أن بلغت من العمر أرذله.. ولكنك لا تعلمين أننا نعيش في سجن داخل البيت وخارجه..(...). علينا أن نصبر قليلا.. لقد مرت بنا أيام وحروب كثيرة..
- ولكنها لم تكن أسوء من هذه..
- إننا نعيش رغم كل شيء..
- إننا نعيش.. لأننا لا نموت.. لقد حرمونا حتى رؤية أولادنا.. أي عيشة هذه ؟.
- إننا نعيش لتمتد جذورنا في هذه الأرض.حتى يصعب اقتلاعنا منها.
- إلى متى.. ؟ إلى متى..؟
- ليس أمامنا إلا أن نصبر وننتظر.. أن نصبر.. أن نصبر)(25).
إن (جمال بنورة) في مجاميعه القصصية المبكرة، يركز على تلك الموضوعات الملتزمة التزاما مباشرا بواقع الحياة اليومية للإنسان الفلسطيني في الأرض المحتلة، وصور القمع الفاشية التي يمارسها الاحتلال في مقابل الأشكال المتعددة للنضال، وكل مجاميعه القصصية تشتمل على تلك النماذج البشرية المتناقضة في توجهاتها السياسية والاجتماعية، وإذا كان الأنموذج الطلابي قد أخذ سيادة واضحة كأنموذج نضالي إيجابي في قصص (جمال بنورة)، فإنه لم يختف من قصصه كل من الأنموذج الحيادي، والأنموذج السلبي المتهالك إلى حد السقوط في قائمة الخيانة، مما كان له أثره الواضح في تعميق مرتكزات الصراع، وتوسيع دائرة الأحداث ببناها الفكرية والعاطفية بين الشخصيات المتصارعة.
إن ما يميز معظم قصص (جمال بنورة) هو استخدامه للهجة الفلسطينية في حوارات الشخصيات الممثلة للإنسان الفلسطيني، وهو بذلك يريد تأكيد هوية الشخصيات، ثم أن اختياره للأمكنة مرتبط بالذاكرة الجمعية للإنسان الفلسطيني، فالمخيم والمستوطنة والشارع والسجن ومكان التحقيق هي أمكنة تشكل مسرحا للأحداث اليومية التي لا تنفصل عن أزمة الإنسان الفلسطيني.
ويؤكد (جمال بنورة) دائما في قصصه على العنصر النسوي كأنموذج نضالي إيجابي، مثل الطالبة (خولة) في قصة (حتى لا ننسى) و (أم احمد) في قصة (أمومة) والمعلمات في قصة (أربع وعشرون ساعة توقيف).. وغيرها.
مجموعة حمام في ساحة الدار القصصية 1990 م
وفي هذه المجموعة، وتحديدا في القصة التي تحمل الاسم نفسه، يقدم لنا المؤلف من خلال شخصية المرأة أنموذجا نضاليا واعيا لمسؤوليته تجاه الوقائع والأحداث، إنها تعيش في المخيم تحت وقع المداهمات والاعتقالات اليومية والممارسات التعسفية من حصار وعقاب جماعي.
إن أحداث هذه القصة تتحرك ضمن زمن واقعي يرتبط بالانتفاضة الفلسطينية ضد المحتل، وفي اليوم الذي تنطلق فيه إحدى المظاهرات، تتجه النساء إلى إبقاء أبواب بيوتهن مفتوحة، وذلك لتسهيل هرب الشباب إذا ما طاردهم الجنود وضيقوا الخناق عليهم.
وأثناء المظاهرة يشتبك الجيش بأسلحتهم وهراواتهم، والشباب بحجارتهم ومقاليعهم، وإزاء حالة القمع التي يقوم بها الجنود للمتظاهرين يهرب غلام في العاشرة من عمره من هروات الجنود، حيث يسعفه الحظ في الدخول إلى بيت المرأة التي أسرعت بسحب الولد من يده وبدأت تخلع ملابسه عن جسده..
(- ماذا تفعلين ؟
كانت له رائحة، قالت :
- أنت من زمان مش متحمم..!
- الميه ما وصلتنا من أسبوعين..
وهي تنزع ملابسه : هيا.. بسرعة.. ستنال حماما ساخنا..
بعد أن خلعت القميص والبنطلون، وضع الولد يده بحركة لا إرادية على سرواله باستحياء. قالت مازحة : طيب خليك لابسه.. أنت زي ابني ليش مستحي ؟!.(...).
عندما دخل الجنود إلى الحوش صفعت الولد برقة على رقبته :
- قلت لك أنت وسخ من زمان بدك حمام.
- وين الولد ؟ صرّح أحد الجنود..
- انو ولد يا خواجة..
- اللي فات عالبيت.
- وحياة عينك أنا ما شفت غير هالولد..هذا ابني...)(26).
وفي قصة (أم الشهيد) يصور لنا القاص رباطة جأش الأم بعد استشهاد ابنها (تيسير)، إذ أنها ترى في الموت ولادة لشعب بأسره عانى كثيرا من ظلم المحتل وأصفاده، وتتضح صلابة الأم حينما تؤكد للنسوة اللواتي حضرن للتشييع أن طريق المقاومة والاستشهاد التي اختارها (تيسير) هي الطريق الصحيح، فهو رمز لكل مظلوم ومقهور ومستلب ليس على ارض فلسطين فقط وإنما في كل ساحات النضال، وما الزغاريد والهتافات التي أطلقتها النسوة والشباب بما فيهم (أم الشهيد) أثناء التشييع، إلا لتأكيد العمق النضالي للإنسان الفلسطيني ومدى إيمانه بعدالة القضية التي يقاتل لأجلها.
إن الطابع الرومانسي لم يختف عند معظم شخصيات (جمال بنورة)، ومع إحاطته بظروف الإنسان الفلسطيني وقضيته كان لا بد وأن تنمو تجربته وتتضح رؤيته، حيث اتجه إلى إبراز الشخصية الفلسطينية ومعاناتها بشكل واضح لا سيما في قصصه المتأخرة التي تجذرت فيها قدرته على كشف الواقع الحياتي النضالي وغير النضالي للإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال.
إن استخدام المؤلف للاغاني الثورية التراثية التي ترددها الشخصيات الممثلة للإنسان الفلسطيني من شأنه أن يكون سجلا مريرا للأحداث وملابساتها، وهي تحقق رفعا للروح المعنوية النضالية للفلسطينيين :
(زفة يابيه واطلعه عالعلية لا هو عريس ولا العروس مجلية
طلت البارودة والسبع ماطل يابوز البارودة من الندى مبتل
شلتك يا شاب تيسير شلتك ليش ما اجت في العدو وخلتك
خيمة الشهيد خضرة ومخضبة بحنا. (...).
وهتف الشباب بصوت واحد :
يا أم الشهيد وزغرتي كل الشباب ولادك)(27).
وفي قصة (الجنود يبكون أيضا) يعرض القاص لمواجهة بين مجموعة من الفتيان وجنود من جيش الاحتلال الذين تمكنوا من القبض على أحد الفتيان، حيث أوسعوه ضربا ثم قاموا بوضعه في السيارة العسكرية، وبينما كان أحد الجنود يحرس السيارة همس للفتى سامحا له بالهرب، فما كان من الفتى الذي تفاجأ لذلك إلا أن قفز من السيارة هاربا، ونلاحظ هنا أن الكاتب قد عرض أنموذجين متناقضين من المجتمع الإسرائيلي ليدلل على أن كثيرا من الصهاينة يرفضون هذا القمع الذي يقترفونه لأنه يعبر عن ظلمهم وعن مطالبة منهم بحق غير شرعي.
مجموعة سراج لم ينطفئ القصصية 1993م
وعن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة في القدس، صدرت مجموعة(سراج لم ينطفئ) القصصية،وقد اشتملت على عدد من القصص القصيرة، ومسرحية ذات فصل واحد عنوانها (مستوطن) وقد امتاز أسلوب الكاتب في هذه المجموعة بغنى التجربة والبراعة في تصوير الأماكن والشخصيات ووصف الأحداث، وبالواقعية الملتزمة التي ناقش من خلالها الكاتب حقيقة الأوضاع في الأرض المحتلة.
ففي مسرحية (مستوطن) 1993م عرض الكاتب قضية غاية في الأهمية ألا وهي قضية الاستيطان، إذ أن العدو الصهيوني ومنذ قدومه إلى فلسطين عمل على تهويد الأرض الفلسطينية، فقد ركز بعد الانتفاضة الفلسطينية عام 1987م على سياسة التهجير العسكري للفلسطينيين عن أرضهم، واتجه إلى إنشاء مستوطنات أراد من خلالها استيعاب الإعداد المتزايدة للمهاجرين من يهود العالم.
ويختار (بنورة) أحد المواقع الاستيطانية المقامة على إحدى قمم الجبال كمكان للأحداث، حيث تتقاسم الأدوار خمس شخصيات هي: (المستوطن شاؤول وصديقته يوديت واليهودي الأمريكي ديفيد وعامل عربي وصحفي أجنبي).
إن المستوطن وصديقته ينقلان أحلامهما لتحقيقها على (أرض الميعاد) ظنا منهما أن قوة الدولة العبرية وإمكاناتها ستحقق لهما الأمن والسعادة لاسيما بعد اعتلاء الإرهابي (مئير كهانا) لسدة الحكم في الكيان الصهيوني:
(يوديت: لماذا لا نستطيع أن نعيش في سلام !! هل تعتقد أنهم سيتركوننا نعيش في سلام... ؟ !!
شاؤول: سنجبرهم..
يوديت: هل تعتقد أن باستطاعتنا ذلك ؟!
شاؤول: إسرائيل دولة لا تقهر.. !
يوديت: أعرف ذلك.. لكن العرب ينغصون عيشنا.. لو نستطيع أن نتخلص منهم بضربة واحدة...!
شاؤول: سيكون لنا ذلك في المستقبل... إذا استطاع الرب كهانا أن يصل إلى الحكم...)(28).
إن هذا التفاؤل الذي يعيش في أجواءه كل من المستوطن وصديقته يختلف عن إحساس صديقهما اليهودي الأمريكي (ديفيد) الذي قدر طبيعة الموقف وتعامل مع الواقع على حقيقته، رافضا التسليم بأحقية العيش في هذا الوطن لان اقتلاع شعب من أرضه يتنافى مع المبادئ والقيم الإنسانية التي يؤمن بها، لذلك فهو لا يتوانى في النهاية عن الإفصاح عن قراره بالسفر والعودة إلى أمريكا موطنه الأصلي.
وفي ظل إصرار (شاؤول) على موقفه، يجتمع أبناء القرية المجاورة للمستوطنة معلنين احتجاجهم على إقامتها، مما يضطر (شاؤول) لاستدعاء الجيش لقمعهم، وأثناء المواجهات يصاب (شاؤول) بحجر في رأسه فتسارع صديقته (يوديت) إلى احتضانه، مؤكدة أن لا حياة لهما على تراب هذا الوطن، بينما يكون قراره أن الحصول على هذه الأرض يحتاج إلى تضحيات، وبذلك فهو يعلن استمرارية الصراع بينه وبين الفلسطينيين في ظل بقاء أطماعه الاستيطانية:
(يوديت: (بلهجة تنضح بالأسى وهي تتحسس موقع إصابته، التي نفر منها الدم) ارض إسرائيل لا ترحب بمقدمنا... ولا تفتح لنا ذراعيها...!
شاؤول: وهل كنت تعتقدين أنك ستنالينها بسهولة ؟ !)(29).
أما شخصية (العامل) فهي تتأرجح بين السلبية والإيجابية في موقفها، ففي البداية يظهر (العامل) ضمن موقف سلبي متخاذل وذلك حينما يعلن عن إنجاز عمله في بيت المستوطن، ورغم قناعة (العامل) بأن عمله عند المستوطن يتضمن الموافقة على مصادرة الأرض، إلا أنه يبرر أن عمله يأتي بحثا عن لقمة العيش في ظل الوضع المأساوي الذي يعيشه جراء الممارسات التعسفية اليومية للاحتلال، ورغم ذلك يبدو موقف (العامل) إيجابيا وينم عن وطنيته التي لوثها المحتل، وذلك حينما يرفض وبشدة بيع الأرض التي ورثها عن أبيه لليهود رغم كل الإغراءات المادية، ورغم كل الظروف الاجتماعية والسياسية القاهرة التي يسببها المحتل.
وفي قصة (الشبح) عرض الكاتب صورة للجلاد الصهيوني الذي يحاول النيل من السجين وإجباره على الاعتراف، ولكن كلما ازدادت سياطه شدة يزداد السجين قوة وتحملا، وهذا ما يجعل المسؤولين يقومون بتوبيخ المحقق الجلاد الذي فشل ذريعا في تحقيق رغباتهم وأوامرهم، فأصبحت المأساة بذلك مأساة الجلاد وليست مأساة السجين، وهذا الموقف يمكن أن نجد له معادلا موضوعيا في مسرحية (المتهم) وذلك حينما تتحول المأساة عن المتهم إلى المسؤول، الذي لم يجد المقدرة على تنفيذ أوامر من هم أعلى منه رتبة في كلا الحالتين.
وفي قصة (خمسة أيام في الفارغة) يعرض جمال بنورة صورة أخرى من الأوضاع الحياتية للشعب الفلسطيني، تتمثل بالحديث عن واقع المعتقلين في سجون الكيان الصهيوني وما يتعرضون له من ممارسات تعسفية.
إن مجاميع (جمال بنورة) القصصية تعري الواقع المرير للفلسطينيين جراء الممارسات الإرهابية لسلطات الاحتلال، فهي تلعب دورا فعالا في حركة النضال الفلسطيني من خلال التزامها بفضح سياسة المحتل ونواياه الخبيثة موضحة صمود الشعب الفلسطيني بكل شرائحه الاجتماعية وفئاته، وبذلك فقد قدم (جمال بنورة) من خلال كتاباته صورة مشرقة من الأدب السياسي الملتزم.
ومما يؤشر على مجموعتي (حمام في ساحة الدار) و (سراج لم ينطفئ) هو حالة التطور في الأسلوب الفني للكاتب، وبما أن موضوعات الكاتب القصصية قد بقيت مستمدة من الواقع الفلسطيني، فقد ركز في مجموعتيه السابقتين على تقديم قصص ارتبطت بالانتفاضة الفلسطينية وأحداثها التي وقعت بعد عام 1987 م، مركزا على تصوير المراحل النضالية التي مر بها الإنسان الفلسطيني بكل سلبياتها وإيجابياتها.