eKtab
EN ع
موجز في القضاء الإداري الأردني
اقرأ عينة مجانية

موجز في القضاء الإداري الأردني

بقلم د. محمد جمال الذنيبات

صفحة 1

مبدأ المشروعية

إن مطمح الفلاسفة ورجال القانون أن يسود مبدأ المشروعية وأن يحتكم الجميع للقانون وأن يمتثلوا لإرادته، سلطات وأفراد وهو جوهر مبدأ المشروعية المراد بحثها هنا.
المبحث الأول : مدلول مبدأ المشروعية

[يقصد بمبدأ المشروعية سيادة حكم القانون، أي خضوع الحاكم والمحكوم للقانون، وبعبارة أخرى خضوع جميع مؤسسات الدولة وسلطاتها العامة للقانون، وأن تتقيد جميع تصرفات تلك السلطات بحكم القانون](1).
ويقتضي هذا المبدأ أن تكون تصرفات الإدارة العامة في حدود ما يرسمه القانون، ويراد بالقانون هنا المفهوم الواسع، أي مجموعة القواعد القانونية السارية المفعول في الدولة، سواء أكانت مكتوبة أم غير مكتوبة، وبصرف النظر عن مصدرها، ولكن ينبغي مراعاة مبدأ تدرج القواعد القانونية، وهذا المبدأ يرتب نتيجة في غاية الأهمية، تقضي بأن تحترم القواعد القانونية الأدنى القاعدة القانونية الأعلى، فالقرار يحترم النظام والنظام يجب أن لا يخالف القانون، والقانون يتعين أن يتوافق مع الدستور نصاً وروحاً، ولذلك ينبغي أن تحترم الإدارة القانون في تصرفاتها القانونية كافة، سواء الأعمال القانونية كالقرارات الإدارية والعقود الإدارية أم الأعمال المادية، فالمشروعية تفترض توافق التصرفات التي تصدر عن السلطات العامة في الدولة مع القانون، حيث نظمت التشريعات المقارنة وسائل رقابة السلطات الثلاث في الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية في مباشرتها لوظيفتها المحددة في الدستور بالشكل الذي يضمن خضوعها للقانون: فالسلطة التشريعية تقوم بسن التشريعات وفق أحكام الدستور وتتولى الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، والسلطة التنفيذية تلتزم بتنفيذ القانون عند قيامها بوظائفها سواء باعتبارها سلطة حكم (حكومة) أم سلطة إدارة (أعمال إدارية) والسلطة القضائية تلتزم بتطبيق القانون على المنازعات المعروضة عليها، ومحكمة التمييز تراقب صحة تطبيق القانون على الوقائع، وفي هذا الاتجاه قضت محكمة العدل العليا [إن شرعية القرار الإداري تقرر بالاستناد إلى القانون الساري المفعول عند صدور ذلك القرار](2) وفي حكم آخر لها قضت المحكمة الموقرة [إن قضاء الإلغاء يتعلق بالمشروعية](3) ومن ثم فإن رقابة أعمال الإدارة وبيان مدى امتثال الإدارة لحكم القانون هو من صميم اختصاص القضاء الإداري وفي هذا تقول محكمة العدل العليا [إن دعاوى الإلغاء بطبيعتها هي دعاوى موضوعية القصد منها ليس مجرد الدفاع عن المشروعية والصالح العام فحسب بل والدفاع عن مصلحة ذاتية للمستدعي أثر فيها القرار المطعون فيه تأثيراً مباشراً حتى تكون هذه المصلحة الذاتية قرينة على جدية الدعوى، والقول بغير ذلك يجعل من دعوى الإلغاء دعوى حسبة](4). وفي حكم آخر قضت [أن القاعدة هي أن دعوى الإلغاء من دعامات القانون الإداري وضمانة فعالة لحماية الموظفين والأفراد من تجاوز الإدارة مبدأ المشروعية](5).
ومما لا شك فيه أن سيادة القانون تتحقق بكفالة الرقابة القضائية وذلك بأن يكون لكل شخص يمكن أن يتأثر بالقرار الإداري الحق في أن يمثل أمام القضاء وأن يستمع إليه، وبحيث يكون هذا القضاء مستقلاً استقلالاً كاملاً عن الجهة التي أصدرت القرار. ومن هذا المنطلق، فقد نظم الدستور الأردني لعام 1952 النافذ حالياً عمل السلطات الثلاث، وركّز على إنشاء قضاء مستقل فنص في المادة (97) [بأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضاءهم لغير القانون] ونص في المادة (101) على أن [المحاكم مفتوحة للجميع ومصونة من التدخل في شؤونها]. ولذلك فقد كفل الدستور حق التقاضي للجميع سواء أكانت الإدارة مدعية أم مدعى عليها ويترتب على ذلك عدم جواز تحصين القرارات الإدارية بموجب أي نص تشريعي لأن ذلك يشكل قيداً على مبدأ المشروعية واستثناءاً عليه.
ويقتضي تحقيق مبدأ المشروعية تضييق نطاق السلطة التقديرية بحيث لا يمارس أي شخص تصرفاً نيابة عن سلطة الدولة إلاّ بالاستناد إلى قاعدة قانونية معروفة وعلى نحو ما تسمح به القواعد بالقيام بذلك التصرف، وما قيام القضاء الإداري بتوسيع مدى مراقبة أعمال الإدارة إلا دليل على ذلك (والانتقال من مراقبة مشروعية العمل الإداري وانطباقه مع القانون إلى مراقبة جزئيات العمل الإداري ومدى ملاءمة العمل القانوني الصادر عن الإدارة) كل ذلك يدل على اتجاه تقييد السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة(6) ومراقبتها في صميم تقديرها.
بيد أن هذا الاتجاه قد انتقد لأنه يؤدي إلى تقييد الإدارة إلى الحد الذي يجعلها مجرد أداة لتنفيذ القانون، ومن ثم يفقدها القدرة على الاجتهاد والإبداع في تقدير المواقف، وتقييد النشاط الإداري الذي بطبيعته متطور ومرن، ومن الصعب الإحاطة بتفاصيله، وبالتالي يكون من العيب الذي يمس التشريع أن يقيد جميع تصرفات الإدارة بالقانون، ومن ثم يعجز عن مواجهة متطلبات العمل الإداري والبيئة الإدارية، وسيصيب تلك البيئة بالجمود والتخلف.
وتكريساً لهذا الاتجاه قضت محكمة العدل العليا [للإدارة سلطة تقديرية عندما تقوم بتنظيم المرفق العام وهي تملك تقدير مصلحة المرفق بشرط عدم المساس بحقوق الأفراد والموظفين، فإذا تبين للمحكمة أن الإدارة قد حادت عن المصلحة العامة يصبح القرار مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة](7).
وفي حكم آخر أوضحت المحكمة [أن وجود سلطة تقديرية للإدارة معناه أن يكون للإدارة سلطة اتخاذ الموقف الذي تراه مناسباً عند تحقق الغرض الذي هدف إليه القانون](8).
وينبغي القول أن على كافة السلطات في الدولة أن تمارس أعمالها وفقاً للقانون، والقانون هنا بالمدلول الواسع، وأن تتقيد بالحدود التي يرسمها ويقررها، وقد نصّ الدستور الأردني على [أن الأمة هي مصدر السلطات] وتناط السلطة التشريعية لمجلس الأمة والملك ويتألف مجلس الأمة من مجلسي الأعيان والنواب، ونص في المادة (27) [بأن السلطة التنفيذية تناط بالملك ويتولاها بواسطة وزارئه وفق أحكام الدستور]، ونص في المادة (27) [بأن السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف أنوعها ودرجاتها وتصدر جميع الأحكام وفق القانون باسم الملك] كما كفل الدستور الأردني حق التقاضي في المادة (101) بأن المحاكم مفتوحة للجميع ومصونة من التدخل في شؤونها.
صفحة 2

المبحث الثاني : مصادر المشروعية

تقسّم المصادر التي تستمد منها المشروعية إلى مصادر مكتوبة ومصادرة غير مكتوبة، وسنحاول أن نبحث في هذين المصدرين على النحو التالي:
المطلب الأول : المصادر المكتوبة

تتضمن المصادر المكتوبة للمشروعية: التشريع ويشمل الدستور والقانون العادي، والأنظمة أو اللوائح.
أولاً: التشريع - ويتضمن المصادر الآتية:

الفرع الأول: الدستور:
يعرف الدستور [بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تحدد شكل الدولة وطبيعة نظام الحكم وتبين السلطات الثلاث كما أنه ينظم حقوق وحريات الأفراد](9).
يعد الدستور أعلى التشريعات في الدولة وقمة نظامها القانوني، وهو يسمو على كافة التشريعات وينبغي على كافة السلطات أن تتقيد بأحكامه. ومن ثم فإن العمل المخالف للدستور يعد باطلاً.
بيد أن الفقه قد اختلف حول مدى إلزامية مقدمة الدستور، حيث تحتل مقدمة الدستور مركز الصدارة في الدستور وتتضمن بعض المرتكزات الأساسية التي يمكن أن تذكر على شكل عبارات فلسفية، وهنا يثور تساؤل عن مدى إلزامية هذه المقدمة وهل تعد من مصادر المشروعية.
للإجابة عن هذا التساؤل ينبغي أن نفرق بين الأحكام الوضعية والقواعد المنهجية.
فإذا تضمن الدستور نصوصاً وضعية محددة. فإنها تكتسب الصفة الإلزامية التي تعادل قوة مواد الدستور ذاتها، ذلك أن قوة الدستور لا تبدأ فقط بمواده الأصلية وإنما بما يشتمله الدستور بأكمله من أحكام محددة سواء ورد ذلك في مواد الدستور ذاتها أو في مقدمته التي تعتبر جزءاً لا يمكن فصله عنه.
وفي بعض الأحيان تحتوي مقدمة الدستور على مبادئ منهجية علمية تصور روح وضمير الجماعة، وتعمل على توضيح معالم وأهداف النظام الذي يجب أن يسود في المجتمع.
الفرع الثاني: القانون العادي:
يقصد بالقانون العادي القواعد التشريعية التي تسنها السلطة التشريعية في الدولة وهو البرلمان صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع استناداً لمبدأ الفصل بين السلطات ووفقاً للمعيار العضوي في التمييز بين أعمال السلطات.
ويأتي القانون العادي في المرتبة الثانية بعد القواعد الدستورية من حيث تدرج القواعد القانونية وذلك نظراً لصدورها من ممثلي الشعب، مما يعني أنها تتمتع بسمو عن غيرها من الأعمال الأخرى التي تصدر عن السلطات ولا سيما الأنظمة والقرارات(10).
ويتعين القول أن على الإدارة أن تباشر أعمالها وفقاً لما تقضي به القوانين وقد خوّل الدستور الأردني السلطة التنفيذية حق تشريع قوانين مؤقتة ينبغي للإدارة الالتزام بها وفقاً للمادة (94) من الدستور والتي نصت [عندما يكون مجلس الأمة غير منعقد أو منحلاًّ يحق لمجلس الوزراء بموافقة الملك أن يضع قوانين مؤقتة في الأمور التي تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية لا تحتمل التأخير، أو تستدعي صرف نفقات مستعجلة غير قابلة للتأجيل ويكون لهذه القوانين المؤقتة التي يجب أن لا تخالف أحكام هذا الدستور قوة القانون على أن تعرض على المجلس في أول اجتماع يعقده، وللمجلس أن يقر هذه القوانين أو يعدلها، أما إذا رفضها فيجب على مجلس الوزراء بموافقة الملك أن يعلن بطلانها فوراً ومن تاريخ ذلك الإعلان يزول مفعولها على أن لا يؤثر ذلك في العقود والحقوق المكتسبة](11).
هذا وينبغي على السلطة التشريعية أن تحترم ما يقضي به الدستور نصاً وروحاً عند سنها القانون العادي، وإذا خالفت الدستور يعد القانون الصادر قانوناً غير دستوري، ومن ثم يجوز للقضاء الدستوري الحكم ببطلانه، والقاعدة أن البرلمان يتناول بالتنظيم المسائل كافة، والتي يرى ضرورة التدخل لتنظيمها فيقرر ما يشاء من التنظيمات الملائمة دون قيود وفي الوقت الذي يراه مناسباً لهذا التدخل بيد أنه يتعين القول أن ثمة موضوعات محجوزة للسلطة التنفيذية يتم تنظيمها بأنظمة تصدر عن السلطة التنفيذية استناداً للمادة 120 من الدستور(12) والمثال المشهور عليها أنظمة الخدمة المدنية.
صفحة 3
الفرع الثالث: التشريع الفرعي:
تعرف الأنظمة [بأنها تشريع صادر عن السلطة الإدارية يتضمن قواعد عامة مجردة تطبق على عدد غير محدود أو معين من الأفراد]، ويطلق على هذه الأنظمة التشريع الفرعي.
وتعد الأنظمة من قبيل القرارات الإدارية وفقاً للمعيار العضوي الذي يعتمد القضاء الإداري عليه في التمييز بين أعمال السلطات الثلاث، وهكذا تعد الأنظمة أعمالاً تشريعية من الناحية الموضوعية، وتعتبر أعمالاً إدارية من الناحية العضوية أو الشكلية.
وفي الحقيقة إذا نظرنا إلى الأنظمة من الزاوية العضوية أو الشكلية فإنه رغم اتفاق النظام مع القرار الإداري الفردي، فإن القرارات الإدارية العامة المجردة تعلو على ما تصدره الإدارة من قرارات إدارية فردية، ذلك أن هذه القرارات الأخيرة، إنما تحدث أثراً قانونياً اتجاه فرد معين أو أفراد معينين ومحددين بذواتهم، وإذا ما نظرنا إلى الأنظمة من الناحية الموضوعية فإنه رغم اتفاق النظام من ناحية العمومية والتجريد مع القانون، إلا أنه وفقاً لمبدأ المشروعية ينبغي أن يحترم النظام نصوص التشريع العادي بأن تعمل هذه الأنظمة في دائرته وألاّ تخالفه، واستناداً لنص المادة (31) من الدستور فإن الملك يصدق على القوانين ويصدرها ويأمر بوضع الأنظمة اللازمة لتنفيذها بشرط أن لا تتضمن ما يخالف أحكامها.
علاقة النظام بالقانون:
تتحدد علاقة النظام بالقانون من خلال تحديد الخصائص التي تربط الأنظمة بالقوانين، ويمكن أن نحدد الأوجه التالية:
- من ناحية التبعية:
عندما يصدر القانون فإنه يعبّر عن الإرادة العامة للمجتمع، ومن ثم فإنه يعلو على النظام، وبالتالي يتعين على النظام أن يتوافق مع القانون فلا يجوز أن يقيد ما أطلقه القانون أو أن يضيف عليه أو أن يحذف منه وفي هذا تقول محكمة العدل العليا [لا يجوز أن ينص نظام على حكم يخالف القانون الذي صدر ذلك النظام بالاستناد إليه كما لا يجوز إجراء تصرف بالاستناد إلى نظام يخالف القانون](13).
ولذلك فإن الأنظمة التي تصدر تنفيذاً لقانون ينبغي أن لا تخالف القانون، وإنما يقتصر دورها على وضع القانون موضع التنفيذ، ومن ثم فلا يجوز أن تقيد ما أطلقه الدستور أو تعمم ما خصصه الدستور والعكس صحيح، وأن لا تضيف شرطاً أو أن تضع أجلاً … الخ، وفي هذا الاتجاه أوضحت محكمة العدل العليا [إن صلاحية السلطة التنفيذية في إصدار الأنظمة تنفيذاً لقانون يجب أن تقتصر على قواعد تنفيذية محضة لا يكون من شأنها أن تزيد شيئاً على نصوص القانون أو أن تحد منها](14).
- من ناحية النطاق:
من المتفق عليه أن القانون يأتي بقواعد عامة ومجردة أكثر عمومية وتجريداً من اللائحة، وتقوم اللائحة بتفصيل ما ورد في القانون، ولذلك فإن نطاق القانون أوسع من نطاق اللائحة وينظم موضوعات كبيرة وعامة بينما اللائحة تقتصر على مجالات محددة حيث أطلق العنان للائحة بموجب المواد (37، 38) من الدستور الفرنسي وأعطى السلطة التنفيذية مجالاً أكبر في حرية تشريع اللوائح وكذلك الموضوعات التي يمكن ارتيادها وتظيمها تشريعياً بلوائح، وقيد أيدي البرلمان بأن حصر الموضوعات التي يمكن تنظيمها تشريعياً بموجب المادة (34) من الدستور وهي مجالات وموضوعات محددة، لذلك فإن البرلمان أصبح مغلول اليد بينما أصبحت السلطة التنفيذية مبسوطة اليد تشريعياً.
ثمة أنواع للأنظمة يمكن تعدادها على النحو التالي:
1- الأنظمة التنفيذية:
يقصد بها تلك القواعد القانونية التي تصدرها السلطة التنفيذية للدلالة على السلطة التي وضعتها، ويمكن أن يعرف هذا النوع من الأنظمة بأنه عمل قانوني يصدر عن السلطة التنفيذية. وتتضمن القواعد المجردة والعامة وتطبق على الأفراد بالقوة عند الاقتضاء، والأساس القانوني الذي تستمد منه الحكومة بإصدار تلك الأنظمة هو نص المادة (31) من الدستور السالفة الذكر. وكذلك بالاستناد إلى نصوص المواد (94، 124، 125، 120) من الدستور الأردني وكذلك استنادًا إلى الأساس العملي باعتبارها تملك من الخبرات والكفاءات والإمكانيات ما تجعلها مؤهلة لأن تضع أنظمة تفصل ما جاء به القانون عن الإدارة، كما أن الإدارة مكلفة قانوناً بتحقيق المنفعة العامة من خلال التصرفات القانونية التي تقوم بها، ومن المعلوم أن القانون يختلف عن النظام من حيث أن الأول يصدر عن السلطة التشريعية (البرلمان) باعتباره صاحب الاختصاص الأصيل بالتشريع استناداً للمعيار الشكلي، ولا يخفى مدى أهمية التفرقة بين القانون والنظام باعتبار أن القانون يمثل الإرادة العامة للمجتمع، ولذلك يكون غالباً أكثر عمومية من النظام، ولكن يتفقان بأن النظام والقانون عمل تشريعي استناداً للمعيار الموضوعي. ويترتب على التفرقة بين النظام والقانون عدة نتائج:
صفحة 4
1- من المستقر قضاءاً وفقهاً أنه لا يجوز مخاصمة القوانين بدعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري. بل يتعين اللجوء إلى دعوى عدم الدستورية أمام القضاء الدستوري المختص بالشكل والإجراءات التي تحكم هذه الدعوى القضائية، بينما تخاصم مشروعية القرارات الإدارية عن طريق دعوى الإلغاء بالشكل والإجراءات التي تحكم هذه الدعوى.
2- من المعلوم أن الدولة -كقاعدة عامة- غير مسؤولة عن تعويض الأضرار الناشئة عن تنفيذ القوانين في حين أن الأصل العام أن تسأل الإدارة عن التعويض نتيجة الأضرار الناشئة عن القرارات الإدارية غير المشروعة. وتكتفي القوانين الصادرة عن البرلمان بوضع الخطوط العريضة والمبادئ العامة وتترك أمر تفصيل تلك المبادئ إلى الأنظمة لتنفيذها وبيان مرادها ونظراً لسرعة تعديل هذه الأنظمة دون الحاجة إلى اللجوء للإجراءات البرلمانية الطويلة والمعقدة. ويشترط لصحة النظام الصادر عن السلطة التنفيذية أن لا تتعارض مع أحكام القانون الذي يوضع لتنفيذه (15).
2- الأنظمة المستقلة:
يقصد بالأنظمة المستقلة تلك الأنظمة التي تتولى وضعها السلطة التنفيذية استقلالاً عن القانون وتكتسب تلك الأنظمة قيمة القانون العادي، والسند الدستوري الذي يخول السلطة التنفيذية حق إصدار الأنظمة المستقلة نص الدستور في المادة (120) ”التقسيمات الإدارية في المملكة الأردنية الهاشمية وتشكيلات دوائر الحكومة ودرجاتها ومنهاج إدارتها وكيفية التعيين فيها والإشراف عليها وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم تعين بأنظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك“.
وقد نصت المادة (114) من الدستور [لمجلس الوزراء بموافقة الملك أن يضع أنظمة من أجل مراقبة تخصيص وإنفاق المال العام] واستناداً إلى النص السابق تختص السلطة التنفيذية بإصدار أنظمة مستقلة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك ولا يجوز للسلطة التنفيذية أن تنظم موضوعات لا تندرج ضمن المادتين السابقتين وكذلك لا يجوز أن تنظم شؤون الوظيفة العامة بقانون يصدر عن البرلمان أو بتعليمات تصدرها السلطة التنفيذية بل ينبغي أن تصدر بأنظمة وبموجب النص الدستوري -الآنف الذكر- وقد رسمت محكمة العدل العليا في حكم لها نطاق واختصاص كل سلطة بقولها: [إن اغتصاب السلطة يتم عندما يصدر القرار من سلطة هي من شأن سلطة كأن تتولى السلطة التنفيذية عملاً من أعمال السلطة التشريعية أو تتولى السلطة التشريعة عملاً من أعمال السلطة التنفيذية، أما حيث تتولى السلطة إصدار قانون مما تختص به بموجب الدستور فإنها لا تكون اغتصبت عمل السلطة التنفيذية بمقولة أن الأحكام الواردة بهذا القانون يجب أن تصدر بنظام تختص به السلطة التنفيذية، فالدستور هو الذي يحدد الأداة القانونية التي يجب أن تعالج النواحي التشريعية]. ويتفق معظم الفقه على أن الأنظمة المستقلة لها ذات القيمة القانونية للقانون العادي.
أ- أنظمة الضبط الإداري:
خوّل الدستور الأردني الحكومة (السلطة التنفيذية) الحق بإصدار أنظمة الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ويمكن تعريف الضبط الإداري بأنه: مجموعة الإجراءات القانونية التي تتخذها الإدارة بهدف حفظ النظام العام في الدولة. وقد نص الدستور الأردني النافذ لعام 1952 في المادة (124) إذا حدث ما يستدعي الدفاع عن الوطن في حالة وقوع الطوارئ فيصدر قانون باسم قانون الدفاع تعطى بموجبه الصلاحية بما في ذلك صلاحية وقف قوانين الدولة العادية لتأمين الدفاع عن الوطن، ويكون قانون الدفاع نافذ المفعول عندما يعلن عن ذلك بإرادة ملكية تصدر بناء على قرار من مجلس الوزراء.
وتنص المادة (125) من الدستور أنه [في حالة حدوث طوارئ خطيرة يعتبر معها أن التدابير والإجراءات بمقتضى المادة السابقة من هذا الدستور غير كافية للدفاع عن المملكة، فللملك بناءاً على قرار مجلس الوزراء أن يعلن بإرادة ملكية الأحكام العرفية، في جميع أنحاء المملكة أو في جزء منها، وعند إعلان الأحكام العرفية للملك أن يصدر بمقتضى إرادة ملكية أي تعليمات قد تقضي الضرورة بها لأغرض الدفاع عن المملكة بقطع النظر عن أحكام أي قانون معمول به ويظل جميع الأشخاص القائمين بتنفيذ تلك التعليمات عرضة للمسؤولية القانونية التي تترتب على أعمالهم إزاء أحكام القوانين إلى أن يعفوا من تلك المسؤولية بقانون خاص يوضع لهذه الغاية]. واستناداً إلى النصوص السابقة فإن السلطة التنفيذية تصدر بموجب المادة (124) أنظمة الضبط الإداري وبموجب المادة (125) تعليمات للإدارة العرفية.
ب- أنظمة المرافق العامة:
وتعرف بأنها تلك الأنظمة التي تضعها السلطة التنفيذية بقصد إنشاء وترتيب المرافق العامة وتنسيق سير العمل في المصالح والإدارات الحكومية واستناداً للمادة 120 من الدستور فإن الأنظمة المتعلقة بالوظيفة العامة والخدمة المدنية تصدر من السلطة التنفيذية وتنظم الوظيفة العامة وهي من الموضوعات المحجوزة للسلطة التنفيذية ولا يجوز أن تصدر بقانون عن البرلمان لأن في ذلك اعتداء على اختصاص السلطة التنفيذية كما تشمل الأنظمة التي تعد من اختصاص السلطة التنفيذية حصراً بموجب المادة 114 من الدستور أنظمة الأشغال الحكومية ونظام اللوازم العامة.
وهناك أنواع أخرى من الأنظمة التي تصدر عن السلطة التنفيذية وبناء على تفويض من البرلمان وتسمى الأنظمة التفويضية وهي مجموعة القواعد القانونية التي تصدر عن السلطة التنفيذية بموجب تصريح من البرلمان لتحل محله والقيام بالتشريع في بعض مسائل يحددها لها كما يحدد مدة التشريع خلالها وتعتبر هذه الأنظمة شكلاً من أشكال التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ولم يأخذ المشرع الدستوري الأردني بهذا النوع من الأنظمة.
صفحة 5
ج- أنظمة الضرورة (القوانين المؤقتة):
وتعرف بأنها مجموعة القواعد القانونية التي تصدر عن السلطة التنفيذية عند غياب البرلمان لمواجهة الأزمات ودفع الأخطار الجسيمة التي تحدق في الدولة مثل حالات الطوارئ وحالات الحرب، وحالات الاستعجال.
وتجد هذه الأنظمة سندها في الدستور الأردني بموجب المادة (94) من الدستور التي سماها الدستور الأردني قوانين مؤقتة خلافاً للمعيار الشكلي في تحديد الأعمال القانونية الصادرة عن السلطات العامة في الدولة فنص في المادة (94) على ما يلي: [عندما يكون مجلس الأمة غير منعقداً أو منحلاً يحق لمجلس الوزراء بموافقة الملك أن يضع قوانين مؤقتة في الأمور التي تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية لا تحتمل التأخير أو تستدعي صرف نفقات مستعجلة غير قابلة للتأجيل ويكون لهذه القوانين المؤقتة التي يجب أن لا تخالف أحكام هذا الدستور قوة القانون على أن تعرض على المجلس في أول اجتماع يعقده وللمجلس أن يقر هذه القوانين أو يعدلها، أما إذا رفضها فيجب على مجلس الوزراء بموافقة الملك أن يعلن بطلانها فوراً ومن تاريخ ذلك الإعلان يزول مفعولها على أن لا يؤثر ذلك في العقود والحقوق المكتسبة].
وبقراءة تحليلية لهذا النص نجد أن صدور هذه القوانين عن السلطة التنفيذية مشروط بقيدين:
القيد الأول: قيد زمني يتمثل في عدم إصدار هذه القوانين إذا كان مجلس الأمة منعقداً، وقيد الظروف التي تتمثل في حالات الضرورة التي تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية لا تحتمل التأخير وهذا القيد موضوعي ينبغي أن تراعى فيه السلطة التنفيذية موضوعات القانون المؤقت وهي الأمور التي تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية او نفقات مالية لا تحتمل التأجيل وقيد العرض على مجلس الأمة في أول اجتماع يعقده، ويلاحظ أن هذه المادة تعد استثناء على اختصاص السلطة التنفيذية لأنه من الاختصاصات الأصيلة للسلطة التشريعية وبالتالي فإن الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره ومن الانتقادات التي تسجل على هذه المادة من الناحية النظرية ومن الناحية العملية ما يلي:
من الناحية النظرية: يجد المحلل القانوني أن التسمية التي تبناها المشرع الدستوري الأردني غير دقيقة عندما أطلق على الأنظمة التي تصدر عن السلطة التنفيذية عند غياب البرلمان (قوانين مؤقتة) وهي وفق المعيار الشكلي أنظمة لأن ما يصدر عن السلطة التنفيذية أنظمة وليس قوانين وكأن المشرع الدستوري عندما قال: [أن لهذه القوانين المؤقتة قوة القانون] أراد أن يقول أن هذه القوانين ليست قانون عادي صادر عن السلطة التشريعية وإنما أنظمة لها قوة القانون والدليل على ذلك أن النص لا يستقيم عندما يقول الدستور أن هذه القوانين لها قوة القانون لأن القانون لا يكون له سوى قوة القانون ولو قال المشرع أن هذه الأنظمة لها قوة القانون لكان أدق وأسلم لغوياً وقانونياً ويكون قد شايع الفقه في التسمية المعروفة وبقي منسجماً مع المعيار الشكلي في تحديد الأعمال القانونية للسلطات العامة.
كذلك لا يسلم من النقد قول الدستور أن هذه القوانين يجب أن لا تخالف أحكام هذا الدستور هو تزيُّد لا داعي له وهو شرط مفترض في كل التشريعات الصادرة عن السلطات، حيث ينبغي ألا تخالف الدستور لأنه سواء نص على ذلك أم لم ينص فهو شرط مفترض حكماً.
ومن النقد الذي يسجل على هذه المادة عدم وضع جزاء على مخالفة السلطة التنفيذية بعدم عرض القانون على السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص أصلاً في أول اجتماع يعقد لمجلس الأمة -حيث يبقى الجزاء سياسياً لا دستورياً يتمثل بمسائلة مجلس الأمة الحكومة عن عدم عرض القانون في أول اجتماع (وهي أدوات الرقابة البرلمانية المعروفة السؤال واستجواب والتحقيق البرلماني وطرح الثقة..).
أما الناحية العملية فإن التجربة تثبت أن السلطة التنفيذية قد استخدمت نص المادة (94) من الدستور في إصدار قوانين مؤقتة عند غياب البرلمان بطريقة غير صحيحة وتوسعت بشكل كبير في إصدارها رغم عدم تحقق الشرط الموضوعي (حالة الضرورة) في كثير من القوانين المؤقتة التي أصدرتها مما يشكل انحراف عن الدستور واغتصاب للسلطة واعتداء على اختصاص السلطة التشريعية لأن التوسع في إصدار قوانين مؤقتة بالكم الهائل الذي مارسته السلطة التنفيذية في الأردن دون وجود حالة الضرورة في كثير من هذه القوانين يشكل اعتداء صارخ على اختصاص البرلمان ممثل الأمة ومعبراً عن إرادتها في إصدار القوانين والتشريعات.
صفحة 6
المطلب الثاني : المصادر غير المكتوبة

تصنف المصادر غير المكتوبة لمبدأ المشروعية بما يلي:
أ- العرف.
ب- المبادئ العامة للقانون.
ج- القضاء.
الفرع الأول: العرف
ينبغي ابتداء أن نبين بأن المقصود بالعرف في مجال القضاء الإداري العرف الإداري والعرف الدستوري ولذلك سنتناول هذين النوعين كما يلي:
أولاً- العرف الدستوري:

وهو عبارة عن عادة تواتر العمل بها من قبل هيئة من هيئات الدولة في أمر يتعلق بممارسة السلطة وانتقالها، واستقر الرأي على العمل بمقتضاها لاكتسابها صفة الإلزام، ويتأسس العرف الدستوري على ركنين هما:
- الركن المادي: وينشأ من خلال الاعتياد على تكرار هذه القاعدة بحيث يجب أن تصدر عن السلطات العامة الحاكمة في الدولة، ويتعين أن يتوافر في هذا الركن عدة سمات: العمومية، التكرار، الوضوح، القدم، الثبات.
- الركن المعنوي: وينشأ من خلال اكتساب الركن المادي صفة الإلزام أي الاعتقاد من قبل الهيئات العامة والسلطات في الدولة أن العادة أو السلوك المتخذ قد أصبح قاعدة واجبة التطبيق(16).
أما بشأن أنواع العرف الدستوري أو الإداري فيمكن بيان أنواعه كما يلي:
أ- العرف المفسر:
ويهدف هذا النوع من العرف إلى تفسير نص غامض، وإيضاح معنى مبهم، وعلى هذا الأساس، فالعرف لا يخرج عن القاعدة الدستورية بل هو جزء منها وبذلك فإن ثمة إجماعًا في الفقه الدستوري على كون العرف المفسر يأخذ حكم الدستور نفسه. كذلك الأمر بالعرف الإداري المفسر الذي يوضِّح نصاً غامضاً من خلال اعتياد الإدارة على سلوك يفسر النص ويزيل الالتباس عن النص من خلال السلوك الذي تمارسه الإدارة ويشكل عرفاً مفسراً للنص.
ب- العرف المكمل:
وهو الذي يهدف إلى تنظيم مسألة دستورية لم تنظمها النصوص الدستورية المكتوبة، ويشترط في هذا التنظيم ألا يكون مخالفاً لنصوص الدستور.
ويسوغ نشأة العرف المكمل لسد ثغرة في الدستور أو لوجود قصور في النصوص المكتوبة، ذلك أن القواعد الدستورية مهما بذل المشرع من جهد في صياغتها لا تستطيع أن تستوعب جميع مستجدات الواقع السياسي والحراك الدائم المتطور والمتجدد باستمرار. ومن هنا تبرز أهمية العرف المكمل الذي يهدف إلى ملء الفراغ في النصوص المكتوبة، ورغم الاختلاف حول مدى القيمة القانونية للعرف المكمل، بيد أن ثمة اتجاهاً غلاباً يقرر عدم منح العرف المكمل القيمة الممنوحة للدستور(17)، والقول ذاته ينطبق على العرف الإداري المكمل والذي يتم من خلال قيام الإدارة بسلوك يكمل نقصاً في نص تشريعي، فتمارس سلوكاً يشكل عرفاً يسد النقص الذي شاب النص.
ج- العرف المعدل:
يرمي العرف المعدل إلى تعديل أحكام الدستور، وذلك بالإضافة إليها أو الحذف منها، ويفترض العرف المعدل أن الدستور قد نظّم موضوعاً معيناً، بيد أن دور العرف المعدل هنا يكون بإضافة أحكام عرفية تعدل النص الذي أورده الدستور فيكون النص قد أورد حكماً دستورياً، إلا أن هذا الحكم قد أهمل تطبيقه، وذلك بعدم الاستعمال، لذلك يهدف العرف المعدل هنا إلى حذف وإلغاء هذا النص الدستوري، ولذلك فإن قلة من الفقه تتجه إلى إقرار إمكانية نشوء عرف معدل بالحذف، أما العرف المعدل بالإضافة فإنهم يعتبرونه أمراً اعتيادياً، لأن العرف هنا إنما يعبر عن إرادة الأمة وضميرها، والتي يجوز لها أن تعدل من أحكام الدستور. ونحن بدورنا نعتبر أن العرف المعدل بالإضافة يقترب كثيراً من العرف المكمل لأن الإضافة إنما جاءت لتكمل نقصاً في النص.
صفحة 7
ثانياً- العرف الإداري:

يقصد بالعرف بشكل عام [اتباع الناس لقاعدة معينة، في نشاط معين إلى أن يشعروا بأنها أصبحت ملزمة، وأنه لا يجوز لهم مخالفتها]، وهناك أنواع كثيرة من العرف مثل العرف التجاري والعرف الدستوري.
وإن ما يعنينا في هذا المقام هو العرف الإداري. والذي لا يختلف من حيث الأركان المستوجب توافرها فيه، بيد أنه عادة تمارسها الإدارة وتسير بمقتضاها، وقد اجتهدت محكمة العدل العليا في تعريف العرف الإداري فقضت في أحد أحكامها [العرف الإداري هو أن تسير الإدارة على نحو معين في مواجهة حالة معينة بحيث تصبح القاعدة التي تلزمها مختارة، بمثابة القانون المكتوب، ما دام أن الإدارة سارت على سنن معينة باطراد المدة الكافية والتزمت به دائماً وطبقته في جميع الحالات الفردية، وكان هذا العرف غير مخالف لأي نص من نصوص التشريع](18).
ويتعين القول أن ثمة متطلبات أساسية للإقرار بأن عرفاً إدارياً قد نشأ، وأهم تلك المتطلبات وجود أركان العرف الإداري بشقيه المادي والمعنوي ويتمثل الأول بوجوب تكرار واطراد الإدارة في اتباع قاعدة معينة، وذلك حتى تكتسب صفة العمومية، والركن المعنوي والذي يلزم لنشوئه توافر شعور لدى الإدارة والناس بإلزامية ذلك السلوك. وأنه يتحتم عدم مخالفته، وكذلك يتعين أن ينشأ العرف غير مخالف لنص قانوني، وفي هذا تقول محكمة العدل العليا [لا يجوز أن يحتج بالعرف الإداري لتعارض العرف مع النص الصريح في القانون](19).
وفي حكم آخر أشارت [أن الاحتجاج بالعرف الإداري لتبرير توقيف المستدعين يخالف المادة الثامنة من الدستور التي تنص على أنه لا يجوز أن يوقف أحد أو يحبس إلا وفق أحكام القانون ولا يجوز أن يوقف أحد بمقتضى العرف الإداري](20).
الفرع الثاني: المبادئ العامة للقانون:
يقصد بالمبادئ العامة للقانون [تلك المبادئ التي لا تجد مصدرها في النصوص القانونية المدونة، وإنما هي تلك المبادئ التي يعمل القضاء على كشفها وإعلان إلزاميتها]، بحيث يتعين على الإدارة احترامها وعدم الخروج عليها، ويمثل الخروج على تلك المبادئ انتهاكاً لمبدأ المشروعية، ومما لا شك فيه أن القاضي الإداري يملك إلغاء القرار الإداري المخالف للمبدأ القانوني العام، فالقضاء الإداري هو الذي يقرر هذه المبادئ في أحكامه المختلفة، ويقرر مالها من قوة إلزامية، شأنها في ذلك شأن القواعد القانونية الأخرى التي يتعين على الإدارة احترامها والالتزام بها والسير على هديها.
ولذلك فإن الفقه الإداري يرى بأن [دور القاضي الإداري هو الكشف عن تلك المبادئ المستوحاة من العقل وضمير الأمة والمكنونات الثقافية والاجتماعية](21).
أما بشأن مدى القوة القانونية الإلزامية للمبادئ العامة للقانون، فقد اختلف الفقه الفرنسي قبل وبعد دستور الجمهورية الخامسة، حيث قرر ابتداء أن هذه المبادئ تتمتع بقوة قانونية مساوية للتشريع العادي طالما أن المشرع لم يخالفها بنص صريح، ومن ثم يجب على الإدارة احترام هذه المبادئ وعدم الخروج عليها شأنها في ذلك شأن احترامها للتشريع العادي الأمر الذي يملي عليها إلا تصدر تشريعاً فرعياً -أي لائحة- يخالف في أحكامه ما تتضمنه المبادئ العامة للقانون، ويعد التشريع الصادر في هذا المجال باطلاً، ذلك أن المبادئ العامة للقانون تعلو على التشريعات الفرعية (الأنظمة) ويتعين على الأنظمة ألا تخالف المبادئ العامة للقانون.
بيد أن الفقه الفرنسي بدل موقفه بعد دستور 1958، لا سيما أن الاتجاه العام لهذا الفقه يقول بأن المبادئ العامة للقانون لها قوة تعلو على التشريعات العادية، بحيث أصبحت لها قوة دستورية، ويكمن السبب الحقيقي من وراء إضفاء هذه القيمة على المبادئ العامة للقانون هو ظهور اللوائح المستقلة التي قررتها المادة 37 من هذا الدستور، حيث تباشر السلطة التنفيذية الوظيفة التشريعية استقلالاً عن السلطة التشريعية التي لا يجوز لها أن تشرع في ميدان اللوائح المستقلة بيد أن الاتجاه الحديث لمجلس الدولة الفرنسي يعطي للمبادئ العامة للقانون قوة مساوية لقوة القانون العادي(22)، أما في الأردن فإن الرأي الراجح يتجه إلى اعتبار أن المبادئ العامة للقانون تحوز قيمة قانونية أدنى من التشريع ومن الأمثلة على المبادئ العامة للقانون، مبدأ عدم جواز الجمع بين العقوبات التأديبية، ومبدأ تناسب العقوبة مع الذنب ومبدأ توازن المنافع مع التكاليف أو المضار مع المنافع.
الفرع الثالث: القضاء:
يوصف القانون الإداري بأنه ذو ميلاد قضائي حيث ساهم القضاء الإداري بإيجاد معظم نظرياته وأرسى الكثير من مبادئه، وقام بتأصيل العديد من أحكامه، وابتدع ثلةً من قواعده كما خلق قواعد قانونية قضائية، وقد مارس القضاء هذا الدور نظراً لغياب النص التشريعي (فالقانون الإداري قانون غير مقنن) ومن الأمثلة على القواعد التي خلقها القضاء وتعتبر من مصادر المشروعية التي على الإدارة عدم مخالفتها أو الانحراف عنها، مبدأ عدم المساس بالحقوق المكتسبة، ومبدأ شرعية العقوبات التأديبية، ومبدأ عدم جواز معاقبة الشخص على الفعل ذاته مرتين.
ويجدر التذكير بأن الفقه قد لعب دوراً أساسياً في تأصيل كثير من الأحكام والإشارة إلى بعض الأحكام ومعالجة كثير من النواقص التي شابت بعض النصوص من خلال تبني المشرع لهذه الآراء، وتنبيه الفقهاء لعيوب الصياغة التشريعية حيث أثرى الفقه القانون وأنار الدرب للقضاء والتشريع من خلال الآراء والشروحات الناضجة للفقهاء وعلماء القانون الإداري.
صفحة 8

المبحث الثالث : نطاق مبدأ المشروعية

يتناول فقه القانون العام ثلاث حالات في مجال البحث في نطاق مبدأ المشروعية، ولإيضاح مدى تأثيرها على هذا النطاق تتمثل في السلطة التقديرية من جهة، والظروف الاستثنائية من جهة ثانية، ومن ناحية أخرى على أعمال السيادة، وسنعالج هذه الحالات كما يلي:
أولاً السلطة التقديرية

تعني السلطة التقديرية إعطاء المشرع قدراً من حرية اتخاذ التصرف الإداري بينما إذا ألزم المشرع على الإدارة أن تتصرف بطريقة معينة في أحد اختصاصاتها، فإن هذا الاختصاص يكون مقيداً، ولذلك سنتناول مفهوم السلطة التقديرية، ثم الرقابة القضائية على تلك السلطة.
أ- مفهوم السلطة التقديرية:
إذا اشترط القانون توافر شروط معينة أو ظروف محددة أو إذا فرض القانون على الإدارة اتخاذ موقف معين لكي تمارس نشاطها أو يلزمها بمباشرة عمل معين عند توافر أوضاع بعينها عندئذ تكون سلطة الإدارة مقيدة، أما عندما تمنح الإدارة قسطاً من حرية التصرف أو الامتناع عن اتخاذه، أو اتخاذه على شكل معين، أو اختيار الوقت الذي تراه مناسباً للتصرف، أو عند تقديرها للسبب الملائم لإصدار القرار، أو في تحديد محله، والسلطة التقديرية في حقيقة الأمر هي وسيلة لتطبيق القانون والالتزام بمبدأ المشروعية مثلها في ذلك مثل السلطة المقيدة، غاية الأمر أن المشرع قدّر أن منح قدر من حرية التصرف للإدارة في موضوع معين هو أجدى وأنفع لتحقيق الهدف من هذا الموضوع مما لو قيدها بتوقيت أو أسلوب معين للتصرف بشأنه، ومن ثم فإنه يتخلى عن تحديد نشاط الإدارة بشأن هذا الموضوع كله أو في بعض جوانبه، تاركاً للإدارة حرية التصرف والتقدير بموجب خبرتها الخاصة، وأن اعتبارات تغير الظروف وتطورها المستمر، تجعل تنظيم كل دقائق نشاط الإدارة بقواعد محددة مسبقاً أمراً صعباً ومستحيلاً ومن ثم فإننا لا نبتعد عن الحقيقة القول بأنه كلما تخلى القانون عن ذكر التفاصيل التي تتضمن القواعد التي تنظم النشاط الإداري فإن المساحة التي يتضمنها الاجتهاد الإداري تتسع وتزداد تبعاً لذلك السلطة التقديرية للإدارة في هذا الصدد أما حين يتولى القانون تنظيم هذا الجانب أو هذه العناصر بقواعد ملزمة عندئذ يتعين على الإدارة الالتزام بتلك القواعد بحيث يكون قرارها مشروعاً أو غير مشروع بقدر التزامها بتلك القواعد، ومن ثم فإن السلطة التقديرية تمنح للإدارة إذا لم يوجد ثمة نص يحدد مسلك الإدارة، أو منصوصاً عليه في القانون، أما إذا حدد القانون للإدارة التصرف على نحو محدد، فينبغي للإدارة التقيد بذلك الوصف المحدد مسبقاً وبعموم القول فإن المشرع عادة ما يقيد سلطة الإدارة إذا ما تعلق الأمر بحقوق وحريات المواطنين، لكي لا تترك تلك الحقوق والحريات العامة تحت رحمة رجل الإدارة يتصرف كيفما يشاء فتصبح هذه الحقوق وتلك الحريات في مهب الريح.
أما موقف محكمة العدل العليا بشأن السلطة التقديرية فقد حددته من خلال الأحكام التالية:
[للإدارة سلطة تقديرية عندما تقوم بتنظيم المرفق العام، وهي تملك تقدير مصلحة المرفق بشرط عدم المساس بحقوق الأفراد والموظفين، فإذا تبين للمحكمة من الظروف التي عاصرت صدوره أن رجل الإدارة قد استهدف غاية خلاف المصلحة العامة يصبح القرار مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة، وعليه فلا يعتبر القرار الذي لم يتضمن المساس بالمستدعي ولا بمصالحه الوظيفية من حيث الراتب والدرجة، ولم يثبت أن الإدارة قد استهدفت غاية خلاف المصلحة العامة مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة] (23).
وقضت في حكم آخر [تحقيقاً للمصلحة العامة فإن للإدارة كامل الحرية في اختيار من تتعاقد معه من المقاولين الحائزين على ثقتها ولا تلزم بالتعامل مع من فقد ثقتها من المقاولين نتيجة تقصيره أو إهماله في تعامله معها في عطاءات سابقة إلا أنه يتوجب عليها وهي عندما تمارس هذه السلطة أن تراعى الشرعية في إجراءاتها].
ويتعين القول أن السلطة التقديرية هي حقيقة واقعة وهي أمر حتمي يغني النشاط الإداري، لا سيما أن الإدارة الحديثة إدارة خدمات، والغاية من ذلك تمكينها من أداء وظيفتها على أكمل وجه، وهذا ما أكدته أحكام محكمة العدل العليا [إن وجود سلطة تقديرية للإدارة معناه أن يكون للإدارة سلطة اتخاذ الموقف الذي تراه مناسباً عند تحقق الغرض الذي هدف إليه القانون](24).
وفي حكم آخر قضت المحكمة الموقرة [أن على الإدارة عندما تستعمل سلطتها التقديرية أن تتحرى غاية المشرع، وعلى ضوء هذه الغاية تصدر قرارها، وحيث أن غاية المشروع من المادة 125/2 من الدستور والمادة الثانية من تعليمات الإدارة العرفية هو الدفاع عن المملكة وسلامتها العامة،فإن الأمر العرفي ينبغي أن يصدر لتحقيق هذه الغاية فقط فإن تجاوزها يكون معيباً ويتعين إبطاله](25).
صفحة 9
ب- مجال السلطة التقديرية(26):
إذا كانت السلطة التقديرية تثبت للإدارة نتيجة غياب القواعد القانونية المنظمة لنشاط الإدارة بصدد موضوع ما، فإنه يتعين عليها أن تبين بدقة كيفية تقييد العمل أو القرار الإداري أو إطلاق الحرية للإدارة، ولذلك ينبغي معرفة مدى تمتع الإدارة بالسلطة التقديرية في مجالات العمل الإداري، ذلك أن المسلم به أن القرار الإداري له خمسة أركان هي الاختصاص والشكل والسبب والمحل والهدف، وليس هناك من قاعدة قانونية منظمة لأحد أوجه النشاط الإداري إلا وتبين على وجه التحديد الشخص الإداري المختص بممارسة هذا النشاط أو إصدار القرارات المتعلقة به ونوعها، ولذلك فإن صدور مثل هذه القرارات من شخص إداري آخر غير الذي حددته قاعدة القانون يعني انتهاكاً لقاعدة الاختصاص، وهو ما يفيد عدم التمتع بممارسة سلطة معينة سواء أكان الهدف من هذه السلطة التقديرية بالكامل أم تقديرية في جزء منها ومن ثم فلا ارتباط بين فكرة الاختصاص والسلطة التقديرية أو حتى السلطة المقيدة، فالقانون واللوائح هي التي تحدد قواعد الاختصاص ولا اجتهاد في مورد النص ولا سلطة تقديرية في تنظيم قواعد الاختصاص(27).
ومما لا شك فيه أن لقواعد الشكل في القرار الإداري القول ذاته فيما يتعلق بقواعد الاختصاص فالمظهر الخارجي للقرار الإداري محدد باللوائح والقوانين، وبالنتيجة فإن ذات القول ينسحب على قواعد الشكل، حيث لا مجال للسلطة التقديرية في تحديد قواعد الشكل والإجراء بل يتعين على الإدارة اتباعها، ولا يجدر مخالفتها، ومن ثم فإن مجال السلطة التقديرية ينحصر في ركنين أساسيين هما السبب والمحل.
أما فيما يتعلق بالسبب فإنه يكتسب مدلولان المدلول المادي والمدلول القانوني، ويقصد بالأخير الأسباب القانونية أو بعبارة أخرى مجموعة القواعد والأعمال القانونية التي تشكل الأساس القانوني للقرار وتوحي لرجل الإدارة أن يقوم بالعمل القانوني عند حدوثها، وتمثل الشرط الأساسي للممارسة الإدارة نشاطها، ولمعرفة مدى مشروعية القرار الإداري، يتعين البحث ابتداء في القاعدة القانونية التي تحكم موضوع القرار محل النشاط، ومن ثم فلا تملك الإدارة إزاءها سلطة تقديرية، وللقاضي الإداري حق الرقابة على وجودها المادي وصحة تكييفها(28).
أما فيما يخص الأسباب الواقعية للقرار الإداري، فمن الممكن أن يترك المشرع للإدارة حرية تقدير ما إذا كانت هذه الأسباب الواقعية تسوغ تدخلها بإصدار القرار الإداري، فقد يترك القانون للإدارة تقدير ما إذا كان هناك تهديد للنظام العام أم لا، حتى يمكن التدخل لمواجهتها، فالإدارة تملك في هذا الصدد سلطة تقديرية في تحديد مدى قيمة السبب وكفايته ودرجة تناسبه مع الإجراء المتخذ.
أما بشأن المحل في القرار الإداري فهو الأثر القانوني الذي ينشأ حالاً ومباشرة والإدارة عندما تريد أن ترتب أثراً قانونياً معيناً من خلال ما تصدره من قرارات عليها أن تلتزم جانب القواعد القانونية التي تصدر قراراتها بالاستناد إليها، فلا تخالفها أو تخرج عليها، أو تضيف شرطاً أو تضع قيداً لم يرد بالقانون، ويشترط أنه إذا كانت هذه القاعدة تفرض على إدارتها اختصاصاً مقيداً في هذا الشان، أن تترك لها إمكانية الاختيار بين عدة حلول فإنها تلتزم جانب القواعد القانونية التي حدد لها القانون إصدارها، ومن ثم يتعين القول أن ثمة ارتباطاً بين عدة حلول، فيستطيع بذلك أن تحدد بحرية محل القرار الذي خولها القانون حق إصداره(29).
أما فيما يتعلق بركن الغاية من القرار وعلاقته بالسلطة التقديرية فإن الإدارة مقيدة بأن تكون تصرفاتها تهدف إلى المصلحة العامة، وأن تحقق الغاية التي أناط المشرع للإدارة صلاحية تحقيقها، وتكريساً لهذا قررت محكمة العدل العليا ”أن وجود سلطة تقديرية للإدارة معناه أن يكون للإدارة سلطة اتخاذ الموقف الذي تراه مناسباً عند تحقيق الغرض الذي هدف إليه القانون“(30)، ذلك أن القرار الإداري يصدر متمتعاً بقرينة المشروعية، وهي قرينة مفترضة، أي يفترض مسبقاً أن القرار صدر صحيحاً ومشروعاً ويهدف تحقيق المصلحة العامة وعلى مدعي العكس أن يثبت ذلك.
ثانياً: الاستثناءات الواردة على مبدأ الشرعية

تتعرض الدول والإدارات العامة لظروف غير عادية مثل الحروب والاضطرابات الداخلية والفيضانات والزلازل وغيرها من الظروف الاستثنائية والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد ما هو أثر هذه الظروف على مبدأ المشروعية.
وفي الحقيقة إن الاتجاه العام في القضاء والفقه مستقر على أن الظروف الاستثنائية وأعمال السيادة هما الاستثناءان الواردان على مبدأ المشروعية:
وسنتناول بالبحث كلا النظريتين بالتفصيل، على النحو الآتي:
صفحة 10

المطلب الأول : نظرية الظروف الاستثنائية

ابتكر هذه النظرية مجلس الدولة الفرنسي لكي يبرر اعتبار القرارات الإدارية التي تصدرها السلطة التنفيذية -لمواجهة هذه الظروف- مشروعة رغم ما يشوبها من عيوب تجعلها غير مشروعة في الظروف العادية، ومن ثم يكون المجلس قد عمل على توسيع نطاق مبدأ المشروعية في الظروف الاستثنائية يستوعب ما تصدره الإدارة من قرارات لمجابهة هذه الظروف، وإضفاء صفة المشروعية عليها بالرغم من عدم مشروعيتها، وهذا يعني تأكيد حق السلطة التنفيذية في استخدام سلطات واسعة أثناء الظروف الطارئة غير العادية، حتى في حالة عدم وجود نصوص تشريعية تمنحها هذه السلطات، وغالباً ما يتجه القضاء إلى عدم التشدد في مسلك الإدارة عند ممارستها لوظائفها في الظروف الاستثنائية بعكس الظروف العادية التي تضيِّق من الرقابة على مشروعية القرارات وطريقة إصدارها والغاية منها.
الفرع الأول: أساس فكرة الظروف الاستثنائية:
اتجه بعض الفقه في تفسير فكرة الظروف الاستثنائية إلى القول: وجوب الإبقاء على الدولة، ذلك أنه إذا تعرضت الدولة لخطر جسيم يهدد كيانها ووصل الأمر إلى حد المفاضلة بين الحفاظ على مبدأ المشروعية وبين الإبقاء على الدولة فإن الإبقاء على الدولة أمراً أساسياً، ومن ثم فإن سلامة الشعب فوق القانون.
وفي الحقيقة أن مجلس الدولة الفرنسي وجد أن ظروف الحرب تقتضي إعطاء السلطة التنفيذية سلطات واسعة لكي تواجه ما ينتج عنها من مصاعب وأزمات.
الفرع الثاني: شروط تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية:
يشترط لإعمال هذه النظرية أن تتوافر الشروط الآتية:
أولاً: أن تحدث وقائع مادية أو قانونية تمثل خطراً جسيماً يهدد الصالح أو يعطل سير المرافق العامة، بحيث لا تستطيع الإدارة القيام بوظائفها الاعتيادية.
ثانياً: أن لا تستطيع الإدارة مواجهة هذا الخطر بما لديها من سلطات طبيعية فيتعذر على الإدارة بل يستحيل عليها أن تدفع هذا الخطر بالصلاحيات المخولة لها قانوناً والتي وضعت لمواجهة الظروف العادية الطبيعية.
ثالثاً: لزوم أن يتناسب الإجراء الاستثنائي مع الظروف الطارئة والاستثنائية، وينبغي للإدارة أن تستخدم من الصلاحيات ما يمكنها من دفع هذا الخطر الاستثنائي.
رابعاً: ينبغي للإدارة أن تستخدم الصلاحيات الاستثنائية لتحقيق الصالح العام.
الفرع الثالث: الآثار الناجمة عن تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية:
ينبغي ابتداء أن لا يفهم أن وجود الظروف الاستثنائية يعني تحلل الإدارة من مبدأ المشروعية بشكل كلي، أو أن تفلت من الرقابة القضائية وأن تقوم بالسلطات المخولة لها دون رقيب أو حسيب، بل تبقى الإدارة خاضعة للرقابة القضائية، بيد أن خطأ الإدارة هنا يقاس بمقياس آخر فما لا يقبل منها في ظل الظروف العادية قد يقبل منها في ظل الظروف الاستثنائية.
فالقضاء في حالة وجود ظرف استثنائي يراقب الإدارة ويأخذ في حسبانه أن المدى المسموح به للإدارة قد توسع، وأن حرية الإدارة في ظل هذا الظرف أكبر منها في ظل الظرف العادي.
وفي هذا الاتجاه وتأصيلاً للأحكام السابقة قضت محكمة العدل العليا بأن يشترط للاحتجاج بأحكام الضرورة ما يلي:
1- وجود خطر يهدد النظام العام.
2- أن يتعذر دفع هذا الخطر بالطرق القانونية العادية.
3- أن يكون رائد الإدارة في تدخلها تحقيق المصلحة وحدها.
4- يجب أن لا تضحى مصلحة الأفراد في سبيل المصلحة العامة إلا بمقدار ما تقضي به الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها أي أن لا تتعسف الإدارة بإجراءاتها فإذا أفصحت وزارة التربية والتعليم أن استمرارها بإشغال العقار المأجور بجنب الطالبات عبور شارع خالد بن الوليد. فإن هذا السبب وحده لا يشكل حالة ضرورة.