eKtab
EN ع
موسم سقوط الفراشات
اقرأ عينة مجانية

موسم سقوط الفراشات

بقلم عتاب شبيب

صفحة 1

«انتهينا»، قال المجند في الحفرة وهو يخرج آخر الجثامين ويسلمها إليه، ليركض بها إلى من سيضعها في كيس أسود.

صبي مراهق، قدَّر من طول الميت وهشاشة الكتفين، قبل أن يلمح بقايا جورب نسائي شفاف التصقت بالقدمين المحتفظتين بأظافر سليمة، طليت بلون القرنفل المزهر رغماً عن التراب.

بعد أن عاد إلى ثكنته قام بثلاثة أفعال محاولاً الخروج من صمت القبو الذي دخل إليه مع الرفاق عند الساعة السابعة صباحاً، وخرجوا جميعاً بعد ساعتين مخلفين وراءهم المجند المدعو (نزار) الذي صدف أنه هو من تقيأ، بكى، وسقط في الحمى.

في هذيانه يمسح الطين عن وجه الصبية الميتة، تقلقه أظافرها بلون القرنفل، يظن بأنه أخبرها عن رغبته في أن تطلي العشرين العاجية بلونه المفضل، لا يدري متى التقاها وأعلمها بأسرار رغباته.

صفحة 2

لديها ساقان نحيلتان، وهي توصيه بصوت يعرفه جيداً: «أحضر لي جورباً طويلاً شفافاً لثوبي الأخضر».

يعود إلى الوجه الذي أنقذه من حفرة الطين، تدب الحياة في الغريبة الصامتة ويوشك على إخبارها بأنه يود لو التقاها في مكان أكثر نقاء من مقبرة جماعية، يوشك قلبه على التخلع حين يأخذ وجهها ملامح زوجته.

«أي جحيم أقحمت نفسك فيه؟؟»، يسمع صوت المجند سليم يأتيه من الدنيا الصلبة مخترقاً وعيه الغارق في هلام الموت.

في غرقه يرسم على باب بيته، وحين ينتهي عند قبضة الباب يفتح عينيه، يشرب ماءً ويعود إلى الجحيم، يمسح الطين عن وجه الميتة، تبتسم زوجته ويرسم.

بعد أسبوع كامل من الحمى يصحو، مترهلاً وحزيناً، وكأنه فقد شبابه في تلك التجربة الحادة.

لقد طالت أصابعي ونحلت، فكّر وهو يبدأ بالكتابة تلك الليلة.

صفحة 3

ثلاث أحرف سوداء، توقف كمن اعترضت عينيه فكرةٌ مجسمة، ترك القلم وأخرج هاتفه الجوال حيث خبأه في حشية السرير الحديدي، وغيمت خيبة كست الوجه المتعب، لم تفتقده طوال فترة مرضه التي لم تعلم بها، ولم يتوقف في حُمّاه عن الهذيان بملامحها.

طرقات مهذبة على بابه يعرفها جيداً تعيده من أفكاره، وسليم الفتي بابتسامته الذكية الطيبة يستأذن بالدخول وبيده إبريق الشاي.

(صديق) أقل ما يقال عن رفيق المنفى الإجباري، ليس بإمكانه أن يدعوه رفيق سلاح، فرفقة السلاح تستدعي إطلاقك للرصاص بمشاركة إنسان لإنهاء حياة إنسان بقصد الدفاع أو الهجوم، والرفقة هي الكلمة الملطفة لشراكة الجريمة، جريمة إيمانك بالقتل كوسيلة بقائك على قيد النبض.

والموت ليس انتصاراً حتى لو كان موت عدوك.

صفحة 4

هو ينتصر للحياة بالرفقة فقط، وسليم رفيق، صديق، لكن بلا سلاح، فكلاهما لم يطلق رصاصة واحدة طوال فترة خدمته الإجبارية على الرغم من الحرب القذرة التي تعيشها البلاد.

إنه يمضي فترة خدمته العسكرية التي طالت بروح الكاتب المسرحي الذي كانه، مجبراً أكثر من غيره على حياة العسكر الجافة المقيدة.

كاتب في معسكر! يا للغربة!

- «كيف أصبحت؟» ربت سليم على كتفه وسأل.

* «متى تصحو البلاد من كابوسها؟» أجاب كأي سوري تحت حجر الحرب، كأي سوري ما إن تسأله عن حاله حتى يسألك متى تنتهي الحرب؟

* «أشكرك لقد بقيت قربي في مرضي». مستعيداً الصورة الواقعية الوحيدة التي يذكرها من مرضه، وجه سليم وهو يسقيه الماء.

* «كان يجب أن تغادر إلى قريتك، استغرقت في العناية بي وفوت دورك في الإجازة».

- بإمكانك أن تحصل على جميع إجازاتي بشرط ألا تمرض، ابتسم سليم.

صفحة 5

* «أتكلم بشكل جدي»، وخفض بصره كمن يداري انفعاله.

- «ليس لدي مكان أقصده في الإجازات، قريتي لم يعد لها وجود، والأهل نزحوا إلى تركيا».

انتابت نزار رعدة وشعر بالعرق يتصبب تحت ثيابه.

(وخطيبتك؟) أوشك على طرح السؤال حين عاد إليه تركيزه وتذكر حساسية صديقه أمام أي حديث يتطرق إلى أنثى، غضبه ذات ليلة لا تنسى وثورته الضارية التي تكتم عليها كل من شهدها من العسكر، لأنه وحتى أكثرهم دناءة، أدرك أن معرفة أي من الضباط ستؤدي إلى معاقبة سليم، ولأن بذور النقمة بدأت تطل من التراب الرطب.

ليلتها عاد الجنود العشرة المكلفين بمهمة لم تكن سرية سوى بالنسبة إليهم، فقد صدموا بخمسين جثة قيل إنها تعود لإرهابيين أرعبوا الأهالي وكان بين الجثث امرأتان قتيلتان، وأمروا بدفنهم.

بعد العودة إلى المعسكر سأل الضابط المناوب سليم عن جثة امرأة اخترق الطلق الناري مؤخرتها، وآخر ثقب رأسها. وتبجح الضابط بأنه من قتلها وأنها إرهابية من ليبيا.

صفحة 6

استيقظ ليلتها على صراخ سليم الذي كظم غضبه لينفجر في المهجع ولم يدرِ ما أثار صاحبه.

هل هي بذاءة الضابط أم وجود امرأة في ساحة حرب قذرة، أنثى قد تكون أختاً أو أماً أو زوجة.

- «لم يعد في هذه البلاد حرمات ولا مقدسات، الحرب تدوس كل شيء» واساه ليلتها. أما الليلة فقد علم من الغيوم التي تكاثفت بينهما أن محاولته التخفيف عن صديقه ستزيد الأمر سوءاً.

صمت وشعر ببلاهة جميع المفردات التي قد تقال لرجل فقد قريته وعائلته وحبيبته دفعة واحدة.

فأوقف الكلمات حيث تولد عادة واستبدلها بتربيتة على كتف صاحبه.

احتسيا شاياً أسود ودخنا لفافات التبغ السيِّئ.

صفا قطع الشطرنج وتباريا حتى الفجر.

- «سنكمل غداً».

* «ربما لا».

صفحة 7

- «لم تحسم اللعبة بعد».

* «اعتبرني خاسراً، أستسلم».

- «سأهديك شيئاً، آلة تصوير وجدتها تحت أنقاض بيت تهدم تحت القصف، لا أدري كيف بقيت سليمة، لديك عائلة قد تسعد بالتقاط صورها».

خرج سليم وعاد بعد دقائق بآلة التصوير الفضية.

- «تصبح على خير».

غفا نزار بسرعة، ولم يدرِ كم من الوقت مضى وهو نائم حين استيقظ على جلبة وصراخ، شتائم وصوت أقدام ثقيلة تدوس بقايا غفوته.

نهض مسرعاً وكان الأمر قد انتهى.

خلية للجيش الحر كانوا، وهذا النهار هو موعد انشقاقهم.

تسربت الخطة واعتقلوا جميعاً بيسر دون أن تراق قطرة دم واحدة.

اقتيدوا لمصير مجهول ولم يحظَ بلحظة لوداع سليم.

لكنه على الرغم من تراكم الصور في ذاكرته سيظل دائماً بابتسامته الفتية مفتاحاً لقصص قادمة.

صفحة 8

تفلت خيول أفكاره من عقالها ويبتعد في جريه خلفها، يبتعد عن التفكير بسليم وعن ابتسامته الفتية، عن الغرفة المربعة وجدرانها الإسمنتية القبيحة، وسرير الحديد الأكثر قبحاً، وتأخذه تلك الخيول لاهثاً إلى بيته حيث تركها في حي يظن كل من فيه أنها عدوة.

رائحتها غصن تين ذات فجر، ولبشرتها ملمس التراب بعد غيث.

«لا تبتعد.. عد».

لتستمر بالحياة حيث لا حياة اعتدت أن تخلع ذكورتك وشهوتك وعشقك قرب باب المعسكر، واضعاً رقمك العسكري واسمك الثلاثي ورتبتك على ورقة مثبتة حيث يجب أن يكون القلب، متناسياً خفقانه.

ليس كالشغف قاتلاً في الوحدة.

غيابها المقلق أرهقه، ارتدى ثيابه المدنية وحمل حقيبته، في جيبه إذن المغادرة وفي روحه خوف من مجهول يتربص به.

هي الوضوح فكيف ترضى أن ترميه أياماً طويلة في غموض الغياب.

صفحة 9

هي عائلته بعد أن تخلت العائلة عنه لأنه اختار الارتباط بامرأة من طائفة أخرى.

شذّ عن السرب.. لا مصالحات بين الطيور حين يتعلق الأمر بطائفة السماء ودرجات الأزرق في اللوحة الغبية لشجرة جذرها مقدس، وأغصانها رجال بائسون بأسماء طهورة.

(لا أحب هذه الشجرة.. لا وجود لاسم أمي فيها) الاعتراض الطفولي الذي دفع ثمنه علقة ساخنة جعلته يكره الطيور في أسرابها، والأشجار الملعونة بلا أقدام، ليصل بشكل بديهي إلى عشقها الممنوع، مستمتعاً باقتطاع اسمه من العائلة ورميه في سلة المهملات.

تهرّب من الجيش، ولأنها رفضت سفره خارج الوطن اضطر للالتحاق به بعمر الخامسة والثلاثين، لتأتي الحرب مجمدة أحلام العسكر بالحرية والانعتاق.

يتسرب الماء من شقوق الروح فتعطب الصور، أي ماء تسرب لروحها فأعطب صور ذكرياتهما؟، تغيرت واصفر ما بينهما من بوح. ريح ما عصفت بغرسة التين وأمالت أغصانها عنه.

بردت نارها.

صفحة 10

وهو يوقد حطباً ويصغي إلى نهاية حديثها الطويل في صالة بيتهما الباردة، قال إنه غير موافق على ما اقترحته من انشقاقه عن الجيش، ما من ضمانات بأن الثورة لم تدنس بالطائفية، لكنه يعدها بأنه لن يشارك في هذه الحرب.

- «سأبقى كاتباً، الكلمة حيلة الحياة لإبقائي على قيدها في حمى القتل التي تجتاح الوطن». أعلن منهياً حديثاً شائكاً ومفتتحاً الطريق لفكرة فراق نضجت في غيابه.

بعد أن أمضى عشرة أيام يحاول الاتصال بها دون جدوى، نفد صبره وأوشك على الهرب، اعتقال سليم وأصحابه جعل دوره في الإجازة أقرب، يا للسخرية!

يا لخبث الفكرة!

طردها مستحضراً ضحكة صديقه شاعراً بالوخز الحاد في فراغ القلب حيث يوجد الأصدقاء عادة.

حمص، حمص، ناجى مدينته.

للشوارع ندوب واضحة، متاريس وحواجز جديدة.

دخان ورائحة وقود محترق.