eKtab
EN ع
مولانا
اقرأ عينة مجانية

مولانا

بقلم الفارس الذهبي

صفحة 1

المولى "عابد" والبحث عن أوركسترا الكون

نصر حامد أبو زيد

ترددت كثيرا في كتابة هذه المقدمة رغم إعجابي الشديد بالمسرحية حين قرأتها أول مرة. ترددت – أولا – لأن الكتابة المسرحية أو النصوص الدرامية ليست مجال اختصاصي، رغم أنني اعتبر نفسي متذوقا لكل أنماط النصوص الأدبية ولكل أنواع الفنون، مجرد متذوق ولست متخصصا ولا ناقدا. وترددت – ثانيا – لأنني إزاء نص ولست إزاء عرض. وفي حدود معلوماتي المتواضعة، النص في المسرح مثل النوتة الموسيقية التي كتبها المؤلف الموسيقي. وكما تحتاج النوته الموسيقية إلى مايسترو يقرؤها ويوزعها على آلات العازفين، ويقود الأوركستر، لكي يصبح النص المكتوب في النوتة موسيقي، كذلك يحتاج النص المسرحي إلى ممثلين وديكور ومخرج و إضاءة حتى يتحول إلى عرض مسرحي. ماذا أفعل وقد طُلب مني أن أكتب مقدمة لهذه المسرحية، طلبٌ عزيزُ من شخصٍ عزيزٍ لا أتحمل أن أرد له طلبا؟

قرأت المسرحية عدة مرات فازداد إعجابي بها جداً، وساعدني المؤلف الذهبي كثيراً بإشاراته وتوجيهاته فجعلني أحوِّل في مخيلتي النص إلى عرض، أعترف بأنني استمتعت به كثيراً.

صفحة 2

ولا شك أن المؤلف أدرك بحسه المرهف الرائع وقراءته الدقيقة للموضوع أن علاقتي بمولانا ستساعدني على فك شفرة توجيهاته وإشاراته، وأرجو أن أكون نجحت. بل وأرجو للمخرج والممثلين وصانعي الديكور والموسيقى أن يجيدوا قراءة هذا النص الذي لا أتردد الآن في القول إنه مذهل.

الفضاء، فضاء العرض، هو سفح جبل "قاسيون" حيث مرقد ابن عربي في دمشق بمآذنها وقبابها وباختلاط أصوات المؤذن بأصوات المنشدين، بأصوات الأغاني الصادرة عن المذياع، بأصوات الباعة والمنادين على السلع في السوق. وهي أصوات لا تقدم خلفية للمشاهد، بل هي جزء من العرض، ينجح المؤلف في توظيفها كجوقة بحسب المقام والحال (حال البطل ومقامه). اختلاط الأصوات هذا وتعددها واختلاف طبقاتها وتنغيماتها ماذا يعني؟ أوركسترا الموسيقى الكونية؟ ربما.

البطل الوحيد في العرض درويش شاب "عابد" في ثياب المولوية، وهو ابن خادم مسجد مولانا محيي الدين بن عربي. الأب رجل صالح ينتمي إلى هؤلاء المؤمنين الطيبين الذين يفزعهم كلام المتصوفة وشطحاتهم؛ لأنهم أقرب إلى الأمان في عباءة الدين المعياري، دين الحلال والحرام، دين المكروه والمباح. هؤلاء المؤمنون الذين يعشقون الاحتماء بالجماعة، ولا يحبون الفرد الذي يخرج عن السرب: التغريد خارج السرب نشاز. لكنهم في نفس الوقت لا يكرهون المتصوفة، بل يحبونهم ويجلونهم وإن كانوا لا يوافقون على اختياراتهم. هذا هو بعد الصراع الأول في النص حيث الابن أشبه بروح تبحث عن اكتمالها وعن صفائها. يريد أن يلتحق الشاب بفرقة المولوية ليتعلم طقوس الذكر التي يقودها الشيخ "عبد القدوس". الأب يؤرقه أكثر ما إذا كان ولده قد حفظ الألفية – ألفية ابن مالك في النحو – متفوقا عل أقرانه. التفوق على الأقران هو معيار التفوق عند الأب.

صفحة 3

يتجلى بعد ذلك الصراع الثاني بين الفتى البطل والشيخ عبد القدوس بعد أن يوافق أبوه على مضض أن يلتحق بالجماعة الصوفية ليتعلم فنون الطريقة والحضرة. الشيخ عبد القدوس شيخ طريقة، التصوف بالنسبة له هو "الطاعة" المطلقة من جانب المريد للشيخ، ووجوب أن يظل المريد في الحضرة يتحرك وينشد مع إيقاع المجموعة. تصوف الطريقة هذا لا يناسب روح الفتى المتوثبة لما هو أعلى وأعمق، للرقص مع أنغام الكون وللاتحاد بالمطلق في صفائه وجماله وجلاله. يريد "عابد" أن يندمج في أوركسترا الموسيقى الكونية، التي تعكسها موسيقى تداخل الأصوات حول قبر محيي الدين.

من أين أتى للشاب هذا الطموح الذي يتجاوز كل الأعراف الدينية، بما فيها أعراف الطريقة وقوانينها؟ إنه "الحب"، إنه الوقوع في أسر الجمال الإنساني للمرأة بسحر النظر وحده، النظر المختلس الذي يوقع الشاب في فزع أنه قد ارتكب رذيلة التلصص على الجيران. الجيران بنات أوروبيات يستمعن إلى موسيقى غربية من راديو استطاع أن يسمعه. وقع الفتى في الحب فاستأنس به الطير ولم يخشه كما كان يفعل من قبل. إن "الحب" بداية التصالح مع الكون. هكذا يمر الفتى بتجربة الحب فترفعه. يلتقي "عابد" بالشيخ الأكبر في "رؤيا" فتنفتح له الآفاق المجهولة من التجربة الصوفية. يطمئنه الشيخ أن الحب هو أصل الوجود، وهو اللحمة التي تربط أعضاء الكون.

المسرحية تجوب في آفاق متعددة من الحياة: الحب، الفقر، السعادة، الرضا، الأحلام والرؤى لتوحي برسائل وليس برسالة واحدة. من المستحيل الإلمام بكل الغنى والروعة والثراء الذي يتضمنه هذا النص الصغير في مقدمة مثل هذه. كم أتمنى أن يتاح لهذا النص المحكم ما يليق به من عرض، وكم أتمنى أن أكون أول المشاهدين.

صفحة 4

مقدمة لا بد منها

مسرحية مولانا، والتي صنفتها ضمن فن المونودراما، تستقي بالخلفية الأساسية لها من أصول وبدايات المسرح المعروف في اليونان حينما كان الممثل يقوم بأداء دوره التمثيلي وحيداً ثم أضاف عليه "ثسبس" الممثل الثاني والجوقة.

ومن هنا انطلقت في بحثي مع الدرويش عابد الذي يؤدي دوره وحيداً على الخشبة ولكن بمرافقة جوقة افتراضية ممسرحة مسرحة كاملة وأداؤها مؤسلب بشكل كامل لتشكل كسراً للمتلقي في حل إيهامه ولتذكره بصراع الفرد مع المنظومة المحيطة به مهما كانت وأينما كانت...الجوقة في هذا العمل هي المجتمع القاسي هي صوت الآخرين عندما يضرب الداخل، هي صوت الضمير البشري والوعي عندما يتكلم، وهي صوت اللاوعي عندما يتحرك.

إن صراع الممثل مع الجوقة /أو الإنسان مع المجتمع هوا لفعل والحراك الرئيسي في كل من الحياة والواقع من جهة والمسرح والخشبة من جهة أخرى وهذا النص بالتالي هو العودة إلى الأصول من كلا الطرفين.

في هذا النص يكون الصراع الداخلي هو المحرك لحياة هذا الشاب الذي يتمتع بفردانية عالية تجعله يرفض الانخراط في المجموعة ويصر على أن يبقى صوتاً متفرداً وهو ما يدفعه إلى السقوط والانحدار من مجتمعه. وهذا ما يجعله يفِهم التصوف بفردية وعلى طريقته الخاصة مع الاحتفاظ بقداسة المقدسات.

صفحة 5

هو صوت متفرد وعال ولكن وحيد وهذا ما يجعل آلة المجتمع تسحقه.

إن أداء البطل هو أداء إيهامي كامل بعكس الجوقة المؤسلبة كما ذكرت وهذا ما سيخلق إسقاطاً للأداء بين الفرد والمجموعة ومحاكاة شكلية لمضمون العمل.

أقترح لهذا العمل أن تؤدي الجوقة الأدوار الأخِرى كلها فتكون الأصوات الأخرى التي تدخل على البطل...وهذا مما يساعد علىِ تعزيز الفكرة. هذا العمل مهدى إلى خاتم الولاية الشيخ الأكبر محدين بن عربي الذي يكمن السر في رسالته في تفسير المساحة بيـن الأنا والوجـــود.

(الذات والموضوع) من خلال تجربته الصوفية التي كانت رسالة محبة راقية وشفافة لبني البشر أن أحبوا بعضكم فتصلوا لمحبة الله عز وجل، ولأنه قد استقر في فهمه أن إدراك الوجود خارج الأنا جهـل وحيرة، وأن مـقاربته بوساطة العقل وباسـتخدام التفكير المنطقي لا يمكن أن ينــتج سوى دوران في خواء وضياع. ثم إن مـحاولة الدوران الفاشلة لدى البطل عابد بين ما هو إلهي وما هــو إنساني -في فهمه- لم تكن إلا محاولة لإقصاء الإنسان عن نفسه ذاتها. وفي هذا السياق أشير إلى أن العلاقة بين الأنا والوجود هي علاقة معرفية بالدرجة الأولى.

إن الصراع الذي يعيشه البطل عابد ضد مجتمعه الذي يؤمن بالحلول الجمعية لكل تفاصيل المجتمع والقامع تقريباً لكل التجارب الفردية. هو بشكل أو بآخر الصراع ذاته الذي عاشه الشيخ محي الدين بن عربي بفرديته العالية ضد المجتمع المتدين المتطرف، والذي رفض بكل الوسائل مفهوم تواصل العبد مع المعبود دون واسطة أو وسيط...ذلك المجتمع الذي رفض حب الفرد للذات الإلهية عبر المفهوم الشخصي للذات الإلهية.

هذا النص مهدى لروح الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي لما يمثله من طريقة تفكير وسلوك أثرت بالكثير وساهمت بتكريس فلسفة الحب.

الفارس الذهبي

4\9\2007

دمشق

صفحة 6

موُلانا

سطح أحد المنازل الدمشقية العربية في سفوح جبل قاسيون وتحديداً في حي الشيخ محي الدين.

في العمق تبدو عشرات المآذن، على الطراز المملوكي والأيوبي…. أصوات بعيدة من الآذان والأناشيد… أسراب الحمام الأبيض ترف في السماء….

يصعد شاب من الدرج إلى سطح المنزل… الشاب يلبس لباس الدراويش المولوية.. يتلفت يمنة وشمالاً.. يحاول النظر من فوق أحد الجدران نحو بيت الجيران… يعود ليجلس مستنداً على خزان المياه الحديدي

ليقول بهدوء: آخ يا يا شيخ محدين…

آخ يا شيخي…

آخ لو تعرف….

ثم ينهض…

نحو الجمهور…

عابد:

الشيخ محدين وما أدراكم ما الشيخ محدين…. أحلى حارة بكل الشام… وأكتر شارع لساتو شامي…. لساتو أصلي… مع أنو برات السور...

الشيخ محدين كعبة البسطاء، وخيمة المحروم، الشيخ محدين عباية البردان و غطا المستورين، آخ يا شيخي لو أنك بتسمع هلق لقلتلك شو عم يصير معي وشو صار بهالدنيا آخ يا شيخنا لو أنك معنا، شو كانت فرقت معنا !!!.

بياعين الخضرة واللحمة، والفواكه، والحلو، والسمك، والعجقة، والناس، والنسوان، والولد…. إيه... سوق طويل و حياة طويلة، لا والله قصيرة ما بعرف!!!.

(أصوات الجوقة يؤدون أدوارهم بأسلبة كاملة وهم يصرخون على الفواكه والخضرة واللحوم والدخان: يرجى مراعاة الأناشيد الأصلية لكل مادة من المواد، تستمر الجوقة في هذا الأداء لحين انتهاء مشهد السوق)

الجوامع والمدارس والزوايا المتصوفة، شيء مملوكي، وشيء أيوبي، وشيء أموي،

والشيخ محدين...قاعد بالنص متل الملك، والكل محاوطينوا ولافين حواليه متل التلاميذ بحضرة شيخهن...والناس...آخ من الناس.

بلشت القصة معي من هنيك من بين الناس، من حارة الشيخ محي الدين… هنيك كنت ساكن… مع أهلي كلن.

وأمي... كانت بالليل تعمللنا وقت نرجع أطيب أكلة…، أكلة الأكلات…، البيض المقلي مع القاورما (1) …!!

صفحة 7

والقاورما للي ما بيعرف: هيه اللحمة المفرومة، لحمة العجل المفرومة والمقلاية مع البصل والملح والفلفل… آخ شو طيبة القاورما… كنت دائماً أسرق شوي وحطلهن حّد، واهرب من عيون الناس وأكلهن على جنب، أي شي على جنب كنت حسه طيب… هيك…! لا تسألوني ليش….بعرف أنو هادا الشي أنانية بس أنا من يوم يومي كنت حب كون لحالي واعمل أشيائي لحالي ما بعرف ليش!!كنت روح على جنب المدرسة الشركسية أو ورا شي تربة أو مزار أو مدفن: الأتابكية أو الصاحبية أو تربة شي ولي مجهول واقعد لحالي أتأمل بالقاورما … هنيك بحارة الشيخ محدين اللي هي مخلوطة خلط مثل القاورما، بس بدل الملح تجارة وبدل الفلفل تصوف، حارة مالها مثيل بالعالم… بتكون واقف بره عم تشتري من شي واحد شغلة أو غرض..وأنت بتعرف أنه هيه أحسن شي بالسوق وبتعرف أنو البياع عم يسرقك وينصب عليك و أنت موافق، لأنو بضاعته ممتازة، وأحسن شي بالبلد وهوه عنده هالثقة اللي بتخليه ما يتنازل بالسعر لأنو بيعرف أنك زبون نوعية… ومشان هيك جاية عالشيخ…بعدين بتخلص شري وبتفوت عالجامع (جامع الشيخ محدين) لتصلي ركعتين أو لتقرا الفاتحة على تربته الطاهرة الله يرحموا ويقدس سره(الفاتحة)(الجوقة بجميع عناصرها يقومون بقراءة الفاتحة بخشوع).

، قام بتشوف نفس الزلمة اللي سرقك برضاك بره قبل شوي… بتشوفوا ساجد وقاعد عم يدعي والدموع عم تشر من عيونو شر بكل صدق و إخلاص وتعبد وزهد،وهوه قاعد بين ايدين ربه وعم يناجيه ويشتكيله…. غريب!!… غريب!!

يا أخي هالقاورما شلون معمولة؟… بس طيبة وحلوة وظريفة ومنيحة بأيام الغلا…

الجوقة: قاورما… قاورما,, قاورما.

كنا نقعد على الأرض بيبيتنا بالشيخ محي الدين كلنا….. أنا وأبي وأمي وأخواتي… أبي كان مسؤول تكية الشيخ محدين… كان هوه اللي ينيم العالم كل واحد بمكانه ويفتح الباب ويسكروا… المفتاح كان معه!… أبي الحجي زين العابدين كان هوه المسؤول عن جمع التبرعات اللي بتجي وتوزيعها على الفقرا، كل فجر يوم اتنين… أبي الحجي زين العابدين اللي كان الشيخ محدين كله يوقف على حيله وقت يمر..الحاج زين العابدين بدقنوا البيضا المهيبة وجلابيتوا اللي متل التلج ومسبحته الطويلة اللي عم بترن بايدوا رن...ونحنا بالبيت كنا نخاف منو أكتر من كل العالم،لأنو كان ماسكها حنبلية معنا..،يعني ومزودها شوي:..الموسيقى...ممنوع..والتلفزيون..ممنوع...روحات وجيات...ممنوع..كل شي الله خلقنا من شانه هو العلم والعبادة وخدمة الناس...

كان يوقف قدام الحّلة وبايدوا الكبجاية متل الراعي اللي حامل عصاه، وعم يسكب لهالعالم الفقرا على باب الله واللي واقفين بالطوابير لآخر السوق كل واحد حسب الطنجرة اللي جايبها… يوم فاصوليا عيشة خانم ويوم شوربة عدس ويوم رز بفول.

ولبعد صلاة الفجر... بتشوف هالعالم: يلي حامل طنجرة ويلي حامل زبدية وهادا طاسة، والحجي بايدو.. عم يصب اللي جادوا فيه أهل الخير شي بلحمة وشي بلا لحمة، شي ربطات خبز وشي كياس حنطة. وهلق شوي بتذكرهم أنا: أبو طه الميداني كان ما يقطع اتنين، وأبو مستو التحتاني كمان، والحجة أنطوانيت متل ما كنا نقلها كانت الله يرحمها تحب الخضرة كتير.. قال بتمشيلها معدتها بس الله يذكرها بالخير كانت كل ما تعبي زبديتها النحاس توقف وتقول الله يرحمك يا شيخنا.. وأنا اندهش وأسألوا لأبي: ليش؟ مو هيه مسيحية ؟ويقلي:" قدس الله سره" ويسكت. إيه، وأبو بسام الأعمى كمان كان يقاسم الحمامات بخبزاتو دائماً ويوقف بصوتوا العالي ويرفع عكازتوا ويصرخ: الله يديمك يا حجي الله يديمك.

الجوقة:(الله يديمك يا حجي، الله يخليلك ولادك، الله يعز من مقداركن، الله يوجهلكن اللي فيه الخير كيف ما وليتوا وشكن).

صفحة 8

كانت تكية الشيخ محدين مركز للتبرعات على مستوى، وبتشوف نسوان هالأكابر بيجو بالمرسيدسات والسيارات السود الكبار وبيركض الحجي لعندهن، وبعدين بينزل الشفير وبيفتح الطبون وبتنزل الخيرات...ومو عن شفقة وفضلة لأ !!أنا بتذكر كان في وحدة الله يرحمها تجي دوم، وتنزّل التبرعات اللي كانت جامعتن من رفقاتها ومنها !والله نسيت شو اسمها..كان الحجي ينزل الغراض وهيه تحط على راسها وتفوت عم ترجف ع الجامع...لحالها...وتطلع بعد شي نص ساعة وعيونها معبايين دمع وكأنها بكيانة..مرة تخبيت بالجامع قلت بدي شوف شو عم يصير معها، وكنت عرفان أنو هادا يومها وشفتها: كانت عم تحكي مع القبر...يا لطيف ألطف.

الجوقة (يا لطيف ألطف..يا نجي الألطاف نجنا مما نخاف )...ولك ايه كانت عم تحكي مع الشيخ وتعاتبوا وترفع ايديها للسما وتعيط وبعدين تقعد، وترجع تحاكيه وتقوله: أنت قلت هيك وبعدين تقعد، وقتها ما فهمت منها شي..بس اللي حسيتوا اني خفت وما راحت من بالي أبداً هي القصة.

وكنت ساعد الحجي دوم أنا... وهيك صرنا مشهورين أنا والحجي لأنو هنه بيسموه أبو عابد... على اسمي أنا...عابد... بس يا حسرة شهرتنا... ما طبقت الآفاق ولا شي متل ما كنت مفكر.. ولا جابتلنا شي إلا الدعاوي والحسنات لأنو نحنا صرنا مشهورين بأحياء العشوائيات والمخالفات والفقرا والمعدومين ويلي بلا بيوت أو سقف يحويهن... أيه مو مشكلة كلو شهرة...

ايه في مرة من المرات كنت واقف عم هدي طنجرة الفاصوليا، وكان أبي عم يسكب للعالم والدنيا كانت برد وهوا والسما محبّسة ما عم ينزل مطر يعني برد متل السم...والدور كان طويل وتعبان، متل الواقفين كأنهن طالعين عالسما ومالن عرفانين ليش...وأنا عم بصفن، كان الدور عم بيقل ويقصر لحد ما قال الحجي: مثل العادة الجوع أكبر من الطعام.

واتطلعت عالحلة..كانت فاضية وأبي عم يقشط الفاصوليات البقيانين..اتطلعت لقدامي لقيتلك واحد ختيار واقف وحامل طاسة بلاستيك وايديه عم ترجف...صار يقول:الله يديمك يا حجي...الله يخليلك ياه...أبي اتطلع فيني وقال...لا اله إلا الله.. ودار وشو وفات لجوا...

الختيار ضل عم يطلع فيني وهوه ساكت وايديه عم ترجف..اتطلعت فيه بدون ما احكي نزلت دمعة من عيني.. وحملت حالي وركدت وركدت حتى وصلت عالبيت، فتت فوراً عالمطبخ فتحت البراد...كانت أمي شايلة لأبي صحن كباب هندي وصحن سلطة مشان وقت يرجع يتعشاهن...حملت الصحنين وسكبتهن بالسفرطاس ورجعت ركد بالنزول...كنت عرفان أني مارح لاقيه للختيار...وما لقيتو.. دورت عليه ليكون متخبي بشي باب من بواب المدارس أو باب شي تربة...ومدرسة مدرسة فتشتهن لحد ما شفتوا...كان قاعد وقدامو كيس أبيض وعم يلاعب قطة بالخيطان...قربت منو وقلتلو شرف حجي هدول من أبو عابد..

أخد الأكل وبلش يدعيلي أنا والوالد، وشال قطعة كباب ورماها للقطة..فصارت تبكي هي. وأنا وقفت وصرت أبكي كمان على صوت دعوات الختيار..

قام قلي: شيخنا علمنا "وأشر على جامع الشيخ محي الدين " انو الكائنات كلها أخواتنا وكلها عندها أرواح بتزعل وبترضى وبتجوع.وكمل دعاؤه...

بس يبدو أنوا دعوات الفقرا حيلها مقطوع من التعب والتعتير والجوع وما بتوصل للسما...

(الجوقة تردد بشكل مسرحي مؤسلب دعوى الفقراء، حيث تقسم الجوقة إلى قسمين قرار وجواب).( يا الله يا الله يا الله يا رب يا نافع يا رحمن يا رحيم أسألك بحرمة هذه الأسماء والآيات والكلمات....سلطاناً نصيراً ورزقاً كثيراً وقلباً قريراً)

إيه سيدي لا الفارة طاهرة ولا دعاويها مستجابة..

ومثل ما كان هداك الرسام اللي ساكن بحارتنا كاتب بمرسمه... على لوحة معلقة على الحيط (الله لا يحب الفقراء).

الجوقة: أستغفر الله العظيم.... أستغفر الله العظيم.

ايه

صفحة 9

الشيخ محدين وما أدراك ما الشيخ محدين.....

وقت نزلت لأول مرة بحياتي عالسوق تبع الشيخ محدين،كان عمري شي 10 سنين، أخدني وقتها أبو عابد معو لزيارة الشيخ عبادة، وبعدين قللي بنروح نصلي العشا سوى قدام قبر الشيخ محدين ومنرجع عالبيت فوراً.

أبي الحجي كان مو كتير يحب الشيخ محدين بس كان يحترموا كتير و يقدروا ويقراله الفاتحة دائماً،وبعدين يدعيله بالهداية والرحمة..ما بعرف ليش..بس مع هيك كان جامعوا هو أحب جامع على قلبوا وأقربن عليه..

فكان ياخدني ونروح

وأنا ماشي ورايح لهونيك ومشحوط ورا أبي اللي جاررني وراه، كنت ما عم أقدر شيل عيني عن الناس وعن البضائع والسمك اللي فاتح تمو وقاعد فوق بعضوا وكلو تلج... وشي عن راس خاروف مفتوح هيك وبتموا جرزة بقدونس أو رقبة جمل وبتمو خسة... ما كنت أعرف ليش بتمو دائماً في حشيش... وعاليمين أهرامات معمولة من البندورة الحمرا أو البتنجان الأسود أو التفاح... والذي منو.

النسوان المطخية مشان تنقي ملابس داخلية رجالية... أو ولادية... والأرض مفروشة ورق خس وطين.... بسطات الكتب والصور والآيات المبروظة... وبياع التهريب اللي قاعد بتم المدرسة الجركسية ومخبي بضاعتو جوا بخزانة الصرامي...

ايه ونحنا ماشيين بين الحارات كنا هونيك عم نسمع الحضرات والتدكير وهون فرقة عم تتدرب على أغاني مولد النبي:

(الجوقة تنقسم قسمين..قسم يغني طلع البدر علينا...من ثنيات الوداع..

الجوقة2: عليه الصلاة والسلام

عليه الصلاة والسلام...صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم)

كنت أسمع المنشدين كل عشرة مع بعض، عم يأذنوا أو يدكروا وكنت أتدايق كتير...لأنو أنا بعرف أنو صبح ابن أبو صبح معهن وصوتو والله يجيرنا! من أنكر الأصوات...بس بيمرق بالعجقة...وأنا أكره شي علي العجقة اللي بتضيع كل شي وكل طعمة، لأنو أنا روح قلبي أسمع مأدن واحد عم يجّود لحالوا ويفرّد ويتلوى على طرب صوتوا. فكنت أمشي وغني لحالي... أو أدن لوحدي وأنا مسلطن على صوتي....منشان بّعد صورة صبح عني قد ما بقدر.

عابد: (يؤذن قليلاً) الله أكبر الله أكبر...أشهد أن لا إله إلا الله.

صفحة 10

ما كنت حب الأصوات اللي بتتخبا ورا بعضها، كنت أكره الجوقة... وياما بالحمام كانوا يدقو عليي الباب وأنا عم غني النبويات أو القلب يعشق كل جميل... ايه هدا حال الدنيا... يا ريتها كلها حمام. بس بمي، لأنو هيه حمام مقطوعة ميتو..

رحنا على بيت الشيخ عبادة وشربنا شاي وأكلنا عجوة وبرازق،وبعدين قرب الشيخ عبادة على أبي وقللوا بدي قلك قصة سرية وخاصة، قللوا أبي: تفضل،عليك الأمان فسرك في بئر. قام أخد الشيخ عبادة نفس وقال: أنا بعرف أنو افشاء الرؤية يفسدها بس والله يا أبو عبادة روحي ما عادت طاقت السر و لا احتمالوا، هز الوالد راسو بسخرية وأشرلوا بايدوا انو كمل...فكمل الشيخ عبادة وقال:مبارح بالمنام زارني رجال شيخ لونو أبيض طالع النور منو، دقنوا بيضا وبسمتوا منورة والنور طالع من وشوا، فحسيت بالأمان قلتتلوا مين انت قال: انا ملاك... حارس الحي، وأنت يا ابني الله باركلك وباركك.

وبعد هالكلمة راح الملاك وفقت أنا من النوم فشو رأيك يا أبو عابد:

قام قلو أبي: أصلحك الله يا عبادة، فكل هذه التوهمات مرجعها التصوف الذي ما انفكيت عنه دارساً ومجرباً! ؟ واقسم لك بأن ما تفعله حرام فالله سبحانه تعإلى أمرنا بالعبادات والأركان على سنة الله ورسوله وكفى المؤمنين شر التأويل، فاذهب إلى ما ينفعك وينفع عباد الله على أن تبتعد عن الأوهام والمشاهدات..

وكمل ابي الحديث وهوه عم يخانق الشيخ عبادة..ابي كان ماسكها حنبلية شوي يعني ما بيحكي غير بالفصحى وما بيرضى غير باللي أمرنا فيه الرسول المصطفى وكان بينوا وبين حالوا ينتقد الشيخ محي الدين ويدعيله بالهداية والغفران كل ما مرق جنب جامعوا...أما أنا فحكي الشيخ عبادة فات على جسمي متل الكهربا..هزني هز ما بعرف ليش، طلعت على اسطوح بيت الشيخ وبلشت اتطلع عالسوق: ناس متل النمل رايحة جاية طين ورجلين وتياب بيضا منشورة على حبال الغسيل وناس عم يسجدوا بالجامع...وصراخ وعياط وناس عم تتقاتل شي عالدنيي وشي عالأخرة..

رفعت راسي واتطلعت عالسما وتمنيت لو كان عندي أجنحة لكنت طرت وبعدت عن كل هالعجقة ورفرفت لحالي وضليت طير لأوصل لأقرب نقطة بتوصلني لعند الله جل جلاله لقله: أنا بحبك،بحبك لأنك خلقتني هيك وخليتني أنا والوالد نساعد هالناس بدل ما نحتاج حدا يساعدنا...وصرخت:أنا بحبك... حتى صار السوق كلوا يتطلع عليي...

(يتغير المشهد وتصبح المآذن أعلى وتظهر كلمات مكتوبة من المصابيح الكهربائية كما هي العادة في بلدان الشرق الأوسط مكتوب فيها محمد ص والله ع)